الرئيسية / المقالات / ميلاد رسولين (محمد وعيسى) عليهما الصلاة والسلام

ميلاد رسولين (محمد وعيسى) عليهما الصلاة والسلام

بسم الله الرحمن الرحيم

ميلاد رسولين (محمد وعيسى) عليهما الصلاة والسلام

الحمد لله رب العالمين، خلق الخلق ليعبدوه ويوحدوه، وصلى الله على من بشرت به الرسل، وبعد:
فإن من أعظم الأحداث وأكثرها بشارة وسعادة على الدنيا وما فيها، بعثة الرسل، وإن من أعظمها منة بعثة رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذي كانت رسالته عنوان المجد والسؤدد والرحمة والتآلف والتسامح.

وكما هو معروف؛ فما من قمة إلا ولها أساس، وما من راية مرفوعة؛ إلا ولها سارية تسمو فوقها، مفاده:
أن الأنبياء لأجل أن يبعثوا، فلا بد لهم من فجر ميلاد ينير التاريخ، ويوقظ البشرية لينقذها، والتوالد سنة الله في خلقه، فمن مواليد تشقى بهم الدنيا كالشيطان، ومنهم من ترقى بهم الدنيا وتسعد كالأنبياء والرسل، وكلِّ مبشر بالخير.

وميلاد رسول الله صلى الله عليه وسلم حدث كوني عظيم، بشر به هرقل عظيم النصارى في وقته، وأضاءت النجوم والدنيا بذلك، ذلك أنه النور – بدعوته وهدايته –الذي أضاء الدنيا، طريقا إلى الآخرة، كميلاد غيره من إخوته الأنبياء عليهم الصلاة والسلام، كموسى وإبراهيم ولوط وصالح ويونس ….الخ، أولئك الرجال الذين صلحت بهم الدنيا.

نعم؛ لست من دعاة الاحتفالات قط، لكن ما دفعني إلى الكتابة بهذا الأسلوب وهذه الطريقة، أن يوم مولد رسول الله محمد عليه الصلاة والسلام قارن يوم مولد المسيح عليه السلام -حسب التأريخ المشتهر- ومن هنا أغتنم الفرصة داعياً –بهذا التقارب في اليومين- إلى التقارب بين المسلمين والمسيحيين، ذلك الأمر الذي عهدناه في السنين التي مضت، من وجود رحمة بين هذين الفريقين، يقول الله تعالى: ((الم غُلِبَتِ الرُّومُ فِي أَدْنَى الْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعِ سِنِينَ لِلَّهِ الْأَمْرُ مِنْ قَبْلُ وَمِنْ بَعْدُ وَيَوْمَئِذٍ يَفْرَحُ الْمُؤْمِنُونَ بِنَصْرِ اللَّهِ)) أي: يفرح المؤمنون بنصر الروم -المسيحيين- على المجوس الفرس، وقد ثبت أن أبا بكر راهن على نصر المسيحيين، وكسب الرهان، وحقاً فرح الصحابة بذلك، لأنهم أقرب إلينا نبوة ورسالة من المجوس، الذين لا نبوة فيهم ولا رسالة.

وقال تعالى: ((لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَدَاوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا ۖ وَلَتَجِدَنَّ أَقْرَبَهُمْ مَوَدَّةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ))، ((وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَىٰ أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الْحَقِّ ۖ يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ))، يقول الإمام الطبري: ” ولتجدن أقرب الناس مودة ومحبة للذين آمنوا، يقول: للذين صدّقوا الله ورسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، ((الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَىٰ ۚ ذَٰلِكَ بِأَنَّ مِنْهُمْ قِسِّيسِينَ وَرُهْبَانًا وَأَنَّهُمْ لَا يَسْتَكْبِرُونَ))عن قبول الحق واتباعه والإذعان به”1.هـ ، وقال ابن كثير: “فالنصارى في الجملة أقرب للإيمان من اليهود والمشركين”1.هـ ، قلت: ولهذا كان النصارى المسيحيون، أقرب للاستجابة لدين الله تعالى، من كونهم يؤمنون برسالة محمد صلى الله عليه وسلم، والواقع يشهد لذلك.

وعليه: فإن الاهتمام بالدعوة لحوار الأديان، وتقليص العداوة وتنمية المحبة، ورفع شأن التعايش الطيب، بين المسلمين والمسيحيين، أمر مطلوب شرعاً، وكون هذه الأيام هي أيام تعظيم لمولد هذين النبيين، فلا بد لأتباعهما، من توسيع وتغذية دوائر الاتفاق، خصوصاً ضد الهجمة الشركية الشرسة على أتباع هذين الرسولين، وعلينا أن ننظر من باب واسع، لا من خَرْق ضيق.

وأنا إِذ أكتب هذا أبين أمراً قد كتبت فيه من قبل، أن التهنئة من المسلم للمسيحي عند الحاجة إليها -والحاجة عندنا داعية إليها واقعاً- فلا بأس بها، ونحن نرى اللحمة الكبيرة بيننا جميعاً فنحن:
* أبناء وطن واحد.
* جيران نتزاور في الأفراح والأتراح.
* بل تقع بيننا المساعدات المالية وغيرها.
* أصدق الدعاة إلى حوار الأديان والحضارات.
* لا تخلو حياتنا معاً من الاجتماعيات الكبيرة.
* بل إن ديننا الحنيف، قد أذن لنا بطعامهم -أي ذبائحهم- والزواج منهم.
* أن كل آية مدحت أهل الكتاب فهي في حق النصارى المسيحيين كما ذكره المفسرون.

وأخيراً:
أذكر إخواني بما يلي:
((رَبَّنَا لاَ تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ)).
((فَبِمَا رَحْمَةٍ مِّنَ اللّهِ لِنتَ لَهُمْ)).
((فَإِن كَذَّبُوكَ فَقُل رَّبُّكُمْ ذُو رَحْمَةٍ وَاسِعَةٍ)).
((وَآتَانِي رَحْمَةً مِنْ عِنْدِهِ)).
((قَالَ وَمَنْ يَقْنَط مِنْ رَحْمَة رَبّه إِلَّا الضَّالُّونَ)).
((وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغَاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوهَا فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُورًا)).
((وَآتَيْنَاهُ أَهْلَهُ وَمِثْلَهُم مَّعَهُمْ رَحْمَةً مِّنْ عِندِنَا)).
((مَا يَفْتَحِ اللَّهُ لِلنَّاسِ مِنْ رَحْمَةٍ فَلَا مُمْسِكَ لَهَا)).
((وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ)).
((وَرَحْمَتِي وَسِعَتْ كُلَّ شَيْءٍ فَسَأَكْتُبُهَا لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ)).

ولذا لو تدبرنا كم مرة تكرر ذكر (الرحمة) في القرآن لكان عجباً، خصوصاً عندما تقترن بالهدى (هدى ورحمة)، ولذا قال عليه الصلاة والسلام: “إنما أنا رحمة مهداة” وقال: “إنما يرحم الله من عباده الرحماء” وقال: “لينوا بأيدي إخوانكم” وقال: “أوَ أملك لك أن نزع الله من قلبك الرحمة” قاله للذي لا يُقَبِّلُ أولاده، وقال: “جعل الله الرحمة ماْئة جزء،……، حتى ترفع الفرس حافرها عن ولدها خشية أن تصيبه” وقال: ” لو يعلم الكافر بكل الذي عند الله من الرحمة لم ييأس من الجنة” وقال: “رحم الله رجلاً سمحاً إذا باع سمحاً إذا اشترى”.

ولما بكى رسول الله صلى الله عليه وسلم على موت ولده إبراهيم قيل له: أتبكي يا رسول الله، قال: “إنها رحمة يجعلها الله في قلوب من يشاء من عباده”.

أَبَعْد كل هذا نترك باب التراحم، في المعاملة مع الخلق، ونصير إلى الشدة والقساوة، إنها لإحدى الكُبر!

نسأل الله عز وجل أن يرزقنا الرحمة والإحسان إلى الخلق، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين.

د. سمير مراد
الثلاثاء
10/3/1437هـ
22/12/2015م

شاهد أيضاً

عمّان – البيان الختامي والتوصيات خرجت بها الندوة الإقليمية الافتراضية (مكافحة “رفض” التكفير إرادة الأمة) – الجمعة 11/11/2022

الحمد لله تعالى الذي جعل الأمة ميزان حق، من فارقها فقد حاد عن الصواب إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.