الرئيسية / الكتب / وسطية شيخ الإسلام ابن تيمية

وسطية شيخ الإسلام ابن تيمية

وسطية شيخ الإسلام ابن تيمية
أضواء على فتاوى ابن تيمية

تحميل الكتاب

سمير مراد

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وأشهد الا إله الا الله، وأن محمداً عبده ورسوله وبعد: فأن من أنفع ما يقدم للناس، ما ينفعهم في دينهم ودنياهم، خصوصاً إذا كان ما يقدم لهم، قائماً على فهم صحيح دقيق، لا مجاملة فيه ولا مخادعة، لا غلو ولا تقصير، إذ سمة العدل في القول والعمل، صفة هذه الأمة، التي تتمثل خطى رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، وخير من يمثلها هم ورثة رسول الله- صلى الله عليه وسلم-؛ العلماء، ومما لا شك فيه أن ابن تيمية كان من فحول علماء هذه الأمة، الأمر الذي جعل الكثيرين يدرسون آراءه، ويستقون منها ليطبقوها واقعاً وعملاً، وهو أهل لذلك، وقد عرف عن شيخ الإسلام سعة علمه واطلاعه، الأمر الذي جعل لقوله ورأيه قبولاً، خصوصاً أنه يمتاز بالموضوعية والحياد فيما يطرح من آراء، هذا وأني سأتناول جزءاً من كلامه، حول موضوع مهم جداً، ألا وهو:” الجهاد “، ومن المعلوم أن من أراد أن يخرج برأي صواب لعالم كثر كلامه وتفرق، فله في ذلك أحد طريقين:
الأول: أن ينظر فيه إن كان مجملاً أو عاماً أو مطلقاً، فلا بد وأن يكون له كلام آخر، يبين ما أجمل، ويخصص ما عمم، ويقيد ما أطلق، فلا يحل الأخذ بقوله دون حمله .
الثاني: أن تكون المسألة أو الموضوع، له حيثيات متعددة، لكثرة تعلقاته، فعندها لا بد من بحث كل ما تناوله العالم، وجمعه في مكان واحد، ثم استقراؤه بما يدل عليه كلامه منطوقاً أو مفهوماً، ثم يذكر رأيه فيما بعد.
ومسألتنا من النوع الثاني، الذي نحتاج لأجل الوصول إلى رأي الشيخ ابن تيمية، لنبرز اعتداله فيما نحن بصدده، هي من النوع الثاني، ولذا فأني سأشير بإجمالٍ إلى الموضوعات التي سأتناولها مما يبين رأي الشيخ، ثم أدلل على ذلك من كلامه في كتبه – رحمه الله تعالى -، والله الموفق، وهذه الموضوعات هي :
تعريف الجهاد .
مقاصده وغايته .
مراحل تشريعه .
شروط تحقق القيام به .
المصلحة والمفسدة وأثرها في حكم الجهاد .
الصلح مع الكفار .
وفيما يلي التفصيل والله الموفق.

الأحد: 6/5/1432
10/4/2011

تعريف الجهاد:
الجهاد: أصله من الجهد، بفتح الجيم وضمها، الطاقة.
والجهاد: الأرض المستوية، وقيل الغليظة، وقال أبو عمرو: الأرض الجدبة، والجهاد: المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان أو ما أطاق من شيء. ا.هـ اللسان: جهد، 3/133
قلت: ومن أصل هذه المادة، صاغ الفقهاء عبارتهم في تعريف الجهاد، ومنهم ابن تيمية – رحمه الله تعالى – فقال: “والجهاد: هو بذل الوسع، وهو القدرة في حصول محبوب الحق، ودفع ما يكرهه الحق” ا.هـ مجموع الفتاوى 10/192
لأن الجهاد حقيقة الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح، ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان ” ا.هـ مجموع الفتاوى 10/191
وقال :”والجهاد ينقسم أقساماً ثلاثة: أحدها: الدعاء إلى الله تعالى باللسان.
والثاني: الجهاد عند الحرب بالرأي والتدبير.والثالث:الجهاد باليد في الطعن والضرب،……….،القسم الثالث، وهو الطعن والضرب والمبارزة، فوجدناه أقل مراتب الجهاد ببرهان ضروري، وهو أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم- لا شك عند كل مسلم في أنه المخصوص بكل فضيلة، فوجدنا جهاده – صلى الله عليه وسلم – إنما كان في أكثر أعماله وأحواله بالقسمين الأوّلين من الدعاء إلى الله عز وجل والتدبير والإرادة، وكان أقل عمله الطعن والضرب والمبارزة، لا عن جبن، بل كان أشجع أهل الأرض قاطبة نفساً ويداً، وأتمهم نجدة، ولكنه كان يؤثر الأفضل فالأفضل من الأعمال، فيقدّمه ويشتغل به”. ا.هـ منهاج السنة النبوية 8/88،87.

