الرئيسية / المقالات / نقض #البيعة بدعوى اقتصادية

نقض #البيعة بدعوى اقتصادية

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله تعالى جعل المواثيق، وغلّظ فيها دفعاً للمفاسد، قال تعالى: (أوفوا بالعهود) وقال عز وجل: (وأخذن منكم ميثاقاً غليظاً) وقال سبحانه: (ومن نكث فإنما ينكث على نفسه) بعد قوله: (إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم)، وقال عليه الصلاة والسلام: “من مات وليس في عنقه بيعة مات ميتة جاهلية” وقال: “أدوا الذي عليكم وسلوا الله الذي لكم” في نهيه عن نقض البيعة.
وأحببت أن أسلط الضوء على حديث شريف عظيم، فيه سمة مؤكدة لما ذكرته، محذرة من ضده، يقول فيه عليه الصلاة والسلام: “الصلاة المكتوبة إلى الصلاة التي بعدها كفارة لما بينهما،…، إلا من ثلاث،…، إلا من الإشراك بالله، ونكث الصفقة، وترك،…، #السنة، قال: قلت: يا رسول الله، أما الإشراك بالله فقد عرفناه، فما نكث الصفقة؟ قال: فأن تبايع رجلاً ثم تخالف إليه تقاتله بسيفك، وأما ترك السنة، فالخروج من الجماعة” رواه الإمام أحمد رحمه الله تعالى.
قلت: وهذه النصوص مجتمعة، وغيرها كثير كثير في فضل البيعة لولي الأمر وفضل الثبات عليها، بل وفضل الذود عنها وحمايتها، ولو حال الخطأ، كون ثبوت حكم البيعة خير من النقض، لما في النقض من جر ويلات وويلات على الناس عموما، لكنني سأسلط النظر من بين هذه النصوص، على النص الأخير أعني الحديث الذي رواه الإمام أحمد، بل وأسلط النظر على تلك اللفظة دون غيرها: “نكث الصفقة” الذي يعني: الخروج على #الحاكم.
من المعلوم، أن #الخروج الذي هو نتيجة النكث، لا يكون بلا سبب، لكن: لا يلزم من ادعاء السبب كونه صحيحاً، ولا من كونه صحيحاً إباحة الخروج فضلاً عن لزومه، لأن الخروج يجب أن يكون لكفر من الحاكم لا شك فيه عند أرباب العلم، لا بدعوى #الأحزاب و #التنظيمات أو #التكفيريين و #المتطرفين، الذين يتصيدون الأخطاء للانقضاض على الحكم، وألا ينتج عن الخروج مع شرطه مفاسد لا قبل للأمة بها، وعليه فما نراه يوماً بعد يوم، هو من #الباطل والوهم، لا من الحقيقة في شيء.
ونحن حين نريد التنظير في ذلك، لا بد من رعاية الحق القائم على تحقيق #المصالح ودفع #المفاسد.
وحين ندرك أن صنوف الداعين للمعارضة أو الخروج أو “نكث الصفقة”، إما أن يكونوا:
1- أدعياء حق، لكن التمسوا وسائل خطأ، وهم ندرة وقلة يغلب عليهم الجهل، كما كان من حركات قديمة، غلب عليهم معرفة رواية النص دون فهمه، ما أنتج #غلاة في التدين والتعبد، ما جعلهم يظنون أنهم بذلك أصحاب حق، وأصحاب طريق سوي في #التغيير، ولا يزال لهؤلاء امتداد إلى يومنا هذا.
2- أصحاب برامج (أجندات) وانتماءات خارجية غير وطنية، لتحقيق مآرب وأهداف يغلب عليها النفعية المادية بدعوى نصرة الدين.
3- أصحاب مفاهيم خطأ أو خاطئة، يريدون تطبيق هذه المفاهيم على واقع مغلوط.
4- أصحاب #مؤامرات ضد الدين و #الوطن، لإسقاط الأنظمة المعتدلة، وإحلال #التطرف محلها.
