الرئيسية / المقالات / زكاة الفطر

زكاة الفطر

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله من قسم العقول بين المكلفين وغيرهم، ثم هدى من شاء، ثم فهم من أحب واصطفى، والحمد لله حين يرزق الوصول، ويحرم البعض، فيتجرأون فيطاولون من وفقه الله، تعالياً ورفضاً لقدر الله، فما فهمه غيرك ليس ضرورة أن تناله، وما فهمته أنت، ليس ضرورة أن يناله أو يحصله غيرك، والصلاة والسلام على أكمل الخلق، ورضي الله عن الصحابة، ورحم الله العلماء ومن تبعهم وبعد:
فأن نوال العلوم من فضائل أرزاق الله تعالى، والتوفيق عزيز، وأدب العلم -خصوصا أدب الخلاف- أعز وأعلى، هذا وقد أوقفني بعض الأخوة والأخوات ذوي الحرص على العلم النافع الصحيح، على كلام استوقفني وهزني، بل وأفزعني للجرأة التي يتضمنها هذا الكلام الذي خلاصته:
* دعوى الإجماع على عدم جواز إخراج صدقة الفطر مالاً.
* أن من قال غير ذلك متأول ومحرف للحديث ومخالف للإجماع.
* أن مخالف الإجماع كافر!!!
*وعليه فأقول مختصراً:*
– من البلاء التصدر من غير المؤهل لأنه يضر حيث يريد الإصلاح.
– التعالم يولد التعالي والازدراء.
– من جميل خلق السلف أن أحدهم حين كان يذكر مخالفه يقول: رضي الله عنه!!
– كانوا إذا ذكروا الخلاف ذكروه بأنصاف وموضوعية، لأن الجميع يخالف تعبداً لا تشهياً، فحسن الظن قاعدتهم وخلقهم.
– براءتهم من التلفيق والتدليس، لا كبعض أهل زماننا، فمثلاً ما نحن فيه، فالبعض نقل قول ابن حزم رحمه الله تعالى في مراتب الإجماع، وأنا سأنقل كلام ابن حزم كله في الموضوع لأبين التدليس والتلفيق وعدم الفهم لقوله، قال رحمه الله تعالى في (مراتب الإجماع ص١٧٥):
“واتفقوا أنه مذ مات النبي صلى الله عليه وسلم فقد انقطع الوحي وكمل الدين واستقر، وأنه لا يحل لأحد أن يزيد شيئا من رأيه بغير استدلال منه، ولا أن ينقص منه شيئا، ولا أن يبدل شيئاً مكان شيء، ولا أن يحدث في شريعة، وأن من فعل ذلك كافر”. ا.ه.
فزعم بعض الجهلة أن من أمر بأخراج القيمة في زكاة الفطر فهو مبدل، والمبدل باتفاق كافر.
*قلت:* ومن جهل هؤلاء أن كاتب هذا الكلام -ابن حزم- يعلم أن هناك من قال بأخراج القيمة ولم يضلل ولم يبدع ولا غير ذلك فضلاً عن التكفير، وهنا التلفيق من هؤلاء، أنهم جعلوا هذا القول تبديلاً، والمبدل كافر، مع أنهم في هذا مجتهدون لا أكثر، مع أنهم ليسوا من أهل الاجتهاد – فتجرأوا على الله في تكفير خلق لا يحصون كثرة، لأجل الهوى والتشفي.
ولم ينظر هؤلاء لقول ابن حزم: “تعبير استدلال” فظنوا أن الاستدلال هو فقط: آية أو حديث، وهم بهذا -من حيث يجهلون-، يلغون كل آلة من آلات الاستنباط، من حيث الفهم، كالقياس والمفاهيم وغيرهما.
ولو كان لازم كلامهم لازماً، لكفرنا معاوية رضي الله عنه، حين أمر بأخراج نصف الصاع من قمح الشام، لأنه بذلك بدل، حيث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بأخراج الصاع لا نصف الصاع.
* يقولون: الطعام وحي والقيمة رأي، والوحي مقدم على الرأي.
أقول هذا قول من لا يعرف أقدار العلماء، علماً، ووعياً، وفهماً، وحرصاً على مصلحة الأمة، حتى جاء هؤلاء وأمثالهم بنوع من الإرهاب، الذي أسميه:
الإرهاب العلمي، أو إرهاب الفتوى.
كهؤلاء في قولهم:
“من بدل كفر”، “والوحي مقدم على الرأي”، ليشعروك أنك إن خالفت فأنت تخالف الكتاب والسنة، إذن فأنت مبدل، إذن فأنت في النار، عياذاً بالله تعالى.
وما هي إلا فهوم، يريد هؤلاء طمس فهوم العلماء للنصوص، ويريدون جعل فهومهم نصوصاً يتعبدون الله بها.
وحقيقة القضية في التصوير التالي:
أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بأخراج صدقة الفطر:
* صاعاً من طعام.
* أغنوهم في هذا اليوم.
فمن نظر إلى:
الطعام وترك التعليل قال به.
ومن نظر إلى أغنوهم قال به وترك الطعام.
فيكون الأول قائلاً بالوحي بفهمه.
ويكون الثاني قائلاً بالوحي أيضا وبفهمه.
ومن توسط وربط ذلك بالمصلحة وعدمها، فهو أيضاً قائل بالوحي معمل للشقين لكن في حال دون آخر وبفهمه أيضاً.
*فالنتيجة:* الكل قائل بالوحي وهم بين مصيب ومخطيء والكل مأجور.
ولذا فأنا أنبه وأحذر إخواني وأخواتي بأن يتقوا الله ولا يقدموا على اتهام الأكابر.
ومن عجب من يقول:
أبو حنيفة ليس محدثاً.
فأقول لأمثال هؤلاء:
وإن لم يكن محدثاً، فكم من محدث لم يفهم كلام الله ورسوله، وأبو حنيفة إمام في الفهم، قال الشافعي رحمه الله تعالى: “الناس عيال في الفقه على أبي حنيفة”.
ولذا لما قيل في القديم: مرويات أبي حنيفة قليلة، فشمر الإمام محمد بن الحسن الشيباني عن ساعده وصنف كتاباً كله حديث وآثار، ليثبت أن مذهب أبي حنيفة له حججه من الآثار، وسماه:
“الحجة على أهل المدينة” فجاء في أربع مجلدات ضخام.
ورحم الله مالكاً حين سئل عن أبي حنيفة فقال: ذاك رجل لو أراد أن يقيم الحجة أن هذه السارية من ذهب لفعل.
وأكثر من نصف الأمة تعبد الله بمذهبه، ثم يأتي طغام من الناس يشهرون به، معاذ الله، قال أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى: “من شهدت له الأمة بالخيرية جاز أن يشهد له بالجنة” وأيد ذلك ابن تيمية رحمه الله تعالى، فمن لا يشهد لهذا الإمام بذلك، ثم يريد أصاغر أنه مبدل!! معاذ الله من ذلك، نعم قد مات أهل المروءات وحسبنا الله ونعم الوكيل.
وصلى الله على نبينا محمد.

د. سمير مراد

من يوم السبت
٢٤/رمضان/١٤٣٩-٩/٦/٢٠١٨

شاهد أيضاً

سلسلة في أحكام الإيمان – فضيلة الشيخ الدكتور سمير مراد – المجلس التاسع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.