مقاصده وغايته:
لكل ما شرعه الله تعالى من أوامر ونواهٍ، مقاصد وحكم، لأجلها كان التشريع، وحتى تكون هذه المقاصد والحكم والعلل، ضابطاً في ثبوت الحكم أو انتفائه، ومن هذه التشريعات التي قصد منها أمور عظيمة، الجهاد في سبيل الله تعالى، وفي هذا يقول ابن تيمية – رحمه الله تعالى -:
” وإذا كان أصل القتال المشروع هو الجهاد، ومقصوده هو أن يكون الدين كله لله، أن تكون كلمة الله هي العليا، ……….، وذلك أن الله تعالى أباح من قتل النفوس ما يُحتاج إليه في صلاح الخلق، كما قال تعالى:(والفتنة أكبر من القتل)، أي أن القتل وإن كان فيه شر وفساد ففي فتنة الكفار من الشر والفساد ما هو أكبر” ا.هـ مجموع الفتاوى 28/354
وقال:” والجهاد مقصودة أن تكون كلمة الله هي العليا، وأن يكون الدين كله لله، فمقصوده إقامة دين الله، لا استيفاء الرجل حظه” ا,هـ مجموع الفتاوى 15/170
قلت: وعلى هذا فيكون مقصود الجهاد في سبيل الله تعالى تحقيق مصلحة التوحيد لله تعالى في العبادة، ودفع فتنة الكفر عن الناس، أو حصرها في صاحبها فلا تتعدى إلى غيره، إذ بذلك تبقى مفسدته على نفسه فلا يضر غيره، ولهذا قال – رحمه الله- :” من المعلوم أن القتال إنما شرع للضرورة، ولو أن الناس آمنوا بالبرهان والآيات لما احتيج للقتال، فبيان آيات الإسلام وبراهينه واجبٌ مطلقاً وجوباً أصلياً، وأما الجهاد فمشروع للضرورة” ا.هـ الجواب الصحيح 1/238.

