الرئيسية / المقالات / فتوى في بيان جواز توسعة المسعى

فتوى في بيان جواز توسعة المسعى

بسم الله الرحمن الرحيم

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدالمرسلين، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، أما بعد:

فقد أمرخادم الحرمين الشريفين الملك عبد الله آل سعود، بتوسعة المسعى لدفع الحرج عن الناس،الأمر الذي اضطربت فيه فتوى أهل العلم، ما بين مانع ومجيز، ولكل أدلته حسب اجتهاده،فأحببت أن أشارك في ذلك، فأسطر ما يفتحه الله تعالى عليّ، (وما بكم من نعمة فمنالله)، فالله أسأل الهدى والسداد، ولما كنت مع المجيزين فسأجعل بحثي دائراً حولذلك، بذكر ما يؤيد قول المجيزين والله الموفق والهادي إلى سبيل الرشاد.

وأنا لاأحب كثرة الإنشاء بذكر كون الصفا والمروة من شعائر الله تعالى، إذ لا خفاء فيهأصلاً، وإنما سأجعل كل همي في تكييف وتقعيد المسألة فأقول:

القضية الأولى:

هلالمسعى توقيفي عرضاً وطولاً، أم طولاً فقط:

أقول: المناسك لها معالم مكانية،وكذا أيضاً زمانية، فالزمانية التي هي أشهر الحج للحج، والسنة كلهاللعمرة.

والمكانية كمواقيت الإهلال والإحرام، وأماكن المناسك، كالكعبة للطواف،وعرفة للوقوف وهكذا.

وما دام أن الأمر يتعلق بالأماكن، فأن العلماء اتفقوا فيمسألة السعي طولاً، بأن الساعي يجب عليه استيعاب المسافة التي بين الصفا والمروة،من غير اشتراط الصعود على الصفا والمروة، فاتفقوا على أن المسعى له حدٌ في الطول،وأما كون المسعى له حد في العرض، فلم أجد من أهل العلم المتقدمين من زعم أن له حداًمن الشرع، لكن من فعل الناس، قال النووي رحمه الله تعالى في المجموع 8/76:

((قالالشافعي والأصحاب: لا يجوز السعي في غير موضع السعي، فلو سعى من وراء موضع السعي فيزقاق العطارين أو غيره لم يصح سعيه، لأن السعي مختص بمكان فلا يجوز فعله في غيره،كالطواف، قال أبو علي البندنيجي في كتابه الجامع: موضع السعي بطن الوادي، قالالشافعي في القديم: فأن التوى شيئاً يسيراً أجزأ، وإن عدل حتى يفارق الوادي المؤديإلى زقاق العطارين لم يجز، وكذا قال الدرامي: إن التوى في السعي يسيراً جاز، وإندخل المسجد أو زقاق العطارين فلا والله أعلم)) ا.ه .

قال الرملي رحمه الله تعالىفي ((نهاية المحتاج)) 3/291:

((القصد قطع المسافة، ويشترط قطع المسافة بين الصفاوالمروة كل مرة، ولا بد أن يكون قطع ما بينهما من بطن الوادي، وهو المسعى المعروفالآن، وإن كان في كلام الأزرقي ما يوهم خلافه، فقد أجمع العلماء وغيرهم من زمنالأزرقي إلى الآن على ذلك، ولم أر في كلامهم ضبط عرض المسعى، وسكوتهم عنه لعدمالاحتياج إليه، فأن الواجب استيعاب المسافة التي بين الصفا والمروة كل مرة، …..)) ا.ه .

وفي حواشي الشرواني على التحفة 5/171:

((التقدير لعرضه بخمسة وثلاثينأو نحوها على التقريب، إذ لا نص فيه يحفظ عن السنة)) ا.ه وفي حاشية الجمل 4/120:

وقدر المسافة بين الصفا والمروة بذراع الآدمي سبعمائة وسبعة وسبعونذراعاً، وكان

عرض المسعى خمسة وثلاثون ذراعاً، فأدخلوا بعضه في المسجد)) ا.ه .

