الرئيسية / المرئيات / حكم امتلاك الأفراد و الجماعات لأسلحة الدمار الشامل

حكم امتلاك الأفراد و الجماعات لأسلحة الدمار الشامل

أقام مركز الإمـام أبو عبد الله الشافعي العِلمي

ندوة دولية بعنوان :-

 

(حكم امتلاك الأفراد و الجماعات لأسلحة الدمار الشامل)

 

) برعاية فضيلة الشيخ سمير مراد الشوابكة )

 

 

حكم امتلاك الأفراد والجماعات لأسلحة الدمار الشامل

 

حكم امتلاك الأفراد والجماعات لأسلحة الدمار الشامل 2

 

حكم امتلاك الأفراد والجماعات لأسلحة الدمار الشامل 3

 

 

بــحـــــــــث شـيـخـنـــــــا-حـفـظـــه الـلـــه- بــعــنـــــــــــوان

 
الـمــلـكـيـــــــة وأثــــــــرهــــا فـي امـتــــــــلاك أسـلـحـــــــــة الـدمـــــــــــار الـشـــامــــــــــل
بــحـــــــــث شـيـخـنـــــــا-حـفـظـــه الـلـــه- (1‏ صورة)
بـــحـــــــــث فـضـيـــلـــــــة الـشـيـــــــخ/ ســــمـيـــــــــــر مـــــــــــــراد الـشـــوابــــــكــــة

مــنـــظـــــــم وراعـــــــي الـنـــــــدوة الـإقـلـيـمـيـــــــة الـأولــى
مـــؤســـــــس ومـــديـــــــر عـــــــام مـــــــركـــــــز الـإمـــــــام (أبـــو عـبـــدالـلـــه) الـشَـــافـــــــعـي الـعِــلْـــــــمتي
حـــكـــــــم امتـــــــلاك الـأفـــــــراد والـجـمـــاعـــات لـأســلــحـــــــة الـدمـــــــار الـشــامـــــــل
الـتــي أقـيـمــت فـي فـنــدق (كـوالـيــتـي ســويـتــس)
فـي الـثـــاني والـثــالـــث مــن تـشــريــن الــأول/2012م

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الموفق، الذي لا حول لنا ولا قوة إلا به، هدانا وسددنا وحبانا بالخير الوافر وبعد:
فلا تزال المسائل تعرض لأهل العلم، ما يحتاج منها إلى بيان الرأي منهم، ليتبين للناس الحكم الذي يسيرون عليه ويعملون به، ومن هذه المسائل ما يثير فضول الناس عموماً، إما لندرتها وغرابتها، وإما لأهميتها أو خطورتها، وكان لزاماً على أهل العلم أن يسبقوا لبيان الأحكام، حتى لا يتدخل في ذلك من ليس من أهل العلم، فعندها … ؟!
تصير: ولات حين مندم.
ومن المسائل المهمة بمكان لشدة خطورتها، وخطورة ممارستها، سواء كان ذلك من جماعات أو من أفراد، ولما كان بيان الحكم الشرعي له سلطان على الناس، مما أعطى الله عزوجل أهل العلم من هيبة ومكانة كوناً وشرعاً، فلا يسكت عن ذلك بحجة: ليس هناك من يسمع، وإن سمعوا لم يستجيبوا، بل على أهل العلم البيان بإخلاص لله تعالى، ثم الله كفيل بما بعد ذلك.
وهذه المسألة هي بيان:
حكم امتلاك الأسلحة المدمرة دماراً عاماً أو شاملاً، سواء ذلك من الجماعات ، أم من الأفراد.
وكطبيعة أي بحث، لابد من بيان بعض المفردات، خصوصاً لمن لا يعرف معانيها، ثم بعد ذلك نشرع في بيان الحكم، ومن الله تعالى وحده نستمد العون، فاللهم علمنا وفهمنا واهدنا وسددنا.
أسلحة الدمار الشامل:
تعارف أهل كل فن على مصطلح يقرب لهم المعنى المقصود من اللفظ، ولذا فإن أهل القتال والسياسة، قد اصطلحوا على هذا اللفظ ليدل على معنى مقصود لديهم، فأسلحة الدمار الشامل عندهم هي:
1.السلاح النووي.
2.السلاح الكيميائي.
3.السلاح البيولوجي.
وهذه المعاني تبحث عند الفيزيائيين والكيميائيين وأهل الاختصاص، لكننا كلنا نعرف أنها أسلحة تحرق الأخضر واليابس ولا تبقي قائماً إلا أهلكته، عياذا بالله تعالى، سواء بالحرق والقتل، أو بالألم المبرح، أو بتسميم الجسم، أو بالفتك ببدنه وبائياً،إذ المقصود من كل ذلك، هو الفتك والقضاء على الإنسان وممتلكاته، ثم السيطرة على قوته وثروته ومقدراته، ولعلها لا تستخدم، لكن توجد للتهديد والترعيد والتخويف.
قلت: ولست بصدد ذكر الخلاف مع التفصيل في بيان الأدلة ثم ذكر الردود ثم الترجيح، بل أنا أذكر المذهب أو الرأي الذي أميل إليه، ثم أؤيده بالأدلة، وإن سنحت فرصة بذكر بعض أدلة الفريق الثاني ثم ردها، فعلت ذلك، فأقول:

إن موضوعنا جد خطير، ولا بد أن يكون بحثه دقيقاً، لذا وللبيان الكامل، كان لابد من توثيق البحث بعلاقته بالملكية، وإن ملكية العبد الشخصية فضلاً عن الجماعية، وإن كانت ثابتة له ابتداءً، لكنها مشروطة بتحقيق المصالح، فإن طرأ خلل على ذلك، تدخل الشرع والقضاء، للحد منها ومنعها، ومن هنا شُرِع الحجر على السفيه وشرعت الوصاية على فاقد أهلية التصرف، حتى لا يهلك ملكه في غير منفعة، أو في مضرة تعود عليه أو على من يعول أو على مجتمعه، ولبيان ذلك أقول:
الممتلكات تنقسم إلى أقسام ابتداءاً من حيث الحل ومن حيث الحرمة، والقاعدة: أن الملك لا يقع إلا على ما فيه نفع، أما ما فيه ضرر فلا يحل امتلاكه، لكن إن ترتب عليه منفعة ولو بوجه، سواء كانت المنفعة عامة أو خاصة جاز امتلاكه لتحصيل المنفعة، ثم تزول الملكية بعد ذلك، فإن عادت الحاجة إليه عاد جواز امتلاكه، وأما ما كان ضرراً محضاً فلا يملك بوجه قط، وجواز استعماله للضرورة لا يفيد جواز ملكه، فمثلاً: لحم الخنزير ضرر محض، ولحم الميتة كذلك، فيحرم امتلاك كل منهما، لكن من اضطر غير باغ ولا عاد فلا إثم عليه إن أكله لدفع المهلكة، ورفع الإثم هو رفع حرج الأكل، وليس رفع حرج عدم الملكية، فلا يملك ما دام على حاله، وذلك أنه قد يدخل عليه إصلاح ما فيتغير إلى حال ووصف جديد فيصير حلالاً، ومن هنا قالوا: الاستحالة مطهرة، كلحم ولبن وبيض الجلّالة، فإنها تحرم حتى تنقّى من النجاسة، ولا إشكال في هذا ــ أعني أكلها وملكيتها ــ لأن أصلها الإباحة بخلاف الميتة.
ثم إن ملكية المباح الحلال، إما أن تكون عامة، وإما أن تكون خاصة، أو فردية، وملك الأفراد ابتداءاً هو الأصل، لأن الاجتماع حاصل بهم، فينتج عن ذلك الملك العام أو الجماعي، أو ملك الدولة.
وما دام أن الممتلكات ليست على حد واحد، فمنها ما يملك بانفراد، ومنها ما لايملك إلا حالة الاجتماع، كان لابد من ذكر تقسيم يعين على القدرة على التمييز، بين ما يملكه الأفراد، وبين ما يملكه جماعة أو دولة.
أقول: نظام توزيع الملك أو الثروة، إنما جاء لإصلاح حياة الناس وإسعادهم، فيمكن أن يكون القانون الضابط لذلك هو هذا، ومن هنا ضل قانون الشيوعية الاشتراكية مطلقاً، وضل قانون الرأس مالية من وجه دون وجه، لكن قانون الإسلام الذي هو من عند من يعلم ما يصلح الناس، هو القانون الكلي العادل في كل شيء حتى في الملكية الفردية والجماعية، إذ رتَّب الملك وصحته على حدوث وتحقيق المصلحة ودفع المفسدة، ولذا منع صاحب المال من أن يُسلط على ماله بالنفقة، لأنه سيهلكه فيما لا فائدة فيه، وهو السفيه، ومن هنا جاء مبدأ الحجر المالي، كما قال تعالى: ( ولا تؤتوا السفهاء أموالكم التي جعل الله لكم قياماً)، فما لا تقوم الحياة إلا به، لا يجوز أن يسلط عليه من يهلكه، لأن الحياة حينها لن تقوم، وقال تعالى عن صحيح التصرف المالي( ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً) فأذا كان صحيح التصرف الذي يزيد في النفقة، حتى يصل إلى حال الخلل والضياع المؤدي إلى قلة المال، وهذا نوع ضرر لا يحبه الشرع، فاذا كان هذا فيما أصله حلال باتفاق إذا أعقبه الضرر صار حراماً، فكيف بما أصله الضرر والخطل والخلل وضياع الثروات بل قل: فكيف بما يأتي على كل أو أكثر الضرورات بالتعطيل والفساد، فكيف سيقال بحل امتلاكه بعد ذلك، سواء للجماعات أو للأفراد؟! انظر أخي كيف أن الفقهاء، منعوا من إشعال النار في مهب الريح، حتى لا تحرق ما لا يراد حرقه، والنار من طبيعتها أنها لا تفرق بين صلب وطري، ولا أخضر لا يابس، ولا قابل أو غير قابل للحرق، ولذا كانت عذاب الله للكافرين في جهنم.
فإذا حرُم إشعال نار بحق، لكن لما ظُن تعدي ضررها منعت، فكيف بما قصد به ضرر أمة بكاملها، أو ثروة بكليتها.
هذا وكل المقاصد جاء الشرع بما يحصلها ويكملها، وجاء بما يحافظ عليها ويدفع عنها ما ينقصها أو يعدمها، والضابط لكل هذا تحقيق المصلحة ودفع المفسدة، فكل ممتلك لا بد فيه من تحقيق المصالح ودفع المفاسد، سواء كان الملك خاصاً أو عاماً، يقول ابن قدامة رحمه الله تعالى: ” المعادن الظاهرة: هي التي يوصل ما فيها من غير مؤنة، ينتابها الناس وينتفعون بها كالملح والماء، ……، لا تملك بالإحياء، ولا يجوز إقطاعها لأحد من المسلمين، ولا احتجازها دون المسلمين، لأن فيها ضرراً بالمسلمين وتضييقاً عليهم” ا.هـ 6/173.
ومن هنا جاء قول الفقهاء بمنع بيع السلاح في الفتنة، وبيع العنب لمن يبيعه خمراً، والسلاح الفتاك لاشك أن بيعه وامتلاكه لأمثال هؤلاء من الأفراد والجماعات غير النظامية( الدولة) أشد مما وصفنا، فيحرم لذلك والله أعلم.

قلت: بيان أسباب الملكية الجماعية أو العامة:
الملكية الجماعية أو العامة، غالباً ما تطلق على ما هو شائع النفع، وذلك لتخرج بعض صور الملكية العامة أو الجماعية، كالشركات ونحوها، فيصير مآل الأمر، إلى ملكية نظامية، راجعة إلى هيئة ذات سيادة وقوة ومنعة، وليس ذلك إلا في الملكية العامة النظامية، أو الملكية الدولية، التي تكون فيها السيطرة والتصرف لأرباب الدولة، وكل حسب عمله ونظامه.
وفي ذلك حماية لسياج الدولة والأمة، حتى لا تعتريها الفوضى المؤدية إلى عدم إحكام الأمن والأمان، حيث إن انتقال هذا النوع من الملكية إلى غير الملك النظامي، يؤدي إلى سوء توزيع الثروة، ما يوصلنا إلى ما لا تحمد عقباه، وقد لا يستطاع دفعه.
ولما جاءت الشريعة بالحجر على السفيه، والوصاية على فاقد أهلية التصرف، كان ذلك دليلاً على أن المقصد الأسنى هو رعاية الحقوق الارتفاقية وثباتها على صورة تدفع المضرة والفساد، والنبي عليه الصلاة والسلام لما قال: ” الناس شركاء في ثلاثة: الماء والنار والكلأ” وضع بذلك قانوناً يحقق الأهداف الاجتماعية، ويدفع المضار الاقتصادية، مما يحقق التوازن لحياة مرفهة، وعليه فيمكننا في مسألتنا، تصنيفها على أنها – إن قيل بجوازها مطلقاً- فهي من نوع الملك الجماعي النظامي، فلا يمكن أن تكون ملكاً فردياً، لأنها لن تحقق مصلحة، بل كلها مضار ومفاسد، وليست ملكاً جماعياً غير نظامي، لأنها ليست شركة تجارية أو استثمارية.
وعليه فإن الباحث ابتداءً، يجد أن من بحث الموضوع، ذكر فيه اختلاف الباحثين وأهل العلم، في امتلاك هذا النوع من الأسلحة للدول، دون التعرض للأفراد والجماعات، ما يدلك على شبه اتفاق على المنع من الملكية الفردية، أو الجماعية غير النظامية والله أعلم.
ضوابط هذا النوع من الملكية:
1-رعاية الشؤون العامة بلا تمييز:
وهذا غير ممكن إلا من خلال جماعة نظامية، لقدرتها على تحمل المسؤولية المنبثقة من الشعور بالعبء الملقى عليها، ولذا تكون حسبتها لتصرفاتها أدق وأعدل وأحكم، بخلاف الأفراد والجماعات غير النظامية، حيث تنطلق تصرفاتها من نزعاتها ونظرتها القاصرة، إضافة إلى وجود هيمنة نفسية، بسبب تَدَخُل الدول حينما تتصرف دولة خلاف الصواب أو المتفق عليه، ما يجعلها تقف عن الخطأ، بخلاف الأفراد أو الجماعات فلا حساب لذلك عندهم.
2- تحقيق المصلحة ودفع المفسدة:
وذلك لأن صور العداء متفاوتة، وطريقة الانتقام وأخذ الحق باليد، فيه انضباط من الجماعة النظامية( الدولة) بخلاف غيرها، وذلك أن مصلحة رد العدوان راجعة إلى أمير الحرب أو مسئولها، القائم عمله على خبرة كافية، وله أيضاً مستشارون يأخذ رأيهم، بخلاف غيرهم، حيث لا يرقبون في أحد إلاًّ ولا ذمة، وهؤلاء قد ملكوا الأسلحة الخفيفة ففعلوا ما فعلوا، فكيف لو كانوا قد ملكوا مثل هذه الأسلحة؟! فلا شك أنهم سيدمروننا قبل غيرنا والله أعلم.
قلت: وبناءً على هذا فإني أميل إلى تحريم امتلاك أسلحة الدمار الشامل على الأفراد والجماعات مطلقاً، وذلك لما يلي:
1- أن هذه الأسلحة، ما يحصل بها من القتل يخالف سماحة الشريعة التي من نصوصها الأكيدة قوله عليه الصلاة والسلام: ” وإذا قتلتم فأحسنوا القتلة” ومن هنا كان النهي عن التمثيل بالمحارب، وهذه الأسلحة تفوق التمثيل بدرجات، وأما الاحتجاج بثبوت التحريق عن النبي صلى الله عليه وسلم وعن بعض الصحابة، فأقول: الصواب أن أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم منسوخ بالحديث الصحيح الذي رواه البخاري وفيه: ” إن وجدتم فلانا وفلاناً فحرقوهما بالنار، ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين أردنا الخروج: إني أمرتكم أن تحرّقوا فلاناً وفلاناً، وإن النار لا يعذب بها إلا الله، فإن وجدتموهما فاقتلوهما”.
وأما الصحابة فهو اجتهاد، قام اجتهاد آخر يوافق هذا النص، فهو أولى بالاتباع، فقد روى البخاري أيضاً: ” أن علياً رضي الله عنه حرّق قوماً، فبلغ ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا تعذبوا بعذاب الله، …….”.
قال ابن حجر رحمه الله تعالى في الفتح 6/175: في معرض الرد على المجيزين: ” وقال ابن المنيّر وغيره: لاحجة فيما ذكر للجواز، لأن قصة العرنيين كانت قصاصاً – قال سمير: ــ وفرق بين القصاص والحروب، لأن القصاص استيفاء حق شخصي ثبت بالتعدي يجوز لصاحبه فعله والعفو عنه بخلاف الحرب لأن ذلك يكون فيها مثلة والله حرم التمثيل ــ أو منسوخه كما تقدم، وتجويز الصحابي تعارَض بمنع صحابي آخر، وقصة الحصون والمراكب مقيدة بالضرورة إلى ذلك إذا تعين طريقاً للظفر بالعدو، …، وأما حديث الباب- قال سمير: وهو ما ذكرته من رواية البخاري آنفاً- فظاهر النهي فيه للتحريم” أ.هـ.
2- أن ما يحصل من القتل والإمراض بهذه الأسلحة، مختلف عن التحريق والمنجنيق، فلا يقاس عليها، لأنه قياس مع الفارق، والفرق من وجوه:
• أن ضرر هذه الأسلحة متحقق بخلاف تلك.
• أن ضرر هذه الأسلحة يعم دون تفريق.
• أن ضرر هذه الأسلحة لا يدفع، بخلاف تلك فقد يدفع.
فأن اعتُرض على ذلك بأن عذاب الله للأقوام الكافرة؛ كان كذلك، يصيب مؤكداً دون تفريق.
قلنا: هذا فعل من لا يُسأل عما يفعل، وبحثنا في فعل من يُسأل عن كل ما يفعل، فما ثبت لله من حقوقه، لا يثبت لغيره بحكم العداوة الموجودة في الكافرين له وللمؤمنين.
3- أمرنا ربنا عزوجل بالإعداد بالممكن:
وهذا متعلق بجماعة النظام كما سبق، فإن قيل: كان الناس يحملون السيف والرمح دون نكير ما دامت لقتال الأعداء من الكافرين، قلت: سبحان الله لا يزالون يقيسون مع الفارق، فإذا كانت الجماعة النظامية( الدولة)، تنزع اضطراراً أسلحة الناس الخفيفة، كالبندقية ونحوها، خشية أن يقتل الناس بعضهم بعضاً لعدم ما يردعهم عن ممارسة القتل، أفتأذن الدولة للأفراد بامتلاك سلاح دمار شامل؟!
لا أظن أن عاقلاً يقول ذلك والله أعلم.
4- قلت: ومن القواعد المقررة عند أهل العلم: أن الأمم أو الناس إن اتفقوا على أمر ما؛ فلا يمكن إلا أن يكون حقاً، وقد اتفقت القوانين الدولية إجمالاً، على تحريم مثل هذا السلاح، فكيف بعد ذلك يقال بجواز امتلاكه.