مراحل تشريع الجهاد:
من الأحكام التكليفية، ما شرع على دفعات، ينتقل الشرع بالناس من حال إلى حال، كتحريم الخمر مثلاً، وكعقوبة مرتكب الفاحشة، ومن هذا النوع عند ابن تيمية، الجهاد في سبيل الله، إذ لم تشرع مجاهدة الكفار أول الإسلام، حتى إذا وصل المسلمون إلى حال يؤهلهم من ممارسة هذه الشعيرة، انتقل الإسلام بهم إلى مواجهة أهل الكفر .
يقول ابن تيمية – رحمه الله تعالى – :
“ولأن الله لما بعث نبيه، وأمره بدعوة الخلق إلى دينه، لم يأذن له في قتل أحد على ذلك ولا قتاله، حتى هاجر إلى المدينة، فأذن له وللمسلمين بقوله:( أذن للذين يقاتلون بأنهم ظلموا وإن الله على نصرهم لقدير، الذين أخرجوا من ديارهم وأموالهم بغير حق إلا أن يقولوا ربنا الله، ولولا دفع الناس بعضهم ببعض لهدمت صوامع وبيع وصلوات ومساجد يذكر فيها اسم الله كثيراً، ولينصرن الله من ينصره إن الله لقوي عزيز، الذين إن مكناهم في الأرض أقاموا الصلاة وآتوا الزكاة وأمروا بالمعروف ونهوْا عن المنكر ولله عاقبة الأمور)، ثم إنه أوجب عليهم القتال بقوله تعالى:(كتب عليكم القتال وهو كره لكم، وعسى أن تكرهوا شيئاً وهو خير لكم، وعسى أن تحبوا شيئاً وهو شر لكم، والله يعلم وأنتم لا تعلمون). ا.هـ مجموع الفتاوى 28/349
وقال – رحمه الله تعالى – :
” كان النبي – صلى الله عليه وسلم – في أول الأمر مأموراً أن يجاهد الكفار لا بيده، فيدعوهم ويعظهم، ويجادلهم بالتي هي أحسن، وكان مأموراً بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك، ثم لما هاجر إلى المدينة صار له بها أعوان أذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال ، ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم، لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار، فلما فتح الله مكة ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام، أمره الله بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت، وأمره بنبذ العهود المطلقة” ا.هـ الجواب الصحيح 1/227
وسنعرف بعد أن هذا كله مرتبط ومنضبط بالمصالح والمفاسد، لأن الجهاد من ذلك الباب.
قلت: ويتفرع عن هذا مسألة مهمة، وهي:
هل القتال للكفر وحده، أم لا بد معه من الصد والمقاتلة؟
يقول ابن تيمية- رحمه الله تعالى – :” وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة، كالنساء والصبيان والراهب، والشيخ الكبير، والأعمى، والزمِن ونحوهم، فلا يقتل عند جمهور العلماء، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر، إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين، والأول هو الصواب، لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار ديننا، كما قال تعالى:( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) ا.هـ مجموع الفتاوى 28/354
قلت: وعليه: فأن قتل من لم يقاتل من الكفار ليس واجباً ولا مطلوباً، إلا إذا باشرنا بالمقاتلة،فنقتله دفعاً لشره، ولذا قال ابن تيمية – رحمه الله تعالى – : ” إن الأصل أن دم الآدمي معصوم لا يقتل إلا بالحق، وليس القتل للكفر من الأمر الذي اتفقت عليه الشرائع ولا العقول” ا.هـ الصارم المسلول ص104

شروط تحقق الجهاد:
ذكرنا أن الجهاد كغيره من التكاليف الشرعية، بل يزيد عليها بأنه يحتاج إلى قدرات بدنية ومادية ومعنوية،تفوق باقي التكاليف، ولذا كان له من الشروط والضوابط ما يصح به التكليف، وذلك أنه لا بد فيه من الاجتماع، فلا بد فيه من رئيس ومرؤوس، إذ بغير ذلك لا يتم، وكذلك لا بد فيه من القدرة التي تمكن المسلمين من تحقيق ما يريدون من الدعوة والنصر أو الشهادة.
ونحن لا نريد أن نتكلم عما هو لا يحتاج إلى كبير كلام، من اشتراط الإسلام والعقل والبلوغ والذكورية والحرية، بل نريد توجيه النظر إلى ما هو مهم وضروري، إذ كاد يفقد صورته وأهميته في هذا العصر:
الأمر الأول: القدرة: ولذا كان هذا من الشروط لوجوب الجهاد عند ابن تيمية – رحمه الله تعالى -، قال – رحمه الله تعالى -:
“إن الله تعالى قد أخبر في غير موضع أنه لا يكلف نفساً إلا وسعها كقوله: ( لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)………..، وأمر بتقواه بقدر الاستطاعة، فقال:( فاتقوا الله ما استطعتم) ا.هـ مجموع الفتاوى 19/216
وقال:” وبالجملة لا خلاف بين المسلمين أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة، لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها، بل الوجوب بحسب الإمكان، وكذلك ما لم يعلم حكمه” ا.هـ مجموع الفتاوى 19/225
وقال:” الأمر والنهي الذي يسميه بعض العلماء التكليف الشرعي، هو مشروط بالممكن من العلم والقدرة، فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل، ولا تجب على من يعجز كالأعمى والأعرج والمريض في الجهاد، وكما لا تجب الطهارة بالماء، والصلاة قائماً، والصوم وغير ذلك على من يعجز عنه” ا.هـ مجموع الفتاوى 10/344
هذا وإن ابن تيمية يؤكد على بقاء المرحلية والتدرج في التكاليف، وأنها سنة باقية إلى يوم الدين، يقول – رحمه الله تعالى – :
” فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما، كان بيانه لما جاء به الرسول شيئاً فشيئاً، بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئاً فشيئاً، ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع، فكذلك المجدد والمحيي لسنته، لا يبلغ إلا ما أمكن عمله والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها، وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فأنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً عليه للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت الإمكان، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط، فتدبر هذا الأصل فأنه نافع” ا.هـ 20/59،60
قلت: وبما سبق بيانه من أن الجهاد مرحلي، وأن القدرة شرط في تحصيل التكاليف، وأنها لا تجب مع عدم الإمكان، تبين أن الجهاد يسقط وجوبه عند عدم التمكن منه إما لضعف في العلم والعمل، وإما لضعف في الإعداد لكن يجب الإعداد ما أمكن .
قال ابن تيمية:” وكما يجب الاستعداد للجهاد، بإعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز، فأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب” ا.هـ مجموع الفتاوى 28/259