وفي حاشيتي قليوبي وعميرة 2/177:

((ويشترط كونه في بطن الوادي المعروف، ….، فلو سقف وطاف على سقفه هل يكفيه،….، وفي كلام العلامة العبادي جوازه)) ا.ه .

من خلال ما ذكرته، يمكنني الوقوف عند عبارتين مهمتين:

الأولى للرملي حيثقال: ((…..، ولم أر في كلامهم ضبط عرض المسعى، وسكوتهم عنه لعدم الاحتياجإليه)).

وما قاله في حواشي الشرواني: ((إذ لا نص فيه يحفظ عنه السنة)).

الأمرالذي يجعل الواحد يميل إلى كون المسعى أمراً اتفاقياً، كالمنبر وكونه ثلاث درجات،ولكي أبرهن على جواز الزيادة في المسعى، اعتماداً على قولي الرملي والشرواني، فأنيأقول:

قاعدة التابع تابع:

هذه القاعدة ذكرها أهل العلم مفرعين عليها بعضالمسائل، يقول السيوطي رحمه الله تعالى في ((الأشباه والنظائر)) 1/261: ((أنه لايفرد بالحكم، لأنه إنما جعل تبعاً)) ا.ه .

وعليه فأن من صلّى خارج حدود الحرم،مع اتصال الصفوف، فأن للخارج حكم الداخل، لأنه تابع له، فلا يفرد بحكم مستقل، لكنيتبع الأصل فيأخذ حكمه.

ولذا أجاز أهل العلم الطواف في الطوابق المبنية حولالكعبة، لأن لها حكمها، حتى ولو زادت مسافة الطواف كما هو مشاهد.

وكذلك قاعدة: ((الأمر كلما ضاق اتسع)) المأخوذة من قاعدة: ((المشقة تجلب التيسير))، وكذلك قاعدة: ((الضرر يزال)).

فنحن إذا نظرنا إلى واقع المسعى، نجد أنه أصبح ضيقاً جداً علىحجاج بيت الله الحرام، الأمر الذي ينتج عنه مفاسد كثيرة، يعلمها من يعلمها منالناس، ولعل بعض المفاسد يؤدي إلى أنواع من الحرج الذي لا يطاق أبداً.

فيالمجموع المذهب للعلائي 1/130 قال:

((الصلاة مع اختلال أحد شروطها، …، فيهمفسدة لما فيه من الإخلال بجلال الله عزوجل، في أن لا يناجي إلا على أكمل الأحوال،ومتى تضرر شيء من ذلك، أو شق تعاطيه، جازت الصلاة بدونه تقديماً لمصلحة الصلاة علىهذه المفسدة، لأن تحصيل المصلحة بفعل الصلاة، أهم من ارتكاب المفسدة في الإخلالببعض شروطها عند التعذر)) ا.ه .

وقال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى: ((هذهالشريعة مبنية على أن الأشياء إذا ضاقت اتسعت)) ا.ه قواعد الأحكام وهي قاعدة مأخوذةمن قاعدة ((المشقة تجلب التيسير))، وتطبيقها في هذه النازلة، من أنفع ما يكون، فأنالمسعى ما عاد يتسع لمعشار حجاج بيت الله، فضلاً عن كلهم، وإذا ألزمناهم بحجمالمسعى دون غيره – هذا لو قيل بتحديده عرضاً وليس كذلك – لترتب على ذلك حرج لايطاق، ومقاصد الشريعة ترفع الحرج في أقل من ذلك فكيف بذلك.