قلت: وخلاصة بحثي وتوصياتي التالي:
1- تحريم امتلاك أسلحة الدمار الشامل مطلقاً، خصوصاً الأفراد والجماعات، فإن قيل بجواز امتلاك الدولة النظامية ذلك فمن باب الردع فقط.
2- ضرورة استصدار فتوى من المجامع الفقهية بتحريم هذا الأمر للحد من الخطر القادم.
3- الحاجة إلى تكرار مثل هذه الندوة في دول وبلدان أخرى.

والله أعلم، وصلى الله على نبينا محمد

سمير مراد الشوابكة
مدير مركز الإمام( أبوعبدِ الله) الشافعي العِلمي
عمان – الأردن
الندوة العلمية من 2 – 3 تشرين أول لعام 2012.

أســلـحـــــــة الــدمـــــــار الــشــــامـــــــل

 

وآراء الــقــائــلــيـــــــن بــإمــتــلاكــهـــــــا لـلأفـــــــراد والـجـمــاعـــــــات

إعـــــــداد
الــشــيـــــــخ/ عــبـــــــدالـلـــــــه الـشـيـــــــخ سـعـيـــــــد الـكـــــــوردي
مـاجـسـتـيـر فـي الـفـقـه الـإسـلـامـي
1423هـ – 2012 م

فــي الـنـدوة الـأولـى (الـإقـلـيـمـيـــة)
حـــكـــــــم امتـــــــلاك الـأفـــــــراد والـجـمـــاعـــات لـأســلــحـــــــة الـدمـــــــار الـشــامـــــــل)

التي أقيمت في فندق (كواليتي سويتس) في 2-3/10/2012م

بـــرعـــايـــة الـشـيـــــــخ ســـمـيـــــــر مــــــراد الـشـــوابــــــكـة
مـــركـــز الـإمـــام(أبـــوعـبـــدالـلـــه) الـشـافـعـي الـعـلـمــي

بسم الله الرحمن الرحيم
(( تمهيد ))
يسعدني ويشرفني أن اتقدم بالشكر الجزيل لكم جميعاً، وبالأخص لمركز الإمام الشافعي لقيام بالإعداد لمثل هذه الندوة المباركة، ولدعوتنا في الحضور في هذه الندوة والمشاركة فيها، في الحقيقة لهذه الندوة أهمية كبيرة بالنسبة لنا، وذلك من عدة جوانب:
من الجانب الإسلامي لهذا الموضوع أهمية كبيرة، وذلك لكونه من النوازل الفقهية التي يحتاج الى البحث الكبير والوصول إلى الرأي السديد المستنبط من الأدلة الفقهية والقواعد الشرعية، و نجاح المسلم ينتج بأن تكون كل أعماله موافقة للشريعة الإسلامية.
ومن الجانب الإنساني له أهمية كبيرة أخرى، لكون المسألة متعلقة بالإنسانية جمعاء،وأصبح الكثير من الناس ضحية لمثل هذه الأسلحة الفتاكة، وهؤلاء الذين أصبحوا ضحية لا ينتمون لدين ولا لمذهب معين، بل المخلوقات بأسرها أصبحت ضحية لمثل هذه الأسلحة في الكثير من الأحيان، وهذا مما ينافى مع الشريعة الإسلامية، لأنَّ رسالة الإسلام رسالة الإنسانية، والإسلام رحمة للعالمين.
ومن الجانب القومي: فهذا الموضوع له أهمية عظيمة بالنسبة لنا كشعب كوردي، حيث أصبحنا ضحية لأسلحة الدمار الشامل،وذلك عندما قصفت الحكومية العراقية السابقة مدينة حلبجة بالأسلحة الكيميائية وذهب ضحيتها أكثر من خمسة الآف مواطن كوردي من الرجال والنساء والأطفال، بالإضافة إلى أكثر من اثني عشر ألف جريح،و ما زالت آثار هذه الأسلحة باقية إلى يومنا هذا، بالإضافة إلى قصفهم مناطق بادينان و باليسان و قلعة دزة وغيرها بهذه الأسلحة.
لذا أتمنى أن نخرج في هذا التجمع المبارك برأي شرعيّ موحد، يخدم ديننا الحنيف و الإنسانية جمعاء، ولا نتأثر بأية تأثيرات خارجية، والله من وراء القصد

الباحث

حكم امتلاك أسلحة الدمار الشامل للأفراد والجماعات
الحرب ظاهرة إجتماعية قديمة، و ظهر لها محترفوها في كل زمان ومكان، و تفنن صانعو الحرب في اختراع أفتك أنواع الأسلحة،و وسائل القتل والتدمير حتى استطاعوا صنع أسلحة طابعها الدمار والتخريب، وفي عصر يسوده التوتر وعدم الاستقرار،وتطور التكنولوجيا و تقدمها، تتسارع الدول والحكومات لإنتاج أنواع الأسلحة المدمرة وامتلاكها، وحين قيام حرب يكون استخدام مثل هذا النوع من الأسلحة فيها أمراً وارداً، وليس ذلك غريباً أو بعيدا، ومع تزايد النداءات الدولية للحد من امتلاك هذه الأسلحة و عدم استعمالها حفاظاً على أمن العالم و سلامته إلا أنّ بعض الدول تحاول و بجدٍ انتاج هذا النوع من الأسلحة أو امتلاكها .
ولما كان عنوان الندوة التي قام بها مركز الإمام الشافعي للدراسات الإسلامية ( حكم امتلاك أسلحة الدمار الشامل للأفراد والجماعات) حاولت في هذا البحث المتواضع أن أتطرق الى بيان الحكم الشرعي لامتلاكها، مع أنَّ هذا الموضوع واسع في ذاته، حيث يحتاج إلى بيان موقف الفقه الإسلامي من استخدام الأسلحة المدّمرة التي تتعدى آثارها إلى غير المحاربين، و كذلك إلى بيان حكم إنتاج الأسلحة المدّمرة الحديثة التي لها قوة تدميرية هائلة أو محدودة واستخدامها، و بيَنت في بداية هذا البحث تعريفاً مناسباً لأسلحة الدمار الشامل، ثم تطرقت إلى آراء علماء الفقه الإسلامي حول الحكم الشرعي لها مع بيان الرأي الراجح لديّ.
أولاً : ما هي أسلحة الدمار الشامل
أسلحة الدمار الشامل:مصطلح عسكري، تطلق على الأسلحة الذّرية المتفجّرة والمواد المشتعلة، والأسلحة البايلوجية و الكيميائية الفتّاكة، أو أيّ نوع من الأسلحة الأخرى التي لها نفس التأثير( ).
وعرَّفه آخرون بأنَّ مفهوم أسلحة الدمار الشامل يطلق: على الأسلحة النوّوية بأنواعها الذّرية و الهيدروجينية والنيوترونيّة والأسلحة الكيميائية والغازات الحربية بجميع أنواعها( ).
فهى أسلحة ذات قوة تدميرية هائلة، وسريعة أكبر بملايين المرات من القوة التدميرية للأسلحة التقليدية إضافة إلى إنبعاث إشعاعات قاتلة، وحرارة لافحة وضغط مروع،أو تنشأ عنها تأثيرات كيميائية مضرة، أو تلوث بيولوجى بواسطة الجراثيم والفيروسات.
ويلتقي جميع التعريفات عند نقطة أساسية مشتركة وهي: أنَّ أسلحة الدمار الشامل تتكون من ثلاثة أنواع رئيسة ( نووية، كيميائية، بايلوجية ).
فالأسلحة النووية و تسمى بالذرية أيضاً عبارة عن: قنابل شديدة الإنفجار، تعتمد على الطاقة المنطلقة من تحويل جزء المادة ، وذلك بتحطيم النواة الذرية لبعض العناصر كاليورانيوم، و ظهرت الأسلحة النووية أول مرة في الحرب العالمية الأولى، وذلك حينما ألقت أمريكا في عام 1945م قنبلتين منها على مدينتي هيروشيماونكازاكي اليابانيتين، فأرغم ذلك الإمبراطورية اليابانية على الإسستسلام( ).
والأسلحة الكيميائية عبارة عن المواد السّامة المستحضرة كيميائياً، تستخدم في المعركة،فتصيب قواه الحيّة، و تسبب ألماً أو تسمّماً في جسم الإنسان، وهذه الأسلحة تستعمل إما على شكل غاز كالكلور، أو على شكل سائل كالخردل، أو جسماً صلباً كالكلور استوفينون، واستخدمها الإيطاليون ضد الأثيوبين عام 1936م، وكذلك الأمريكيون في فيتنام عام 1968م ، كما و استخدمتها الحكومة العراقية ضد المعالم الشعب الكوردي في مدينة حلبجة في 16/3 1988م( ).
أما الأسلحة البايلوجية وتسمى بالأسلحة الجرثومية أيضاً، فهي عبارة عن استخدام البكتريا والفيروسات، أو سمومها لإحداث الموت أو المرض للبشر والحيوان والنبات، و استخدم الإنكليز هذا النوع من السلاح ضد زعماء الهنود الحمر الأمريكين عام 1763م، و كذلك استخدمه الأمريكيون في فيتنام عام 1966م، كما اتهمت أمريكا من قبل باستخدام هذا النوع من السلاح البايلوجي خلال الحرب الكورية عام 1952م( ).
ثانياً : حكم امتلاك أسلحة الدمار الشامل :
هذة المسألة من النوازل الفقهية التي لم يتطرق اليها القدامى من الفقهاء ،ويحتاج حكمها إلى تحرير، فلاتجد نصاً تشريعياً فقهياً صريحاً في بيان حكمها الشرعي، وذلك لأنَّ هذا النوع من الأسلحة ظهر مؤخراً، ولم يكن موجوداً عند نزول النصوص التشريعية، و لا عند قيام الفقهاء القدامى بالإجتهاد في استنباط الأحكام الشرعية من الأدلة التفصيلية ، وهذا لا يعني أن الفقه الإسلامي عاجزٌ عن بيان الحكم الفقهي في مثل هذه المواضيع المستجدة، فلا يعجز الفقه الإسلامي عن بيان حكمه في مثل هذه النوازل المعاصرة، وذلك بالبحث في الأراء الفقهية في المسائل المشابهة لهذا الموضوع و المشتركة معه في العلة.
واختلف العلماء المعاصرون في بيان حكم هذه الأسلحة على رأيين :
الرأي الأول: وجوب تمليكها ، وإلى هذا الرأي ذهب أكثرية الذين تطرقوا إلى بيان حكم المسألة، منهم الدكتور علي جمعة( )،والشيخ علي أبو الحسن( )،و الشيخ علاء الشناويهي( )،والشيخ محمد بن ناصر بن عبدالرحمن الجعواني( )،و الدكتور عبدالمجيد محمود الصلاحين( )،والشيخ خيرالدين مبارك عويمر الجزائري( )و الشيخ ماهوشيزا حاج عبدالله( ).
واستدل القائلون بالجواز بعدة أدلة،أهمها:
1- عموم قوله تعالى: ( وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل )( )، فهذه الآية عامة في مشروعية إعداد العدة بكل ما يتقوى به في الحرب، ويرى الشيخ محمد رشيد رضا:أنَّ العلماء جزموا بعموم نص الآية( ).
قال الزحيلي: وأما الوسائل والآلات فهي التي يجب إعدادها بحسب متطلبات العصر، و بغير الإعداد الملائم للحرب في كل عصر لا يصان السلام، وصون السلام عرفاً وعادةً و عقلاً لا يكون إلا بآلات الحرب الحديثة( ).
قال السعدي: فدخل في ذلك أنواع الصناعات التي تعمل فيها أصناف الأسلحة والآلات، من المدافع،والرشاشات،والبنادق،والطيارات الجويّة، والمراكب البرية والبحرية،والقلاع والخنادق، وآلات الدفاع، والرأى والسياسة، التي بها يتقدم المسلمون، ويندفع شر أعدائهم( ).
2- لما أمر الله سبحانه وتعالى المؤمنين بالإعداد الدائم للقوة الحربية لمواجهة العدو، كان سببه إرهاب الأعداء وإدخال الرعب في قلوبهم ( ترهبون به عدوَّ الله وعدوَّكم)( )، ومن ينظر في أحوال الأمم في هذا الزمان يرى قيمة وأهمية امتلاك مثل هذه الأسلحة وأثرها في دفع العدوان قبل وقوعه، وامتلاك هذه الأسلحة وحيازتها يرهب العدو و يردعه ( )، ويؤكد الدكتور علي جمعة على أنَّ الله سبحانه وتعالى قد أمر المؤمنين في الآية بردع الأعداء حتى لا تسول لهم أنفسهم الإعتداء على المسلمين،والردع كما هو معلوم مبدأ شرعي يظهر في الحدود والتعازير، فهو أيضاً مبدأ سياسي معتبر تعتمده الدول في سياستها الدفاعية كما تقرر ذلك في علم الإستراتيجيات العسكرية، فإتخاذ هذه الأسلحة و تحصيلها من مكملات ذلك المطلوب، و مكمّل المطلوب مطلوبٌ، والإذن في الشيء من مكملات مقصوده، ولايخفى من ذلك خلق التوازن الاستراتيجي والعسكري المتبادل بين الدول( ).
ويمكن أن يُرد عليهم: بأنَّ المقصود من إعداد العدة في الإسلام إنّما هو إرهاب الأعداء حتى لا يفكروا في الاعتداء على المسلمين، وليس المقصود بإعداد العدة إرهاب المسالمين، أو العدوان على الآمنين، أو القهر والإذلال للناس واستغلالهم فيما يغضب الله سبحانه وتعالى، كما جاءت الآية الكريمة صريحة بذلك( )،وإنَّ بامتلاك أيّة دولة أسلحة الدمار الشامل يدخل الرعب والرهب في نفوس المسالمين والآمنيين، أو تستطيع الدولة بإذلال الناس و استغلالهم في الكثير من الأحيان.
3-عموم آيات القتال ومنها (وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إنَّ الله لا يحب المعتدين)( )وقوله تعالى ( وقاتلوا المشركين كافة كما يقاتلونكم كافة)( )،و قوله ( واقتلوهم حيث وجدتموهم ولا تتخذوا منهم ولياً ولا نصيرا)( )، فهذه الآيات الكريمة عامة في الأمر بقتال الأعداء وقتلهم، ولم تقيد ذلك بطريقة دون أخرى، وأبَحْن قتل العدو بأيّة طريقة كانت ، وأسلحة الدمار الشامل هي أحدى أنواع الأسلحة التي لها أثرها الكبير في تحطيم الطرف الآخر .
ويمكن أن يُرَدَّ بأنَّه : وإن سلّمنا بعموم آيات القتال كما قلتم ، إلا أنّ أسلحة الدمار الشامل لها الأثر الكبير في قتل معصومي الدماء في الحروب ، والرسول صلى الله عليه وسلم ينهانا عن قتل النساء والصبيان، فقد قال:( لا تغلوا ولا تغدروا و لا تمثلوا و لا تقتلوا وليدا …)( )، و روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنَّ رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى في بعض مغازيه امرأة مقتولة فأنكر ذلك و نهى عن قتل النساء والصبيان( )، فحيازة أسلحة الدمار الشامل و استخدامها لا تؤدي إلى قتل المجرمين فقط بل يتعدى القتل إلى النساء والأطفال العزل ، وهذا مما يتنافى مع تعاليم الإسلام وآدابه في القتال .
رابعاً : قوله تعالى ( فأرسلنا عليهم الطوفان و الجراد و القمّل والضفادع والدّم آيات مفصلات فاستكبروا وكانوا قوماً مجرمين)( )، فهذا العذاب الذي سلّطه الله تعالى على قوم فرعون وملائه يشابه أسلحة الدمار الشامل التي تستعمل اليوم في الحروب.
4- ما فعله النبي صلى الله عليه وسلم لبني النضير و تحريق نخلهم، وكذلك ماروى من أنه صلى الله عليه وسلم رمى أهل الطائف بالمنجنيق( )( ).
قال ابن القيّم : يستدَّل من عمل الرسول صلى الله عليه وسلم على جواز قطع أشجار المشركين و تحريقها، إذا كان في ذلك إغاظة و إضعاف لهم( )، وهذه الأسلحة على إسم تدميرها شامل يعم النبات والشجر والإنسان،ويعمل بعض منها عمل النار في الحرق والتدمير.
ويمكن أنْ يُرَدَّ: بأنَّ قطع النبي صلى الله عليه وسلم لنخل بني النضير إنَّما كان بعد أنْ جاءهُ الأمر من السماء،حتى وإن سلمنا بأن القطع كان قبل نزول الوحي فإنَّه لم يقطع جميع نخل بني النضير بل قطع أجزاء فقط،ورويت بعض روايات توضح أنَّ عمله صلى الله عليه وسلم كان من باب الضرورة العسكرية( ).
ويقول الدكتور محمد الصلابي بهذا الصدد أنَّه إذا تبين أنَّ قطع الشجر و هدم البناء توجبه ضرورة حربية لا مناص منها، وذلك كأن يستتر العدَّو به، ويتخذه وسيلة لإيذاء جيش المؤمنين، فإنَّه لا مناص من قطع الأشجار وهدم البناء، على أنَّه ضرورة من ضرورات القتال كما فعل النبي- صلى الله عليه وسلم- هنا، والكلام على الفقهاء الذين أجازوا الهدم والقلع يجب أن يُخَّرج على أساس هذه الضرورات، لا على أساس إيذاء العدو، والإفساد المجرد، فالعدو ليس الشعب إنَّما العدو هم الذين يحملون السلاح ليُقاتلوا( ).
5- واستدلوا بجملة من القواعد الفقهية منها قاعدة( مالا يتم الواجب إلا به فهو واجب)( ) باعتبار أنَّ الإعداد للجهاد واجب،وحفظ الأمة من أعدائها واجب، وإعداد العدة وحفظ الأمة لا يتحققان الإ بالقوة العسكرية الحديثة،و كذلك ما قاله الأصوليون من أنّ ( الوسائل لها أحكام المقاصد)( )،ينطبق على جواز استخدام و حيازة هذا النوع من الأسلحة لأنَّ القصد من هذه الوسائل هو تحقيق القوة والأمن للمسلمين فإنَّ حكمها حكم المقصد الشرعي المطلوب، و استدلوا أيضاً بقاعدة( الضرورات تبيح المحظورات)( ) قائلين وإنْ سلَّمنا بأنَّ هذه الأسلحة مما لايجوز استعمالها شرعاً فإنَّ المحرَّم يباح عند الضرورة، فإذا لم يندفع العدو إلا بهذه الأسلحة جاز استعمالها( )، و كذلك قاعدة ( الأصل في الأشياء الإباحة)( ).
الرأي الثاني:عدم جواز تمليكها واستخدامها، وإلى هذا ذهب الدكتور إسماعيل إبراهيم أبو شريفة( ).
و استدل صاحب هذا الرأي بعدة أدلة، نذكر منها :
1-عموم قوله تعالى:( وأحسنوا إنَّ الله لا يحب المحسنين)( )، وقوله صلى الله عليه وسلم:( إنَّ الله كتب الإحسان على كل شيء، فإذا قتلتم فأحسنوا القِتلة)( )، فعموم الأمر في الآية السابقة يشمل طريقة القتل في جهاد الكفار، و في الحديث الشريف يوضح لنا صفة القتل، ومعلوم أنَّ القتل بهذه الأسلحة ليس من الإحسان.
2- نهيه صلى الله عليه وسلم عن المثلة( )، والقتل بهذه الأسلحة فيها تمثيل للميت.
3- قوله تعالى:( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين)( )، ينقل الطبري في تفسير الآية ( بسنده عن علي بن داود قال حدّثنا أبو صالح قال حدّثني معاوية عن علي عن ابن عباس من الآية … لا تقتلوا النساء و لا الشيخ الكبير و لا من ألقى إليكم السلم وكفّ يده، فإن فعلتم هذا فقد اعتديتم )( )، وكذلك ماوصّى به النبيّ _ صلى الله عليه وسلم_ لقاده سراياه وبعوثه،قائلاً لهم:( لا تقتلوا شيخاً كبيراً فانياً، ولا امرأة و لا تقطعوا شجراً إلا لمأكلة)( )، وعندما سئل الرسول صلى الله عليه وسلم عن ( قتل أولاد المشركين، نهى عن قتلهم ، فقالوا : إنَّهم أولاد المشركين، فقال عليه الصلاة والسلام: أو ليس خياركم بأولاد المشركين)( ).
فهذه النصوص دالة على عدم جواز استهداف غير المحاربين، لأنَّه باستخدام هذه الأسلحة لا يمكن التمييز بين المحاربين و غيرهم من النساء والأطفال، لذا كان من الأولى عدم تمليكها.
4- واستدلوا أيضاً بالقاعدة الأصولية ( درء المفسدة أولى من جلب المصلحة)( )، وذلك بأنَّ امتلاك هذه الأسلحة وتصنيعها فيه مفاسد ظاهرة على البيئة والإنسان، كما أن تخزينها ليس بالأمر بالهين، فإن تسرب بعض هذه المواد بسبب حوادث خطيرة وانتشاراً لأمراض مستعصية، لذلك كان القول بعدم جواز امتلاكها أولى بالقول بوجوب امتلاكها.
ويُردُّ على هذا القول بأنَّ هذا الأمر مقبول لو لم يكن لأية دولة مثل هذه الأسلحة، ولكن بعد أن تبيّن الدول العظمى تمتلك أسلحة الدمار الشامل وبالأخص الدول الغير المسلمة – إسرائيل- فلا يبقى لهذا القول مستند، وكيف تحرم على المسلمين امتلاكها في الوقت الذي امتلكها أعداء الدين وربنا يقول فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به .
هذا بالإضافة إلى أنَّ استعمال هذه الأسلحة دائماً تكون في الحروب، و كما معلوم أنَّ الأمر بالحرب منوط إلى ولي الأمر، فامتلاك الفرد لهذا النوع من الأسلحة مخالف لقواعد الحرب في الإسلام حيث يتولى الفرد أو الجماعة في هذه الحالة اعلان الحرب بنفسه .