الأمر الثاني: إذن ولي الأمر
ولي الأمر مصطلح شرعي أصيل، بات كثير من الناس يستحيون من ذكره ومذاكرته، وحتى ندلك على بقائه وعدم انتهائه قبل الخوض في أصل المسألة، فأنا أبين أن تعدد الحكام والأئمة لا ينفي عنهم هذه الصفة قط، بل إنه يثبت لكل واحد منهم، ما يثبت للإمام العام، يقول ابن تيمية – رحمه الله تعالى -:
” والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد، والباقون نوابه، فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها أو عجز من الباقين أو غير ذلك، فكان لها عدة أئمة، لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود، ويستوفي الحقوق” ا.هـ مجموع الفتاوى 34/175
قلت: فمن كان له إقامة الحدود، واستيفاء الحقوق، فلا شك أن له حق الولاية والطاعة على الرعية، إذ لولا ولايته ما كان له حق التصرف على الرعية، نعم؛ لم أجد نصاً صريحاً لابن تيمية في استئذان الولي، لكن يمكن أن يقاس بالأدنى على الأعلى، حيث اشترط إذن الوالدين، فمن باب أولى إذن الولي، لأن مصلحة العامة من الأمة، أولى من مصلحة الوالدين، لأنها مصلحة قاصرة.
يقول ابن تيمية:
” فأذا أراد العدو الهجوم على المسلمين،……..، ويجب النفير إليه- قلت: أي العدو- بغير إذن الوالد ولا الغريم” ا.هـ الاختيارات الفقهية ص311
قلت: والمفهوم المخالف: إن لم يكن من ذلك شيء، أي: كان جهاد طلب: وجب إذن الوالدين، والولي من باب أولى.