* المحاذاة فيالمواقيت:

من المعلوم أن لكل جهة ميقاتاً يحرم منه الناس إذا جاؤوا إليه، لكنبعض الناس أحياناً، قد يأتون للمناسك من غير جهة هذه المواقيت، فهل يقال بإلزامهمبالرجوع إلى المواقيت، أم أن المكان الذي كانوا فيه، إذا كان محاذياً لميقاتٍ ماجاز أن يحرموا منه، كثير من أهل العلم، بل عامتهم، على أن المحاذاة تجزيء، فيجوزللعبد أن يحرم من غير الميقات إذا كان محاذياً له، وقد عمل بهذا عمر رضي الله عنهفي زمنه، والمحاذاة هي المساواة والمجاورة.

فأذا طبقنا هذا الأمر على المواقيت،ولو بغير ضرورة، وإنما بسبب المرور فقط، فأننا نطبق ذلك في مسألة المسعى أيضاً، إذلا فرق في الواقع،والضرورة هنا أشد وملجئة، فأذا أثبتنا ذلك، استطعنا أن نحكم بأنالمسعى أمر اتفاقي – أعني من حيث عرضه لا طوله – وإذ ذلك كذلك فأن هذا دليلٌ واضحأن العبرة بالسعي بين الصفا والمروة، وليست العبرة بالمسعى من حيث عرضه لا طوله. والله أعلم.

وكذلك يمكننا أن نستأنس بقاعدة

المصالح المرسلة:

إذ لا دليليقيد بعرض معين لا يتجاوز في السعي، فتكون المصلحة المعتبرة شرعاً لدفع الضرر أنيوسع المسعى، ولا حرج مطلقاً في ذلك.

ومما يستأنس به، أن الله عزوجل أمر فاقدالهدي بأن يصوم ثلاثة أيام في الحج، وسبعة إذا رجع، فلو لم يصم في الحج، صام إذارجع العشرة كلها، وليس هناك فيما أعلم من يمنع من مثل ذلك، وهو قد يتجاوز صفةأرادها الله تعالى، لكن لعلةٍ ما وقع في صورة أخرى، الأمر الذي يجعلنا ننظر إلىالنصوص نظرتين باعتبارين:

1- نظرة باعتبار الحال والمحل، كالطواف لا يكون إلاحول الكعبة.

2- ونظرة باعتبارالحال دون المحل، كصيام الثلاثة أيام خارج مكانالحج.

وهذا مثل فرض العين وفرض الكفاية، ففرض العين الغرض منه الفعل، كالطواف،وفرض الكفاية، الغرض منه الفاعل، كالصيام للثلاثة أيام خارج موطن الحج عند التعذر،وعليه، فالسعي له شبه بالأول: فلا يصح السعي بين غير الصفا والمروة، وشبه بالثاني،في أنه لا يلزم أن يكون ضمن مساحة عرضية معينة، وبهذا يسلم قول من قال: بجواز توسعةالمسعى عرضاً لا طولا، وصحة قول من قال: العبرة بالسعي بين الصفا والمروة، وليستالعبرة بالمسعى، أي عرضاً.

إذا ثبت ذلك تبين لنا أن هذه المسألة يمكن تخريجهاعلى القواعد التنالية:

• المشقة تجلب التيسير والضرر يزال.

• التابع تابعوكلما ضاق الأمر اتسع.

• المصالح المرسلة.

• المحاذاة.

• بعض العباداتينظر فيها إلى الفعل دون غيره، وبعضها مشترك، وبعضها هكذا وهكذا ومنه السعي.

بعدكل هذا يمكنني القول – ودون الدخول في ذكر قضايا تاريخية – أن القول الصواب صحةتوسعة المسعى.

 

والله أعلم وصلى الله على سيدنامحمد

 

كتبه / سمير مراد

المشرف التعليمي في مسجدالسنة

القويسمة – عمان – الأردن

17 / 9 / 1429

17 / 9 / 2008

من يومالأربعاء

شاهد أيضاً

سلسلة في أحكام الإيمان – فضيلة الشيخ الدكتور سمير مراد – المجلس التاسع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.