5- أصحاب نظرة سوداوية، من خلالها قاموا بتجهيز محكم، لإثارة المآخذ ضد الحكم، إما لإحداث الفوضى، وإما لإسقاط الحكم.
وكل هذه النماذج، لا يعشعش في أفئدتها، إلا كما تعشعش الأفعى في أعشاش الطيور، ولا شيء في الحقيقة سوى المال، بل والمال وحده، وإن اتخذوا وسائل متعددة للوصول لذلك، كدعوى تكفير الحاكم، أو خيانته، أو استئثاره بالمال دون غيره من المسلمين.
وإن مما يزيد في ذلك، فضلاً عما ذكرته قبل قليل، قضايا خطيرة منها:
1- البطر الذي يعيشه البعض، فيحاول زعزعة المجتمع، فيثير أنماطاً من #المخالفات في نظره، ويريد حمل #الناس عليها، بحجة: #الجوع والشبع، ومما يساعده على ذلك.
2- عدم أهلية المجتمع للقدرة على صد أفكاره، ذلك أن مجتمعاتنا خليط من:
• الثقافات وأخص منها الثقافات الثورية المتطرفة.
• الأخلاق غير السوية والتي همها صب سوء أخلاقها في الناس، وكذلك: فهناك المثقف ونصفه والجاهل، ما يأذن بقبولهم أعني أفراد المجتمع لهذه الثقافات المخالفة للمجتمع والوطن والدين، ولذا: فالتكوين الثقافي الذي نعيشه، عامل قوي لقبول التطرف، لأن الحصانة الدينية والثقافية والأخلاقية، غير كافية وعليه:
– فالمجتمعات مع كل ذلك، أرضية خصبة لنشر هكذا دعايات، ولذا فالمتطرفون يحرصون على إنعاش الطبقية دوماً، لأن بها تجتث الأخوة، وتنشأ العصبية المفرقة بين الناس والمجتمع، وللأسف فالمجتمع دوماً هو كبش الفداء.
– المآزق الإنسانية التي تعيشها مجتمعاتنا، متأثرة بالمحيط القريب والبعيد، ما يؤجج النفوس على حب المعارضة، وقبول أطراف بلا تحفظ.
إن كل ذلك جاء من رجسية مقولة الخوارج: “أدركوا بيت المال، لا تُسبقون إليه”، كلمة لا يزال صداها يصدح ويعلو، حتى يكون آخر آثارها…. مع الدجال.
وعليه: فأن محاصرة هذا الفكر، وهذه الدعاوى، واجب شرعي على كل قادر، ولو بكلمة صالحة، أو بصدقة صغيرة، قبل أن يستفحل الأمر فنقول: ألا ليت وألا ليت، فلنجتمع، ولِنكون حصناً للأمة، فقد زاد هؤلاء، وكثر واشتد خطرهم، وقويت دعوتهم، وذلك نذير سوء، ومن أسباب فتوتهم خَوَرُنا وجبننا عن مواجهتهم، خوفاً من وصمةٍ بأننا: عُبّاد الدنيا، وحَمولة السلطان، مع أن الحقيقة الغائبة، المستورة بدعوى نصرة الدين وحمايته من أهله، هم عباد الدرهم وعباد الحكم، لأن عملهم مرد مصلحته لغير الإسلام والأهل والوطن.
وفي الختام، أسأل الله عز وجل للجميع بالصلاح والتوفيق والسداد، واحذروا من الدعوة من “أدركوا بيت المال” واحذروا من إشاعتها، وتذكروا أنه بسببها كان قتل سيد الناس في وقته عثمان رضي الله عنه، يقول تعالى: (إن الذين يحبون أن تشيع الفاحشة في الذين آمنوا لهم عذاب أليم في الدنيا والآخرة والله يعلم وأنتم لا تعلمون).
والله تعالى أعلم وصلى الله تعالى على نبينا محمد.

الدكتور سمير مراد
23/رجب/1443 الموافق 24/2/2022

شاهد أيضاً

سلسلة في أحكام الإيمان – فضيلة الشيخ الدكتور سمير مراد – المجلس التاسع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.