تعلق الجهاد بالمصلحة والمفسدة:
كل عبادة شرعها الله تعالى، إما لجلب مصلحة، أو لدفع مفسدة، وأحياناً تتقاطع الأمور وتتعارض، فقد تعارض مفسدةٌ مصلحة، والعكس، فعندها لابد للفقيه من توجيه الأحكام لتحقيق المصلحة، التي قد تكون بدفع مفسدة، بل قد تكون بدفع مفسدة كبرى بأخرى أصغر منها، وهذه قاعدة المصالح، يقول ابن تيمية – رحمه الله تعالى – :
” وقد تكلمت على قتال الأئمة في غير هذا الموضع، وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة، فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فأنه يجب ترجيح الراجح منها،…….، فأن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فأن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته” ا.هـ مجموع الفتاوى 28/129
وقال:” ولهذا استقر في عقول الناس أنه عند الجدْب يكون نزول المطر لهم رحمة، وإن كان يتقوى بما ينبته أقوام على ظلمهم، لكن عدمه أشد ضرراً عليهم، ويرجحون وجود السلطان مع ظلمه على عدم السلطان، كما قال بعض العقلاء: ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان” ا.هـ مجموع الفتاوى 20/54
وقال:” فأن مدار الشريعة على قوله تعالى:(فاتقوا الله ما استطعتم) المفسر لقوله:(اتقوا الله حق تقاته) وعلى قول النبي:” إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم” أخرجاه في الصحيحين، وعلى أن الواجب: تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فأذا تعارضت، كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع” ا.هـ مجموع الفتاوى 28/283
وقال – رحمه الله تعالى -:” فلهذا يجب على كل ولي أمر أن يستعين بأهل الصدق والعدل، وإذا تضرر ذلك استعان بالأمثل فالأمثل، وإن كان فيه كذب وظلم، فأن الله يؤيد هذا الدين بالرجل الفاجر، وبأقوام لا خلاق لهم،……….، فالواجب إنما هو الأرضى من الموجود،والغالب أنه لا يوجد كامل، فيفعل خير الخيرين، ويدفع شر الشرين” ا.هـ مجموع الفتاوى 28/67
قلت: فمن لم يكن من أهل الخبرة بالشرع والواقع، كان صعباً عليه أن يقدر المصالح والمفاسد، فضلاً عن أن يكون ذا قدرة في تقديم شيء على آخر منها، ولذا قالوا:” ليس الفقيه من عرف الخير من الشر، ولكن الفقيه من عرف خير الخيرين وشر الشرين”.

الصلح مع الكفار:
ليس من المعقول بقاء الحروب بين الناس، بل لا بد من فترات استراحة تتخللها، وقد تكون عن صلح بيتهم، ولذا كان لهذا الصلح أحكام عند المسلمين، يتعاملون بها مع الكفار حين الحاجة إليها،يقول ابن تيمية تعليقاً على حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم -:” إن ابني هذا سيد – قلت: يعني الحسن- وإن الله سيصلح به بين فئتين عظيمتين من المسلمين” قال:”وهذا الحديث يدل على أن ما فعله الحسن من ترك القتال على الإمامة، وقصد الإصلاح بين المسلمين كان محبوباً، يحبه الله ورسوله، ولم يكن ذلك مصيبة، بل كان ذلك أحب إلى الله ورسوله من اقتتال المسلمين، ولهذا أحبه الله وأحب أسامة بن زيد ودعا لهما، فأن كلامهما كان يكره القتال في الفتنة” ا.هـ منهاج السنة 4/40
قلت: وهذا يحمل عليه ما يشاركه في المصلحة ولو كان مع الكفار، ويؤيده حديث رسول الله – صلى الله عليه وسلم – عند أبي داوود في مصالحة الروم، وكذلك صلح الحديبية، فقال ابن تيمية:” وصالح المشركين صلح الحديبية المشهور، وبذلك الصلح حصل من الفتح ما لا يعلمه إلا الله؛ مع أنه قد كان كرهه خلق من المسلمين؛ ولم يعلموا ما فيه من حسن العاقبة حتى قال سهل بن حنيف: أيها الناس! اتهموا الرأي، فقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – أمره لرددت” ا.هـ مجموع الفتاوى 35/60.
ومما أفاده الإمام ابن القيم وهو خير من ترجم عن شيخ الإسلام قوله حيث قال:” جواز ابتداء الإمام بطلب صلح العدو إذا رأى المصلحة للمسلمين فيه، ولا يتوقف ذلك على أن يكون ابتداء الطلب منهم” ا.هـ زاد المعاد 3/304.