القول الراجح : قبل بيان القول الراجح، أودُّ أن أشير الى أمرين :
الأمر الأول: ليس من شرط امتلاك السلاح استعماله، لأنَّ هناك فرقاً كبيراً بين الامتلاك والاستعمال، فقد لا يجوز استعمال سلاح معين،بسبب المشاكل والمخاطر المتعلقة باستعماله، لكن امتلاكه قد يكون واجباً، وذلك لردع العدو، ومنعه من التسلط عليه، فبمجرد الإمتلاك الدول لهذه الأسلحة يضمن عدم استعمال العدو لنفس السلاح، و به يحصل نوع من التوازن العسكري بين الأطراف المتحاربة.
الأمر الثاني: هذه الأسلحة بأصلها ليست شراً محضاً كما يتصوره الكثيرون، بل كما تستعمل هذه الأسلحة في القتال،فإنَّ لها استعمالات مفيدة قبل أن تتحول إلى السلاح في الكثير من نواحي الحياة، في الزراعة و توليد الطاقة ومحاربة بعض الأمراض و الأوبئة،وغير ذلك من المباحات التي تقوم عليها الحياة.
والذي يظهر للباحث بعد بيان الأراء حول امتلاك أسلحة الدمار الشامل،أنَّ الجمع بين الرأيين أولى من إهمال أحدهما، و ذلك من خلال بيان مايلي:
1-لم أقف على أي نص أو رأي يجيز تمليك الفرد أو الجماعات لأسلحة الدمار الشامل، لذا أرى أنه يُحرم على الأفراد أو الجماعات التعامل بهذا النوع من الأسلحة بيعاً و شراءً و تصنيعاً، لأنّه سيكون منتشراً بين أيدي الأفراد والجماعات ولا تستطيع الدولة السيطرة عليه، ومن ثم يكون الإتجار بها بين الأفراد والجماعات، وهذا مما يسبب حالة من الفوضى و سوء الإستعمال، وهذا يدخل تحت قاعدة ( لا ضرر و لا ضرار)( ).
2-إذا قلنا برأي القائلين بوجوب امتلاك الدول هذه الأسلحة لما تشكل من قوة الردع وما تحدثه من التوازن، فإنَّه :
أولاً:لا يجوز استعمال هذه الأسلحة مطلقاً إذا كان الضرر سيلحق ببلاد المسلمين،أو بمنطقة من بلاد العدو آهلة بالمسلمين أو المسالمين، أو بمن لا يحل قتله من النساء والصبيان .
ثانياً:إذا تمكنت الدولة المسلمة من استعمال أي وسيلة أخرى من الوسائل التقليدية لقهر العدو وحمله على الإستسلام فلا يحق لهم استخدام هذا النوع من الأسلحة.
ثالثاً:إذا وجد تشريع دولي يضمن حرمة امتلاك هذا النوع من الأسلحة فيجب على الدول الإلتزام بهذا التشريع في حرمة حيازته، أما إذا عُلِم يقيناً بأنَّ هذا التشريع ينطبق على دولةٍ دون أخرى فلا يحظر شرعاً عدم الإلتزام بهذا التشريع، والله أعلم.
المراجع
بعد القرآن الكريم
– إدارة الشؤون السياسية و شؤون مجلس الأمن ،مركز الأمم المتحدة لنزع السلاح، حولية الأمم المتحدة لنزع السلاح.
2-جهود الأمم المتحدة لنزع السلاح ،عبدالفتاح اسماعيل،حقوق الطبع والنشر محفوظة للمؤلف .
3- أسلحة الدمار الشامل في القانون الدولي العام، الدكتور خليل حسين أستاذ القانون الدولي في الجامعة اللبنانية، بحث منشور على شبكة الأنترنيت http://drkhalilhussein.blogspot.com/2009/01/blog-post_6926.html.
4- الأسلحة النووية والكيميائية والبيولوجية في عالمنا المعاصر : ممدوح حامد العطية و سليم صلاح الدين، دار سعاد الصباح، دولة الكويت ، الطبعة الثانية عشرة، لسنة 1992م .
5- أسلحة الدمار الشامل و أحكامها في الفقه الإسلامي للدكتور عبدالمجيد محمود الصلاحين، بحث منشور في مجلة الشريعة والقانون العدد 23 في مايو 2005 .
6- الحرب الكيمياوية: غالب المندعي العفيفي،مؤسسة الإتحاد للصحافة والنشر والتوزيع،الطبعة الأولى لسنة 1991م.
7- الأسلحة الكيميائية والجرثومية:معين أحمد محمود،دار العلم للملايين، لبنان، 1982.
8- ميزوى هاوجةرخي كورد- تأريخ الكورد المعاصر- : بيفد ماكداول، ترجمة أبوبكر خوشناو، السليمانية – العراق، ئايار 2003م ، مطبعة رون .
9- الأسلحة الكيميائية والبيولوجية وتأثيراتها على البيئة: عادل جرار، دار الجيل ، عمان، المملكة الأردنية الهاشمية.
10موقع دار الإفتاء المصرية http://www.dar-alifta.org/ViewFatwa.aspx?ID=646&LangID=1&MuftiType=0
11 – القتال في الإسلام أحكامه وتشريعاته – دراسة مقارنة- : محمد بن ناصر بن عبدالرحمن الجعواني، مطابع المدينة- الرياض/ المملكة العربية السعودية، الطبعة الثانية 1983م .
12- أسلحة الدمار الشامل وحكمها في الفقه الإسلامي:خيرالدين بن مبارك عويمر الجزائري، بحث منشور على شبكة الأنترنيت، ملتقى أهل الحديث http://www.ahlalhdeeth.com/vb/showthread.php?t=207737 .
13- مدى مشروعية أسلحة الدمار الشامل في ضوء أحكام الشريعة الإسلامية: ماهوسيزا حاج عبدالله، جامعة نايف العربية للعلوم الأمنية، الرياض- 2004 م .
4 – التفسير المنير: الدكتور وهبة الزحيلي ،دار الفكر – دمشق ، الطبعة الثانية 2003هـ .
15- تيسير الكريم الرحمن : عبدالرحمن بن ناصر السعدي ، تحقيق : عبدالرحمن بن معلا اللويحق، مؤسسة الرسالة ، الطبعة الأولى 2000م .
16- التفسير الوسيط للقران الكريم : الدكتور محمد سيد طنطاوي، دار السعادة- جمهورية مصر العربية 2007 م .
17- الجامع الصحيح سنن الترمذي: محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي، تحقيق أحمد محمد شاكر وآخرون، كتاب السير، باب ماجاء في وصيته في القتال، حديث رقم 1617 ، دار إحياء التراث العربي، بيروت – لبنان.
18 – الموطأ : الإمام مالك بن أنس بن مالك المدني، تحقيق الدكتور تقي الدين الندوي، حديث رقم 867، الطبعة الأولى 1991م ، دار القلم ، دمشق- سوريا.
19- زاد المعاد في هدي خير العباد :ابن القيم الجوزية، دار الكتب العلمية، لبنان – بيروت.
20- مشكاة المصابيح: محمد لن عبدالله الخطيب التبريزي، تحقيق: محمد ناصرالدين الألباني، كتاب الجهاد، باب القتل في الجهاد، الطبعة الثالثة، 1405هـ – 1985م، المكتب الإسلامي، بيروت- لبنان.
21- حماية البيئة في النزاعات العسكرية: رسالة ماجستير للسيد محمد المهدي بكراوي، وزارة التعليم العالي والبحث العلمي- الجمهورية الجزائرية الديمقراطية الشعبية- 1430هـ – 2009 م.
22- السيرة النبوية: د. محمد علي الصلابي، دار ابن كثير، الطبعة الثانية، دمشق- سوريا، 1430هـ – 2009م.
23 -متن جمع الجوامع مع حاشية البناني على شرح جلال الدين المحلي: الإمام تاج الدين عبدالوهاب السبكي، دار الفكر ، بيروت – لبنان، 1402هـ – 1982م.
24- مجموعة الفوائد البهية على منظومة القواعد الفقهية: صالح بن محمد بن حصن العمير القحطانى، دار الصميعي للنشر والتوزيع، السعودية، الطبعة الأولى، 1420هـ – 2000م .
25- الأشباه والنظائر: جلال الدين السيوطي، دار الكتب العلمية، الطبعة الأولى، 1411هـ – 1990م.
26- المنثور في القواعد الفقية، بدرالدين محمد بن عبدالله الزركشي، مطبعة وزارة الأوقاف الكويتية، الطبعة الثانية، 1405هـ – 1985م.
27- جامع البيان في تفسير القران، محمد بن جرير الطبري، دار الفكر، بيروت- لبنان 1405هـ .
28- القواعد الفقهيّة: د. عبدالعزيز محمد عزام، دار الحديث- القاهرة، 1426هـ – 2005م .

ـــحـــــــث الـأســتـــــــاذ/ عـــبـــــــد الــفــتـــــــاح الـيـــافــعـــــــي/مـــــــن الــيــمــــــــن
فــي الـنـدوة الـأولـى (الـإقـلـيـمـيـــة)
حـــكـــــــم امتـــــــلاك الـأفـــــــراد والـجـمـــاعـــات لـأســلــحـــــــة الـدمـــــــار الـشــامـــــــل)

التي أقيمت في فندق (كواليتي سويتس) في 2-3/10/2012م

بـــرعـــايـــة الـشـيـــــــخ ســـمـيـــــــر مــــــراد الـشـــوابــــــكـة
مـــركـــز الـإمـــام(أبـــوعـبـــدالـلـــه) الـشـافـعـي الـعـلـمــي

بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله وآله وصحبه ومن والاه وبعد:
فالعالم اليوم يشهد سباقا مسعورا في التسلح بين الدول بغرض بسط النفوذ والسيطرة عليه أو على بعضه, هذا في زمن العولمة والقرية الكونية الصغيرة, وليس من وراء هذا السباق إلا الهلاك والدمار والقتل والقتال وزعزعة الأمن والخوف والفقر والجوع وكل بلاء, كما شاهدنا في حروب العالم في التاريخ المعاصر, ومما يدعو للخوف والقلق هو وجود اسلحة دمار شامل بيد بعض الدول, وللأسف أن أسلحة الدمار الشامل هي بيد غير المسلمين إلى ما قبل سنوات قليلة, حين أعلنت الباكستان عن تجربة نووية ناجحة وصارت قنبلتها النووية تسمى بالقنبلة النووية الإسلامية, والخوف هو في أن تدخل تلك الدول في حروب نووية تدمر العالم, وليس ذلك ببعيد فقد تم بالفعل استخدام القنبلة الذرية في الحرب العالمية الثانية من قِبَل الامريكان على اليابان وأحدثت دمارا واسعا في الأرض والإنسان ولا تزال اليابان تعاني من آثار ذلك الى اليوم
وقد طلبت مني مؤسسة الإمام الشافعي في الأردن أن أعد بحثا مختصرا لا يزيد عن عشر صفحات حول مدى مشروعية امتلاك الأفراد والجماعات خارج إطار الدولة للسلاح سواء كان خفيفا أو ثقيلا أو من أسحلة الدمار الشامل, ليعرض البحث ويناقش في ندوة متخصصة فأجبتهم إلى ذلك, ولكن البحث لا تكفيه عشر صفحات ومع ذلك سأحاول الاختصار قدر المستطاع وعسى ألا يكون اختصاري مخلا, وقبل الدخول في الموضوع لا بد من مقدمات ممهدة ومهمة جدا حتى تتضح الصورة:
المقدمة الأولى: الإنسان مخلوق مكرم مفضل
الأسلحة عموما خفيفة أو ثقلية أو أسلحة دمار شامل يراد منها بالدرجة الأولى قتل وإهلاك الإنسان, هذا الإنسان الذي كرمه الله وشرفه وفضله على كثير من الخلق, فخلقه بيده في أحسن تقويم, ونفخ فيه من روحه, وأسجد له ملائكته, وسخر له ما في سماواته وأرضه.. خلقه لعبادته, وأرسل له رسله, وأنزل عليه كتبه؛ ليكون خليفته في أرضه.
وبنو آدم كلهم إخوةٌ في الإنسانية, فقد وصف الله تعالى الأنبياء بأنهم إخوة لأقوامهم الذين لم يستجيبوا رغم اختلاف الدين, والمقصود بذلك الأخوة الإنسانية. قال تعالى: (وإلى عاد أخاهم هودا قال ياقوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره أفلا تتقون ) [الأعراف:65] والآيات في ذلك كثيرة, بل قد أبقى الله تعالى وصف الأخوّة الإنسانية حتّى مع غير المسلمين المحاربين، قال تعالى: (لا تجد قوماً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوآدّون من حاد الله ورسوله ولو كانوا ءآباءهم أو أبناءهم أو إخوانهم أو عشسرتهم أولئك في كَتَب في قلوبهم الإيمان وأيدهم بروح منه) [المجادلة:22] وكان مما قاله المغيرة بن شعبة لما بعثه سعد بن أبي وقاص رضي الله عنهما إلى رستم وهو يشرح له الإسلام: (…وإخراج العباد من عبادة العباد إلى عبادة الله. والناس بنو آدم وحواء فهم إخوة لأب وأم)اه تاريخ الطبري (3/33) وفي وصايا سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه: (الناس صنفان إما أخ لك في الدين وإما نظير لك في الخلق)اه معالم الخلافة للقلقشدني (ج1/ص345) , ومن تكريم الله للإنسان: أن الأصل هو حرمة دم الإنسان وأن قتل النفس الإنسانية كقتل الناس أجمعين قال الله تعالى: (من أجل ذلك كتبنا على بنى إسرائيل أنه من قَتَل نفساُ بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا ومن أحياها فقد أحيا الناس جميعاً ولقد جاءتهم رسلنا بالبينات ثم إن كثيرا منهم بعد ذلك في الأرض لمسرفون) [المائدة:32] المقدمة الثانية: هدف الإسلام والرسالة ومقصد الدعوة
لم يكن هدف النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولا غيره من الأنبياء والمرسلين هو قتل من لم يستجب لهم ولا إهلاكهم وإبادتهم وتدميرهم, وإلا لما كان مع الأنبياء حواريون وأصحاب؛ لأن الحواريين والأصحاب كانوا قبل الدعوة غير مؤمنين بالله ورسله, ولكن كان هدف النبي صلى الله عليه وآله وسلم وجميع الأنبياء والمرسلين, بل وهدف كل داعية عرف حقيقة الدعوة؛ هو: إدخال الناس في دين الله.. إدخال الناس في الهداية.. إدخال الناس في الرحمة.. إدخال الناس في جنة الدنيا وجنة الآخرة, وهذا الأمر من الوضوح والجلاء بمكان, ولكن البعض قد يعمى عنه بسبب الفتن وردود الأفعال والغيرة والحماسة. وهاك بعض الشواهد والنماذج على ذلك
فمن القرآن الكريم: قال تعالى: (فلعلك بخعٌ نفسك على آثارهم إن لم يؤمنوا بهذا الحديث أسفا) [الكهف:6] أي: ستهلك نفسك يا محمد أسفاً وحزناً عليهم؛ لأنهم لم يؤمنوا بالقرآن ولم يدخلوا في الدين ولم يستجيبوا للهداية, وقال تعالى: (لعلك باخعٌ نفسك أن لا يكونوا مؤمين) [الشعراء:3] أي: ستهلك نفسك يا محمد من أجل أن غير المسلمين لم يؤمنوا ويسلموا لله. وقال تعالى لموسى وهارون عليهما السلام: (فقولا له قولاً ليّناً لعله يتذكر أو يخشى) [طه:44] فالمقصد هو أن يتذكر فرعون أو يخشى فيؤمن بالله ورسله ويدخل في رحمة الله مع أنه القائل: (أنا ربكم الأعلى ) والقائل: (ما علمت لكم من إله غيري)
– ومن السنة النبوية: بعد عودة النبي صلى الله عليه وآله وسلممن الطائف والدماء تسيل من قدميه الشريفتين عرض عليه ملك الجبال أن يطبق الجبال على أهل مكة والطائف فقال عليه الصلاة والسلام: لا إني لأرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبده ولا يشرك به شيئا) (رواه البخاري ومسلم عن عائشة رضي الله عنها)
– وفي أحد كسروا رباعيته وشجوا رأسه ودخلت حلقات المغفر في وجنته وقتلوا سبعين من أصحابه فيهم عمه حمزة, وبعدها يرفع يديه صلى الله عليه وآله وسلم ويقول: (اللهم اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون) (رواه ابن حبان ومعجم الطبراني عن سهل بن سعد رضي الله عنه)
– وفي فتح مكة دخل النبي صلى الله عليه وآله وسلم ظافراً منتصراً متواضعاً فقال لأهل مكة: ما تظنون أني فاعل بكم؟ قالوا: أخ كريم وابن أخ كريم, قال صلى الله عليه وآله وسلم: (اذهبوا فأنتم الطلقاء) (رواه البيهقي في سنن)
– وعندما قال الطفيل بن عمرو الدوسي: يا نبي الله ادع الله على دوس، رفع صلى الله عليه وآله وسلم يديه فقال الصحابة: هلكت دوس, فقال: « اللهم اهد دوساً» (رواه البخاري ومسلم)
– ولما هلك رأس المنافقين ابن سلول تمنى له النبي صلى الله عليه وآله وسلم الرحمة والمغفرة, فأعطى ثوبه الشعار الذي يلي جسده الشريف لابنه ليكفنه به, وصلى عليه ودفنه واستغفر له حتى آيسه ربه بقوله: (استغفر لهم أو لا تستغفر لهم…) (رواه البخاري) ولو ذهبنا نعدد النماذج والأمثلة على ذلك من السيرة النبوية لطال بنا المقام وفيما ذكرناه الكفاية وزيادة, (لمن كان له قلب أو ألقى السمع وهو شهيد)
المقدمة الثالثة: الأصل في العلاقة بين البشر هي السلم لا الحرب
قال الله تعالى (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها وتوكل على الله) وقال تعالى: (فإن اعتزلوكم فم يقاتلوكم وألقوا اليكم السلم فما جعل الله لكم عليهم سبيلا) وقال تعالى عن اليهود: (كلما أوقدوا نارا للحرب أطفأها الله) قال ابن جرير الطبري في تفسيره (ج14/ص40) (وإن جنحوا للسلم فاجنح لها) وإن مالوا إلى مسالمتك ومتاركتك الحربَ، إما بالدخول في الإسلام، وإما بإعطاء الجزية، وإما بموادعة، ونحو ذلك من أسباب السلم والصلح (فاجنح لها)، يقول: فمل إليها، وابذل لهم ما مالوا إليه من ذلك وسألوكه)اه
وقال ابن كثير في تفسيره (ج4/ص83): (وَإِنْ جَنَحُوا) أي: مالوا (لِلسَّلْمِ) أي: المسالمة والمصالحة والمهادنة، (فَاجْنَحْ لَهَا) أي: فمل إليها، واقبل منهم ذلك؛ ولهذا لما طلب المشركون عام الحديبية الصلح ووضع الحرب بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمتسع سنين؛ أجابهم إلى ذلك مع ما اشترطوا من الشروط الأخر. وروى عبد الله بن أحمد عن علي بن أبي طالب، رضي الله عنه، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنه سيكون بعدى اختلاف فإن استطعت أن يكون السلم فافعل)اه
وقد زعم بعضهم أن الآية منسوخة بآية السيف وهذا غير صحيح قال الطبري معترضا على من قال بأن الآية منسوخة (ج14/ص42) (فأما ما قاله قتادة ومن قال مثل قوله، من أن هذه الآية منسوخة، فقولٌ لا دلالة عليه من كتاب ولا سنة ولا فطرة عقل. وقد دللنا في غير موضع من كتابنا هذا وغيره على أن الناسخ لا يكون إلا ما نفى حكم المنسوخ من كل وجه. فأما ما كان بخلاف ذلك، فغير كائنٍ ناسخا. وقول الله في براءة:( فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ ) غير نافٍ حكمُه حكمَ قوله.(وإن جنحوا للسلم فاجنح لها)، لأن قوله:(وإن جنحوا للسلم)، إنما عني به بنو قريظة، وكانوا يهودًا أهلَ كتاب، وقد أذن الله جل ثناؤه للمؤمنين بصلح أهل الكتاب ومتاركتهم الحربَ على أخذ الجزية منهم.)اه
وقد رد كثير من المفسرين والعلماء قول من قال إن الآية منسوخة بآية السيف وقالوا: إن الأمر إنما هو من باب النسأ وليس من باب النسخ بمعنى أن الآيات في ذلك هي بحسب الأحوال والمصلحة, وراجع تفاصيل أقوالهم في كتاب الباحث (التعايش الإنساني والتسامح الديني في الإسلام)
فالإسلام لا يسعى أبدا للقتل والتدمير والإهلاك والحرب ولكن لما كان الأعداء على مر الزمان يسعون إلى إضعاف المسلمين بشتى الوسائل وهم في المقابل يسعون إلى القوة بشتى الوسائل وعندما يرون في المسلمين ضعفا فلا يترددون في الهجوم عليهم والسيطرة على بلدانهم ونهب ثرواتهم, كان لا بد على المسلمين من أن يعدوا العدة حتى يهابهم الأعداء ولا يفكروا في النيل منهم, والحديث عن إعداد العدة سيكون في المبحث الأول:
المبحث الأول: إعداد العدة للأعداء
يجب على الدولة الإسلامية إعداد جيش قوي ذي جاهزية عالية في كل لحظة لأي مهمة ولأي طارئ قال تعالى: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة ومن رباط الخيل ترهبون به عدو الله وعدوكم وآخرين من دونهم لا تعلمونهم الله يعلمهم) قال القرطبي في تفسيره الجامع لأحكام القرآن (ج8/ص35): (قوله تعالى: {وَأَعِدُّوا لَهُمْ} أمر الله سبحانه المؤمنين بإعداد القوة للأعداء بعد أن أكد تَقدمةَ التقوى. فإن الله سبحانه لو شاء لهزمهم بالكلام والتفل في وجوههم وبحفنة من تراب، كما فعل رسول الله صلى الله عليه وسلم. ولكنه أراد أن يبتلي بعض الناس ببعض بعلمه السابق وقضائه النافذ)اه وقال تعالى: (ياأيها الذين آمنوا خذوا حذركم فانفروا ثبات أو انفروا جميعا) وقال تعالى: (فلتقم طائفة منهم معك وليأخذوا حذرهم وأسلحتهم)
واليوم قد ترك المسلمون العمل بهذه الآيات وصار ما لديهم من سلاح إنما يحصلون عليه من أعدائهم والأعداء بلا شك لا يعطوننا إلا ما يعلمون أننا لا ننتصر به عليهم, والمصيبة أنه غالبا ما تستخدم تلك الأسحلة في الحرب مع دول مسلمة مجاورة أو في قمع الشعوب المسلمة, ولذا طمع الأعداء في هذه الأمة وعاثوا في اراضيها يمينا وشمالا يحتلون ما شاءوا منها وينتهكون سيادة ما شاءوا منها مع صمت مطبق نسأل الله صلاح الأحوال, وللأسف أن كثيرا من الخبراء واليد العاملة الذين يعملون في مصانع السلاح الغربية هم من المسلمين فإن قيل: لماذا لا يعمل أولئك في بلاد المسلمين, فالجواب واضح وهو أن الدول الإسلامية لا تهيئ الأجواء المناسبة لذلك بل تهيئ الأجواء الطاردة للكفاءات والخبرات العلمية ونتج عن ذلك هجرة العقول الإسلامية ليستفيد منها الأعداء نسأل الله العافية, وليست المشكلة في نقص الأموال ولا في نقص الخبرات وإنما المشكلة في الإرادة
والعدة التي يجب إعدادها تشمل الأمور التالية:
أولا: التسلح بسلاح الإيمان والتقوى: فالمطلع على السيرة والتاريخ يعلم يقينا أن الصحابة والسلف لم ينتصروا بكثير عدة ولا كثير عدد -وإن كان لا بد من إعداد العدة والعدد- ولكن انتصارهم كان بقوة علاقتهم بالله تعالى, ففي بدر كانوا اقل عددا وعدة فقال تعالى (ولقد نصركم الله ببدر وأنتم أذلة) بينما في حنين كانوا أكثر عددا وعدة فقال تعالى (ويوم حنين إذ اعجبتكم كثرتكم فلم تغن عنكم شيئا وضاقت عليكم الأرض بما رحبت ثم وليتم مدبرين..) وفي أحد كانت الهزيمة بسبب المعصية لأمر الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم, والنماذج على ذلك من التاريخ كثيرة
ثانيا: التسلح بسلاح الظاهر: في صحيح مسلم (ج6/ص52) عقبة بن عامر يقول سمعت رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وهو على المنبر يقول: (وأعدوا لهم ما استطعتم من قوة) (ألا إن القوة الرمى ألا إن القوة الرمى ألا إن القوة الرمى)اه وقد فسر النبي صلى الله عليه وآله وسلمالقوة بالرمي لأن الرمي هو أهم وسائل القوة فالرشاشات والمدافع والدبابات والطائرات والبارجات ووو كلها قوتها في رميها, والحروب الحديثة في اغلبها معتمدة على الدقة في الرمي فسبحان الملك الأعلى الذي علم نبيه فلا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى
ثالثا: تدريب الجيوش التدريب المتقدم: في الجمع بين الصحيحين (ج1/ص366) عن سلمة بن الأكوع قال مر النبي صلى الله عليه وآله وسلمعلى نفرٍ من أسلم ينتضلون بالسوق فقال: ارموا بني إسماعيل فإن أباكم كان رامياً وأنا مع بني فلان فأمسك أحد الفريقين بأيديهم فقال: ما لكم لا ترمون؟ فقالوا: كيف نرمي وأنت معهم؟ قال: ارموا وأنا معكم كلكم)اه قال النووي في شرح مسلم (ج13/ص64): (فيه فضيلة الرمى والمناضلة والاعتناء بذلك بنية الجهاد فى سبيل الله تعالى وكذلك المشاجعة وسائر أنواع استعمال السلاح وكذا المسابقة بالخيل وغيرها والمراد بهذا كله التمرن على القتال والتدرب والتحذق فيه ورياضة الأعضاء بذلك)اه
وفي صحيح البخاري (ج1/ص162): (عن عبد الله بن عمر: أن رسول الله صلى الله عليه و سلم سابق بين الخيل التي أضمرت من الحفياء وأمَدُها ثنية الوداع وسابق بين الخيل التي لم تضمر من الثنية إلى مسجد بني زريق)اه وقد كانت الخيول سيدة المعركة فيما مضى حتى ظهرت الاسلحة النارية. ولكن الخيل كناية عن المركوب, والأحاديث في تعلم الرمي والتدريب على السلاح كثيرة تركنا ذكرها اختصارا فليراجعها من أرادها في مظانها من كتب الحديث
ولا بد من المواظبة على التدريب للحصول على الجاهزية ففي صحيح مسلم (ج6/ص52): (عن عقبة بن عامر قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلميقول « من علم الرمى ثم تركه فليس منا أو قد عصى »اه. قال الشوكاني في نيل الأوطار (ج8/ص163): (في ذلك إشعار بأن من أدرك نوعا من أنواع القتال التي ينتفع بها في الجهاد في سبيل الله ثم تساهل في ذلك حتى تركه كان آثما إثما شديدا لأنه ترك العناية بذلك يدل على ترك العناية بأمر الجهاد وترك العناية بالجهاد يدل على ترك العناية بالدين لكونه سنامه وبه قام)اه ويجب الاستفادة من خبرات الآخرين في ذلك, وفي حفر الخندق في العهد النبوي وتدوين للجند في العهد الراشدي دليل واضح على ذلك فالأمر مقتبس من الروم والفرس في ذلك الزمان
المبحث الثاني: الجيش الاحتياطي
جيوش الدول تنقسم إلى قسمين: الجيش النظامي والجيش الاحتياطي أو الجيش الشعبي, والكل يعمل على وجود الجيش الاحتياطي ويسمون أيضا بـ (المتطوعون) و(المليشيات) و(الجماعات المسلحة) يُطلبون عند الحاجة ولهم أثر كبير جدا في نتائج الحروب وانتصار الدول او انهزامها, ولكن العمدة بلا شك هي على الجيش النظامي لا الاحتياطي وهم الأفضل إذا حَسُنت النية ففي مصنف عبد الرزاق (ج5/ص279): (عن جابر قال سألت الشعبي عن الغزو وعن أصحاب الديوان افضل أو المتطوع؟ قال: بل أصحاب الديوان , المتطوع متى شاء رجع)اه
ولا بد أن يخضع الجيش الاحتياطي لتنظيم وترتيب الدولة ويكون لهم ديوان خاص (ديوان المتطوعين) ولا بد أيضا أن يخضعوا للتدريب والإعداد وإلا كانوا وبالا وعبئا على الجيوش وسببا في هزيمتها, ولا بد أيضا أن يخضعوا لأوامر الدولة في الإقدام والاحجام وأن يدخلوا في خطة الدولة في القتال وإلا تسببوا في إرباك خطط الدولة وبالتالي الهزيمة والفشل وعندئذ يكون خروجهم مع الجيش معصية وليس طاعة ففي سنن سعيد بن منصور (ج5/ص269): (عن مجاهد قال لما خرج رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمإلى تبوك قال: لا يخرجن معنا إلا مقوٍ, فخرج رجل على بكر له صعب فوقص به فمات فجعل الناس يقولون الشهيد الشهيد فأمر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلمبلالا ينادي في الناس أنه لا يدخل الجنة إلا نفس مؤمنة ولا يدخلها عاص قال مجاهد: ما سمعنا من رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حديثا أشد من هذا)اه
المبحث الثالث: حكم استخدام أسلحة الدمار الشامل
قد ورد النهي في الشرع عن قتل من ليسوا من أهل القتال من أهل دار الحرب كالنساء والصبيان والرهبان والعجزة والأجراء والفلاحين والتجار ونحوهم مما يطلق عليه في الاصطلاح المعاصر (المدنيون) فعن ابن عمر أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مقتولة فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل النساء والصبيان)اه صحيحي البخاري (423/1) ومسلم ( 84/2).
