الرئيسية / المقالات / حكم الدخول في المجالس التشريعية

حكم الدخول في المجالس التشريعية

بسم الله الرحمن الرحيم 

 

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :ـ

فان من النوازل في هذا الزمان ما يعرف بالمجالس النيابية ، فهل يجوز الدخول فيها أم لا ، وهذا مما اختلفت فيه أنظار العلماء ما بين مجوز ومانع ، فأحببت أن أكتب في ذلك تلخيصا لبحث سجلته في شريط بعنوان : (اللباب في حكم الانتخاب)، لأقدمه لاخواني طلبة العلم عسى الله أن ينفعنا جميعا ، فأقول : هذه المسألة ، راجعة في أصلها الى باب الأمر والنهي ، وهذا الباب مرده الى المصالح والمفاسد ، والقاعدة المشهورة عند العلماء تنص على : أن الشرع جاء بتحصيل المصالح وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها .

ولذلك استنبط العلماء أيضا من هذه القاعدة : أن المصلحة الكبرى تقدم على الصغرى ، وأن الضرر الأعلى يدفع بالضرر الأقل ، أي : تحصيل أعلى المصلحتين ، ودفع أعلى المفسدتين ومرد هذه القواعد كلها الى قاعدة كلية عظيمة وهي قاعدة : ” الضرر يزال ” و ” المشقة تجلب التيسير “، قال تعالى: (( ما جعل عليكم في الدين من حرج ))، وقال أيضا: ((يريد الله بكم اليسر ))، وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا ضرر ولا ضرار )، وقال أيضا : ( يسرا ولا تعسرا، بشرا ولا تنفرا).

وعليه فأقول: بناء على هذه القواعد مجتمعة ، وبناء على أن من مقاصد الشريعة حماية الضروريات والحاجيات بتحصيلٍ ودفعٍ ،  فيمكن أن أقول: دخول البرلمانات يدور بين المشروعية وعدمها، وأما زعم ان مطلق البرلمانات – لكونها مجالس تشريعية ـ شرك، فهذا وإن كان قولا لبعض أهل العلم لكنه عندي منازع فيه، للفرق بين أصل التشريع ، وبين المسائل المبنية على الاجتهاد، وقصدي بأصل التشريع انه القواعد العامة في الاحكام والتسليم أن الحاكمية لله، وأما ما أريده هنا فهو ما يرجع إلى المصالح والمفاسد، كالاحكام المدنية والادارية المبنية على مطلق الاجتهاد، إذ لا تعارض بين الامرين عندي، لأن الله وضع الأسس العامة للدين ، وفتح لنا باب استنباط الاحكام منها، فما كان من الاحكام الاصلية فهو نوعان :

الأول: نوع لا مدخل للاجتهاد في أصل تشريعه ولا في عموم وصفه كالصلاة والصوم وان كان يمكن الاجتهاد في بعض الاوصاف كاجتهادهم في مسألة على ماذا يكون النزول على اليدين ام الركبتين.

الثاني: كبعض الاحكام التي تسقط لعارض أقوى منها كما حصل في عام المجاعة زمن عمر إذ أسقط الحد عن السارق.

وأما الاحكام القائمة على الاجتهاد فإنها قد تتغير بتغير الظروف والاحوال بحسب المصالح والمفاسد، وللتوضيح أضرب مثالين، أحدهما قديم والآخر جديد:

فأما القديم : فقد أجمع العلماء على تحريم الخمر، ثم اختلفوا في حكم النبيذ بين محرم حملا على الأصل ، وبين محلل ، فلا يقال إن من حلله قد أحل ما حرم الله ـ وهو الخمر ـ لأن النبيذ عنده ليس من الخمر أصلا حتى يقال إنه أحل ما حرم الله.

وأما المثال الجديد: فقد  أجمعت الأمة على تحريم الربا، ثم اختلفوا ، هل يجري الربا في الورق النقدي؟ ايضا منهم من قال بجريان الربا فيه ، ومنهم من قال بعدمه، لأن الورق النقدي عنده ليس من أصناف الربا أصلا، فلا يقال في مثل هذا : إنه أحل ما حرم الله.

وعليه فليس التصويت مثلا على جواز بيع الخمور من أهلها في أسواق المسلمين، دليل على كفر المصوت، لأن فرقا بين هذا وبين القول بتحليل شربه، وهذا فرع عن حكم من شربها ، إذ لا يلزم القول بتكفيره، بل لا يجوز ويحرم، وإلا لما قال رسول الله صلى اله عليه وسلم عن شاربها وقد لعنه أحد الصحابة : ” لا تلعنه فإني أعلم انه يحب الله ورسوله”.

