الرئيسية / المقالات / فتوى في الحاجة والربا

فتوى في الحاجة والربا

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله الذي أنزل الكتاب مفصلاً, وبيّن به الحق وأعلاه, وأشهد أن محمداّ عبد الله ورسوله, عليه الصلاة والسلام وعلى أصحابه وكل من والاه, وبعد:
فقد بعث إلي أحد الأحبة من الجزائر, بفتوى لفضيلة الشيخ الكبير محمد فركوس, حفظه الله تعالى ورعاه ونفع به, ولست ممن يعقب على أمثال الشيخ, ولكن من باب الاستجابة لطلب أخينا الحبيب, ومن باب الإدلاء بالدلو, عسانا نكتب ما يوضح المسألة من جانب آخر, غير الذي ذكره فضيلة الشيخ الكبير.
ومجمل السؤال والجواب:
قروض من بنوك بفائدة تناقصت كثيراً, من أجل شراء آلات عمل, ثم قامت الدولة في الجزائر بتحمل الفائدة, بحيث يأخذ الشاب القرض ويسده كما هو, وكان الجواب من فضيلة الشيخ بالتحريم في كلا الصورتين, سواء أسدّ الشاب الفائدة الربوية, أم تحملتها الدولة.
قلت: وقبل مباشرة الجواب أقدم بهذه المقدمة:
من المعلوم أن الحكم فرع عن تصور المسألة, وصورة المسألة عندي تحتمل أمرين:
الأول: أن يكون العقد واحداً بين البنوك والشباب, لكن تتبرع الدولة عن الشباب بدفع الفائدة الربوية.
الثاني: أن تكون المعاملة قائمة على عقدين مستقلين عقد مع الشباب بلا ربا, وعقد مع الدولة تتحمل فيه الربا.
إن الربا ينقسم إلى ربا وسائل (ربا الفضل والصرف والدين واليد), وربا المقاصد (ربا النسيئة), والأول هو الفائدة البسيطة في البنوك, والثاني الفائدة المركبة.
والفائدة من هذا: أن الأول يجوز للحاجة, والثاني يجوز للضرورة, وهذا بلا خلاف أعلمه, ودليله الحديث في صحيح مسلم في الرخصة في العرايا.
أن الربا منه ما هو متفق عليه في الأعيان, كما هو في الذهب والفضة, ومنه ما هو مختلف فيه, كما هو في الفلوس والورق النقدي ونحوها, أي أنه لا يكون في غير النقدين -الذهب والفضة- إما للقول بقصور العلة وأنها غير متعدية أصالة, كما هو مذهب الإمام الشافعي ورواية عن الإمام أحمد, أو لعدم التعليل أصالة, إما للاضطراب في التعليل كما هو مذهب ابن عقيل الحنبلي ومن تبعه, أو لعدم القول بالقياس كما هو مذهب الظاهرية جميعاً.
من الفقهاء المعاصرين, وفي المجامع الفقهية, من قال بالتعليل والنقل, لكن أسقطوا الحكم لعموم البلوى -عندهم- وعليه فلا يجري ربا الفضل عندهم فتكون البنوك ومن عاملها غير مآخَذِين.
ضرورة النظر بعين الرحمة, وأن الحاجة متحققة للجميع في هذا الزمان: ولعل الإسعاف يكون بذلك – أرحم من أن يعيش الشباب على هامش الحياة, ثم يؤدي بهم الحرمان أو الإجبار إلى المحرمات المتفق عليها من السرقة ونحوها- أو يسيرون إلى التطرف, للشعور بعدم تحقيق العدالة الاجتماعية في توزيع الثروة, فنقع في الأمر الأخير باتفاق, وعندها تصير المسألة في الأخذ والرد مسألة ورع لا مسألة حلال وحرام.
وعليه فأقول أيضاً:
هل يمكن للحرام في حق المعين, أن ينقلب إلى حلال بطريق ما؟
أضرب على ذلك مثلين فقط:
الأول: حين جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم, فوجد طعاماً قدم لبريرة صدقة -والصدقة لا تحل لرسول الله صلى الله عليه وسلم-, فقال عليه الصلاة والسلام: هو لها صدقة ولنا هدية, وأكل منه صلى الله عليه وسلم.
وهذا عند الفقهاء, من باب جواز إقامة النفس كوكيل عن الآخر في التصرف, فكان النبي صلى الله عليه وسلم وكيلاً عن بريرة في قلب الحكم من كونه صدقة لبريرة -مع أنها مولاة لعائشة, وابن أخت القوم منهم, والمولى منهم- ويجري عليه حكم سيده, لكن خرجت بريرة عن ذلك لعلة ما, وصارت صدقتها هدية لرسول الله صلى الله عليه وسلم, والهدية له مباحة.
الثاني: أن أهل الذمة قدموا في جزيتهم خمراً, فسئل عمر فقال رضي الله عنه: ولّوهم بيعها ففعلوا.
والخمر مما هو متفق على تحريمها وتحريم بيعها, والشيء إذا حرم أكله أو شربه, حرم أكل ثمنه, لكنه جاز لأن البيع حصل من صحيح التصرف, وهو أهل الذمة, وقد كانوا يرون حِلَّ ذلك.
وعليه فأقول:
إن كان العقد القائم هو عقد واحد والدولة متبرعة عن المدين, فلا يجوز ذلك ابتداءاً, لكن إذا تحققت الحاجة, سقط الحكم هذا عند من يرى جريان الربا في غير النقدين, وهم الجمهور, وأما عند غيرهم, فالعقد لا بأس به من أساسه, لأنه ليس عقداً ربوياً أصلا, وهو مذهب الشافعية والظاهرية ورواية عن أحمد.
وأما إن كان عقدين منفصلين, فالقول فيه بالجواز, خصوصاً إذا كانت الدولة ترى ألا ربا في المعاملة أصالةً, على طريقة: ولّوهم بيعها.
والذي أراه والله أعلم, سواء أكان عقداً أم عقدين, جواز ذلك للحاجة –وهي حاصلة- وإن كان عقدين منفصلين جاز لحاجة وغير حاجة والله أعلم وأحكم ونسبة العلم إليه أسلم.
قلت: فصلت القول بكيفية مأخذه, ليصبح الناس على بصيرة في أصول المسائل, وليكون الوصول للحكم أيسر, خصوصاً أننا نعيش مشاكل اجتماعية ضخمة, أباحت ما هو أشد مما نحن فيه تحريماً, والنظر ضروري جداً في مقاصد الأحكام والوقائع ومآلاتها, إذ فصلها عن ذلك حرج بذاته, والله عز وجل قال: (ما جعل عليكم في الدين من حرج), وقال عليه الصلاة والسلام: “يسرا ولا تعسرا …” وهذا في الأحكام مطلقاً, وقال سفيان الثوري:
“انما العلم الرخصة من ثقة، اما التشديد فيحسنه كل الناس”, وقال ابن تيمية: “الفقيه من عرف خير الخيرين وشر الشرين”.
ولذا فقد أكثر العلماء كابن القيم والشاطبي وغيرهم, أن من أراد أن يحكم فلا بد أن يعرف الشرع والواقع, لا أن يعرف شيئاً دون شيء, وواقع الشباب في الحضيض, ففتح قنوات ونوافذ رخص الشرع لهم, إعانة لهم على التقوى, وبلوغ الأمل وليس ذلك تمييع الدين, لأن ما ذكرناه على الأقل مذهب لفقيه الأمة الإمام الشافعي, وقد اتفق أهل العلم أنه لا توجد مسألة شاذة في مذاهب الأئمة الأربعة.
أكتفي بهذا القدر مما فتح الله تعالى علينا.
وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

د. سميــــر مــــراد
الخميس 25/4/1437 هـ
الموافق 5/2/2016 م
304 مجموع المشاهدات 2 مشاهدات اليوم

شاهد أيضاً

يوم_الأم وحكم الاحتفال به

يوم_الأم وحكم الاحتفال به    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وبعد: فقد كثرت مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.