مهمة في تلخيص ابن القيم كلام شيخه على ما تقوم عليه السياسة الشرعية

قال ابن القيم- رحمه الله-:” وقال ابن عقيل في الفنون: جرى في جواز العمل في السلطنة بالسياسة الشرعية: أنه هو الحزم. ولا يخلو من القول به إمام،فقال شافعي: لا سياسة إلا ما وافق الشرع.فقال ابن عقيل: والسياسة ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول، ولا نزل به وحيٌ . فإن أردت بقولك” إلا ما وافق الشرع” أي لم يخالف ما نطق به الشرع: فصحيح. وإن أردت: لا سياسة إلا ما نطق به الشرع: فغلط، وتغليط للصحابة، فقد جرى من الخلفاء الراشدين من القتل والتمثيل ما لا يجحده عالم بالسنن، ولو لم يكن إلا تحريق عثمان المصاحف، فإنه كان رأياً اعتمدوا فيه على مصلحة الأمة، وتحريق عليّ – رضي الله عنه – الزنادقة في الأخاديد فقال:
لما رأيت الأمر أمراً منكراً أجّجتُ ناري ودعوت قُنْبرا
ونفي عمر بن الخطاب – رضي الله عنه – لنصر بن حجاج ا.هـ
وهذا موضع مزلَّة أقدام، ومضلَّة أفهام، وهو مقام ضنك،ومعترك صعب،فرط فيه طائفة، فعطلوا الحدود، وضيعوا الحقوق، وجرَّأوا أهل الفجور على الفساد، وجعلوا الشريعة قاصرة لا تقوم بمصالح العباد، محتاجة إلى غيرها.
وسدوا على نفوسهم طرقاً صحيحة من طرق معرفة الحق والتنفيذ له، وعطلوها، مع علمهم وعلم غيرها قطعاً: أنها حق مطابق الواقع، ظنَّاً منهم منافاتها لقواعد الشرع، ولعمر الله إنها لم تناف ما جاء به الرسول، وإن نفتْ ما فهموه هم من شريعته باجتهادهم، والذي أوجب لهم ذلك: نوع تقصير في معرفة الشريعة وتقصير في معرفة الواقع، وتنزيل أحدهما على الآخر.
فلما رأى ولاة الأمور ذلك ، وأن الناس لا يستقيم لهم أمر إلا بأمر وراء ما فهمه هؤلاء من الشريعة أحدثوا من أوضاع سياستهم شرَّاً طويلاً، وفساداً عريضاً، فتفاقم الأمر، وتعذر استدراكه، وعزَّ على العالمين بحقائق الشرع تخليص النفوس من ذلك، واستنقاذها من تلك المهالك.
وافرطت طائفة أخرى قابلت هذه الطائفة فسوغت من ذلك ما ينافي حكم الله ورسوله، وكلا الطائفتين أُتيت من تقصيرها في معرفة ما بعث الله به رسوله، وأنزل به كتابه، فإن الله سبحانه أرسل رسله وأنزل كتبه ليقوم الناس بالقسط، وهو العدل الذي قامت به الأرض والسماوات، فإن ظهرت أمارات العدل، وأسفر وجهه بأي طريق كان: فثم شرع الله ودينه، والله سبحانه أعلم وأحكم، وأعدل أن يخص طرق العدل وأماراته وأعلامه بشيء، ثم ينفي ما هو أظهر منها وأقوى دلالة، وأبين أمارة: فلا يجعله منها، ولا يحكم عند وجودها وقيامها بموجبها، بل قد بين سبحانه بما شرعه من الطرق: أن مقصوده إقامة العدل بين عباده، وقيام الناس بالقسط: فأي طريق استخرج بها العدل والقسط فهي من الدين، ليست مخالفة له.
فلا يقال: إن السياسة العادلة مخالفة لما نطق به الشرع، بل هي موافقة لما جاء به، بل هي جزء من أجزائه، ونحن نسميها سياسة تبعاً لمصطلحكم، وإنما هي عدل الله ورسوله ظهر بهذه الأمارات والعلامات”. ا.هـ الطرق الحكمية ص13

الخاتمة:
قلت: ومن خلال ما ذكرته عن ابن تيمية، – فضلاً عن كونه يوضح أحوال الأحكام وأنها تختلف حسب الظروف والأشخاص- فأنه لا يحق لأحد أن يطبق بعض فتاوى ابن تيمية على واقعنا، ملزماً بها الناس في هذا الزمان، مع أن ظروف الأمة وأحوالها – حملاً على قواعد الشرع- تختلف تمام الاختلاف عن زمانه، وعليه فلا يجوز تطبيق تلك الأحكام لتغير ظروف وأحوال الناس، والله أعلم.

وصلى الله على سيدنا محمد

كتبه/ سمير مراد

شاهد أيضاً

كتاب درج الوصول لورثة الرسول صلى الله عليه وسلم

تحميل الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *