الرئيسية / المقالات / فتوى في جواز اختلاف المطالع

فتوى في جواز اختلاف المطالع

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله وكفى والصلاة والسلام على رسوله المصطفى أما بعد:

فلا يزال المسلمون من أهل العلم وغيرهم يتحدثون ويتساءلون عن مسائل من دين الله تعالى، ويتجدد الحديث عنها كلما تجددت وكأنها من النوازل، وهذا ليس على الجادة، إذ ليس من شأن العوام التحدث بمثل هذه المسائل، لأن ذلك يضعف ثقتهم بأهل العلم، ويشغل بالهم من جهة أخرى، خصوصاً أن عموم المسائل ليست كما قلت من النوازل التي يحتاج إلى بحثها العلماء ليصلوا إلى جواب يطرح على الناس ليتعبدوا الله تعالى به.

ومن هذه المسائل، ما قد يكون إثارتها سبباً للجدل غير المفيد، بل المؤدي إلى الشقاق والنزاع والفرقة بدعوى الوحدة الإسلامية.

فلا الوحدة حققوا، ولا الخلاف رفعوا، ومثل من يناضل لأجل مثل هذه القضايا فإنما هو ولو بحسن نية مقترف خطأ كبيراً، قد لا يمكن رتقه، وذلك فعل الخوارج عياذاً بالله تعالى.

هذه المسألة هي مسألة صوم الناس في يوم واحد – وهذا ما نتمناه – وفطرهم في يوم واحد، وهي معروفة في كتب الفقه تحت عنوان:هل إذا رأى المسلمون الهلال في بلد صام باقي أهل البلدان بهذه الرؤية؟

وباختصار شديد، فأن من أهل العلم من رأى ذلك، ومنهم من رأى غير ذلك، أي أن لكل أهل بلد صومهم، ولست بصدد سوق أدلة الفريقين عموماً، بل إن لي وقفات مع بعض النقاط التي أراها مهمة، مع أنني أقول بقول الإمام الشافعي ومن وافقه:باختلاف المطالع، هذا هو الصواب والصحيح إن شاء الله تعالى.

الأولى:زعم أن سبب عدم الصيام في يوم واحد إنما هو لعدم وجود الخليفة العام، وصيام الناس اليوم متفرقين لسبب سياسي:

أقول:لا يمكن أبداً أن نجعل الخليفة العام تكأة في كل أمر يهم المسلمين، خصوصاً أن الخليفة لا يملك عصىً سحرية يطوع بها الناس، وإلا لما رأينا الخروجات في أزمان خلفاء عامين، وحديث ابن عباس مع كريب يرد الأمرين، فقد كان معاوية خليفة عاماً، فخالف أهل المدينة صيامه، كما أنه لم تكن خلافات سياسية جعلت أهل المدينة ينفردون بفطرهم وصومهم، وهذا بحد ذاته يتضمن نزع الثقة من علمائنا بدعوى أنهم علماء سلطان يوافقون الحكام في كل ما يريدون،علماً أن جهة القضاء لا علاقة لها بالسياسة.

الثانية:دعوى أن العبرة ببلوغ خبر ثبوت الهلال، والعائق كان ضعف البريد أو قل ضعف أو قوة شبكة الاتصالات، وهي اليوم على ما نرى:

أقول:وهذا خطأ محض، لأن من لم ير الهلال مخاطب كمن رآه، والقضية ليست متوقفة على الإعلام لأجل ذات الخطاب، فالكل مقول لهم:صوموا لرؤيته، أي:أن الكل مطالب بالمراقبة لتحصيل الصوم، فلم يفكر أحد في مسألة انتظار البريد حتى يصوموا، بل كلٌ يراقب حتى إذا رأى الهلال صام، ومسألة توقف البعيد على البلاغ أو الإعلام، يبطل معنى النص:صوموا لرؤيته، ويوقفه على جهة معينة، إذا رأت صام الناس، وإن لم تر لم يصم الناس وإن رأى الناس الهلال، إذ العبرة بالرؤية خصوصاً.

الثالثة:ما جاء في بعض الأحاديث أن أناساً جاءوا المدينة فأخبروا رسول الله – صلى الله عليه وسلم – بأنهم رأوا الهلال فأمر الناس بالإفطار والخروج للعيد من الغد:

وجوابه:

1- أن المسلمين لم تكن أقطارهم قد توزعت في زمن رسول الله – صلى الله عليه وسلم -، بل كلهم حول النبي – عليه الصلاة والسلام -.

2- أن تصرف النبي – صلى الله عليه وسلم – كان بمحض تصرف الوالي والراعي على الرعية، ولذا فأمره ملزم شرعاً وقضاءً – عليه الصلاة والسلام -.

ولذا فنحن نرى أن الحاكم إذا أمر بأمر عليه بعض أهل العلم،لزم الجميع القبول والانقياد وإن خالفوه الرأي.

3- أن دخول الشهر وخروجه يقبل بشهادة رجل أو اثنين على الخلاف المعروف، وهؤلاء جماعة من الناس حول المدينة، رأوا ما لم يره رسول الله – صلى الله عليه وسلم – فأخذ برؤيتهم . والله أعلم.

الخلاصة:

1- أن القول باختلاف المطالع مسألة قديمة لا يجوز أن تجعل سبباً في تفريق المسلمين، وأن اختلاف المطالع كاختلاف شروق الشمس وغروبها تختلف من بلد لآخر.

2- أن القول باختلاف المطالع قديم قال به الصحابة والعلماء، وهو مذهب الشافعي – رحمه الله تعالى -، ولا يجوز أن يربط بالخلافة أو السياسة.

3- أن الحاكم للمسلمين له أن يلزمهم برؤية من يثق به، سواء كانت قبل أو بعد رؤية غيرهم.

4- أن الخلاف لا يجوز أن يرفع بخلاف أكبر منه، أو قل:تدفع المفسدة الكبرى بالصغرى، فتوحد المسلمين مطلوب، لكن ليس على حساب وحدتهم!!!.

5- ولذا فلنستقريء التاريخ هل اجتمعت الأمة يوماً منذ تفرقوا في البلدان، ومنذ عهد ابن عباس إلى يومنا هذا؟

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وسلم

كتبه / الشيخ:سمير مراد

المشرف التعليمي في مسجد السنة – القويسمة – الأردن

من يوم الأحد 29 / شعبان / 1429

31 / 8 / 2008

شاهد أيضاً

عمّان – البيان الختامي والتوصيات خرجت بها الندوة الإقليمية الافتراضية (مكافحة “رفض” التكفير إرادة الأمة) – الجمعة 11/11/2022

الحمد لله تعالى الذي جعل الأمة ميزان حق، من فارقها فقد حاد عن الصواب إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.