هذا وإن تولي الولايات التي تحفظ على الناس أمورهم ، لا بد أن يكون مشروعا ، وهو متردد بين الندب والوجوب ـ والوجوب عندي أظهر ، لأنه ما عاد يمكن تحصيل ذلك بأقرب من ذلك السبيل ، ولعدم الاطالة ، والاختزال في الفتوى أحسن، أنقل بعض كلام شيخ الاسلام رحمه الله تعالى ، لأنه من أحسن ما قرأت في الجواز، قال رحمه الله تعالى : ” ثم الولاية وان كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة ، فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب ، أو أحب، فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوبا تارة واستحبابا أخرى …

قال : ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر، بل سؤاله أن يجعله على خزائن الأرض ، وكان هو وقومه كفارا ، …… ، ومعلوم أنه مع كفرهم لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته ، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم ، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله فان القوم لم يستجيبوا له ، لكن فعل الممكن من العدل والاحسان ،……..، قال : فاذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعها فقدم أوكدهما ، لم يكن الآخر في هذه الحال واجبا ، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة ، وكذلك اذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما الا بفعل أدناهما ، لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرما في الحقيقة، وان سمي ذلك فعل واجب وسمي هذا فعل محرم باعتبار الاطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة أو لدفع ما هو أحرم،……، .

وهذا باب التعارض باب واسع جدا ، لاسيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة ،…..، قال : فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل ، وقد يكون الواجب في بعضها ـ كما بينته فيما تقدم ـ العفو عن الأمر والنهي في بعض الأشياء لا التحليل والاسقاط ، مثل أن يكون في أمره بطاعة ، فعلا لمعصية أكبر منها ، فيترك الأمر دفعا لوقوع تلك المعصية ،…….، .

قال : ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركا لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات ، فيسكت عن النهي خوفا أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر ”   انتهى  20 / 54ـ 61 باختصار .

وانظر في هذا المبحث أيضا الفتاوى 19 / 217 ، 30 / 356 .

وقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى : (( قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وانا لنراك فينا ضعيفا ……. )) : قال في ذكر فوائد الآية : ” ومنها: أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة ، قد يعلمون بعضها ، وقد لايعلمون شيئا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم وأهل وطنهم الكفار ، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه ، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الاسلام والمسلمين ، لابأس بالسعي فيها ، بل ربما تعين ذلك ، لأن الاصلاح مطلوب على حسب القدرة والامكان .

قال رحمه الله تعالى : فعلى هذا ، لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار ، وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية ، لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية ، وتحرص على ابادتها وجعلهم عملة ، وخدما لهم .

قال : نعم ! ان   أمكن أن تكون الدولة للمسلمين ، وهم الحكام ، فهو المتعين ولكن لعدم امكان هذه المرتبة ” فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة ، والله أعلم” .  أ . هـ من التفسير ص 531 .

قلت : هذه هي قمة السياسة الشرعية فان تمكن المسلمون من تغيير النظام الاشتراكي الى نظام ديمقراطي ـ ان تعذر كونه اسلاميا مع مراعاة قواعد المصلحة والمفسدة وضوابطها ـ ولو كان التغيير بمساعدة الآخرين تعين ذلك لتحقيق ولو شيء من مصالح المسلمين والدفع للأذى والضرر عنهم، لأن النظام الديموقراطي خير من النظام الاشتراكي بكثير كثير، ان تعذر قيام النظام الاسلامي ، قلت : هذه هي السياسة الشرعية الحقة ، التي ينبغي تطبيقها على أرض الواقع ، أؤكد: مع مراعاة ضوابط المصلحة والمفسدة ، وللتدليل على ذلك أذكر القراء بقصة النجاشي ، كيف كان حاكما للنصارى مع كونه مسلما في الباطن .

أختم : بأن هذه الفتوى : أعني دخول البرلمانات هي فتوى الامام سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى رحمة واسعة ، قلت : وهي ليست خاصة بالبرلمانات بل هي عامة في كل الانتخابات والله تعالى أعلم .

 

ملاحظة هامة :-

نحذر من شراء وبيع الاصوات فأنه حرام وخيانة .

 

كتبها / الشيخ سمير مراد .

المشرف التعليمي في مسجد السنة .

عمان الأردن

31 / 5 / 2007

شاهد أيضاً

سلسلة في أحكام الإيمان – فضيلة الشيخ الدكتور سمير مراد – المجلس التاسع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.