وعن رباح بن ربيع قال: كنا مع رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم في غزوة فرأى الناس مجتمعين على شيء فبعث رجلا فقال: “انظر على ما اجتمع هؤلاء” فجاء فقال: على امرأة قتيل, فقال: “ما كانت هذه لتقاتل” قال: وعلى المقدمة خالد بن الوليد فبعث رجلا فقال: “قل لخالد لا تقتلن امرأة ولا عسيفا”)اه مسند أحمد (3/448), وفي شرح ابن ماجه (1/204): (العسيف: الأجير والتابع للخدمة)اه
وعن أنس بن مالك أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: (انطلقوا باسم الله وبالله وعلى ملة رسول الله ولا تقتلوا شيخا فانيا ولا طفلا ولا صغيرا ولا امرأة)اه سنن ابي داود (2/44) وعن يحيى بن سعيد: ان أبا بكر الصديق قال ليزيد بن أبي سفيان: لا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما)اه موطأ مالك (2/447)
وعن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: (اتقوا الله في الفلاحين فلا تقتلوهم إلا أن ينصبوا لكم الحرب)اه سنن البيهقي (9/91) وعن ابن عباس قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم إذا بعث جيوشه قال: (اخرجوا بسم الله تقاتلون في سبيل الله من كفر بالله لا تغدروا ولا تغلوا ولا تمثلوا ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع)اه مسند أحمد (1/300) وعن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال: (كنا لا نقتل تجار المشركين على عهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم) مسند أبي يعلى (3/427), ومصنف ابن أبي شيبة (6/484)
قال الشيخ محمد أبو زهرة في كتابه (العلاقات الدولية في الإسلام) (ص/99): (تكرر نهي النبي صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل العسفاء وهم العمال الذين يستأجرون للعمل الذين لا يحاربون وليس لهم في الحرب عمل… والعمال والزراعيون واليدويون الذين لا يقاتلون هم بناة العمران, والحرب الإسلامية ليست لإزالة العمران)اه
وفي العهد الأول كانت تستخدم في الحروب الأسلحة التي لا تؤدي إلى قتل من ليسوا من أهل القتال كالسيف والرمح والسهم, ولكن عند الضرورة كانت أيضا تستخدم بعض الأسلحة والوسائل التي قد تؤدي إلى قتل من ليسوا من أهل القتال كالمنجنيق يرمى به بالحجارة والنار, وكحرق البيوت والشجر ونحوها من الوسائل, والأصل أنه لا يجوز استعمال الاسلحة والوسائل التي تؤدي إلى قتل من ليسوا من أهل القتال والتي تؤدي إلى إتلاف الشجر والبنيان فعن يحيى بن سعيد: أن أبا بكر الصديق قال ليزيد بن أبي سفيان: لا تخونوا، ولا تغدروا، ولا تغلّوا، ولا تمثّلوا، ولا تقتلن امرأة ولا صبيا ولا كبيرا هرما ولا تقطعن شجرا مثمرا ولا تخربن عامرا ولا تعقرن شاة ولا بعيرا إلا لمأكلة ولا تحرقن نخلا ولا تفرقنه) موطأ مالك (2/447), إلا إن الفقهاء قد نصوا على أنه يجوز استخدام تلك الأسلحة والوسائل عند الضرورة كأن يتوقف التغلب على العدو على استخدامها, أو يستخدمها العدو ضد المسلمين فيؤدي ذلك إلى قتل المسلمين وهزيمتهم, وقد روى البيهقي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلمنصب المنجنيق على أهل الطائف ولكن الحديث ضعيف, وانظر لأقوال الفقهاء في ذلك فتح القدير 5/447 ومنح الجليل 3/148 والمغني لابن قدامة 10/502
ثم تطور الأمر في العهود المتأخرة وصارت تستخدم البنادق والمدافع وقد نص الفقهاء أيضا على أنه لا يجوز استعمال المدافع إذا كان ذلك سيؤدي الى قتل من ليسوا من أهل القتال إلا عند الضرورة فقي السيل الجرار (ج1/ص954) قال الشوكاني: (إذا لم تدع الضرورة إلى ما يعم من يجوز قتله ومن لا يجوز قتله كان الواجب اجتناب قتل من لا يجوز قتله وترك السبب الذي لا يمكن فيه تخصيص من يجوز قتله ومن لا يجوز كالرمي بالمنجنيق والمدافع وما يشابه ذلك)اه
ومن الطبيعي ألا ينص الفقهاء السابقون على حكم استخدام اسلحة الدمار الشامل (ذرية ونووية وجرثومية وكيماوية وهيدروجينية…إلخ) لأنها ليست موجودة في زمانهم لكنهم قد نصوا كما تقدم على حكم استخدام الاسلحة التي تؤدي ألى قتل من ليسوا من أهل القتال والتي تؤدي ألى تخريب ما لا يجوز تخريبه, وحكموا بأن الأصل في ذلك هو الحرمة إلا عند الضرورة, وعليه فإننا نستطيع أن نصل الى حكم استخدام اسلحة الدمار الشامل ضد العدو, فالأصل هو حرمة ذلك إلا عند الضرورة قياسا على المدافع والمنجنيق من باب أولى, لأنها أشد تدميرا بل لا مقارنة والإسلام جاء لإعمار الأرض وإحياء الإنسانية بالدين لا لتدمير الأرض وإبادة الإنسان كما تقدم معنا في المقدمات في اول البحث, ومما يؤكد المنع من استخدامها لغير الضرورة هو انها ستؤدي أيضا إلى قتل المسلمين بلا شك وقد قال الله تعالى (ولولا رجال مؤمنون ونساء لم تعلموهم أن تطأوهم فتصبكم منهم معرة بغير علم لو تزيلوا لعذبنا الذين كفروا منهم عذابا أليما)
المبحث الرابع: حكم امتلاك الجيش الاحتياطي للأسلحة عموما
كان المقاتل في العهد الأول يجهز نفسه بنفسه ومن ذلك توفير السلاح لأنه كان مطالبا بالجهاد بالمال كما كان مطالبا بالجهاد بالنفس قال تعالى: (هل ادلكم على تجارة تنجيكم من عذاب أليم تؤمنون بالله ورسوله وتجاهدون في سبيل الله بأموالكم وأنفسكم) وقال تعالى: (جاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ) والآيات في ذلك كثيرة, وفي سنن أبى داود (ج2/ص318): (عن أنس أن النبى صلى الله عليه وآله وسلم قال: جاهدوا المشركين بأموالكم وأنفسكم وألسنتكم)اه.
ولكن ليس كل الناس يقدر على تجهيز نفسه وهنا كان يأتي دور الدولة في تجهيز العاجزين قال تعالى: (ولا على الذين إذا ما أتوك لتحملهم تولوا واعينهم تفيض من الدمع حزنا ألا يجدوا ما ينفقون) وفي صحيح مسلم (ج5/ص151): (عن عمر قال: كانت أموال بنى النضير مما أفاء الله على رسوله مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب للنبى صلى الله عليه وآله وسلمخاصة فكان ينفق على أهله نفقة سنة وما بقى يجعله فى الكراع والسلاح عدة فى سبيل الله.) اه ومن مصادر تجهيز الجيوش في الإسلام أيضا الزكاة قال تعالى: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين… وفي سبيل الله ) ولا خلاف في أن تجهيز الجيوش للجهاد داخل في قوله تعالى (وفي سبيل الله), وعندما تكون خزينة الدولة لا تتحمل الإنفاق على التسليح فهنا يأتي دور المقتدرين من أهل الأموال في تجهيز العاجزين وقد كان النبي صلى الله عليه وآله وسلميحث على تجهيز العاجزين ففي الجمع بين الصحيحين البخاري ومسلم (ج1/ص337): (عن زيد بن خالد قال قال نبي الله صلى الله عليه وسلم: من جهز غازياً في سبيل الله فقد غزا)اه وفي الجمع بين الصحيحين (ج1/ص73): (عن عثمان رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: من جهز جيش العسرة فله الجنة)اه
واستمر الحال على ذلك حتى دون عمر دواوين الجند فصار يفرض لهم العطاء والسلاح قال الطبري تاريخ الطبري (ج2/ص452) في حوادث السنة الخامسة عشرة من الهجرة: (وفي هذه السنة فرض عمر للمسلمين الفروض ودون الدواوين وأعطى العطايا على السابقة)اه وفي مصنف ابن أبي شيبة (ج12/ص309): (عن عبيدة السلماني قال: قال لي عمر: كم ترى الرجل يكفيه من عطائه، قال: قلت: كذا وكذا، قال: لأن بقيت لأجعلن عطاء الرجل أربعة آلاف: ألفا لسلاحه , وألفا لنفقته , وألفا يجعلها في بيته وألفا لكذا وكذا أحسبه قال لفرسه.)اه
وهنا يأتي السؤال المهم وهو: هل يجوز للأفراد والجماعات خارج اطار الدولة أن يقوموا بتسليح انفسهم بناء على ما كان يحصل في العهد الأول من الإسلام من تسليح المقاتلين لأنفسهم أو أن يطلبوا من أهل القدرة تقديم الدعم لهم لأجل التسلح كما كان يحصل في الصدر الأول؟
والجواب هو: أن الدولة هي التي تقرر ذلك وفقا للمصلحة الواقعية والضوابط الشرعية فإذا كان وجود السلاح في يد غير الدولة أفرادا أو جماعات يشكل خطرا على الدولة أو على الأمة فلها أن تمنع من ذلك بل يجب عليها منع كل ما فيه ضرر على الدولة أو الأمة ولها أن تسلب ذلك السلاح ممن هو موجود بأيديهم سواء كان هذا السلاح خفيفا ام ثقيلا ومن باب أولى إذا كان من أسلحة الدمار الشامل, وللدولة أيضا ان تمنع جمع المال لغرض التسلح للأفراد أو الجماعات إذا كان في ذلك ضرر على الأمة أو الدولة بل يجب عليها أن تمنع من ذلك, ولا يجوز حينئذ لأحد من الرعية أن يعينهم على التسلح, لما فيه من الضرر ومخالفة ولي الأمر, ففي الدر المختار (ج4/ص268): ( ويكره ) تحريما ( بيع السلاح من أهل الفتنة) لأنه إعانة على المعصية ( وبيع ما يتخذ منه كالحديد ) ونحوه)اه
ولا شك أنه في الحالة الطبيعية عند وجود سلطان للدولة وحين قيامها بواجب تأمين الرعايا من الأخطار الداخلية والخارجية فإن وجود السلاح بيد غير الدولة يعد خطرا وضررا على الأمة والدولة لأن ذلك سيؤدي إلى الاقتتال الداخلي وزعزعة الأمن والاستقرار وتعريض الأمة للقتل والنهب والدولة للضعف والهوان إلى غير ذلك مما لا يخفى من المخاطر والأضرار, وكما هو معلوم فإن دفع المفاسد مقدم على جلب المصالح, هذا إن كانت هناك مصلحة في بقاء السلاح بيد الأفراد والجماعات. وهذه المفاسد موجودة في السلاح الخفيف أما في السلاح الثقيل فالضرر والخطر أشد وأعظم وهو أعظم واشد في اسلحة الدمار الشامل بل لا مقارنة
وقد نزع بعض الخلفاء الراشدين أسلحة بعض الجماعات نتيجة للضرر المترتب على بقائها بأيديهم, فقد نزع ابو بكر رضي الله عنه سلاح القبائل التي ارتدت بعد عودها للإسلام خوفا من تكرار ما فعلوه, ونزع علي رضي الله عنه سلاح الماسورين من البغاة الذين قاتلوه يوم صفين, ففي مصنف ابن أبي شيبة (ج12/ص264): عن طارق بن شهاب قال: جاء وفد أسد وغطفان إلى أبي بكر يسألونه الصلح فخيرهم أبو بكر بين الحرب المجلية والسلم المخزية فقالوا: هذا الحرب المجلية قد عرفناها فما السلم المخزية قال أبو بكر: تؤدون الحلقة والكراع , وتتركون أقواما يتبعون أذناب الإبل حتى يري الله خليفة نبيه صلى الله عليه وآله وسلم والمسلمين أمرا يعذرونكم به, وتدون قتلانا ولا ندي قتلاكم, وقتلانا في الجنة وقتلاكم في النار, وتردون ما أصبتم منا ونغنم ما أصبنا منكم…)اه وفي مصنف ابن أبي شيبة (ج12/ص422) عن أبي جعفر قال: كان علي إذا أتي بأسير يوم صفين أخذ دابته وأخذ سلاحه وأخذ عليه أن لا يعود وخلى سبيله.)اه
واذا احتاجت الدولة بعد ذلك للمقاتلين المتطوعين فإنها توفر لهم السلاح بحسب الحاجة فإذا انتهت الحاجة فإنها نتزع منهم السلاح حتى لا يكونوا سببا بعد ذلك في الخطر والضرر ويجب أن تضع الدولة من الآليات ما يكفل عدم تسرب تلك الأسلحة الى جماعات متطرفة تعود فتقاتل المسلمين بتلك الاسلحة, وإذا تم نزع أسلحتهم فإنه يجب على الدولة أن تعطيهم قيمتها إذا كانوا قد اشتروها من أموالهم قال الماوردى في الحاوى الكبير (ج13/ص313): (إذا تقرر أنه لا يجوز الانتفاع بدواب أهل البغي وسلاحهم، فإن استمتع أهل العدل بدواب وسلاح أهل البغي لزمهم أجرة مثلها كالغاصب. فإن تلفت في أيدي أهل العدل بعد استعمالها دواب وسلاح أهل البغي ضمنوا رقابها)اه
فإن قالت تلك الجماعات المسلحة: نحن نريد أن يبقى السلاح معنا حتى نجاهد به الأعداء, قيل لهم: إن أمر الجهاد موكول إلى الإمام مادام موجودا وهو الأخبر متى وكيف يكون ذلك؟ ففي حينها فإن الدولة هي التي تصرف السلاح لمن ترى المصلحة في صرفها له, ففي سنن أبى داود (ج2/ص325): عن أبى هريرة قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: « الجهاد واجب عليكم مع كل أمير برا كان أو فاجرا ..)اه وقال ابن قدامة في المغني (ج10/ص368): (وأمر الجهاد موكول إلى الامام واجتهاده ويلزم الرعية طاعته فيما يراه من ذلك … فان عدم الامام لم يؤخر الجهاد لأن مصلحته تفوت بتأخيره)اه وقال أيضا في المغني (ج10/ص383): (إذا جاء العدو صار الجهاد عليهم فرض عين فوجب على الجميع فلم يجز لأحد التخلف عنه فاذا ثبت هذا فانهم لا يخرجون إلا بإذن الأمير لأن أمر الحرب موكول اليه وهو أعلم بكثرة العدو وقلتهم ومكامن العدو وكيدهم فينبغي أن يرجع الى رأيه لأنه أحوط للمسلمين إلا أن يتعذر استئذانه لمفاجأة عدوهم لهم فلا يجب استئذانه لأن المصلحة تتعين في قتالهم والخروج اليهم لتعين الفساد في تركهم لذلك..)اه وقال الشربيني في مغني المحتاج (ج4/ص220): (يكره غزو بغير إذن الإمام أو نائبه ) تأدبا معه ولأنه أعرف من غيره بمصالح الجهاد وإنما لم يحرم لأنه ليس فيه أكثر من التغرير بالنفوس وهو جائز في الجهاد وينبغي كما قال الأذرعي تخصيص ذلك بالمتطوعة أما المرتزقة فلا يجوز لهم ذلك لأنهم مرصدون لمهمات تعرض للإسلام يصرفهم فيها الإمام فهم بمنزلة الأجراء..)اه ثم قال الشربيني: (تنبيه: استثنى البلقيني من الكراهة صورا: أحدها: أن يفوته المقصود بذهابه للاستئذان, ثانيها: إذا عطل الإمام الغزو وأقبل هو وجنوده على أمور الدنيا كما يشاهد, ثالثها: إذا غلب على ظنه أنه لو استأذنه لم يأذن له)اه
فإذا امتنعت تلك الجماعات عن تسليم السلاح بغير حجة فإنهم يعدون من البغاة فيرسل لهم الإمام من يفاوضهم ويناظرهم فإن أبوا تسليم السلاح فللإمام أن يقاتلهم حتى يخضعهم لسلطان الدولة وفي الجمع بين الصحيحين (ج1/ص177): (عن أبي موسى عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من حمل علينا السلاح فليس منا) وفي الجمع بين الصحيحين أيضا (ج2/ص219): (عن ابن عمر أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: من نزع يداً من طاعة فإنه يأتي يوم القيامة لا حجة له ومن مات وهو مفارقٌ للجماعة فإنه يموت ميتة جاهلية)اه وقال الشافعي في الأم (ج4/ص218): (فإن كانت لأهل البغي جماعة تكثر ويمتنع مثلها بموضعها الذي هي به بعض الامتناع حتى يعرف أن مثلها لا ينال حتى تكثر نكايته ونصبوا إماما وأظهروا حكما وامتنعوا من حكم الإمام العادل فهذه الفئة الباغية… فينبغي إذا فعلوا هذا أن نسألهم ما نقموا فإن ذكروا مظلمة بينة ردت فإن لم يذكروها بينة قيل لهم عودوا لما فارقتم من طاعة الإمام العادل وأن تكون كلمتكم وكلمة أهل دين الله على المشركين واحدة وأن لا تمتنعوا من الحكم فإن فعلوا قبل منهم, وإن امتنعوا قيل إنا مؤذنوكم بحرب فإن لم يجيبوا قوتلوا ولا يقاتلون حتى يدعوا ويناظروا إلا أن يمتنعوا من المناظرة فيقاتلوا)اه
ومتى ألقوا بعد ذلك السلاح فلا يجوز قتالهم قال الشافعي في كتابه الأم (ج4/ص219): (ومتى ألقى أهل البغي السلاح لم يُقاتلوا)اه وفي الاقناع في حل ألفاظ أبى شجاع (ج2/ص204): (ولا يقتل) مدبرهم ولا من ألقى سلاحه وأعرض عن القتال ولا (أسيرهم)اه وقال الماوردي في الحاوى الكبير (ج13/ص252): (وأصل هذا قول الله تعالى: (فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله) والفيئة في كلامهم: الرجوع، وهو على ثلاثة أضرب تتفق أحكامها وإن اختلفت أنواعها: أحدها: أن يرجعوا إلى طاعة الإمام والانقياد لأمره، فهو غاية ما أريد منهم، وقد خرجوا به من البغي اسما وحكما، وصاروا داخلين في أحكام أهل العدل. والضرب الثاني: أن يلقوا سلاحهم مستسلمين، فالواجب الكف عنهم : لأن الله تعالى أمر بقتالهم لا بقتلهم…)اه
ويجب هنا أن نشير الى أن ما سبق ذكره هو في الوضع الطبيعي والمفترض من قيام الدولة ببسط الامن والأمان وحفظ الأمة من الأخطار الداخلية والخارجية أما اذا كان الناس يخافون على انفسهم من الأخطار الداخلية فلا يأمنون على دمائهم وأموالهم وأعراضهم فليس للدولة منعهم من امتلاك ما يدافعون عن أنفسهم من السلاح دون هو فوق ذلك ويجب عل الدولة فرض سلطتها حتى لا تضطر الناس الى حمل السلاح
وإذا حصلت الخيانة من الدولة فلم تقم بواجبها تجاه الاخطار الخارجية فإن على أهل الحل والعقد أن يعزلوا القائمين على الدولة وأن يولوا غيرهم ممن يقوم بالواجب تجاه تلك الأخطار ولا يجوز أيضا أن يتحايل الحاكم على رعيته فينزع سلاحهم بحجة إزالة الضرر والخطر ثم يتخذ ذلك سلما للدكتاتورية والاستبداد والظلم والقهر للرعية, ولا شك أن حبل الظلم قصير وأن للظالم نهاية وخيمة وأن الله قاصم كل جبار (ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد)!!!! ومما يعصم الحكام من ذلك هو تقوى الله تعالى في نفوسهم وإخلاصهم لأمتهم كما أن الرأي العام الواعي والجريء مما يجعل الحكام يتخذون القرارات الرشيدة -البعيدة عن المصالح الشخصية والحزبية- في شؤونهم السياسية.
نسأل الله العظيم رب العرش العظيم أن يصلح أحوال المسلمين وأن يجعلنا سببا في ذلك, والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيدنا محمد وآله وصحبه وأتباعه إلى يوم الدين
عبد الفتاح بن صالح قديش اليافعي
اليمن- صنعاء- 10- ذو القعدة-1433ه

ـــحــــــث سـمـــــــاحــــة الــدكـتـــــــور/ عـــــــلـــي جــمــعـــــــة مــفــتـــــــي جـمـهـــــــوريـــة مـــصــــــــر الـعـــربــيـــــــة
الــــــــذي أنـــــــاب عــنـــــــه ســـــــعــادة الــدكــتـــــــور/ مــحــمـــــــد خــضـــــــر

في الندوة الأولى (الإقليمية)
حكم امتلاك الأفراد والجماعات لأسلحة الدمار الشامل)
برعاية فضيلة الشيخ سمير مراد الشوابكة

بسم الله الرحمن الرحيم

ورقة عمل بحثية حول
حكم استعمال أسلحة الدمار الشامل للجماعات والأفراد
الحمد لله، والصلاة والسلام على سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه، ومن والاه وبعد:
فهذه ورقة بحثية عن مدى مشروعية استعمال أسلحة الدمار الشامل للجماعات والأفراد.
وأسلحة الدمار الشامل هي تلك الأسلحة التي تشمل الأسلحة الذرية المتفجرة، وأسلحة المواد المشعة، والأسلحة البيولوجية والكيميائية الفتاكة، وأية أسلحة أخرى تستحدث في المستقبل تكون لها خصائص مماثلة للأثر التدميري للأسلحة المذكورة أعلاه. [نحو الاتفاق على مفاهيم الأمن، معهد الأمم المتحدة لنزع السلاح، جنيف- سويسرا، لسنة 2003م (ص:9)]، وبناء على هذا التعريف فإن أسلحة الدمار الشامل في عرف العسكريين وفقهاء القانون الدولي تشمل الأسلحة النووية والبيولوجية والكيميائية، وما سيستحدث من أسلحة بحيث يكون لها نفس خصائص ما ذكر من الأنواع السابقة المذكورة في التعريف .
وتنقسم هذه الأسلحة إلى ثلاثة أصناف:
أ- أسلحة ذرية؛ كالقنبلة النووية والقنبلة الهيدروجينية والقنبلة النيترونية، وهذا النوع مُصَمَّم بحيث ينشر موادَّ إشعاعية تدمر البشر والمنشآت، وتلوِّث مُدُنًا بأكملها لمدد زمنية طويلة، وقد يقتصر بعضها على تدمير البشر فقط دون المنشآت .
ب- أسلحة كيميائية؛ كالغازات الحربية ذات الاستعمالات المتعددة والمواد الحارقة، ويكون لها تأثير بالغ الضرر -قد يصل إلى الموت- على أي كائن حي يتعرض لها، كما تصيب أيضًا الزراعات والنباتات، وغالبًا ما تكون هذه المواد السامة في حالة غازية أو سائلة سريعة التبخر ونادرًا ما تكون صلبة .
ج- أسلحة بيولوجية؛ ويقصد بها الجراثيم والفيروسات التي تُستَخدَم لنشر الأمراض الوبائية الخطيرة في صفوف العدو، وإنزال الخسائر بموارده الحيوانية أو الزراعية .
ومن الجدير بالذكر أن الأسلحة البيولوجية والكيميائية تستخدم للفتك بالكائنات الحية غير أنها لا تصيب المنشآت والمباني بسوء، كما أن هذه الأنواع لا مضاد لها، ولها تأثير مدمر على كافة الكائنات الحية، وهذا التأثير يمتد لعقود طويلة .
حيازة الدول الإسلامية لسلاح الدمار الشامل:
واتخاذ الدول الإسلامية مثل هذه الأنواع من الأسلحة على سبيل ردع المعتدين عنها أمرٌ مطلوبٌ شرعي، تطبيقًا لقول الله تعالى: ﴿وأَعِدُّوا لَهُم ما استَطَعتُم مِن قُوَّةٍ ومِن رِباطِ الخَيلِ تُرهِبونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وعَدُوَّكُم﴾ [الأنفال: 60]، ووجه الدلالة قد ذكره العلامة الآلوسي عند تفسيره لهذه الآية؛ حيث قال: “أي: مِن كل ما يُتَقَوَّى به في الحرب كائناً ما كان” ا هـ [روح المعاني، ط. دار إحياء التراث العربي 10/24]، وقد أمر الله تعالى في الآية سالفة الذكر بردع الأعداء حتى لا تُسَوِّل لهم أنفسهم الاعتداء على المسلمين، والردع كما هو مبدأ شرعي يظهر في الحدود والتعازير فهو أيضًا مبدأ سياسي معتبر تعتمده الدول في سياساتها الدفاعية كما تقرر في علم الاستراتيجيات العسكرية، وحيازة هذه الأسلحة وتحصيلها من مكملات ذلك المطلوب، ومُكَمِّل المطلوب مطلوبٌ، والإذن في الشيء إذنٌ في مُكَمِّلات مقصوده، ولا يخفى ما في ذلك من فائدة خلق التوازن الاستراتيجي والعسكري المتبادل بين الدول؛ إذ يشكل ذلك عاملَ إثناءٍ للدولة التي قد تُسول لها نفسها أن تُقدِم على عمل عدائي ضِد بلد مسلم، مما يجنب في النهاية فرضية الدخول في حرب غير مُرادة أصلًا .
استعمال الجماعات والأفراد لأسلحة الدمار الشامل:
أما من حيث حيازة واستعمال الجماعات والأفراد لمثل هذه الأنواع من الأسلحة فهناك فرق كبير بين تحصيل هذه الأسلحة واتخاذها على سبيل التخويف ورد كيد المعتدين، وبين المبادأة بالاستخدام التي تُبنى على بعض الاجتهادات الفردية أو الرؤى التي تخص بعض الطوائف والفرق والجماعات، وهذا ممنوع شرعًا، والقول بجوازه ونسبته إلى الشريعة وإلى علمائها كذبٌ وزورٌ وافتراءٌ على الشرع والدين، وأدلة ذلك ما يلي:
الأدلة التي تؤسس لمنع وتحريم حيازة واستعمال أسلحة الدمار الشامل للجماعات والأفراد:
1) أمر الحرب موكول لولي الأمر:
إن الأصل في الحرب ألا تكون إلا تحت راية ولي الأمر المسلم، وأن شأنها موكول إلى اجتهاده، وأنه يجب على الرعية طاعتُه في ذلك. وما وُكِل ذلك إليه إلا لمعرفته واستشرافه على الأمور الظاهرة والخفية وإدراكه لمآلات الأفعال ونتائجها ومصالح رعيته، ولهذا كان إعلان الحرب وعقد الاتفاقات العامة أو الدولية مُوكلا إليه بمجرد تنصيبه، وهو بدوره لا يصدر قرارًا بمجرد الهوى والتشهي بل لا يفعل إلا بعد مراجعة أهل الاختصاص في كل مجال له علاقة بقراره؛ من الخبراء الفنيين والعسكريين والمستشارين السياسيين الذين يُعَدُّون في النهاية مشاركين في صنع القرار الذي لا يمكن أن يستقل ولي الأمر به دون مشاورتهم .
كما أن هذا الاستخدام من قِبل ولي الأمر مشروط بتعين استعمال هذا النوع، فلو كان هناك طرقا أخرى لا يجوز له استعماله، وقد نص على ذلك الفقهاء، ومن ذلك، قول شمس الأئمة السرخسي :” والأولى لهم إذا كانوا يتمكنون من الظفر بهم بوجه آخر ألا يقدموا على التغريق والتحريق؛ لأن في ذلك إتلاف من فيها من المسلمين إن كانوا، وإن لم يكونوا ففي ذلك إتلاف أطفالهم ونسائهم، وذلك حرام شرعا، فلا يجوز المصير إليه إلا عند تحقق الضرورة، والضرورة فيه ألا يكون لهم طريق آخر يتمكنون من الظفر بهم بذلك الطريق، أو يلحقهم في الطريق الآخر حرج عظيم ومئونة شديدة، فحينئذ لدفع هذه المئونة يباح لهم التحريق” ا هـ[ شرح السير الكبير، ط. الكتب العلمية 4/276] ووجه الاستشهاد هنا بكلام الإمام السرخسي على الرغم من كونه ذكر التغريق والتحريق: أن التغريق والتحريق تشبه أسلحة الدمار الشامل من حيث إنها آلات حرب يعم إهلاكها.
واستقلال فرد أو أفراد من عموم المسلمين بتقرير استعمال مثل هذه الأسلحة ليس افتئاتًا على ولي الأمر فقط، بل هو افتئات على الأمة نفسها؛ إذ إن هؤلاء قد أعطوا أنفسهم حق اتخاذ قرارات تتعلق بمصير الأمة ككل دون أن يرجعوا إليها وإلى أهل الحل والعقد فيها، وذلك في أمور تعرض البلاد والعباد إلى أخطار داهمة.
وقد أكَّد على ذلك العلامة البهوتي في شرح منتهى الإرادات: “ويَحرُم غَزوٌ بلا إذن الأمير؛ لرجوع أمر الحرب إليه، لعلمه بكثرة العدو وقلته ومكامنه وكيده (إلا أن يفاجئهم عدو) كفار (يخافون كَلَبه) -بفتح اللام- أي: شره وأذاه، فيجوز قتالهم بلا إذنه؛ لتعين المصلحة فيه” ا هـ [1/ 636، ط. عالم الكتب] .

2) القتال يكون للمحاربين فقط :
وقد وردت النصوص الشرعية بكثرة التي تحصر العمليات القتالية في المحاربين فقط، وتنهى نهيا شديدا مؤكدا عن استهداف غير المحاربين، ومنها: قوله تعالى: وَقَاتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ [البقرة: 190]، وانكار النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم على من قتل الذرية يوم حنين، وذلك في ما رواه الإمام أحمد في مسنده عن الأسود بن سريع، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية يوم حنين، فقاتلوا المشركين، فأفضى بهم القتل إلى الذرية، فلما جاءوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ” ما حملكم على قتل الذرية؟ ” قالوا: يا رسول الله، إنما كانوا أولاد المشركين، قال: ” أو هل خياركم إلا أولاد المشركين، والذي نفس محمد بيده ما من نسمة تولد، إلا على الفطرة حتى يعرب عنها لسانها”، ووصاياه صلى الله عليه وعلى آله وسلم لقادة سراياه وبعوثه، وفيها قوله : “ولا تقتلوا وليدا طفلا، ولا امرأة، ولا شيخا كبيرا، ولا تغورن عينا، ولا تعقرن شجرة إلا شجرا يمنعكم قتالا أو يحجز بينكم وبين المشركين، ولا تمثلوا بآدمي ولا بهيمة، ولا تغدروا، ولا تغلوا “.
ولا يخفى أن في أسلحة الدمار الشامل بعد تفجيرها لا تميز بين محارب وغيره.
3) خرق المواثيق والمعاهدات الدولية :
والإقدام على هذا الفعل فيه خرقٌ للاتفاقات والمواثيق والعهود الدولية التي رضيتها الدول الإسلامية وانضمت إليها وأقرَّتها بمحض إرادتها وباختيارها؛ توافقًا مع المجتمع الدولي؛ لتحقيق الأمن والسلم الدوليين، ومِن ثَمّ فإن كل أطراف الموقعة على تلك العهود والمواثيق الدولية هم في حالة سلمٍ وتركٍ للقتال بموجب ما اتفقوا عليه، وقد أمرنا الله تعالى بالجناح للسلم في قوله: ﴿وَإِن جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ العَلِيمُ﴾ [الأنفال :61] .
واحترام العهود والمواثيق والوفاء بها أمرُ ندبنا الله تعالى إليه، في قوله تعالى: ﴿يا أَيُّها الذين آمَنوا أَوفُوا بالعُقُودِ﴾ [المائدة: 1]، والعقود جمع عَقد، وهو الالتزام الواقع بين جانبين في فعل ما، قال العلامة الطاهر بن عاشور معلقًا على هذه الآية في تفسيره: “التعريف في العقود تعريف الجنس للاستغراق، فشمل العقودَ التي عاقد المسلمون عليها ربَّهم وهو الامتثال لشريعته، وذلك كقوله: ﴿وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ وَمِيثَاقَهُ الَّذِي وَاثَقَكُمْ بِهِ﴾ [المائدة: 7] ، ومثل ما كان يبايع عليه الرسول المؤمنين أن لا يشركوا بالله شيئا ولا يسرقوا ولا يزنوا، ويقول لهم: فمن وفى منكم فأجره على الله. وشمل العقود التي عاقد المسلمون عليها المشركين، مثل قوله: ﴿فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ﴾ [التوبة: 2] ، وقوله: ﴿وَلَا آمِّينَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ ﴾ [المائدة: 2] . ويشمل العقود التي يتعاقدها المسلمون بينهم” ا هـ [التحرير والتنوير، ط. الدار التونسية للنشر 6/ 74، بتصرف يسير].
كما ندبنا إليه أيضًا الرسول -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- فقد روى الترمذي عن عمرو بن عوف المزني رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “المسلمون على شروطهم إلا شرطًا حَرّم حلالا أو أحلّ حرامًا”، وقد علق عليه الإمام الجصاص بقوله: “وهو عموم في إيجاب الوفاء بجميع ما يَشرُط الإنسان على نفسه ما لم تقم دلالة تخصصه” ا هـ [أحكام القرآن، ط. دار الفكر 2/ 418].
وروى البخاري عن علي رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “ذمة المسلمين واحدة يسعى بها أدناهم فمن أخفر مسلمًا فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين لا يُقبَل منه صرفٌ ولا عدلٌ”. وقوله صلى الله عليه وآله وسلم: (ذمة المسلمين) أي: عهدهم. وقوله: (يسعى بها أدناهم) أي: يتولى ذمتهم أقلهم عددًا فإذا أعطى أحد المسلمين عهدًا لم يكن لأحد نقضه، فما بالنا بولي الأمر، وقوله: (من أخفر) أي: نقض العهد، وقوله: (صرف ولا عدل) أي: لا فرضًا ولا نفلا، والمعنى: لا يقبل الله تعالى منه شيئًا من عمله.
وقد بيّن الرسول صلى الله عليه وسلم أن الذي ينقض العهود فيه خصلة من النفاق، وذلك في قوله : “أربع من كن فيه كان منافقًا خالصًا، ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها؛ إذا اؤتمن خان، وإذا حَدَّث كذب، وإذا عاهد غَدَر، وإذا خاصم فَجَر”، وروى البيهقي عن عمرو بن الحمق الخزاعي أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “إذا أمن الرجل الرجل على نفسه ثم قتله فأنا بريء من القاتل وإن كان المقتول كافرًا”. رواه البخاري في صحيحه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما.
4) قتل وإذاية المسلمين المقيمين في هذه البلاد المستهدفة :
كما أن الإقدام على هذا الفعل فيه قتل وإذاية للمسلمين الموجودين في هذه البلاد سواء أكانوا من ساكنيها الأصليين أو ممن وردوا إليها، وقد عظَّم الشرع الشريف دم المسلم ورهّب ترهيبًا شديدًا من إراقته أو المساس به بلا حق؛ قال تعالى: ﴿وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيماً﴾ [النساء :93]، وقال سبحانه: ﴿مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً﴾ [المائدة :32] .
وروى النسائي في سننه عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال: “لزوال الدنيا أهون عند الله من قتل رجل مسلم”، وروى ابن ماجه عن ابن عمر رضي الله عنهما قال: رأيت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يطوف بالكعبة ويقول: “ما أطيبك وأطيب ريحك، ما أعظمك وأعظم حرمتك، والذي نفس محمد بيده لحرمة المؤمن أعظم عند الله حرمة منك ماله ودمه وأن نظن به إلا خيرًا”.
وجريمة قتل المسلم عمدًا وعدوانًا كبيرة ليس بعد الكفر أعظم منها, وفي قبول توبة القاتل خلاف بين الصحابة ومن بعدهم.
5) مباغتة الغافلين:
وهذا الفعل يتضمن مباغتة وقتل الغافلين، وقد نهى المسلم عن هذا؛ فقد روى أبو داود والحاكم في المستدرك عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: “لا يفتِك المؤمن، الإيمان قيد الفَتك”. قال ابن الأثير: “الْفَتْك أَنْ يَأْتِي الرَّجُل صَاحِبه وَهُوَ غَارّ غَافِل فَيَشُدّ عَلَيْهِ فَيَقْتُلهُ” اهـ [النهاية في غريب الحديث والأثر، ط. المكتبة العلمية ببيروت 3/ 775]. ومعنى الحديث: أن الإيمان يمنع عن الفتك كما يمنع القيد عن التصرف، وقوله عليه الصلاة والسلام: “لا يفتك مؤمن” هو خبر بمعنى النهي؛ لأنه متضمن للمكر والخديعة، أو هو نهي.
ومباغتة الغافل ليست من صفات المؤمن ويستفاد ذلك مثلًا من الصحابي الجليل خبيب الأنصاري -رضي الله عنه- لما وقع أسيرًا لدى المشركين ثم بيع بمكة فابتاع خبيبًا بنو الحارث ابن عامر بن نوفل بن عبد مناف وكان خبيب هو من قتل الحارث بن عامر يوم بدر، فلبث خبيب عندهم أسيرًا، وفي يوم استعار خبيب موسى من بنت الحارث ليستحد بها فأعارته فأخذ ابنًا لها وهي غافلة فلما جاءته وجدته مجلسه على فخذه والموسى بيده ففزعت فزعة، فقال لها خبيب: “تخشين أن أقتله؟ ما كنت لأفعل ذلك”، قالت بنت الحارث: “والله ما رأيت أسيرًا قط خيرًا من خبيب” ا هـ [رواه البخاري]؛ فهذا رجل مسلم أسير لدى أعدائه الذين يدبرون لقتله، وهو على شفير الموت، ورغم ذلك عندما تحينت له فرصة يمكنه أن يدمي قلوبهم فيها بقتل ابنهم لم يفعل ذلك؛ لأن خلق المسلم لا يتضمن الخداع ومباغتة الغافلين.
6) قتل وإذاية النساء والأطفال:
وما يتضمنه هذا الفعل من قتل وإذاية النساء والصبيان، وهذا فعل منهي عنه؛ فقد روى البخاري ومسلم عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما أن امرأة وُجدت في بعض مغازي النبي صلى الله عليه وآله وسلم مقتولة فأنكر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قتل النساء والصبيان، وفي رواية أخرى لهما: فنهى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم عن قتل النساء والصبيان. قال الإمام النووي: “أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا، فإن قاتلوا، قال جماهير العلماء: يقتلون” ا هـ [شرح مسلم ، ط. دار إحياء التراث العربي 12/ 48] .
7) التسبب في شيوع الدمار على الأرض :
ويترتب على هذا الفعل الأخرق ويلات ومصائب على المسلمين جميعًا بل والدنيا ككل؛ لأن الدولة المعتدَى عليها قد تقابل هذا التصرف بتصرف مماثل أو أشد نكاية، كما أن الآثار المدمرة الناجمة عن بعض هذه الأسلحة قد تتعدى مجرد البقعة المصابة وتجرفها الرياح إلى بلاد أخرى مجاورة لا جريرة لها. فمفاسد هذا الفعل العاجلة والآجلة أعظم بكثير من مصالحه -إن كان ثم مصلحة فيه أصلا-، ومن القواعد الشرعية العظيمة أن دفع المفسدة واجب، وأنه مقدم على جلب المصلحة.
8) إتلاف المال :
ويترتب على استعمال هذه الأسلحة إتلاف للأموال والمنشآت والممتلكات العامة والخاصة، وإتلاف المال وإضاعته مما جاء الشرع بتحريمه، وتزداد الحرمة وتتضاعف إذا كان هذا المال المتلَف ليس مملوكًا للمتلِف بل هو مملوك لغيره -كما هو الحال هنا-، فتتعلق الحرمة بمخالفة نهي الشرع من جهة وبحقوق المخلوقين من جهة أخرى .
9) الخيانة لمن قدَّم يده بالأمان :
واستعمال مثل هذه الأسلحة يلزم أن يدخل الفاعل إلى البلاد المستهدفة، وذلك بعد استيفائه الإجراءات الرسمية المطلوبة منه للدخول، وموافقة هذه البلاد على دخول شخص ما إلى بلادها متضمنة أنها توافق على دخوله بشرط عدم الفساد فيها، وهو وإن لم يذكر لفظًا إلا أنه معلوم في المعنى، وقد نص الفقهاء على نحو هذا؛ قال الإمام الخِرَقي في مختصره: “من دخل إلى أرض العدو بأمان, لم يخنهم في مالهم”، قال ابن قدامة شارحًا عبارته: “أما خيانتهم فمحرمة; لأنهم إنما أعطوه الأمان مشروطًا بتركه خيانتهم, وأمنه إياهم من نفسه, وإن لم يكن ذلك مذكورًا في اللفظ فهو معلوم في المعنى, ولذلك مَن جاءنا منهم بأمان فخاننا كان ناقضًا لعهده. فإذا ثبت هذا لم تحل له خيانتهم؛ لأنه غدر, ولا يصلح في ديننا الغدر” ا هـ [المغني، ط. دار إحياء التراث العربي 9/ 237] .

10) درء المفاسد مقدم على جلب المصالح:
ولا يخفى ما في هذه الأنواع من مفاسد عظيمة عانت من ويلاتها بلاد وأجيال بعد أجيال؛ إذ هي تؤثر –بمجرد استخدامها- على الإنسان والبيئة، كما أن تخزينها يتطلب مخاطر جسمية؛ فقد تتسرب بعض المواد أو إشعاعاتها، فتحدث مفاسد عظيمة لاسيما إنها لا يمكن إيقافها أو التصدي لها.

الإجابة على أهم الشبهات التي يتكئ عليها من يقدمون على هذا الفعل:
وأما النصوص الشرعية والفقهية التي جُعِلَت تُكَأَةً لترويج هذه الفكرة الآثمة فهي نصوص منتزعة من سياقاتها مختلفة في مناطه؛ فالاحتجاج بها نوع من المشاغبة؛ حيث إن فيه إهدارًا للفروق المعتبرة بين الأحوال المختلفة؛ كالفرق بين حالة الحرب وحالة السلم، وأن لحالة الحرب أحكامًا خاصة بها تختلف عن حالة السلم الذي تُعصَم فيها الدماء والأموال والأعراض، وهذا فرق مؤثر لا يستقيم معه إلحاق استعمال هذه الأسلحة بما ورد في كتب الفقه من جواز تبييت العدو وجواز رمي الترس، وغيرها من المسائل الواردة في الفقه الإسلامي؛ فقياسها عليها محض خطأ، وإن كانت هذه المسائل المنقولة مسائل صحيحة في نفسها وفي محلها الذي قصده الفقهاء منها وفي حكمها الذي نزّلوه عليها. ولكن الخطأ كل الخطأ في نقل هذه الأحكام الصحيحة من محلها وواقعها إلى محل مغاير وواقع مختلف صورةً وتكييفًا وحكمًا.
أ‌- شبهة القياس على قتل الصائل:
كما أنه لا يصح قياس استخدام هذه الأسلحة على قتال الصائل وقتله؛ إذ من المعلوم أن هناك فروقًا بين أحكام دفع الصائل وأحكام باب الجهاد، منها: أن الصائل إنما يُدْفَع بالأخف فالأخف، فلو دُفِعَ بالكلام حرم الضرب، ولو أمكن دفعه باليد حرم دفعه بالسيف، وهكذا، وهو ما لا يتسق مع إجازة استعمال أسلحة الدمار الشامل .
ب‌- تحريق العدو ورميه بالمنجنيق :
وما يُستَدَلُّ به في هذا المقام من الأحاديث الواردة في جواز تبييت المشركين أو جواز استخدام المنجنيق أو جواز التحريق، وقياس استخدام أسلحة الدمار الشامل على هذه الصور هو في الحقيقة قياس باطل؛ لظهور الفرق الشاسع والواضح بين الأمرين؛ من أن هذه الأحاديث واردة في حالة الحرب، وفرق بين حكم حالة الحرب وحكم غيرها، كما أن هناك فارقًا كبيرًا من حيث الأثر بين رمي الأحجار بالمنجنيق وبين رمي أسلحة الدمار الشامل كما لا يخفى؛ لأن أثر الرمي بالمنجنيق قاصر بالنسبة إلى أسلحة الدمار المذكورة، كما أن هذه الوقائع الواردة في السنة النبوية إنما تمت تحت راية ولي الأمر، وهو فارق رئيس وجوهري بينها وبين ما تستلزمه هذه الدعوى من الخروج على ولاة الأمر، وإعطاء آحاد الناس حق إعلان الحروب من عند أنفسهم افتئاتا على الأمة وعلى ولاة أمورها تحت مسمى الجهاد.
كما أن هذه الأحاديث بفرض صحتها إنما هي وقائع أعيان لا عموم لها، ولهذا ذهب بعض العلماء إلى أن الأصل عدم جواز التبييت والتحريق والتخريب؛ اعتمادًا على النصوص القولية في الباب والتي لها صفة العموم.
على أنا نرى أن الصواب هو منع استعمال أنواع أسلحة الدمار الشامل التي تسبب في حرائق عامة؛ اتباعًا لمقتضى النهي القولي عن التحريق بالنار بعد أن أمر به صلى الله عليه وآله وسلم ، ثم نهى عنه قبل أن يقع، رغم أن الحالة كانت حالة حرب، فقد قال فيما رواه البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه: “إن النار لا يعذب بها إلا الله”، فنهى صلى الله عليه وآله وسلم بذلك عن التحريق، ومعلوم أن كثيرًا من أسلحة الدمار الشامل تسبب حرائق هائلة، فالصواب منع استخدامها مطلقًا ولو في الحروب للنهي العام عن التحريق.
ج- تبييت العدو:
وأما إلحاق هذه المسألة بمسألة تبييت العدو فهو نوع من المغالطة؛ لأن محل تجويز الفقهاء لمسألة تبييت العدو مقيد بقيود منها: أن يكون ثَمَّ حالة الحرب، وأن يكون العدو المقصود تبييته عدوًّا يجوز قتاله، خلافًا لمن بيننا وبينهم اتفاقات ومواثيق لها حكم الهدنة؛ فلا يجوز تبييت من بيننا وبينه هدنة أو ذمة أو ما جرى مجراهما من المواثيق والعهود والاتفاقات الدولية؛ إذ صار كل طرف من أطرافها موضع تأمين من سائر الأطراف الأخرى على النفوس والأموال والأعراض، وإذا كان هؤلاء لا يجوز معهم التبييت ونحوه فلأن يكون استخدام هذه الأسلحة الفتاكة في حقهم حرامًا من باب أولى وأحرى، أما مسألة التترس ونحوها فإنها لا تجوز إلا في حالة الحرب وبشروط وصور محددة تناولها الفقهاء بالتفصيل. [راجع: البحر الرائق 5/80، حاشية ابن عابدين 3/223، روضة الطالبين 10/239، مغني المحتاج 4/223، المغني لابن قدامة 8/449، 10/386].
وبناءً على ذلك فدعوى جواز استخدام الأفراد والجماعات لأسلحة الدمار الشامل، والقول بها والترويج لها من عظيم الإرجاف والإجرام والإفساد في الأرض الذي نهى الله تعالى عنه، وتوعد فاعله بأشد العقاب، قال تعالى: ﴿لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ المُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالمُرْجِفُونَ فِي المَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لاَ يُجَاوِرُونَكَ فِيهَا إِلاَّ قَلِيلاً﴾ [الأحزاب: 60]، وقال سبحانه: ﴿ولا تُفسِدوا في الأرضِ بَعدَ إصلاحها ذَلِكُم خَيرٌ لَكُم إن كُنتُم مؤمِنين﴾ [الأعراف: 85]، وقال عز من قائل: ﴿فَهَل عَسَيتم إِن تَوَلَّيتُم أن تُفسِدوا في الأرضِ وتُقَطِّعوا أرحامَكُم أولَئِكَ الذينَ لَعَنَهُمُ اللهُ فأصَمَّهُم وأَعمى أبصارَهُم﴾ [محمد: 22، 23].
والله سبحانه وتعالى أعلم

أ.د/ علي جمعة
مفتي الديار المصرية

بــحـــــــث الـأســتـــــــاذ/ عــبـــــــد الـمــحــمـــــــود أبّـــــو إبـــراهــيـــــــم عــبـــــــد الــمــحــمـــــــود/مـــــــن الــســـــــودان

المملكة الأردنية الهاشمية
عمان

مركز الامام (أبوعبدالله) الشافعي العلمي

امتلاك أسلحة الدمار الشامل للأفراد والجماعات
في ميزان السياسة الشرعية

تقديم الأستاذ: عبدالمحمود أبّو ابراهيم
الأمين العام لهيئة شؤون الأنصار – السودان
ورئيس المنتدى العالمي للوسطية – فرع السودان
من 2-3 10 – 2012م

بسم الله الرحمن الرحيم
من خصائص الإسلام –الرسالة الخاتمة – أنه يتضمن منهجا قادرا على معالجة المستجدات التي تطرأ؛ فأحكامه مقسمة إلى ثوابت ومتغيرات؛ فالثوابت مجالها العقائد والعبادات وأصول الأخلاق، والمتغيرات مجالها المعاملات والوسائل، وهي تدخل في باب السياسة الشرعية التي عرفها ابن عقيل في الفنون، ونقلها عنه ابن القيم في كتابه السياسية الشرعية؛بقوله”السياسة ماكان فعلاً يكون معه الناس أقرب إلي الصلاح وأبعد عن الفساد” والصحابة رضوان الله عليهم واجهوا بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم قضايا كثيرة؛ فتعاملوا معها بمنهج السياسة الشرعية، واجتهدوا فاستبطوا أحكاما تنطلق من النصوص، وتراعي المقاصد، وتلائم الواقع،ومن هذه المستجدات التي تعاملوا معها الآتي:
– خلافة الرسول صلى الله عليه وسلم
– جمع المصحف الشريف
– محاربة مانعي الزكاة
– تدوين الدواوين
– عدم تقسيم سواد العراق
– اتخاذ السجون
وغيرها من القضايا الكثيرة التي استجدت في حياتهم، وسار على نهجهم أئمة المذاهب والعلماء في مختلف العصور؛فوضعوا قواعد لكافة أنواع العلوم، على قاعدة مالايتم الواجب إلابه فهو واجب.
إننا نعيش في عصر استجدت فيه نوازل كثيرة، وقضايا مستحدثة؛ توجب علينا البحث لاستنباط أحكام تلائم الواقع وتحقق مقاصد الشرع.
ومن القضايا المعاصرة التي يحتاج حكمها إلى تحرير؛ استعمال أسلحة الدمار الشامل،وهي أسلحة تمثل أوج ما بلغه التقدم التكنولوجي في هذا العصر،وتمتلك قدرة خارقة وهائلة على التخريب والتدمير،بحيث تهلك الحرث والنسل،وتبيد الخضراء والحمراء وفي ظل الاضطراب العالمي بعد سقوط المعسكر الشرقي، واستقلال الدول التي كانت تحت مظلة الاتحاد السوفيتي، عجزت الدول المستقلة عن التحكم في مخلفات الدولة العظمى، ومن بينها أسلحة الدمار الشامل التي ربما تكون وجدت طريقها لبعض الأفراد والجماعات؛ من تجار السلاح والحركات الارهابية وربما بعض حركات المقاومة.
طبيعة أسلحة الدمار الشامل:
كانت الأسلحة المستخدمة قديما محدودة، من حيث قدرتها على القتل، ومن حيث امتداد تأثيرها بعد استخدامها، فكان السيف وهو السلاح الذي يعتمد على المواجهة بين المتقاتلين، وهو سلاح لا يقتل بضربة واحدة إلا فردا فردا ولا يقتل جماعة، وكانت الحربة والسهم، وهو سلاح لا يعتمد على المواجهة، ويمكن له أن يحقق أثره ولو على البعد، لكنه بعد محدود، وكان المنجنيق، وهو الآلة المعدة لقذف بعض الأحجار ونحوها على البعد التي يمكن أن تهدم بعض البنيان أو تحدث فيه فجوة، وأما المركبات العسكرية التي تستخدم في القتال فكان أقواها وأمضاها الخيل، وما زال السلاح يتطور وينتقل من طور إلى طور حتى ظهرت الأنواع المتعددة من الأسلحة ذات الإمكانات المختلفة من حيث القدرة على الإصابة الدقيقة، ومن حيث القوة التدميرية الهائلة، ومن حيث مدى الرمي المديد جدا، فظهرت البندقية والمدفع والصاروخ والدبابة والطائرة والسفن الحربية ذات الطرازات المتعددة، وقد ظهر في العقود الأخيرة أخطر ما يمكن تصوره من الأسلحة، وهي التي توصف بأسلحة الدمار الشامل، ويظهر من اسمها أنها أسلحة تعتمد التخريب والتدمير الممتد بلا ضوابط أو حدود تقريبا، ويشمل تخريبها وتدميرها للبيئة كلها بجميع مكوناتها من الإنسان والحيوان والنبات والهواء والماء والتربة، وهي أنواع متعددة، يجمعها ويؤلف بينها ذلك الوصف المتقدم
أنواع أسلحة الدمار الشامل:
هناك ثلاثة مجموعات من هذه الأسلحة:
1- أسلحة نووية : انشطارية (القنبلة الذرية)، اندماجية (القنبلة الهيدروجينية أو النووية الحرارية)، نووية تجميعية (القنابل ذات الانشطار المصوب)، داريولوجية (القنبلة الإشعاعية “القذرة”)
2- أسلحة كيميائية : تعتمد هذه الأسلحة على استخدام الغازات السامة بمختلف أنواعها، أو الغازات التي تسبب الاختناق وتمنع وصول الهواء إلى الرئتين، ومن تلك الأسلحة الكيميائية غاز vx وهو غاز الأعصاب، وغاز الخردل، وغاز الفوسجين، وغاز الكلور، وغاز السارين وغاز السيانيد، والجمرة الخبيثة، والفوسفور
3- أسلحة بيولوجية أو جرثومية، وتكون إما بكتيريا أو فيروسات أو خمائر .وتعتمد هذه الأسلحة على نشر الأمراض الفتاكة كأمراض الطاعون والجدري والكوليرا وغير ذلك، ونشر الفيروسات والبكتريا في التجمعات عن طريق وضعها في الأطعمة أو مياه الشرب أو الأغطية التي يستعملها الناس ونشرها على أوسع نطاق بوسائل متعددة كاستخدام الحيوانات والحشرات الحية والنافقة التي تنقل العدوى كالفئران والبراغيت الحاملة للطاعون والكوليرا، وقد صارت كل هذه الأوبئة تعد وتجمع فيما يعرف بالقنبلة البيولوجية ثم تلقى على الأعداء لنشر الأوبئة والأمراض.
وكل هذه الأسلحة بفروعها الثلاث، قد استخدمت في الحروب في القديم والحديث، بدءا من الأسلحة البيولوجية ومرورا بالأسلحة الكيميائية وانتهاء بالأسلحة النووية
خصائص أسلحة الدمار الشامل:
تتميز هذه الأسلحة بعدة خصائص تميزها عما سواها، فمن ذلك:
1- ليس لها سلاح مضاد يمنع تأثيرها أو يبطل أثرها، فالطائرة مثلا لها مضادات جوية وهي طائرة مثلها، ولها مضادات أرضية كالمدافع المضادة للطائرات والصواريخ وهكذا، أما أسلحة الدمار الشامل فليس هناك سلاح يمنع تأثيرها أو يبطل أثرها.
2- التأثير الشديد على البيئة: تؤثر أسلحة الدمار الشامل على البيئة كلها، سواء الإنسان أو الحيوان أو الزرع أو الهواء، تأثيرا شديدا، كل ذلك في آن واحد، ولا يقتصر أثرها على مكون من مكونات البيئة كالإنسان مثلا.
3- امتداد التأثير زمنيا: لا يقتصر أثر تلك الأسلحة على الفترة الزمنية التي استخدم فيها السلاح أو قريبا منها، بل قد يمتد أثرها إلى عدة عقود تالية لاستخدامها حتى إنه يشمل أجيالا لم تكن مخلوقة زمن استخدامها.
4- القوة التدميرية الهائلة التي تفوق الخيال: فلهذه الأسلحة قدرة فائقة على التدمير، فلا يقتصر أثرها على إحداث بعض الإصابات التي يسهل علاجها في بعض المجالات، بل تتعدى ذلك إلى التدمير الكلي أو قريبا منه سواء للإنسان أو الحيوان أو الزرع أو التربية أو الهواء.
5- المساحة التدميرية الضخمة: السلاح العادي مهما بلغت قوته التدميرية لا يتعدى مساحة محدودة، بينما مساحة التدمير والخراب التي توجدها أسلحة الدمار الشامل مساحة واسعة جدا، تبتلع حجم مدينة ، (وإن وجدت محاولات لإيجاد طرازات من هذه الأسلحة يكون تأثيرها محدودا بمساحة أقل، لكنه يبقى مع ذلك أكثر بكثير جدا من المساحة التي تتأثر بالأسلحة التقليدية).
ويترتب على العاملين الأخيرين زيادة حجم الإصابة والدمار بدرجة عالية، حتى إنها تشمل الكثيرين من المحاربين وغير المحاربين ومن الموجودات جميعها.
6- الأمراض الفتاكة التي تبقى مع المصابين في تلك المعارك (سواء كانوا من الجنود أو من غيرهم)، بعد نهايتها، وإلى نهاية حياة المصاب في غالب الأحيان.
هذه الأسلحة بهذه القوة التدميرية الهائلة،تنتجها الدول لعدة أسباب منها: الردع حيث يمتنع الأعداء من العدوان على دولة تمتلك قوة تدميرية هائلة، تلحق أذى بليغا بمن يعتدى عليها، ومن الأسباب أيضا؛ حماية مصالح الدول وممتلكاتها ومواطنيها، وقد يكون الهدف هو السيطرة والهيمنة، فالدول التي تمتلك مثل هذه الأسلحة يمكنها أن تفرض سيطرتها على الدول الأخرى التي لاتتمتع بهذه الميزة، قال تعالى: “كلا إن الإنسان ليطغى أن رآه استغنى” [العلق:6-7] وهذه الأسلحة يحظر امتلاكها للأفراد والجماعات؛لأنهم لايقدِّرون خطرها، ولايستطيعون التحكم فيها واحتواء آثارها، فالأسلحة التقليدية الفتاكة مثل القنابل والمدافع الرشاشة والدبابات؛ إذا امتلكها الأفراد والمجموعات سيترتب عليها ضرر كبير؛ ومن باب أولى أسلحة الدمار الشامل،بل إن الدول الضعيفة والمضطربة لايسمح لها بامتلاك هذه الأسلحة لعدم قدرتها على التحكم فيها،
تكييف الواقع:
عالم اليوم لا نجد له وصفاً في التاريخ , فكتب السير عندنا تتحدث عن نظام دولي ينقسم إلى دولتين هما دولة الإسلام ودولة الكفر , ودولة الكفر إما أن تكون حربية وإما أن تكون داخلة مع المسلمين في عهد , ولكننا اليوم نعيش في عالم مختلف:
– التقسيم التاريخي للعالم الذي يقسمه إلي دولة الإسلام ودولة الكفرتجاوزه الواقع.
– دولة الخلافة التي كانت تحكم العالم الإسلامي قد زالت.
– النظام العالمي اليوم يقوم على دول قطرية؛ تقوم الحقوق فيها على أساس المواطنة.
– قامت منظمة دولية، هي الأمم المتحدة،ومنظماتها الفرعية المتخصصة، وهي مؤسسة يحكمها ميثاق عالمي يهدف إلى حفظ الأمن والسلم الدوليين , وتضم الأمم المتحدة دولاً تنتمى إلى كل الأديان والثقافات والقارات,
– هناك تكتلات إقليمية كالاتحاد الأوروبي ومنظمة المؤتمر الإسلامي وجامعة الدول العربية والاتحاد الأفريقي, إضافة إلى تكتلات إقتصادية وأحلاف عسكرية ومنظمات ثقافية , وجمعيات حقوق الانسان .. وغيرها من المؤسسات الدولية التي تتدخل في سيادة الدول وحرية الأفراد بقوة القانون الدولي .
إننا أمام هذا التحدي الدولي المعاصر؛ مطالبون ببلورة منهج للتعامل مع هذا الواقع من داخل ديننا، حتى نكون متصالحين مع أنفسنا، ومع عقيدتنا، وقادرين على التعاطي مع واقعنا بإيجابية . ففي هذا الواقع تعتبر الدول هي الكيانات الشرعية التي تمتلك وسائل القوة، وتنشئ المعاهدات والمواثيق، وتعلن الحرب والسلام، لأن السياسة الشرعية هي: تقدير الموقف وفق المعطيات المتاحة، فالدول تقوم على مؤسسات، ويحكمها دستور، وهي المسئولة عن حماية المواطنين، وتوفير الأمن والاستقرار لهم؛ ليمارسوا حياتهم الطبيعية، والدولة محكومة بمواثيق ومعاهدات مع الدول الأخرى، ومع المجتمع الدولي؛ بموجبها تحمي مصالحها وتراعي مصالح الآخرين، هذه الميزة لاتتوفر للأفراد والجماعات، ومفهوم الإسلام للسلم يقوم على أساس مبدأ من أراد السلم استعد للحرب، وهو المبدأ المعروف في القانون الدولي بنظرية السلم المسلح والتي تعني : (أن الدولة التي تتقن تسلحها لا تحمي نفسها فحسب، بل تفرض على غيرها احترام سلمها وعدم التعرض لها، فالذي يفكر في الاعتداء عليها، يعلم أن الحرب معها اثمها أكبر من نفعها ولذلك يستقر السلم وموضوع أسلحة الدمار الشامل من المواضيع العالمية التي أنشئت وكالات لمراقبتها وحظرها حتى على الدول.
امتلاك أسلحة الدمار الشامل للأفراد والجماعات في ميزان السياسة الشرعية:
الاسلام دين خاتم وأحكامه تغطي كافة المجالات،وحياة المسلم كلها يجب أن تكون “وفق أحكام الشرع الحنيف، وضوابط السياسة الشرعية؛ القائمة في جوهرها على دفع المفاسد وجلب المصالح، والنظر في المآلات ودقة الموازنات؛ باحتمال المفسدة الأخف بدفع المفسدة الأشد، وعند الاشتباك لابد من تحديد الواجب الذي يترك لما هو أوجب، وما هو الفعل المحرم الذي يفعل لاجتناب ما هو أسوأ؛ بعيدا عن التحليل أو الإسقاط؛ فالشريعة جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، ودفع شر الشرين، وترجيح خير الخيرين” وأحكام الشريعة بالنسبة للتطبيق تتنوع؛ فهنالك أحكام يطبقها الأفراد على أنفسهم وعلى من حولهم، وأحكام يطبقها المجتمع عبر مؤسساته وهيئاته وجماعاته، وأحكام يطبقها الحاكم؛ وهذ التقسيم يسمى “الاختصاص”، فلا يجوز للأفراد والجماعات أن يطبقوا الأحكام الخاصة بولاة الأمر من عند أنفسهم دون تفويض من صاحب الاختصاص،فأحكام القصاص والحدود، والمعاهدات بين الدول وإعلان الحرب،وغيرها من الأحكام العامة؛ هي من إختصاص ولاة الأمر، والوسائل التي تطبق بها هذه الأحكام يجب أن تكون ممولوكة للدولة لأن مالا يتم الواجب إلاّ به فهو واجب.
والمنهج الذي يحكم مثل هذه القضايا يقوم على فقه المقاصد، وفقه الواقع، وفقه الموازنات، وفقه المآلات، وبتطبيق هذا المنهج على هذه النازلة وهي “امتلاك الأفراد والجماعات لأسلحة الدمار الشامل” نستبط الآتي
أولا:إن الأسلحة يمتلكها الانسان؛ للدفاع عن نفسه وعن عرضه وعن ممتلكاته، ولردع من يحاول الاعتداء عليه، ومن مقاصد امتلاك الأسلحة تحقيق السلام ومنع العدوان،والمحافظة على الحياة، أما امتلاك أسلحة الدمار الشامل للأفراد والجماعات؛ فإنه وإن حقق الردع؛ لكنه لايحقق السلام، ويضر بالبيئة، وربما أدى إلى قتل آلاف الأبرياء نتيجة لتسرب الاشعاعات والجراثيم لأن تكلفة تخزين هذه الأسلحة والمحافظة عليها عالية جدا؛ قد لاتتوفر للأفراد والجماعات كل الوقت.
إن مهمة الإنسان في هذا الكون، تتمحور في وجوب الحفاظ على كافة ملامح الحياة فيه ومظاهرها، وبالتالي فإن أي عمل من شأنه الانتقاص من هذا الواجب أو الإخلال به هو محرم قطعاً، وأسلحة الدمار الشامل تضر بالبيئة، وتدمر العمران، وتقتل الحيوان والانسان، وتؤدي إشعاعاتها إلى أضرار وخيمة؛ تمتد إلى أجيال ،ولا يخفى ما في هذه الأسلحة من مفاسد عظيمة على الإنسان والطبيعة والبيئة،بل إن مفاسدها تتعدى إلى النسل والذرية؛ممن لا علاقة لهم بالقتال والحرب،وتخزينها يتضمن مخاطر جسيمة،فقد تتسرب بعض موادها أو إشعاعاتها،فتتسبب في مفاسد عظيمة لا يمكن إيقافها،وما حادثة تشرنوبيل عنا ببعيد.
إن هذه المفاسد أعظم من المصلحة المرجوة، ، وقد أجيز امتلاكها للدول على وجه الاستثناء مع القدرة على احتواء آثارها، فامتلاكها للأفراد والجماعات عرضة لانتشار آثارها السالبة وهو مناقض لمقاصد الاسلام في هذه الحياة،قال تعالى: “ولاتفسدوا في الأرض بعد إصلاحها”[الأعراف:56] ثانيا:أجاز الفقهاء المعاصرون استعمال هذه الأسلحة بشروط هي :
1- : أن لا ينطوي استخدامها على أضرار مباشرة بالمسلمين أو بغيرهم من المعاهدين الذين ليسوا طرفاً في الحرب،كما لو كان يخشى من انتقال تأثيرات هذه الأسلحة إلى بلادهم، وذلك عملاً بالقاعدة الشرعية : “لا ضرر ولا ضرار” .
2- أن يكون استخدامها ضد أهداف العدو العكسرية والاستراتيجية، إلاّ إذا اقتضت الضرورة استخدامها ضد أهدافه المدنية، فيجوز عملاً بالقاعدة الشرعية” الضرورات تبيح المحظورات”.
3- أن يكون استخدامها محدوداً وبالقدر اللازم حجماً ونوعاً، وذلك عملاً بالقاعدة الشرعية” ما أحل لضرورة أو حاجة يقدر بقدرها ويزال بزوالها” .
لكن الرأي يتناقض مع هدف رسالة الإسلام التي جاءت بالسلم والرحمة، فلايجوز تدمير الحياة بحجة أن الآخرين قد بادروا؛ لأن رسالة الإسلام رسالة أخلاقية جاءت لتنزع الشر من الحياة فكيف تجاري الآخرين؟ وإذا فرضنا جدلا مشروعية المعاملة بالمثل فإن هذه الشروط لاتتوافر عند الأفراد والجماعات، وإنما تتوافر عند الدول؛ لأنها تتطلب امكانات وقدرات ومعلومات، وتقديرا للموقف،بعد تحليل وتمحيص وتقييم للواقع،ولايتحقق ذلك إلا في دولة تمتلك المؤسسات والآليات المعنية بهذه الأمور. وعليه فإن الشروط الشرعية لامتلاك هذه الأسلحة لاتتوفر عند الأفراد والجماعات، فإذا اختل الشرط انتفى الحكم.
ثالثا: المفهوم الإسلامي للجهاد وأغراض الحرب بشكل عام:
غني عن البيان أن الحرب كانت قبل ظهور الإسلام هي القاعدة العادية للعلاقات بين مختلف الجماعات الإنسانية، فكانت تعد سياسة وطنية لدى الحكام ووسيلة لإشباع غريزة السيطرة والطموح عندهم، وسبيلاً للتوسع والحصول على المغانم وعندما جاء الإسلام لم يقبل هذه الظاهرة، فجعل من أهداف دعوته العامة ورسالته السامية، الحد من المنازعات والخصومات بين الناس وإقرار الأمن والسلام، لذا أقام العلاقات بين بني البشر على أساس من المساواة وعدم التفاضل إلاّ بالخير والتقوى، وعلى أساس من التعارف وعدم الاعتداء، يقول الله سبحانه وتعالى:”يا أيها الذين آمنوا ادخلوا في السلم كافة”،ويقول:”يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم”[الحجرات:13] وإذا كان الإسلام قد أقر الجهاد سنة ماضية إلى يوم القيامة، وإذا كان المسلمون قد حاربوا غيرهم، فإن ذلك لم يكن بهدف التوسع الإقليمي، أو الكسب المادي، أو بث التعاليم الإسلامية بالقهر والعنف، وإنما كان لإقامة حياة جديدة، مؤسسة على الحرية الخالصة، ولنشر الإسلام العالمي في دنيا الوجود،قال تعالى “وقاتلوهم حتى لا تكون فتنة ويكون الدين لله، فإن انتهوا فلا عدوان إلاّ على الظالمين”[البقرة:193] الجهاد في الإسلام حرب شرعية عادلة؛ تهدف الخير للإنسانية، شريفة في بدئها وانتهائها وفي وسائلها،قال الخليفة أبوبكر الصديق رضي الله عنه ليزيد بن أبي سفيان عندما بعثه مع الجيش”إني موصيك بعشر خلال:لاتقتل امرأة ولاصبيا، ولاكبيرا هرما،ولاتقطع شجرا مثمرا، ولاتخرب عامرا، ولاتعقرن شاة، ولابعيرا إلالمأكلة، ولاتعقرنّ نخلا ولاتحرقه، ولاتغلُل، ولاتجبن” فهي من أجل المحافظة على دين الله تعالى ..ومن أجل المحافظة على بقاء الجماعة الإسلامية والدفاع عن سيادتها؛ عندما لا يرضى أعداء الإسلام حسن الجوار؛ القائم على الإنصاف وحرية العقيدة
“من حق المسلمين على اختلاف طوائفهم وفرقهم رد العدوان ودفع الصائل العام والخاص شريطة التقيد بضوابط الشرع والأخلاق في رد الاعتداء لقوله تعالى” وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين” البقرة19. قال الإمام مالك رحمه الله ” لا يُقتل الأعمى، ولا المعتوه، ولا أصحاب الصوامع، وكذلك لا يقتل الشيخ الفاني” وقال ابن عباس رضي الله عنه ” وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة كالنساء والصبيان والراهب والشيخ الكبير والأعمى والزمني ونحوهم” فلا يقتل عند جمهور العلماء إلا أن يقاتل بقوله أو فعله..
وإن كان بعض أئمة الفقه يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر ولكن الصحيح عند المحققين من أهل العلم إن علة القتال هي المحاربة والعدوان لا مجرد الكفر” .وفي القانون الدولي العام تعد الحرب التي تدخلها الدولة دفعاً لاعتداء واقع عليها، أو حماية لحق ثابت لها، حرباً مشروعة، لأن من حق كل دولة أن تدافع عن نفسها. وقد نصت المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة على هذا الحق باعتباره حقاً طبيعياً مقدساً، فجاء فيه : (ليس في هذا الميثاق ما يضعف أو ينقص الحق الطبيعي للدول، فرادى أو جماعات في الدفاع عن أنفسهم إذا اعتدت قوة مسلحة على أحد أعضاء الأمم المتحدة وذلك إلى أن يتخذ مجلس الأمن التدابير اللازمة لحفظ السلم والأمن الدولي وإعلان الجهاد من اختصاص ولي الأمر، فامتلاك الأسلحة المدمرة للأفراد والجماعات قد يغريهم بأنهم قد أصبحوا أقوياء، وبالتالي من حقهم إعلان الحرب على الدول والأفراد الذين يعتدون على المسلمين دون حساب لتعقيدات الواقع، وأضرار المآلات فيُدْخِلُون الأمة في معركة غير متكافئة، ويلحقون بها ضررا لايعلم عاقبته إلا الله. فالواجب الشرعي منعهم وذلك لتحقق الضرر بامتلاكهم لهذه الأسلحة المدمرة.
رابعا: أن هدف الإسلام الأسمى هو تحقيق العدالة في الأرض، وقيام العلاقات بين البشر على أساس من المساواة، ومن غير استعلاء، فهو شريعة عالمية تنظم العلاقات الدولية على أساس من سيادة روح القانون السماوي، وعلى مبدأ التعاون والإخاء الشامل بين الأمم .وهو وإن اقرّ الحرب إلاّ أنه جعلها محكومة بمبادئه الأخلاقية التي رسمها الخالق عز وجل، فلا ظُلم ولا عدوان. وهي حرب لحماية الأنفس والممتلكات والمقدسات لكل العقائد. قال تعالى:” أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ إِلاَّ أَن يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُم بِبَعْضٍ لَّهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيراً وَلَيَنصُرَنَّ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ” [الحج:39-40] إن ارتباط الدولة الإسلامية بمعاهدة من معاهدات أسلحة الدمار الشامل؛ يرتب عليها أحكاماً تختلف عما لو لم تكن مرتبطة بمثل هذه المعاهدات، سواء فيما يتعلق بالأفعال التي يجب القيام بها أو تلك التي يتحتم الانتهاء عنها،. فالمسئوليات المترتبة على التعامل مع أسلحة الدمار الشامل محكومة بهذه الضوابط التي لاتقوم بها إلاالدول، وامتلاك الأفراد والجماعات قد يخل بهذه الشروط، ويدخل الدولة في أزمات يصعب تداركها.
خامسا: إنّ ممن يتصدون للفتوى في القضايا المعاصرة عليهم ادراك الواقع؛ فالفقيه من يمتلك القدرة على استنباط الأحكام من النصوص مع اعتبار الواقع ومراعاة المقاصد . واستخراج الحكم مجرداً دون مراعاة الواقع وتعقيداته؛ يوقع الأمة في حرج . فلا بد لمن يتصدى للفتوى أن يدرك طبيعة الواقع المعاصر؛ بتعقيداته وعلاقاته السياسية والإقتصادية والإجتماعية والإدارية؛ حتى لا يغرد خارج السرب، والفتوى الفردية فى القضايا الكبرى المتداخلة والمعقدة لا تكون مجدية في هذا العصر؛ الذي توفرت فيه المعلومة بصورة غير مسبوقة ، فهناك ضرورة إلى قيام مؤسسات للفتوى تضم كل التخصصات الشرعية والمدنية ، تجمع علماء الشرع وعلماء السياسة والإقتصاد والطب والإجتماع والفلسفة والعلاقات الدولية والقانون حتى تتمكن من إصدار فتاوى تقل فيها نسبة الخطأ وتكون جامعة مانعة . .وأسلحة الدمار الشامل أسلحة مدمرة لم يعرف التاريخ لها مثيلا؛وتتضح خطورتها من معرفة آثارها فالولايات المتحدة الأمريكية ألقت قنبلتين نوويتين على اليابان عام 1945م أدتا إلى مقتل أكثر من مأتي ألف شخص ومابقي منهم أحياء لايزالون يعانون من أمراض الاشعاع التي سببتها هاتان القنبلتان هذه الآثار ينبغي أن تكون حاضرة لمن يتناولون موضوع هذه الأسلحة،ولاشك أن امتلاكها للأفراد والجماعات دون الدول ستكون له آثار كاثية؛ لأن الأفراد والجماعات لايضبطها قانون عام ولامواثيق دولية،فيتصرفون وفق أهوائهم وقناعاتهم،ولايجوز ترك مصير البشرية للأهواء والأمزجة.

النتائج:
أولا:مراعاة أن أسلحة الدمار الشامل محرمة دوليا لأنها تتناقض مع المواثيق الدولية المتعلقة بحقوق الإنسان، فاستعمالها يؤدي إلى الابادة الجماعية .
ثانيا:ادراك أن استعمال هذه الأسلحة يتناقض مع العدالة؛ لأنها تصيب البريء وغير أخلاقية لأن أثرها الضار يصيب البيئة والحيوان ويمتد إلى أجيال لاحقة.
ثالثا: تخلف هذه الأسلحة أمراضا فتاكة تصيب كل من يتعرض إليها وتستمر معه حتى نهاية حياته.
رابعا:لايجوز امتلاك هذه الأسلحة حتى للدول إلا استثناء عند الضرورة؛ لردع العدو، ومنعه من استعمالها وذلك بشروط:القدرة على سلامة تخزينها، ومنع أي تسريبات لإشعاعها،واحتواء آثارها،والمحافظة عليها من الوقوع في أيدي من لايحسن استخدامها.
خامسا:يحرم امتلاك الأفراد والجماعات لهذه الأسلحة لأن شروط امتلاكها لاتتوفر عندهم، على قاعدة درء المفاسد مقدم على جلب المصالح.
سادسا: الأدلة الشرعية لاتجيز امتلاك الأفراد والجماعات لهذه الأسلحة، منعا للفساد في الأرض ومحافظة على الأرواح والممتلكات، وتحقيقا لمقاصد الاسلام الضرورية والحاجية والتحسينية.
سابعا:ضرورة أخذ رأي أهل الاختصاص في كافة المجالات الاستراتيجية والقانونية والصحية والدينية حتى تكون الفتوى محكمة ومؤثرة على الواقع.
والله أعلم

مفتى الجمهورية: استعمال أسلحة الدمار الشامل محرم شرعا
المصدر: الأهرام اليومى
بقلم: ابراهيم عمران
أكد الدكتور على جمعة مفتى الجمهورية، حرمة حيازة واستعمال أسلحة الدمار الشامل للجماعات والأفراد لما يترتب عليه من ويلات ومصائب على المسلمين جميعا بل والدنيا ككل، وما يمثله من خرق للمواثيق والمعاهدات الدولية التى ارتضتها الدول الإسلامية وانضمت اليها وأقرتها بمحض إرادتها وباختيارها توافقا مع المجتمع الدولي، لتحقيق الأمن والسلم الدوليين. وقال المفتى إن الإقدام على استخدام أسلحة الدمار الشامل للجماعات والأفراد فيه خيانة لمن قدم يده بالأمان، وفيه قتل للنساء والأطفال، وإتلاف للأموال، وأذية للمسلمين الموجودين فى هذه البلاد سواء أكانوا من ساكنيها الأصليين أم ممن وردوا اليها ويعتبر مباغتة وقتلا للغافلين وقد نهى الشرع الشريف عن كل ذلك. جاء ذلك فى دراسة فقهية تحت عنوان “حكم استعمال أسلحة الدمار الشامل للجماعات والأفراد” تمت مناقشتها فى ندوة دولية نظمها مركز الإمام “أبوعبدالله الشافعي” العلمى بالأردن عرضها بالإنابة عنه الدكتور محمد وسام أمين الفتوى ومدير إدارة الفتوى المكتوبة بدار الإفتاء وتناولت تعريف أسلحة الدمار الشامل، وتقسيمها إلى ثلاثة أنواع أسلحة ذرية وكيميائية وبيولوجية وتعريف كل واحدة منها وحكمها فى الشريعة الاسلامية.
 

شاهد أيضاً

حلاوة الإيمان – فضائل وفوائد وشمائل – المجلس الثاني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *