الرئيسية / الكتب / تهذيب العقيدة الطحـاويـة ومعه قواعد مهمة في فهم الإسلام

تهذيب العقيدة الطحـاويـة ومعه قواعد مهمة في فهم الإسلام

المقدمـة

الحمد لله رب العالمين, المانّ علينا بالإيمان, لنختار لأنفسنا من مراتبه ظلم النفس أو القصد أو الإحسان, المنزل علينا كتابه لنتفهم آياته, الغارز في القلوب عقولاً لندرك مدلولاته, فمن موفق للصواب, ومن متنكب مرتاب.

وصلى الله على رسول الله محمد, من عظّم الله وبه أرشد, فبيّن طرق الهدى والضلال, والسعادة والانخذال, من رقى به ربه حتى بلغ المنتهى, بل صعد فسجد من ثم رأى سدرة المنتهى, وعلى أزواجه الطاهرات العفيفات, أحصن النساء فروجاً, وأبعدهن عن القبيحات, أخص من برأت من فوق السموات, وعلى أصحابه الأماجد, من جمعوا من العلم الشارد والوارد, أصح الناس قلوباً وعقولاً, أدركهم للعلوم منقولاً ومعقولاً, وعلى من تبعهم بإحسان إلى يوم الدين, أخص منهم الأئمة المفتين.

هذا وإن الآل أشرف الناس بعد النبي والمفضلين وعلى رأسهم أبو الحسن والحسين, طوبى لمن أحبهم, وجاهد في الذب عنهم, وإن أزواجه منهم.

وأنعم وأكرم بالمهاجرين, من تركوا دنياهم لأجل الدين, وثنِّ بعدهم بالأنصار, الفرقان بين الأبرار والفجار, هم أهل الدار, وأهل الأخوة الأخيار.

وبعد, فأني لما قرأت كتابات في العقيدة الطحاوية لابن أبي العز الحنفي أعجبني جمعه, وسرني منهجه, فهو على الجادة ولا أزكيه, رحمه الله رحمة واسعة, لكن أزعجني بعض ما ضمنه كتابه من بعض مسائل المنطق والكلام, مما لا تدركه عقول العوام, وهم لهم إقبال على هذا الكتاب, لذا أحببت اختصاره ليسهل نواله, والله الرحمن الموفق للصواب.

كتبه / سمير مراد

عمان – الأردن

القويسمة

16/محرم/1429

24/1/2008

من يوم الخميس

تحميل الكتاب

مقدمة

إن الحمد لله تعالى نحمده ، ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا ، من يهد الله فلا مضل له ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا اله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله .

أما بعد : فهذه قواعد مهمة في فهم الإسلام ، تبين لنا الطريق واضحاً لنسير عليه ، ولنكون على ما كان عليه الصحابة رضي الله عنهم من الدين والإيمان والأخلاق إجمالاً .

وما كتبته إنما هو إجمال من غير تفصيل ليكون في متناول الجميع ، ولتسهيل مطالعته على المثقف وغيره ، سائلا الله تعالى أن ينفع عموم المسلمين به وأن يجعله ذخراًَ لنا يوم القيامة ، إنه سميع قريب مجيب .

 

كتبه / سمير مراد

في 1417 من الهجرة الموافق 1997 ميلادي

 

الأصل الأول : التوحيد

الأصل الأول : التوحيد

وهو توحيد العبادة وهو معرفة واعتقاد وقول أنه لا إله إلا الله ، التي لا نجاة للعبد بدونها ، قال الله تعالى :(إن الله لا يغفر أن يشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء ) . وقال : ( ولا يملكون الشفاعة إلا من أذن له الرحمن ورضي له قولاً ) ، والقول هو كلمة التوحيد .

وقال عليه الصلاة والسلام : ( من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة ) وقال صلى الله عليه وسلم : ( من شهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له وأن محمداً عبده ورسوله ، و أن عيسى عبد الله ورسوله ، وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه ، والجنة حق والنار حق أدخله الله الجنة على ما كان من العمل ) . وقال تعالى : (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون ) وقال تعالى : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ) ، والعروة الوثقى هي كلمة التوحيد .

ففضل التوحيد عظيم حيث إنه السبب الأساسي في دخول الجنة والنجاة من النار .

 

والمقصد الأساسي من التوحيد هو توحيد العبادة ، قال تعالى : ( ليس البر أن تولوا وجوهكم قبل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين وآتى المال على حبه ذوي القربى واليتامى والمساكين وابن السبيل والسائلين وفي الرقاب وأقام الصلاة وآتى الزكاة والموفون بعهدهم إذا عاهدوا والصابرين في البأساء والضراء وحين البأس أولئك الذين صدقوا وأولئك هم المتقون ) .

وقوله تعالى : ( الذين يؤمنون بالغيب ويقيمون الصلاة ومما رزقناهم ينفقون ) ، وبعدها قوله تعالى : ( كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله ) وقوله تعالى : ( ولله على الناس حج البيت ) وقوله:( كتب عليكم الصيام) , وغير ذلك من الآيات و ما جاء في الأحاديث ، من ذلك ما جاء عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( بني الإسلام على خمس : شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا ً رسول الله ، وإقام الصلاة ، وإيتاء الزكاة ، وحج البيت ، وصوم رمضان ) روياه

وكما في حديث عمر رضي الله عنه أيضاً أن فيه ( الإيمان أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر وأن تؤمن بالقدر ) وقال عن الإسلام : ( أن تشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً رسول الله ،وأن تقيم الصلاة وتؤتي الزكاة وتصوم رمضان وتحج البيت ) رواه مسلم .

وكما في قوله تعالى : ( وما امروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين حنفاء ) . ففيما ذكرنا من آيات وأحاديث ، جملة عقيدة المسلمين وتوحيدهم المتمثلة في أركان الإيمان الستة وأركان الإسلام الخمسة ، فأما الأركان الستة فهي أصل الإيمان ، وأما الأركان الخمسة فهي أعمال الجوارح التابعة للإيمان المدللة عليه ، فمن حصَّل هذا فهو مؤمن ، ومن نقص منها نقص إيمانه بحسبها .

وتوحيد العبادة هو أصل رسائل الأنبياء كلهم ، وقال تعالى : ( ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت ) وقال تعالى : ( وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون ) وقال تعالى : ( واسأل من أرسلنا من قبلك من رسلنا أجعلنا من دون الرحمن آلهة يُعبَدون ) .

والعبادة كما قال ابن تيمية : ( اسم جامع لكل ما يحبه الله ويرضاه من الأقوال و الأعمال الظاهرة والباطنة ، وأصل العبادة التذلل والخضوع ، وسميت وظائف الشرع على المكلفين عبادات لأنهم يلتزمونها ويفعلونها خاضعين متذللين لله ).

قال القرطبي : والعبادة مدارها على خمس عشرة قاعدة من كملها كمل مراتب العبودية .

وبيان ذلك قاله ابن القيم : ( أن العبودية منقسمة على القلب واللسان والجوارح ، والأحكام التي للعبودية خمسة ، واجب ومستحب وحرام ومكروه ومباح ، وهن لكل واحد من القلب واللسان والجوارح ) قلت فمن الأعمال القلبية الواجبة : التوكل على الله ، والإخلاص لله و الخشوع لله والخوف والرجاء وغير ذلك .

ومن الأعمال القلبية الحرام : الحسد والرياء والحقد وغير ذلك ، ومن الأعمال المندوبة القلبية : التفكر في خلق الله ، تفريغ القلب كلياً لله ، ومن الأمور المباحة القلبية : التفكر في جلب الزائد من الرزق وما شابه ذلك .

وأما الأعمال البدنية : فالواجب منها مثلاً : إقامة الصلوات الخمس ، بر الوالدين ، النفقة في سبيل الله ، الذبح لله تعالى ، والحرام منها : الذبح لغير الله ، الطواف بقبور الأموات ، شرب الخمر ، ارتكاب الفواحش ، الخيلاء والكبر في اللباس وغيره , والمندوب منها مثل : استعمال السواك ، إدامة ذكر الله ، والمكروه منها مثل: لبس النعل قائماًَ ، القيام للداخل وغيرذلك , والمباح منها : أشياء كثيرة جداً مثل : التنعم من الطعام والشراب واللباس بغير سرف ولا خيلاء وغير ذلك .

أما الأعمال اللسانية : فالواجب منها : مثل ، الصلاة على الني صلى الله عليه وسلم عند سماع اسمه ، قراءة القرآن في الصلاة وغيرها . والحرام منها : الغيبة والكذب والنميمة ، الشتم القبيح ، وأقبح ما يكون سب الله ورسوله والإسلام وهو كفر عياذاَ بالله ، والمندوب منها مثلاً : أذكار الصباح والمساء والنوم ، أذكار الصلوات ، تلاوة القرآن الكريم وغيرها .

والمكروه منها مثلاًَ : التكلم بما لا يعني الإنسان وغير ذلك ، إدامة الحلف بالله دون عقد نية .

والمباح : كثير جداً مثل : كلام الرجل مع زوجته فيما أباحه الله وغير ذلك .

متى تصح العبادة ؟

متى تصح العبادة ؟

وعبادة الله تعالى صحيحة وباطلة ، فالصحيحة ما توفر فيها شرطان : الإخلاص والاتباع ، والباطلة ما خلت من واحد من هذين الشرطين ، وعلى هذا تقاس أعمال الناس فمن كان مخلصاً لله ، موافقاً لهدي رسوله صلى الله عليه وسلم ، فقد عبد الله كما أراد ، ومن تخلف عنه واحد منهما ، فلم يعبد الله كما أراد الله ، و على هذا فإن الأمة قد قصرت في هذا التوحيد ، حيث أصبحوا يصرفون كثيرا من عباداتهم لغير الله تعالى من الأولياء الصالحين _ زعموا فضلوا الطريق والعياذ بالله _ .

 

ومن لوازم هذا التوحيد توحيد الأسماء والصفات وتوحيد الربوبية ، فمجمل توحيد العبادة إذن : أنه لا معبود بحق إلا الله ، يعبد بما شرع هو ورسوله بإخلاص له تعالى ، الذي خلق الخلق ودبرهم ، المتصف بصفات الجلال والكمال ، هذا هو التوحيد الذي قامت عليه الدنيا ، قال تعالى : ( وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون ) ” إن استقرار العقيدة في أعماق النفس يجعلها عزيزة فلا تذل ، تقف أمام كل قوى الأرض لا ترهب شيئا إلا الله ، هذه العقيدة ترفع صاحبها من أوحال الأرض ومستنقع الطين ، فيقف في المرتقى السامي ينظر إلى الأرض من علو مع التواضع ، وبالعزة مع المحبة والتطامن ، دون استطالة ولا بغي على الناس ، يود لو يرفعهم إلى هذا المستوى الذي رفعه الله إليه ، بهذه العقيدة أضحى الرعيل الأول من الصحب الكرام يعيشون بحسهم وأرواحهم في الآخرة مع أن أجسادهم تدب على الأرض ، هم يتحركون فوق هذه المعمورة مع أن أنظارهم مشدودة بقوة إلى الجنة ، إلى الحساب ”

الأصل الثاني : الاتباع

الأصل الثاني : الاتباع

ومعناه أنه لا متبوع بحق إلا رسول الله صلى الله عليه وسلم وكل من وراءه فغير ذلك إلا إذا وافقوه ، فأما إن خالفوه فلا اتباع إلا له صلى الله عليه وسلم ، واتباعه هو التسليم لحكمه وهديه واقتفاء أثره دون غيره من غير شك ولا ارتياب ولا تلكؤ ، قال الله تعالى : ( لقد جاءكم رسول من أنفسكم عزيز عليه ما عنتم حريص عليكم بالمؤمنين رؤوف رحيم ).

وقال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) وقال تعالى : ( وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ) ، وكان ابن عباس يفتي بحديث رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فيقول بعض الناس : لكن أبا بكر وعمر يقولون ، فيقول : يوشك أن تنزل عليكم حجارة من السماء أقول لكم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وتقولون قال أبو بكر وعمر .

ولذلك قال تعالى : ( أطيعوا الله وأطيعوا الرسول ) ، بطاعة مفردة لأنه لا يأمر إلا بالخير و المعروف وقال تتمة لهذه الآية : ( فإن تنازعتم في شيء فردوه إلى الله والرسول) نكرة في سياق الشرط ، تعم كل ما تنازع فيه المؤمنون من مسائل الدين دقه وجله ، جليه وخفيه .

وقال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقدموا بين يدي الله ورسوله واتقوا الله إن الله سميع عليم ) وقال ابن القيم في إعلام الموقعين ( 1 / 51 ) : ” أي لا تقولوا حتى يقول ، ولا تأمروا حتى يأمر ، ولا تفتوا حتى يفتي، و لا تقطعوا أمراَ حتى يكون هو الذي يحكم فيه ويمضيه ”

ولهذا فإن من المسلمين من ضلت بهم الطريق ، فابتعد عن سنة النبي صلى الله عليه وسلم وفهم من شذ سنة النبي صلى الله عليه وسلم بحجج واهية ، كأن يقول : هذه السنة لا تناسب عصرنا ، خصوصاً إذا تعلقت بآداب اللباس أو الزينة ، أو يقال : ليست هذه السنة مما ذكره العالم الفلاني أو الشيخ العلاني ، سواء أكان صاحب مذهب أو صاحب طريقة ، وهذا الأمر أدى إلى موت السنة وانتشار البدع، حتى صار بعض الناس يظنون أن البدعة هي السنة عافانا الله والمسلمين من ذلك .

أقول : بتوحيد الله بالعبادة ، وإفراد النبي بالاتباع ، تحصل النجاة للمسلم ، وبغير اتباع الرسول لن يصل العبد إلى توحيد الله ، فبقدر ما ينقص اتباعه للنبي ينقص توحيد عبادته والعكس صحيح ، وأحرى الناس باتباع النبي صلى الله عليه وسلم مخبراً و مظهراً وقولاً وعملاً ، خلقاً وسمتاً وهدياً أحرى الناس بذلك هم حملة العلم الشرعي من العلماء والمشايخ وطلبة العلم وأهله ، فأما أن يتخلف هؤلاء عن الاتباع _ فمن سيكون متبعاً وإننا نطالب هؤلاء أن يكونوا متبعين في كل شيء _ لا أقول في أكثر الأشياء بل في كل شيء ما استطاعوا ،لأنهم النجوم التي بها يُقتدى ، و أثرها يُحتذى ، فإن قصر النجم خبا ضوؤه ،

أما أن يكون هؤلاء حالهم في الاتباع كحال العوام ، وخاصة من حيث المظهر فإنه دليل المخبر ، فإنها عندها قد هزلت وضعفت حتى سقطت ، فيا من نصب نفسه للمسلمين معلما ً ، لا تكن فتنة للأمة ، إن طولبت بالاتباع قالت : إنني أستن بهدي فلان ، فتكون ممن سن سنة ضلالة ، لا سنة هداية نسأل الله معافاته .

هذا والاتباع له أصلان : الاول : محبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، والأصل الثاني : فرع عن الأصل الأول وهو محبة ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فكلما كملت المحبة عظم الاتباع ، وكلما نقصت المحبة ولو في إحدىالمحبتين نقص الاتباع ، بحسب ذلك ، وهذا مقياس صحيح دقيق والله الموفق ، ولهذا قال تعالى : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني ) ، وقال الجنيد رحمه الله : ( الطرق كلها مسدودة إلا على المقتفين آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم والمتبعين سنته وطريقته ، فإن طرق الخيرات كلها مفتوحة عليه كما قال تعالى : ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) أ . هـ من كتاب الأمر بالاتباع للسيوطي ص ( 53 )

وقال يحيى بن معين الرازي : ( اختلاف الناس كلهم يرجع إلى ثلاثة أصول فلكل واحد منها ضد ، فمن سقط عنه وقع في ضده : التوحيد وضده الشرك ، والسنة وضدها البدعة ، والطاعة وضدها المعصية ) .

وعن أبي علي الحسن بن علي الجوزجاني وقد سئل : كيف الطريق إلى الله ؟ فقال الطرق إلى الله كثيرة ، وأوضح الطرق عن الشبه اتباع السنة قولاً وفعلاً وعزماً وعقداً ونية ً ، لأن الله يقول : ( وإن تطيعوه تهتدوا )، فقيل له كيف الطريق إلى السنة ؟ فقال : مجانبة البدع واتباع ما أجمع عليه الصدر الأول من علماء الإسلام، والتباعد عن مجالس الكلام وأهله ، ولزوم طريق الاقتداء ، وبذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم   بقوله تعالى : ( ثم أوحينا إليك أن اتبع ملة إبراهيم )

وقال ذو النون المصري : ( من علامة حب الله متابعة حبيب الله صلى الله عليه وسلم في أخلاقه وأفعاله وأمره وسنته ) ، وقال أبو بكر الترمذي : ( لم يجد أحد تمام الهمة بأوصافها إلا أهل المحبة وإنما أخذوا ذلك باتباع السنة ومجانبة البدع ، فإن محمداً صلى الله عليه وسلم كان أعلى الخلق كلهم همة وأقربهم زلفى ) ، وقال الحسن الوراق : ( لا يصل العبد إلى الله إلا بالله وبموافقة حبيبه صلى الله عليه وسلم في شرائعه ) ، ومن جعل الطريق إلى الوصول في غير الاقتداء يضل من حيث أنه مهتد وقال : ( علامة حب الله متابعة حبيبه صلى الله عليه وسلم ) ، ونختم بقول أبي محمد عبد الله بن منازل حيث قال : ( لم يضيع أحد فريضة من الفرائض إلا ابتلاه الله بتضييع السنن ، ولم يبتل بتضييع السنن أحد إلا يوشك أن يبتلى بالبدع ) . من كتاب الاعتصام للشاطبي ( 1 / 89 – 99 )

الأصل الثالث : الصحابة وتقديم فهمهم _ عموماً _ على فهم غيرهم واعتبار إجماعهم .

الأصل الثالث : الصحابة وتقديم فهمهم _ عموماً _ على فهم غيرهم واعتبار إجماعهم .

قال تعالى : ( من يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ) ، وقال تعالى : ( لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل ) وقال تعالى : (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ) ، وقال تعالى : ( والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري من تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم ) ، وقال تعالى : ( للفقراء المهاجرين الذين أُخرجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلا من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون ) ،

وروى البخاري في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( خير أمتي قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم ) وروى كذلك في صحيحه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس ، فيقولون : فيكم من صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون : نعم ، فيفتح لهم ، ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولون فيكم من صاحب أصحاب رسول الله فيقولون نعم فيفتح لهم ثم يأتي على الناس زمان فيغزو فئام من الناس فيقولون : فيكم من صاحب أصحاب أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فيقولون نعم فيفتح لهم ) . قال العلامة ابن الوزير _ رحمه الله _ في كتابه العظيم ( العواصم والقواصم) ( 1 /181 ) ( ولما علم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن سوف تُجهل حقوقهم ويُستحل عقوقهم ، حذر من ذلك وأنذر وبالغ صلى الله عليه وسلم في ذلك وأكثر فرضي الله عن السابقين منهم واللاحقين والمتبوعين والتابعين من أهل الحرمين والهجرتين و المسجدين والقبلتين والكتابين والبيعتين والأربعة والعشرة ، وأهل بدر البررة ، والذين تبؤوا الدار والإيمان وأهل العشرين غزوة والثمان وعن البعوث والجنود ، وأهل حجة الوداع والوفود ….الخ ) أ . هـ

وقال ابن القيم رحمه الله : ( وكما أن الصحابة سادة الأمة وأئمتها وقادتها ، فهم قادة المفتين والعلماء ) وقال الليث عن مجاهد:(العلماء أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم)، وقال سعيد عن قتادة في قوله تعالى : ( ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق ) قال : ( أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم ) أ . هـ إعلام الموقعين ( 1 / 14 )

وقال ( 1 / 79 ) : ( فصل في الرأي المحمود وهو أنواع : النوع الأول : رأي أفقه الأمة ، وأبر الأمة قلوباً ، وأعمقهم علماً واقلهم تكلفاً وأصحهم قصودا ً ,أكملهم فطرة ً وأتمهم إداركاً وأصفاهم أذهاناً ، الذين شاهدوا التنزيل ، وعروفوا التأويل ، وفهموا مقاصد الرسول فنسبة آرائهم ومقصودهم إلى ما جاء به الرسول صلى الله عليه وسلم كنسبتهم إلى صحبته ، والفرق بينهم وبين من بعدهم في ذلك كالفرق بينهم وبينهم في الفضل ، فنسبة رأي من بعدهم إلى رأيهم كنسبة قدرهم إلى قدرهم ) . قال : قال الشافعي في رسالته البغدادية التي رواها عنه الحسن بن محمد الزعفراني وهذا لفظه : ( وقد أثنى الله تعالى على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في القرآن والتوراة والإنجيل ، وسبق لهم على لسان رسول الله صلى الله عليه وسلم من الفضل ما ليس لأحد بعدهم ، فرحمهم الله وهنأهم بما آتاهم من ذلك ببلوغ أعلى منازل الصديقين والشهداء والصالحين ، أدوا إلينا سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم وشاهدوه والوحي ينزل عليه ، فعلموا ما أراد رسول الله صلى الله عليه وسلم عاما ً وخاصاً وعزماً وإرشاداً ، وعرفوا من سنته ما عرفنا وجهلنا ، فهم فوقنا في كل علم واجتهاد وورع وعقل ،و أمر استدرك به علم واستنبط به ، وآراؤهم لنا أحمد وأولى لنا من رأينا عند أنفسنا ومن أدركنا ممن يرضى ، أو حكي لنا عنه ببلدنا صاروا فيما لم يعلموا لرسول الله صلى الله عليه وسلم فيه سنة إلى قولهم إن اجتمعوا ، أوقول بعضهم إن تفرقوا ، وهكذا نقول ، ولم نخرج عن أقاويلهم ، إن قال أحد ولم يخالفه غيره أخذنا بقوله ) .

قال ابن القيم بعد ضرب أمثلة تدلل على قوة رأي الصحابة : ” وحقيق بمن كانت آراؤهم بهذه المنزلة ، أن يكون رأيهم لنا خيرا ً من رأينا لأنفسنا ، وكيف لا وهو الرأي الصادر من قلوب ممتلئة نوراً وإيماناً وحكمة وعلماً ومعرفة وفهماً عن الله ورسوله ، ونصيحة للأمة ، وقلوبهم على قلب نبيهم ، ولا واسطة بينهم وبينه ، وهم ينقلون العلم من مشكاة النبوة غضاً طرياً لم يشبه خلاف ولم يدنسه معارضة ، فقياس رأي غيرهم برأيهم من أفسد القياس ” أ . هـ

وذكر الذهبي _ رحمه الله _ في سير أعلام النبلاء ( 10 / 83 ) : عن الشافعي : ” قال المُزَني أو الربيع : كنا يوماً عند الشافعي إذ جاء رجل عليه ثياب صوف ، وفي يده عكازة ، فقام الشافعي وسوى عليه ثيابه وسلم الشيخ وجلس ، وأخذ الشافعي ينظر إلى الشيخ هيبة ً له ، إذ قال الشيخ : أسأل ؟ قال : سل ، قال : ما الحجة في الدين ؟ قال كتاب الله ، قال : وماذا ؟ قال : سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، قال : وماذا ؟ قال : اتفاق الأمة ، قال من أين قلت اتفاق الأمة ؟ فتدبر الشافعي ساعة فقال الشيخ : قد أجلتك ثلاثاً ، فإن جئت بحجة من كتاب الله وإلا فتب إلى الله تعالى ، فتغير لون الشافعي ثم إنه ذهب ، فلم يخرج إلى اليوم الثالث بين الظهر والعصر وقد انتفخ وجهه ويداه ورجلاه وهو مسقام ، فجلس ، فلم يكن أسرع من أن جاء الشيخ فسلم فجلس، فقال : حاجتي ؟ فقال الشافعي : نعم أعوذ بالله من الشيطان الرجيم ، قال الله تعالى : ( ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ) قال: فلا يصليه على خلاف المؤمنين إلا وهو فرض ، فقال : صدقت وقام فذهب …. الخ ) أ. هـ

قلت : بل الآية أعم من ذلك ، فهي مشتملة أيضا ً على مجانبة هديهم وسنتهم التي هي ترجمة عملية لفهم كتاب الله والسنة فلا يجوز على وجه الجملة دون التفصيل ، خاصة في العقائد والإيمان والسنن ، والله أعلم .

قال ابن كثير رحمه الله تعالى في تفسير الآية من سورة النساء ( ومن يشاقق الرسول ) ( 1 / 554 ) ” أي من سلك غير طريق الشريعة التي جاء بها الرسول صلى الله عليه وسلم ، فصار في شق والشرع في شق ، وذلك عن عمد ٍ منه بعدما ظهر له الحق وتبين له النصح واتضح له ، وقوله : ( ويتبع غير سبيل المؤمنين ) هذا ملازم للصفة الأولى ولكن قد تكون المخالفة لنص الشارع ، وقد تكون لما اجتمعت عليه الأمة المحمدية ، فيما علم اتفاقهم عليه تحديداً ، فإنه قد ضمنت لهم العصمة في اجتماعهم من الخطأ تشريفاًَ لهم وتعظيما ً لنبيهم، وقد وردت أحاديث صحيحة في ذلك ، وقد ذكرنا منها طرفا ً صالحا في كتاب أحاديث الأصول ، ومن العلماء من ادعى تواتر معناها والذي عول عليه الشافعي _ رحمه الله _ في الاحتجاج على كون الاجماع حجة تحرم مخالفته هذه الآية بعد التروي والتفكر الطويل ، وهو من أحسن الأستنباطات وأقواها ، وإن كان بعضهم قد استشكل ذلك فاستبعد الدلالة منها على ذلك ، ولهذا توعد الله ذلك بقوله تعالى : ( نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصيراً ) أي إذا سلك هذه الطريقة جازيناه على ذلك بأن نحسنها في صدره ، ونزينها له استدراجا ً) أ . هـ

 

تطبيق فهم الصحابة علاج لكثير من القضايا المعاصرة :

وأظهر مثال اجتماعي على ذلك ، طلاق الثلاث دفعة واحدة ، وهو قول الرجل لزوجته : هي طالق بالثلاث أو ثلاثاً ، فمذهب الأئمة الأربعة رحمهم الله أنها تقع ثلاثاً ، فيثبت الفراق بين الزوجين مباشرة ، غير أن مذهب جمهور الصحابة رضي الله عنهم أنها تقع واحدة فقط ، وهذا ما رجحه شيخ الأسلام ابن تيمية رحمه الله ، لو أنا طبقنا في زمننا هذا قول الأئمة لكانت أكثر النساء طوالق لكثرة ما يقع طلاق الثلاث ، فلما كان الأمر كذلك عدلت المحاكم الشرعية إلى العمل بقول شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله أنها طلقة واحدة ، القول الذي هو عين قول الصحابة رضي الله عنهم ومثل ذلك كثير .

الأصل الرابع : التربية

الأصل الرابع : التربية

قال تعالى : ( كما أرسلنا فيكم رسولاً منكم يتلوا عليكم آياتنا ويزكيكم ) وقال تعالى : ( ربنا ابعث فيهم رسولا منهم يتلوا عليهم آياتك ويعلمهم الكتاب والحكمة ويزكيهم ) . وقال تعالى : ( لقد منَّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولا من أنفسهم يتلوا عليهم آياته ويزكيهم ) ، وقال تعالى : ( ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكى منكم من أحد أبداً ولكن الله يزكي من يشاء ) ، وقال تعالى : ( من تزكى فإنما يتزكى لنفسه ) ، وقال صلى الله عليه وسلم لسائل عن عمل لا يسأل عنه غيره : ( قل آمنت بالله ثم استقم ) وبهذا خاطب الله رسوله قائلاً : (فاستقم كما أمرت ومن تاب معك ) ، وقال صلى الله عليه وسلم : ( كل مولود يولد على الفطرة فأبواه … ) ولهذا قال تعالى : ( وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ) وأمر عباده بطلب الهداية للاستقامة على الطريق المستقيم ، قال تعالى : ( اهدنا الصراط المستقيم ) الذي قوامه الاتباع ( صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) فالتزكية إذاً قوامها أمران : حب العدل والعمل به ، وبغض الظلم وتركه ومحاربته ، فبقدر ما عند الإنسان من ذينك الأمرين ، بقد ما تزكو نفسه وترتفع حتى تصل إلى درجات الصديقين ، والعكس بالعكس ، والموفق من وفقه الله والمخذول من خذله الله وليس للمرء من زكاة خير من امتثال ما أمر الله به ، والانتهاء عما نهى عنه وزجر قال تعالى:( وإن قيل لكم ارجعوا فارجعوا هو أزكى لكم ) والتزكية عند أهل السنة والجماعة قائمة على أصلين :

الأول : التصفية :

الثاني : التربية ( وذلك ضمن القواعد والأصول العلمية )

وباختصار فالتصفية والتربية تشمل ما يلي :

1 – تصفية القلب من كل مرض خبيث ، وقطعه من أصله ، كتصفيته من الحسد و الكبر والعجب ، وتربيته على محبة الخير للغير من المسلمين ، والتواضع وقصر الأمل وعدم الغرور وكذلك تربيته _ أي القلب _ على الإخلاص والتوكل والخوف من الله و الخشوع له تعالى وغير ذلك من الأمور .

2 – تصفية النفوس من كل ما يخالف هدي الرسول صلى الله عليه وسلم وتربية النفس على الامتثال لمثل قوله صلى الله عليه وسلم : ( صلوا كما رأيتموني أصلي ) ومثل قوله صلى الله عليه وسلم : ( أما أني أخشاكم لله وأتقاكم له … ) ومثل قوله صلى الله عليه وسلم : ( خيركم خيركم لأهله وأنا خيركم لأهلي ) فنأخذ من مشكاته من الأعمال ما يؤهلنا لذلك من الدنو منه ، ومثل قول عائشة رضي الله عنها : ( كان خلقه القرآن ) فنربي النفس على محاسن الأخلاق وترك رذائلها ، فنربيها على ترك الغيبة والنميمة والقذف والسب والشتم والكذب ، ممتثلين في هذا لقوله صلى الله عليه وسلم : ( وإنَّ صاحب الخلق الحسن ليبلغ درجة قائم الليل صائم النهار ) ، ومثل قوله : ( رحم الله امرأً قال فغنم أو سكت فسلم ) ، وأن نجعل عصاماً لألسنتنا وجوارحنا، فكل ذنب إذا ما عصمتها عنه وقعت فيه، كما قال صلى الله عليه وسلم : ( إن العين تزني وزناها النظر ، وإن اليد تزني وزناها البطش ، وإن اللسان يزني وزناه الكلام ، وإن الرجل تزني وزناها المشي ، والفرج يصدق ذلك أو يكذبه ) فنصفي ما عندنا من عبادات وأخلاق فاسدة ورذيلة ، ونربيها على عبادات وأخلاق صحيحة وسليمة .

3 – تصفية ما يؤدي إلى صفاء ما ذكرنا وهذا يشتمل على :

  • تصفية كتب العقائد من كل ما خالف عقيدة أهل السنة والجماعة ، وتصفيتها من علم الكلام والمنطق والفلسفة .
  • تصفية كتب الحديث ببيان ما هو صحيح وما هو ضعيف .
  • تصفية كتب الفقه من كل رأي شاذ لا يقوم على أصل صحيح .
  • تصفية كتب التفسير من التفاسير المنحرفة ، كتفسير الباطنية من البهائية والرافضة والصوفية ومثل التفسيرات العصرية المرتكزة على نظريات يسارية وعلمانية خارجة عن الدين بحجة التفسير العلمي الواقعي أو التفسير المادي كمحاولات محمد شحرور وغيره وتصفيتها من الإسرائليات وغير ذلك .
  • تصفية تاريخ أمتنا من كل ما شوه تاريخ أمتنا العطر .
  • تصفية اللغة العربية من الحداثة المعاصرة ، والرمزية اللغوية .

إذا حصل هذا ونسأل الله أن يحصل وربيت الأمة أفراداً وجماعات على امتثال أمر الله ورسوله ، واجتناب نهي الله ورسوله ، والبعد عن الشبهات وأن تربى على محاسن الأخلاق إذا حصل كل هذا فعندها فلترجوا الأمة من الله نوالاًَ .

الأصل الخامس : الولاء والبراء

الأصل الخامس : الولاء والبراء

 

الولاء والبراء ، مفهومه ومعناه : الولاء لغة له عدة معان منها : الحب والنصرة والاتباع وضد المعاداة , وفي هذه المعاني آيات منها : قوله تعالى : ( ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم ) وقوله : (يا أبت إني أخاف أن يمسك عذاب من الرحمن فتكون للشيطان ولياً ) . وقوله : ( ومن يتوله منكم فإنه منهم ) وغير ذلك من الآيات ، وأما البراء فمن معانيه : التخلص والتنزه والتباعد ، والاعتذار والانذار .

ومن الآيات الدالة على مثل هذا المعنى قوله تعالى : ( براءة من الله ورسوله ) وقوله : ( إني بريء منك إني أخاف الله ) وقوله : ( فبرأه الله مما قالوا ) وغير ذلك .

والمعنى الشرعي للولاء والبراء يدور على أصول هذه المعاني اللغوية فيكون الولاء معناه : النصرة والمحبة والإكرام ، وأن يكون الإنسان مع من يتولاه ومن يحبه ظاهراً وباطناً ، وهذا لا يكون إلا للمؤمنين ، والبراء كذلك ، فالولاية إذن : المحبة والتقرب ، و البراء : البعد والتخلي والكره ، وما دام الولاء والبراء بهذين المعنيين وأنهما من علامات إخلاص المحبة لله تعالى ، ثم لأنبيائه والمؤمنين فهما في الوقت الحاضر مهمان جداً حتى لا يختلط الحق بالباطل والله الموفق .

قال تعالى : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكم وإخوانكم أولياء إن استحبوا الكفر على الإيمان ) وقال : ( يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا اليهود والنصارى أولياء بعضهم أولياء بعض ومن يتولهم منكم فإنه منهم )

وقال تعالى : ( لا تجد قوما ً يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادون من حاد الله ورسوله ) وقال : ( فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله فقد استمسك بالعروة الوثقى ) وقال تعالى : ( قد كانت لكم أسوة حسنة في إبراهيم والذين معه إذ قالوا لقومهم إنا برءاؤ منكم ومما تعبدون من دون الله كفرنا بكم وبدا بيننا وبينكم العدواة والبغضاء أبدا حتى تؤمنوا بالله وحده ) وقال تعالى : ( والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض )

قلت : الولاء والبراء ليس مصطلحا ً حديثاً ، بل هو معنى كلمة التوحيد ( لا إله إلا الله ) فقولك :

( لا إله ) نفي لكل إله وبراءة منه ، وقولك ( إلا الله ) إثبات لألوهية الله الحقة ، وتولٍ لها ، لهذا قال الله تعالى : ( فمن يكفر بالطاغوت ) وهو براء ( ويؤمن بالله ) وهو ولاء ( فقد استمسك بالعروة الوثقى لا انفصام لها ) والولاء والبراء درجات :

فأما درجات البراء فهي :

1 – البراء العام الكامل ، وهو أن يتبرأ المسلم ويبغض الكفر ولا يحبه ، ولا يحب أهله لأجل دينهم ، فإن محبتهم لأجل دينهم كفر ، وهذا لا ينافي وجود أنواع أخرى من المحبة العادية في البشر .

2 – وسط وهو براء خاص وهو التبرئ من كل البدع والتحريف والمحرفين في الدين وأصحابها كل حسب بدعته وتحريفه .

3 – أدنى وهو براء أخص مما قبله ، وهو التبرى من الذنوب بكل صورها وأشكالها ونشفق على أصحابها من عذاب الله .

 

وأما درجات الولاء فهي :

1 – أعلاه تولي الله وسوله ، وأوليائه من المؤمنين بأعلى درجات الولاء .

2 – تولي أهل الإسلام عموماً كل حسب إيمانه وأعماله ، فلا يوالى الطائع كما يوالى العاصي و لا يوالى أحد كما يوالى الصحابة وهلم جراً .

 

من صور التولي والتبرؤ :
فمن صور التولي محبة المسلمين والاهتمام بشؤونهم والخوف والحزن عليهم إن أصابهم مكروه ، والحرص على دعوتهم لطاعة الله تعالى ، والدعاء للعلماء والصلحاء منهم ، ولعمومهم أن يحفظهم الله وأن يستر على نسائهم ، ومناصرتهم ومناصحتهم في السر والعلن .

ومن صور البراء : إظهار العدواة لدينهم الباطل بالدعوة ضده وإظهار عدل الاسلام في مقابل ظلم الكفر ، ورد عدوانهم عن المسلمين .

الأصل السادس : الوسطية

الأصل السادس : الوسطية

الوسطية : هي العدل وحسن الرأي والتدبير ، لذلك فأمة الإسلام وسط بين اليهودية والنصرانية .

فالإسلام وسط في أصول الديانات كالتوحيد والإيمان بالرسل والكتب واليوم الآخر، وإن كان دين الله واحداً، لكن تصرفات البشر، وكذلك وسط في أصول الشرائع وذكر المحرمات والمباحات ، من بر الوالدين وصلة الأرحام ، وعبادة الله وحده لا شريك له ، والوفاء بالعهود والعدل في القول .

وفي مثل الصلاة والزكاة والصوم والحج والمناكح والمواريث والجنايات والآداب والأخلاق والسلوك والحقوق والأموال وغيرها .

فأمة الإسلام في كل هذا وسط بين اليهود والنصارى ، ولذلك قال تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطاً لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ًَ ) وقال تعالى : ( اهدنا الصراط المستقيم صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين ) ، فأمة الإسلام وسط بين جفاء اليهود على علمهم وغلو النصارى على جهلهم .

فاليهود قتلوا الأنبياء وأحلوا ما حرم الله ، والنصارى عظموا المسيح و حرموا ما أحل الله واليهود زعمت أن الله لا ينسخ شيئا ً من شرعه بحكم غيره ، والنصارى أعطوا الأحبار حق التحليل والتحريم ، واليهود وصفوا الله بصفات المخلوقين ، والنصارى وصفوا الخلق بصفات الخالق عياذا بالله فكانت أمة الإسلام وسطاً في كل ذلك والحمد لله ، فالصحابة ومن سلك سبيلهم وسط في كل الأمور ، فلا غلو ولا تقصير فهم ليسوا ممثلة ولا معطلة ولا قدرية ولا مجبرة ولا مرجئة ولا خوارج ولا رافضة ولا نواصب ليسوا كذبة في الحديث ، ولا متفلسفة ، زهاد غير متصوفة مثبتة غير مجسمة ، مجاهدون غير ناكصين على أعقابهم ، علماء غير جهلة، ولا زندقة فيهم ولا نفاق بصروا الوقائع فعالجوها أحسن علاج ، لله درهم ودر من قال فيهم .

أهــــل الـــحـــديـث هـمـو أهـل النبي                   وإن لم يصحبوا نفسه أنفاسه صحبوا

 

ولله در الشافعي رحمه الله إذ يقول فيهم وهو منهم : ( كلما رأيت أحداً من أهل الحديث فكأني رأيت أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ) فهذه الصفات التي ينبغي أن يكون عليها المسلمون ، كما كان عليها الصحابة رضي الله عنهم ، لا يرغبون عن سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ولا يقدمون عليها قولاً لشدة محبتهم له عليه الصلاة والسلام .

الأصل السابع : العلم

الأصل السابع : العلم

ولو لم يكن من فضل العلم وأهله إلا قوله تعالى : ( وقل رب زدني علماً ) لكفى ، إذ لم يأمر الله تعالى نبيه بطلب الازدياد من شيء إلا من العلم ، فكفى به فضلاً .

ومن مميزات العلم :

1 – الشمولية فيه : بأن يطلب العلم من ألفه إلى يائه ، وذلك بطلب آلات العلم ومقدماته من النحو والصرف والأصول والمصطلح وعلوم القرآن والتجويد ، وكذلك باقي العلوم أو أكثرها طلباً منهجياً ، أي بقراءة شاملة فيه ، فيطلب علم الفقه ويطلب علم التوحيد ، وكذلك علم التفسير والعلوم الأخرى .

2 – ومن مميزات العلم عندهم : أن نصوص الكتاب والسنة كل نص منها قاعدة وحده ، وإن خالفته الآراء بالضوابط المعروفة عند أهل العلم _ وكل قول يرد إليها ولا ترد هي إلى القول ، وإن كان قول أعلم أهل الأرض، فلا قول مع قول الله ورسوله .

3 – احترام أهل العلم وحملته : فهم النجوم التي يقتدى بها ، والبحار الزاخرة التي حملت دين الله حتى أبلغتنا إياه ، فمنتقصهم معيب ، ومبغضهم مخذول ، هم الجبال وغيرهم حصى أو تراب ، مقدمين منهم أهل البيت والأصحاب ، بداية بأبي بكر رضي الله عنه فهو خير من حمل العلم والإيمان بعد الأنبياء عليهم السلام .

ويحبون أهل العلم ويذودون عنهم ، فأولاهم بذلك من صحب الحبيب صلى الله عليه وسلم ثم من تبعهم ، ثم من تبعهم كالأئمة الأربعة وغيرهم فهم شموس في السماء وهم المجددون لمجد هذه الأمة ، وهم المجاهدون الأشاوس ، حملة قلم وسنان مجاهدون ورهبان ، ولا يخافون في الله لومة لائم .

4 – يحثون على الاجتهاد وينبذون التقليد الأعمى : فكم من مجتهد منهم قد علا في العلم كعبه ، وكم من محذر من التقليد ، لأن دين الله لا يؤخذ إلا بدليل ، فمن عري عن ذلك قوله ردَّ عليه ، وما ذلك إلا لحبهم الله ورسوله.

ولذلك فإن الاجتهاد لا يزال مفتوحاً لمن تأهل لذلك ، ولا بد من تقوية الدعوة إلى الاجتهاد ، لأن حاجة الأمة لذلك كحاجة البدن للطعام والشراب والهواء ، فكلما كثر مجتهدو الأمة قويت وازدهرت ، وكلما قل وضعف ، ضعفت بذلك .

بعد هذا أقول : اختلف أهل العلم في فتح باب الاجتهاد وشروطه ، ما بين ميسر له ومعسر ، والصحيح قول الميسرين بالضوابط والشروط المعلومة .

الأصل الثامن : التكفير والوعد والوعيد

الأصل الثامن : التكفير والوعد والوعيد

وهي مسألة كبيرة وخطيرة ، لا بد أن يكون الموقف فيها موقفا ً وسطاً ، بين المرجئة الذين لا يكفرون بذنب والخوارج الذين يكفرون بالكبائر ، ويقولون أيضاً بنفاذ الوعد وأما الوعيد فهو إلى مشيئة الله ما لم يكن كفرا ً.

 

والكفر عندهم كفران :

كفر أكبر : وهو ما اخرج من الإسلام بالكلِّيَّة .

وكفر أصغر : وهو ما لم يخرج صاحبه من الإسلام بالكلِّيَّة .

ولا يكفرون المعين حتى يقيموا عليه الحجة والبرهان ، والحكم بالتكفير على الأعيان عندهم ليس لكل أحد، بل لأهل العلم الراسخين، وهو مسألة قضاء لا مجرد فتيا.

الأصل التاسع : كونهم جماعة

الأصل التاسع : كونهم جماعة

ليعلم أولاً أن الجماعة لها مفهومان :

1 – جماعة أبدان .

2 – جماعة أفهام .

فالأول إن حصل لا يحصل به الثاني ، بخلاف الثاني إن حصل حصل به الأول ولا بد ، لذلك فالمسلمون – على هذا – هم جماعة أفهام أولاً وآخراً وعلى هذا قامت دعوتهم .

ولكون أهل السنة و الجماعة جماعة أفهام ، فإنهم لا ينظرون إلى زيادة المتبعين لهم كعامل أساسي في النجاح، ما لم يكن الفهم متحداً عندهم ، لأن العمل منبثق من العقيدة ، فإن صفت العقيدة صفا العمل والعكس بالعكس، وليس معنى هذا ترك الدعوة بحجة أن الخير مع القلة، فهذا ضلال.

 

ولذلك نتج عن ذلك عندهم ما يلي :

1 – أنهم في حقيقة الأمر جماعة ، لأنهم اتفقوا في وحدة المصدر والمنهج .

2 – أنهم لا يقولون بما هو موجود عند الأحزاب الاسلامية بالتحزب القائم على البيعة ، والولاء والبراء لتلك البيعة .

3 – أن كل من كان على نهجهم فهو منهم وهم منه ، ولو كان من عوام الناس ، بل لو كان في أقصى البلاد .

الأصل العاشر : الإمامة والخلافة

الأصل العاشر : الإمامة والخلافة

وهم يقولون بوجوب وجود الخليفة أو الإمام بالشروط المعلومة لدى أهل العلم ، المنصوص عليها في كتب أهل العلم ، وأن الأمة لا يجوز أن تظل بغير إمام عام يحكمها ، إن أمكن ذلك، وليس معنى هذا إبطال حكم الحكام الموجودين في زماننا.

والإمامة عندهم لها مقاصد مجملها :

1 – إقامة الدين : وذلك بنشر الدعوة بكل أشكالها وصورها ، ودفع الشبه والبدع والأباطيل والإلحاد ، وحماية بيضة المسلمين وتحصين الثغور ، وتنفيذ ذلك بإقامة الحدود وتنفيذ الأحكام ، وحمل الناس عليه بالترغيب والترهيب .

2 – سياسة الدنيا بشرع الله تعالى في جميع ميادين الحياة ، ومن ذلك نشر العدل ورفع الظلم وجمع الكلمة وعدم الفرقة ، والقيام بعمارة الأرض واستخراج خيراتها وغير ذلك .

وهم في الخلافة يقدمون : أبا بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علياً ثم من بويع بيعة صحيحة بالشروط الشرعية , والله الموفق .

الأصل الحادي عشر : الجهاد في سبيل الله

الأصل الحادي عشر : الجهاد في سبيل الله

ومن أصولهم الجهاد في سبيل الله مع كل بر وفاجر من المسلمين وأنه _ أي الجهاد_ ماض إلى أن تقوم الساعة ، قال ابن القيم رحمه الله في زاد المعاد ( 3 / 72 ) ( والتحقيق أن جنس الجهاد فرض عين ، إما بالقلب ، وإما باللسان ، وإما بالمال ، وإما باليد ، فعلى كل مسلم أن يجاهد بنوع من هذه الأنواع .

أما الجهاد بالنفس ففرض كفاية ، وأما الجهاد بالمال ففي وجوبه قولان والصحيح وجوبه ، لأن الأمر بالجهاد به و بالنفس في القرآن سواء ، كما قال تعالى : ( انفروا خفافاً وثقالاً وجاهدوا بأموالكم وانفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون ) .

قال : مهر المحبة والجنة بذل النفس والمال لمالكهما الذي اشتراهما من المؤمنين ، فما للجبان المعرض المفلس سوم هذه السلعة ، بالله ما هزلت فيستاقها المفلسون ، ولا كسدت فيبيعها بالنسيئة المعسرون ، لقد أقيمت للعرض في سوق من يريد ، فلم يرض لها ربها بثمن دون بذل النفوس ، فتأخر البطالون ، وقام المحبون ينتظرون ، أيهم يصلح أن تكون نفسه الثمن ، فدارت السلعة بينهم ، ووقعت في يد : ( أذلة على المؤمنين أعزة على الكافرين ) قال : لقد حرك الداعي إلى الله وإلى دار السلام النفوس الأبية والهمم العالية ، وأسمع منادي الإيمان من كانت له أذن واعية ، وأسمع من كان حياً ، فهزه السماع إلى منازل الأبرار ، وحدا به في طريق سيره ، فما حطت به رحاله إلا بدار القرار فقال : ( انتدب الله لمن خرج في سبيله لا يخرجه إلا إيمان بي ، وتصديق برسلي ، أن أرجعه بما نال من أجر أو غنيمة أو أدخله الجنة ،ولولا أن أشق على أمتي ما قعدت خلف سرية ، ولوددت أني أقتل في سبيل الله , ثم أحيا ثم أُقتل ثم أحيا ثم أُقتل ) وقال : ( غدوة في سبيل الله أو روحة خير من الدنيا وما فيها ) أ . هـ كلامه رحمه الله

وقال شيخ الإسلام في الفتاوى ( 10 / 12 ) ( قال تعالى : ( لقد أرسلنا رسلنا بالبينات وأنزلنا معهم الكتاب والميزان ليقوم الناس بالقسط وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب إن الله قوي عزيز ) فذكر تعالى أنه أنزل الكتاب والميزان وأنه أنزل الحديد لأجل القيام بالقسط ، وليعلم الله من ينصره ورسله ولهذا كان قوام الدين بكتاب يهدي ، وسيف ينصر وكفى بربك هادياً ونصيراً ) أ. هـ كلامه قلت: والجهاد قسمان : جهاد طلب لإعلاء كلمة الله ونشر الدعوة ، وجهاد دفع للدفاع عن بيضة المسلمين وهو عندهم لا يكون إلا بإذن من الإمام ولا يكون إلا تحت راية معلومة ظاهرة ، لغير عصبية فاجرة أو قومية كافرة.

الأصل الثاني عشر : النصيحة للمسلمين وعموم الدعوة

الأصل الثاني عشر : النصيحة للمسلمين وعموم الدعوة

قال تعالى : ( وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالة ربي ونصحت لكم ) وقال 🙁 ولا على الذين لا يجدون ما ينفقون حرج إذا نصحوا لله ورسوله ) وقال : ( أبلغكم رسالات ربي وأنا لكم ناصح أمين ) إلى غير ذلك من الآيات وقال صلى الله عليه وسلم   : ( الدين النصحية _ ثلاثاً _ قلنا لمن يا رسول الله ، قال : لله ولكتابه ولرسوله ولأئمة المسلمين وعامتهم ) رواه مسلم.

قال ابن رجب رحمه الله تعالى في جامع العلوم ص74 وغيرها : ( النصيحة تشمل خصال الإسلام والإيمان والإحسان التي ذكرت في حديث جبريل عليه السلام ، وسمى ذلك كله ديناً ، قال : وأما النصيحة للمسلمين فأن يحب لهم ما يحب لنفسه ، ويكره لهم ما يكره لنفسه ، ويشفق عليهم ويرحم صغيرهم ويوقر كبيرهم ، ويحزن لحزنهم ويفرح لفرحهم ، وإن ضر ذلك في دنياه كرخص أسعارهم ، وإن كان ذلك في فوات ربح ما يبيع من تجارته وكذلك يكره جميع ما يضرهم عامة ، ويحب ما يصلحهم و ألفتهم ودوام النعم عليهم ونصرهم على عدوهم ودفع كل أذى أو مكروه عنهم ، قال ابن الصلاح رحمه الله : ( والنصيحة العامة للمسلمين إرشادهم إلى مصالحهم ، وتعليمهم أمور دينهم ودنياهم ، وستر عوراتهم ، وسد خلاتهم ، ونصرهم على أعدائهم والذب عنهم ، ويكره لهم ما يكره لنفسه وما شابه ذلك ) أ. هـ كلامه رحمه الله.

ولما كان دين الإسلام عاماً وكان قيام المسلمين بالدعوة كذلك فهم الذين ينشرون الإسلام وأحكامه في كل مكان ، ويتصدون للدعوات الفاسدة ويحاربونها فيحاربون دعوة اليهود والنصارى والملحدين ، بشتى صورهم من شيوعيين وبوذيين وغيرهم والعلمانيين والمبتدعين والمحرفين وغير ذلك وأوضح مثال على ذلك شيخ المسلمين في العصور الوسطى الزاهرة ، شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى ، وعلى هذا ممن سبق وتبع ممن وفقه الله تعالى ، نسأل الله تعالى أن يجعلنا منهم ويستعملنا في دينه بخير إنه على كل شيء قدير .

وصلى الله على النبي محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما ً كثيرا ًً

تم بحمد الله

 

عقيدتي باختصار

عقيدتي باختصار

هي عقيدة الصحابة وأئمة العلم من التابعين ومن تبعهم من الأئمة الأربعة وغيرهم كالبخاري وابن تيمية وابن باز رحمهم الله تعالى فأقول:

  • أؤمن بوحدانية الله في عبادته وربوبيته وأسمائه وصفاته.
  • وأؤمن بنبوة رسول الله محمد بن عبد الله القرشي وأنه لا نبي بعده.
  • وأؤمن بالغيب كله مما سبق ومما سيأتي.
  • وأؤمن بالقدر خيره وشره, وأنه من الله تعالى.
  • وأؤمن أن العبد فاعل لفعله حقيقة.
  • وأؤمن بالبعث بعد الموت وبالجزاء إما جنة وإما نار.
  • أؤمن بأسماء الله وصفاته كما أخبر تعالى.
  • وأعتقد بأن صفات الله عز وجل, منها ما هو صفة ذات, ومنها ما هو صفة فعل.
  • وأؤمن بأنه استوى على العرش حقيقة بلا كيف, وأنه يتكلم حقيقة بصوت يُسمَع بلا كيف, وأنه ينزل إلى سماء الدنيا حقيقة بلا كيف.

10- أنزه الله عن مماثلة المخلوقات في ذاته وصفاته فهو حي لا كحياة الخلق, فوق العرش لا كفوقية الخلق, له يد وعين ورجل ليس كالخلق.

11- أؤمن بأنه عدل صمد لا يظلم الناس شيئاً في قدره وفعله, وأنه يعلم الغيب, فيمن على من يشاء بفضله, ويمنع من يشاء بعدله.

12- أعظّم أصحاب رسول الله, فهم خير الناس بعده, وهم كالناس غير معصومين, لكن عامّتهم من السابقين, من طعن فيهم فهو ضال مضل, ومن طعن في أحدهم فهو فاسق, ومن كفرهم فهو كافر زنديق.

13- وأؤمن بأنه لا يكفر مسلم بذنب بغير استحلال, وأن السيف لا يُشرع في وجوه أئمتنا ولو ظلمونا, بل نرى صحة بيعتهم مع ظلمهم, وندعو لهم بالسعادة في الدارين, وحساب الجميع على الله تعالى, وتجب النصيحة لهم لكن فيما بينهم.

14- وأهل العلم والقضاء, أرى فضلهم على عامة الناس, فهم قدوتهم, وآخذوهم إلى الجنة إن أطاعوهم.

15- وعامة الناس نصيحتهم بالخير واجبة, وإحسان الظن بهم فرض, ومحبتهم لازمة, فمن رأى خطأ صححه من غير تهمة, إذ التهمة قضاء وليس فتيا.

16- فلا نحكم على معين بالكفر وغيره إلا بقاطع, وهذا كما قلنا قضاء والقضاء له أهله, وليس ذلك فتيا لعامة الناس.

17- والاجتماع على الخير أحب إلينا من التفرق, ولو مع وجود الخطأ, فالعصمة لجماعة الأمة وليست لأفرادها.

18- وأؤمن بضرورة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, للوصول للأحسن, وباب الأمر ليس قاصراً على الشرعيات من العبادات, بل يتعداها إلى غيرها من أمور الدنيا, نريد الطبيب والطبيبة, والمهندس والمهندسة, والممرض والممرضة, والمعلم والمعلمة, لاتساع مجالات الحياة, فعلينا من باب الكفاية أن نخوض كل مجال في الدنيا يخدم الدين.

19- والأخلاق عماد الأمم, وأساس ذلك الصدق والأمانة والعدل والحياء والكرم, فأمة بغير أخلاق ضياع.

20- وأؤمن بضرورة توفير الأمن والأمان والرزق للمجتمع من حيث الأسرة والحي والقرية والمدينة حتى تصل إلى الدولة, إذ هذا أساس الرفاهية التي تثمر بركة المجتمع.

21- وأؤمن بخروج المهدي مجدداً لأمر الأمة, وليس هو مهدي الرافضة ولا مهدي الصوفية, وليس هو من نسل الحسين, بل من نسل الحسن, وهو مهدي السنة, يعطى المهدوية عطاء من الله لا بدعوى فارغة.

22- هذا وأؤمن بأن للإيمان أصلاً وفرعاً, وهو يزيد بالطاعة وينقص بالمعصية, وهو عقد بالقلب وقول باللسان وعمل بالأركان, فأصله القلب واللسان, وفرعه الأعمال القلبية وأعمال الجوارح, وأن تارك الصلاة لا يكفر إلا بالجحود ونحوه.

23- وأؤمن بخروج الدجال, وهو مهدي الضلالة, وهو أعظم فتنة على الأمة.

24- وأؤمن بأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق كالبشر.

25- وأؤمن بأن العبد مختار لفعله الذي كُلّف به, سواء أكان إيجاد فعل, أم تركه, ولولا ذلك لما صح التكليف.

26- وأؤمن بأن المخلوقات العرش فما دونه, كلها حادثة ومخلوقة بعد أن لم تكن, وأن شيئاً منها لا يتصل بالله تعالى, وليست هي محلاً له, وهو فوق العرش, ومستغن عن العرش وغيره.

27- وأؤمن بأن الله كلّم موسى, واتخذ الله إبراهيم ومحمداً خليلين.

28- وأؤمن بأن أصح الناس عقداً بعد رسول الله أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي.

29-وأؤمن بالكرامات ككرامات الصحابة ،لا كخفر عبلات الصوفية.

والله أعلم.

وقفات مع حديث الافتراق

وقفات مع حديث الافتراق

حديث الافتراق حديث مشهور معروف, لا أطيل الكلام في حكمه وشرحه, إذ هو حديث صحيح, لكن لي معه وقفات:

الأولى: مفهوم الافتراق:

افترقت اليهود ….“: وهذا الافتراق هو في مسائل من العقيدة, مما يترتب على الخلاف فيها تضليل وتبديع, وليس على دقائق منها, وليس على الخلاف في الفروع, إذ ذلك لا يؤثر.

الثانية: مفهوم الأمة:

وتفترق أمتي…“: المقصود من ذلك أمة الإجابة, فمن زعم أنها أمة الدعوة –اي الشاملة لكل مكلّف- فقد جانب الصواب, لأن هذا التفسير يرده الحديث نفسه, حيث قال –عليه السلام- “افترقت اليهود… افترقت النصارى“, فإن قلنا تفسير “تفترق أمتي” أي أمة الدعوة: فهذا يشمل اليهود والنصارى, مع قوله في الحديث:افترقت اليهود والنصارى, فلو كان المقصود أمة الدعوة لما كان هذا التفصيل, وكذلك يرد هذا التفسير قوله: “كلها في النار إلا واحدة” مع تفسيرنا للنار باستحقاق العذاب دون الخلود, فكيف يقال إن اليهود والنصارى ليسوا من أهل الخلود؟!.

الوقفة الثالثة:

مفهوم: “هم على ما أنا اليوم عليه وأصحابي“: يحلو للبعض بأن يفسر هذا النص, بأنه التمسك بالكتاب والسنة واعتمادهما أصلاً, فيكون النص شاملاً لكل صاحب بدعة بأنه من أهل السنة, لأن الكل يقول بذلك, حتى الصوفية والرافضة يزعمون بأن متمسكهم الكتاب والسنة, وإن كانوا يخالفون في مفهوم السنة, أعني الرافضة, إذن فعلى هذا التفسير لا يكون هناك من أهل البدعة المجانبين للسنة إلا الرافضة فقط, قلت: وهذا خلط كبير, بحيث أن النبي – صلى الله عليه وسلم- في قوله هذا بين منهجاً للفهم وليس منهجاً للاستدلال, فعلى هذا يكون مفهوم: “ما أنا عليه” أي: من الفهم لنصوص الوحيين, وإلا :

– فإن الخوارج من أهل السنة.

– والمعتزلة من أهل السنة.

– والجهمية من أهل السنة وهلمّ جراً.

ومنهم من زاد بأن أهل السنة: من احتج بالكتاب والسنة وإجماع الصحابة, وعليه فلا يخرج عن حد أهل السنة إلا الرافضة وبعض المعتزلة والخوارج, والواقع العملي للصحابة ومن بعدهم يناقض هذا الزعم, إذن, فمفهوم: “ما أنا عليه…” إنما هو في فهم الوحيين كما أراد الله ورسوله.

هذا أولاً, ثم ثانياً, فإن مفهوم أهل السنة نوعان: مطلق: وهذا في مقابل الرافضة لأن معنى السنة هنا الدفاع عن الصحابة, ومقيد: وهو هنا بمعنى إجماع فهم الصحابة, فيكون هنا أخص من الأول, لتكون المباينة بين أهل السنة وغيرهم كالمعتزلة والخوارج والجهمية والأشعرية وغيرهم, مع أن الإسلام يجمع الكل.

الوقفة الرابعة:

لا شك أن أهل السنة, جماعة من المسلمين, ولفظ الجماعة هو: جماعة دخلت عليها “ال”, و”ال” هنا عهدية, أي الجماعة المعروفة بالتمسك بهدى الرسول –صلى الله عليه وسلم- وهدي الصحابة على الفهم الأول غير المحرّف ولا المؤوّل, وهذا تفسير لنص حديث “ما أنا عليه وأصحابي“, والتنوع في التفسير غير مرفوض, وزعم أن هذا الفهم سياسي في دولة الأمويين, لا يؤثر فيه حتى لو كان كذلك, فكم من مصطلح ظهر في الأمة, لم يكن فيمن سبق, وذلك لضرورة الحاجة الملحة إليه, ولا مشاحة في الاصطلاح, خصوصاً أن لفظة “كلها في النار إلا واحدة” تعني: الفرقة وهي لا تكون إلا جماعة, فما المشكلة إذن؟!

وقفة أخيرة:

مفهوم: “كلها في النار“: ليس كما فهم ابن حزم –رحمه الله تعالى-, وإنما كما فهم غيره من الأمة: أن معناها: تستحق عذاب الله وليس الخلود الذي يجعل معناها الكفر, والله أعلم.

مهمــات

مهمــات

  • أصول العقائد وثوابتها مطلقاً ثلاث:

أ. اعتقاد ألوهية الله وحده لا شريك له.

ب. إثبات النبوّات وأنها عطاء من الله وليست رياضات.

ج. الإيمان بالبعث بعد الموت.

وكل ما وراء ذلك فهو ناتج وتابع لهذا, وليس معنى ذلك أن منكر هذه الثلاث كافر, أما منكر غيرها فلا يكفر, أبداً, بل يكفر من أنكر الكتب أو القدر أو الملائكة, لكن هذه الأمور مبنية على تلك الثلاث.

  • صفات الله تعالى:

ولي هنا وقفات: الأولى:

نزل القرآن بلسان عربي: يفهمه العرب, مبين: يفهمه غير العرب, فهو عربي مبين واضح لكل من قرأه بلسان العرب, أو ترجم له.

الثانية: القرآن نزل وفيه مباحث:

أ.العقيدة, ب. الأحكام, ج. القصص, د. الأخلاق, أو قل: نزل بنوعين من الخطاب: 1. الخبر,

  1. الإنشاء, فالخبر فهو كل ما احتمل الصدق والكذب, حاشا كلام الله تعالى وكلام رسوله – صلى الله عليه وسلم-, والإنشاء: ما لا يحتمل ذلك, وقد اتفق أهل العلم على أن الأخبار لا يدخلها نسخ, كالعقائد والأخلاق والقصص.

وعليه فقد اتفق الفقهاء على أن العقائد خصوصاً من الأخبار, أي: أنها خبر عن الله تعالى ولا يدخلها نسخ.

وعليه: فبما أن الخبر عن الله ورسوله, لا يحتمل صدقاً ولا كذباً لسلامته من الخلل والخطأ وسلامته من الغموض والإجمال والإشكال, فهو لا يحتاج إلى بيان ولا توضيح, ذلك أن الله عز وجل كلف بالتوحيد الذي هو أساس الدين وأصله, كلف به العربي وغيره, والعالم والجاهل على حد سواء, فالذي أخبرنا بقوله: (قل هو الله أحد) والذي يفهمه كل مخاطب بأن معناه: الله واحد,والذي خاطبنا بقوله: (وهو الله في السموات وفي الأرض) والذي خاطبنا بقوله: (يعلم خائنة الأعين) هو الذي خاطبنا بقوله: (الرحمن على العرش استوى) وهو الذي خاطبنا بقوله: (بل يداه مبسوطتان), وكل من الخطابين: 1. خبر , 2. خالٍ من الإشكال والإجمال والغموض:فما نتج من قبولنا للخطاب الأول من غير تدخل في معناه, يلزمنا ولا بد بقبول الخطاب الثاني من غير تدخل في معناه مما يؤدي إلى رده, لأن رده نوع من التكذيب عياذاً بالله تعالى.

الثالثة: الفرق بين المعنى والكيف.

اتفق أهل اللغة عموماً على أن: معنى الشيء ذاته, فلو سئلت عن معنى التفاحة؟ فتقول: تفاحة, فأن قلت صفراء حمراء مستديرة, فهذا كيف وليس معنى.

والذي نثبت معرفتنا إياه من صفات الله تعالى, إنما هو المعنى دون الكيف, فنقول: نثبت لله اليد مؤمنين بالمعنى: أي أن لله يداً حقيقة, فذات اليد ثابتة له, لكن لا ندري كيف هي.

فمن زعم من الناس أن من يثبت المعنى مشبه لصفات الله تعالى بصفات خلقه فهو مخطئ أو جاهل, وسيأتي بيان لذلك بعد قليل في الألفاظ.

إذن فإثباتنا لصفات الله يتضمن شيئين:

  1. المعنى: وهو معروف عندنا, إذ معنى الشيء ذاته.
  2. الكيف: وهو مجهول لنا, لأن معرفة الكيف ينتج عن: إما بيان شافٍ كافٍ, أو عن مشاهدة, وليس أحد من الأمرين موجود, لذا فأننا نجهل الكيف.

وأما المعنى فقد جاءنا خبر الله تعالى الذي فيه قول الله –تعالى- عن نفسه: إن لي يداً, وعيناً, ورجلاً, وساقاً, ووجهاً, ونزولاً, وتكلماً, واستواءاً, وغير ذلك, أقول يخبرنا الله بذلك عن نفسه وهو أصدق الصادقين مما نعرف معناه من اللغة, ثم نقول: الله لا يتكلم, الله ليس فوق العرش ولم يستو, الله ليس له وجه ولا غير ذلك, فأي جرأة أكبر من هذه على الله تعالى.

وإن من العجب العجاب أن تجد من يزعم أنه من أهل اللسان العربي ينحى نحو الخطأ المحض المفضي إلى الضلال, في حين أن رجلاً كان جالساً بجوار رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كيف كان موقفه, فاسمع هذه القصة واعتبر:

يقول عليه الصلاة والسلام: “يضحك ربنا من رجلين يقتل أحدهما الآخر ثم يدخلان الجنة.. “, فلم يكن من الصحابة نوع اعتراض أو استفهام أو رد أو تأويل للنص, ذلك أنه نص محكم ظاهر لا إشكال فيه, كغيره من باقي نصوص الصفات, يقول الرجل: أوَ يضحك ربنا يا رسول الله, قال –عليه الصلاة والسلام: “نعم يضحك“, فانظر إلى هم الرجل هل هو في المعنى الواضح, أم في الثمرة المرجوة من الإيمان, فقال الرجل: إذن فلن نعدم خيراً من ربٍ يضحك.

فأين المعطلة والمؤولة والمغيرون لمعاني نصوص الوحيين –تعالى الله عن تأويلهم وتعطيلهم علواً كبيراً”.

الرابعة:

أمر مهم جداً, وهو أن من أثبت ذاتاً, فلا بد أن تكون الذات لها أسماء وصفات, ومن أثبت الأسماء والصفات, فهو من شاكلتها من حيث الإثبات, أي لا فرق بينها في الإثبات, فلا يقال نثبت صفة معنى دون ذات, إذ لا فرق, فصفة الذات لا تختلف في الإثبات عن صفة المعنى, لأنها كلها صفات ثابتة لذات, والاشتراك في الصفات لا يعني المماثلة, فالله حي, والناس أحياء, وفرق بين الحياتين, كذلك لله يد وللإنسان يد وشتان بين اليدين, ولذا يقولون: الكلام في الصفات فرع عن الكلام في الذات, والكلام في بعض الصفات كالكلام في البعض الآخر.

وأخيراً: الألفاظ.

ألفاظ الخطاب في القرآن, هي الألفاظ العربية, فمنها المختلف: مثل: قام, مشى, أكل, لبس, ..إلخ, ومنها المتضاد: مثل: جلل فهي بمعنى عظيم وبمعنى حقير, ومثل جون فهي بمعنى أبيض وبمعنى أسود.. وهكذا.

ومنها: المشتركة مثل: العين: تطلق على الدينار وعلى العين الباصرة وعلى عين الماء وهكذا.

هذا والألفاظ المشتركة لا يظهر معناها إلا بالإضافة إلى غيرها, وهذا هو وجه الإجمال فيها –أعني الصفات مطلقاً-, أي أنها في حين عدم إضافتها فهي مجملة, لكن إذا أضيفت ظهر معناها, فجاء بعض الناس, فحمل الصفات على الإجمال بهذه الدعوى الباطلة فتقول: يد, جناح, وجه, ساق, عين, أصبع, حياة, سمع, وهكذا, فكل هذه من الألفاظ تحمل صفات, لكن لا يمكن أن تجعل على إطلاقها هذا صفة ثابتة لأمر ما من غير إضافة, ومجرد الاشتراك لا يعني المماثلة, فمثلاً: كلمة جناح: بمطلقها هكذا لا تفيد معنى خاصاً, لكن إذا قلنا: جناح الطير, جناح الطائرة, جناح الذل, أفادت كلمة الجناح معنى معيناً, وليس قولنا جناح الطير يلزم منه أن يكون مثل جناح الطائرة بمجرد الاشتراك في اللفظ, وهكذا.

ولله المثل الأعلى, وعليه: فقولنا: حياة الله, يد الله, استوى الله وهكذا, لا يلزم منه مماثلة الحياة بالحياة, ولا اليد لليد, ولا الاستواء للاستواء وهكذا.

مهمة:

بعض الناس يطلق على من أثبت الصفات لله تعالى, بأنه مجسم, تقبيحاً لفعله حتى ينفر الناس منه, ويزعمون بذلك بأن المجسم يمثل الله بخلقه وأن صفات الله كصفات الخلق, تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً, فهذا جريمة كبيرة منهم, وإلا فأننا نثبت لبعض المخلوقات وجهاً وبطناً وقلباً, فهل وجه هذا المدعي كوجه كذا وكبطنه وكقلبه, فهل يلزم من مجرد الاشتراك في اللفظ الاتفاق في الكيف.

فإذا كان هذا ممنوعاً في المخلوقين, أوَليس من باب أولى أن يكون الفرق بين الخالق والمخلوق.

مهمة ثانية: ألقاب أهل السنة.

وهي ليست من باب التزكية, وليست ختماً تمنح صاحبها جواز التعدي والتكبر على عباد الله, وليست شعار نجاة مطلقاً من النار ولو فعل الإنسان ما فعل, بل الأصل في ذلك كما قال –تعالى-: (إن أكرمكم عند الله أتقاكم) ولو لم يسمّ بهذه الأسماء, لكن لكون هذا الأمر شائعاً بين الناس, وحتى لا يحصل اللبس نذكر مثل هذه الأسماء, كما أن هذه الأسماء لا تعرف بالأشخاص, ولكن تعرف بما تحمله من المعاني الجميلة الحسنة, فمن اتصف بما تحمله فهو من أهلها ولو لم يسمّ بذلك, ومن لم يحمل معانيها فليس من أهلها وإن قيل وقيل, وهذه الألقاب هي: أهل السنة, الجماعة, أهل السنة والجماعة, أهل الحديث, السلفيون, أتباع السلف والصحابة.

وفي الختام أقول:

أسأل الله عز وجل أن ينفعنا بما علمنا, وأن يعلمنا ما ينفعنا, واللهم اهدنا وسدّدنا, وعلّمنا وفهّمنا, واجعلنا من المتقين, وصلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مقدمة ابن أبي العز الحنفي

مقدمة ابن أبي العز الحنفي

الحمد لله, نحمده ونستعينه ونستغفره, ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا, من يهده الله فلا مضل له, ومن يضلل فلا هادي له, وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً.

أما بعد: فإنه لما كان علم أصول الدين أشرف العلوم, إذ شرفُ العلم بشرف المعلوم, وهو الفقه الأكبر بالنسبة إلى فقه الفروع؛ ولهذا سمّى الإمام أبو حنيفة –رحمة الله عليه- ما قاله وجمعه في أوراق من أصول الدين: ((الفقه الأكبر)) وحاجة العباد إليه فوق كل حاجة, وضرورتهم إليه فوق كل ضرورة؛ لأنه لا حياة للقلوب, ولا نعيم ولا طمأنينة, إلا بأن تعرف ربها ومعبودها وفاطرها بأسمائه وصفاته وأعماله, ويكون مع ذلك كله أحب إليها مما سواه, ويكون سعيها فيما يقربها إليه دون غيره من سائر خلقه.

ومن المحال أن تستقل العقول بمعرفة ذلك وإدراكه على التفصيل, فاقتضت رحمة العزيز الرحيم أن بعث الرسل به معرّفين, وإليه داعين, ولمن أجابهم مبشرين, ولمن خالفهم منذرين, وجعل مفتاح دعوتهم, وزبدة رسالتهم, معرفة المعبود –سبحانه- بأسمائه وصفاته وأفعاله, إذ على هذه المعرفة تبنى مطالب الرسالة كلها من أولها إلى آخرها, ثم يتبع ذلك أصلان عظيمان:

أحدهما: تعريف الطريق الموصل إليه وهي: شريعته المتضمنة لأمره ونهيه.

الثاني: تعريف السالكين مالهم بعد الوصول إليه من النعيم المقيم, فأعرف الناس بالله –عز وجل- أتبعهم للطريق الموصل إليه, وأعرفهم بحال السالكين عند القدوم عليه؛ ولهذا سمى الله ما أنزله على رسوله روحاً, لتوقف الحياة الحقيقية عليه, ونوراً لتوقف الهداية عليه, فقال الله –تعالى-: ( يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده)[1], وقال تعالى: (وكذلك أوحينا إليك روحاً من أمرنا ما كنت تدري ما الكتاب ولا الإيمان ولكن جعلناه نوراً نهدي به من نشاء من عبادنا وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم, صراط الله الذي له ما في السموات وما في الأرض ألا إلى الله تصير الأمور)[2], ولا روح إلا فيما جاء به الرسول, ولا نور إلا في الاستضاءة به, وسماه الشفاء, كما قال –تعالى- (قل هو للذين آمنوا هدىً وشفاء)[3], فهو وإن كان هدىً وشفاء مطلقاً, لكن لما كان المنتفع بذلك هم المؤمنون, خصوا بالذكر.

والله –تعالى- أرسل رسوله بالهدى ودين الحق, فلا هدى إلا فيما جاء به, ولا ريب أنه يجب على كل أحد أن يؤمن بما جاء به الرسول إيماناً عاماً مجملاً, ولا ريب أن معرفة ما جاء به الرسول على التفصيل فرض على الكفاية, فإن ذلك داخل في تبليغ ما بعث الله به رسوله, وداخل في تدبر القرآن وعقله وفهمه, وعلم الكتاب والحكمة, وحفظ الذكر والدعاء إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, والدعاء إلى سبيل الرب بالحكمة والموعظة الحسنة, والمجادلة بالتي هي أحسن, ونحو ذلك مما أوجبه الله على المؤمنين, فهو واجب على الكفاية منهم, وأما ما يجب على أعيانهم: فهذا يتنوع بتنوع قُدرِهم, وحاجاتهم, ومعرفتهم, وما أمر الله به أعيانهم, ولا يجب على العاجز عن سماع بعض العلم أو عن فهم دقيقه ما يجب على القادر على ذلك, ويجب على من سمع النصوص وفهمها من علم التفصيل ما لا يجب على من لم يسمعها, ويجب على المفتي والحاكم ما لا يجب على من ليس كذلك, وينبغي أن يعرف أن عامة من ضل في هذا الباب أو عجز فيه عن معرفة الحق, فإنما هو لتفريطه في اتباع ما جاء به الرسول, وترك النظر والاستدلال الموصل إلى معرفته, فلما أعرضوا عن كتاب الله ضلوا, كما قال –تعالى- (فإما يأتينكم مني هدىً فمن اتبع هداي فلا يضل ولا يشقى, ومن أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكاً ونحشره يوم القيامة أعمى, قال رب لم حشرتني أعمى وقد كنت بصيراً, قال كذلك أتتك آياتنا فنسيتها وكذلك اليوم تنسى)[4].

قال ابن عباس –رضي الله عنهما- تكفّل الله لمن قرأ القرآن وعمل بما فيه, أن لا يضل في الدنيا, ولا يشقى في الآخرة ثم قرأ هذه الآيات, وكما في الحديث الذي رواه الترمذي وغيره.

عن علي –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إنها ستكون فتن” قلت: فما المخرج منها يا رسول الله؟ قال: “كتاب الله, فيه نبأ من قبلكم, وخبر ما بعدكم, وحكم ما بينكم, وهو الفصل, ليس بالهزل, من تركه من جبار قصمه الله, ومن ابتغى الهدى في غيره أضله الله, وهو حبل الله المتين, وهو الذكر الحكيم, وهو الصراط المستقيم, وهو الذي لا تزيغ به الأهواء, ولا تلتبس به الألسن, ولا تنقضي عجائبه, ولا تشبع منه العلماء, من قال به صدق, ومن عمل به أجر, ومن حكم به عدل, ومن دعا إليه هدي إلى صراط مستقيم” ضعيف الإسناد, إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على مثل هذا المعنى, ولا يقبل الله من الأولين والآخرين ديناً يدينون به, إلا أن يكون موافقاً لدينه الذي شرعه على ألسنة رسله –عليهم السلام-.

وقد نزه الله –تعالى- نفسه عما يصفه العباد, إلا ما وصفه به المرسلون بقوله –سبحانه-:-

(سبحان ربك رب العزة عما يصفون, وسلام على المرسلين, والحمد لله رب العالمين)[5] فنزه نفسه –سبحانه- عما يصفه به الكافرون, ثم سلم على المرسلين؛ لسلامة ما وصفوه به من النقائص والعيوب, ثم حمد نفسه على تفرده بالأوصاف التي يستحق عليها كمال الحمد.

ومضى على ما كان عليه الرسول –صلى الله عليه وسلم- خير القرون, وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان, يوصي به الأول الآخر ويقتدي فيه اللاحق بالسابق, وهم في ذلك كله بنبيهم محمد –صلى الله عليه وسلم- مقتدون, وعلى منهاجه سالكون, كما قال –تعالى- في كتابه العزيز: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)[6], فإن كان قوله:(ومن اتبعني) معطوفاً على الضمير في (أدعو), فهو دليل على أن أتباعه هم الدعاة إلى الله, وإن كان معطوفاً على الضمير المنفصل, فهو صريح أن أتباعه هم أهل البصيرة فيما جاء به دون غيرهم, وكلا المعنيين حق, وقد بلغ الرسول –صلى الله عليه وسلم- البلاغ المبين, وأوضح الحجة للمستبصرين, وسلك سبيله خير القرون, ثم خلف من بعدهم خلف اتبعوا أهواءهم, وافترقوا, فأقام الله لهذه الأمة من يحفظ عليها أصول دينها كما أخبر الصادق –صلى الله عليه وسلم- بقوله: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق, لا يضرهم من خذلهم“.

وممن قام بهذا الحق من علماء المسلمين: الإمام أبو جعفر أحمد بن محمد بن سلامة الأزدي الطحاوي تغمده الله برحمته بعد المائتين, فإن مولده سنة تسع وثلاثين ومائتين, ووفاته سنة إحدى وعشرين وثلاثمائة.

فأخبر –رحمه الله- عما كان عليه السلف, ونقل عن الإمام أبي حنيفة النعمان بن ثابت الكوفي, وصاحبيه أبي يوسف يعقوب بن إبراهيم الحِمْيَري الأنصاري, ومحمد بن الحسن الشيباني –رضي الله عنهم- ما كانوا يعتقدون من أصول الدين ويدينون به رب العالمين, وكلما بعد العهد, ظهرت البدع, وكثر التحريف الذي سماه أهله تأويلاً ليقبل, وقلّ من يهتدي إلى الفرق بين التحريف والتأويل, إذ قد يسمى صرف الكلام عن ظاهره إلى معنى آخر يحتمله في الجملة تأويلاً, وإن لم يكن ثمّ قرينة توجب ذلك, ومن هنا حصل الفساد, فإذا سموه تأويلاً قُبل وراج من لا يهتدي إلى الفرق بينهما, فاحتاج المؤمنون بعد ذلك إلى إيضاح الأدلة, ودفع الشبه الواردة عليها, وكثر الكلام والشغب, وسبب ذلك إصغاؤهم إلى شبه المبطلين, وخوضهم في الكلام المذموم الذي عابه السلف, ونهوا عن النظر فيه والاشتغال به والإصغاء إليه, امتثالاً لأمر ربهم, حيث قال(وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره)[7], فإن معنى الآية يشملهم, وكل من التحريف والانحراف مراتب:

فقد يكون كفراً وقد يكون فسقاً وقد يكون خطأ.

فالواجب اتباع المرسلين, واتباع ما أنزله الله عليهم, وقد ختمهم الله بمحمد –صلى الله عليه وسلم- فجعله آخر الأنبياء, وجعل كتابه مهيمناً على ما بين يديه من كتب السماء وأنزل عليه الكتاب والحكمة, وجعل دعوته عامة لجميع الثقلين: الجن والإنس, باقية إلى يوم القيامة, وانقطعت به حجة العباد على الله, وقد بين الله به كل شيء, وأكمل له ولأمته الدين خبراً وأمراً, وجعل طاعته طاعة له, ومعصيته معصية له, وأقسم بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموه فيما شجر بينهم, وأخبر أن المنافقين يريدون أن يتحاكموا إلى غيره, وأنهم إذا دعوا إلى الله والرسول: وهو الدعاء إلى كتاب الله وسنة رسوله, صدوا صدوداً, وأنهم يزعمون أنهم إنما أرادوا إحساناً وتوفيقاً, كما يقوله كثير من المتكلمة والمتفلسفة وغيرهم: إنما نريد أن نحس الأشياء بحقيقتها, أي ندركها ونعرفها, ونريد التوفيق بين الدلائل التي يسمونها العقليات, وهي في الحقيقة: جهليات وبين الدلائل النقلية المنقولة عن الرسول أو نريد التوفيق بين الشريعة والفلسفة, وكما يقول كثير من المبتدعة من المتنسكة والمتصوفة: إنما نريد الأعمال بالعمل الحسن, والتوفيق بين الشريعة وبين ما يدعونه من الباطل الذي يسمونه حقائق وهي جهل وضلال, وكما يقول كثير من المتكلمة والمتأثرة: إنما نريد الإحسان بالسياسة الحسنة, والتوفيق بينها وبين الشريعة ونحو ذلك.

فكل من طلب أن يحكم في شيء من أمر الدين غير ما جاء به الرسول, ويظن أن ذلك حسن, وأن ذلك جمع بين ما جاء به الرسول وبين ما يخالفه فله نصيب من ذلك بل ما جاء به الرسول كافٍ كامل, يدخل فيه كل حق, وإنما وقع التقصير من كثير من المنتسبين إليه, فلم يعلم ما جاء به الرسول في كثير من الأمور الكلامية الاعتقادية, ولا في كثير من الأحوال العبادية, ولا في كثير من الأمارة السياسية أو نسبوا إلى شريعة الرسول, بظنهم وتقليدهم ما ليس منها, وأخرجوا عنها كثيراً مما هو منها, فبسبب جهل هؤلاء وضلالهم وتفريطهم, وبسبب عدوان أولئك وجهلهم ونفاقهم, كثر النفاق, ودُرس كثير من علم الرسالة, بل إنما يكون البحث التام, والنظر القوي, والاجتهاد الكامل فيما جاء به الرسول –صلى الله عليه وسلم-؛ ليعلم ويعتقد, ويُعمل به ظاهراً وباطناً فيكون قد تلي حق تلاوته, وأن لا يهمل منه شيئاً, وإن كان العبد عاجزاً عن معرفة بعض ذلك أو العمل به, فلا ينهى عما عجز عنه مما جاء به الرسول, بل حسبه أن يسقط عنه اللوم لعجزه, لكن عليه أن يفرح بقيام غيره به, ويرضى بذلك, ويود أن يكون قائماً به, وأن لا يؤمن ببعضه ويترك بعضه, بل يؤمن بالكتاب كله, وأن يصان عن أن يدخل فيه ما ليس منه من رواية أو رأي, أو يتبع ما ليس من عند الله اعتقاداً أو عملاً كما قال –تعالى-: (ولا تلبسوا الحق بالباطل وتكتموا الحق وأنتم تعلمون)[8].

وهذه كانت طريقة السابقين الأولين: وهي طريقة التابعين لهم بإحسان إلى يوم القيامة, وأولهم السلف القديم من التابعين الأولين, ثم من بعدهم, ومن هؤلاء أئمة الدين المشهود لهم عند الأمة الوسط بالإمامة.

فعن أبي يوسف –رحمه الله تعالى- أنه قال لبشر المريسي: العلم بالكلام هو الجهل, والجهل بالكلام هو العلم, وإذا صار الرجل رأساً في الكلام قيل: زنديق, أو رمي بالزندقة.

أراد بالجهل به اعتقاده عدم صحته, فإن ذلك علم نافع, أو أراد به الإعراض عنه أو ترك الالتفات إلى اعتباره, فإن ذلك يصون علم الرجل وعقله فيكون علماً بهذا الاعتبار –والله أعلم-.

وعنه أيضاً أنه قال: من طلب العلم بالكلام تزندق, ومن طلب المال بالكيميا أفلس, ومن طلب غريب الحديث كذب, وقال الإمام الشافعي –رحمه الله تعالى- حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال, ويطاف بهم في العشائر والقبائل, ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة, وأقبل على الكلام, وقال أيضاً –رحمه الله تعالى- شعراً:-

كل العلوم سوى القرآن مشغلة     إلا الحديث وإلا الفقه في الـدين

العلم ما كان فيه قال حدثنــا     وما سوى ذاك وسواس الشياطين

وذكر الأصحاب في الفتاوى: أنه لو أوصى لعلماء بلده لا يدخله المتكلمون, وأوصى إنسان أن يوقف من كتبه ما هو من كتب العلم, فأفتى السلف أن يباع ما فيها من كتب الكلام, ذكر ذلك بمعناه في ((الفتاوى الظهيرية)).

فكيف يرام الوصول إلى علم الأصول بغير اتباع ما جاء به الرسول؟ ولقد أحسن القائل:

أيها المغتدي ليطلب علماً       كـل علم عبـد لعلم الرسول

تطلب الفرع تصحح أصلاً       كيف أغفلت علم أصل الأصول

ونبينا –صلى الله عليه وسلم- أوتي فواتح الكلم وخواتمه وجوامعه, فبعث بالعلوم الكلية والعلوم الأولية والأخروية على أتم الوجوه, ولكن كلما ابتدع شخص بدعة اتسعوا في جوابها؛ فلذلك صار كلام المتأخرين كثيراً, قليل البركة, بخلاف كلام المتقدمين فإنه قليل كثير البركة, لا كما يقول ضُلال المتكلمين وجهلتهم: أن طريقة القوم من المنتسبين إلى الفقه أنهم لم يتفرغوا لاستنباط الفقه وضبط قواعده وأحكامه اشتغالاً منهم بغيره, والمتأخرون تفرغوا لذلك فهم أفقه.

فكل هؤلاء محجوبون عن معرفة مقادير السلف, وعمق علومهم, وقلة تكلفهم, وكمال بصائرهم, وتالله ما امتاز عنهم المتأخرون إلا بالتكلف والاشتغال بالأطراف التي كانت همة القوم مراعاة أصولها, وضبط قواعدها, وشد معاقدها وهممهم مشمرة إلى المطالب العالية في كل شيء. فالمتأخرون في شأن, والقوم في شأن آخر, وقد جعل الله لكل شيء قدراً.

وقد شرح هذه العقيدة غير واحد من العلماء, ولكن رأيت بعض الشارحين قد أصغى إلى أهل الكلام المذموم, واستمد منهم, وتكلم بعباراتهم.

والسلف لم يكرهوا التكلم بالجوهر والجسم والعرض ونحو ذلك لمجرد كونه اصطلاحاً جديداً على معان صحيحة, كالاصطلاح على ألفاظ العلوم الصحيحة, ولا كرهوا أيضاً الدلالة على الحق والمحاجة لأهل الباطل, بل كرهوه لاشتماله على أمور كاذبة مخالفة للحق, ومن ذلك مخالفتها الكتاب والسنة, ولهذا لا تجد عند أهلها من اليقين والمعرفة ما عند عوام المؤمنين, فضلاً عن علمائهم.

ولاشتمال مقدماتهم على الحق والباطل, كثر المِراء والجدال, وانتشر القيل والقال, وتولد لهم عنها من الأقوال المخالفة للشرع الصحيح والعقل الصريح ما يضيق عنه المجال. وسيأتي لذلك زيادة بيان عند قوله: فمن رام علم ما حظر عنه علمه.

وقد أحببت أن أشرحها سالكاً طريق السلف في عباراتهم, وأنسج على منوالهم, متطفلاً عليهم, لعلي أن أنظم في سلكهم, وأُدْخَل في عدادهم, وأحشر في زمرتهم (مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُن أولئك رفيقاً)[9]. ولما رأيت النفوس مائلة إلى الاختصار, آثرته على التطويل والإسهاب. (وما توفيقي إلا بالله عليه توكلت وإليه أنيب)[10]. هو حسبنا ونعم الوكيل.

الشرح

الشرح

قال الأمام أبو جعفر الطحاوي –رحمه الله تعالى-:

نقول في توحيد الله معتقدين بتوفيق الله إن الله واحد لا شريك له …

الشرح ..

اعلم أن التوحيد أول دعوة الرسل, وأول منازل الطريق, وأول مقام يقوم فيه السالك إلى الله –عز وجل-. قال تعالى (لقد أرسلنا نوحاً إلى قومه فقال يا قوم اعبدوا الله مالكم من إله غيره)[11]. وقال هود –عليه السلام- لقومه: (اعبدوا الله مالكم من إله غيره)[12]. وقال صالح –عليه السلام- لقومه: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)[13], وقال شعيب –عليه السلام- لقومه: (اعبدوا الله ما لكم من إله غيره)[14]. وقال –تعالى-: (ولقد بعثنا في كل أمة رسولاً أن اعبدوا الله واجتنبوا الطاغوت)[15]. وقال –تعالى-: (وما أرسلنا من قبلك من رسول إلا نوحي إليه أنه لا إله إلا أنا فاعبدون)[16]. وقال –صلى الله عليه وسلم-: “أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله“؛ ولهذا كان الصحيح أن أول واجب على المكلف شهادة أن لا إله إلا الله.

فالتوحيد أول ما يُدْخَل به الإسلام, وآخر ما يخرج به من الدنيا؛ كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة“.

فالتوحيد أول الأمر وآخره, أعني: توحيد الإلهية, فإن التوحيد يتضمن ثلاثة أنواع:

أحدها: الكلام في الصفات.

والثاني: توحيد الربوبية, وبيان أن الله وحده خالق كل شيء.

والثالث: توحيد الإلهية, وهو استحقاقه –سبحانه وتعالى- أن يُعبد وحده لا شريك له, فعلم أن التوحيد المطلوب هو توحيد الإلهية الذي يتضمن توحيد الربوبية, قال –تعالى-: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها لا تبديل لخلق الله ذلك الدين القيم ولكن أكثر الناس لا يعلمون)[17]. (منيبين إليه واتقوه وأقيموا الصلاة ولا تكونوا من المشركين, من الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً كل حزب بما لديهم فرحون, وإذا مس الناس ضر دعوا ربهم منيبين إليه ثم إذا أذاقهم منه رحمة إذا فريق منهم بربهم يشركون, ليكفروا بما آتيناهم فتمتعوا فسوف تعلمون, أم أنزلنا عليهم سلطاناً فهو يتكلم بما كانوا به يشركون, وإذا أذقنا الناس رحمة فرحوا بها وإن تصبهم سيئة بما قدمت أيديهم إذا هم يقنطون)[18]. وقال –تعالى-: (أفي الله شك فاطر السموات والأرض)[19],

وقال –صلى الله عليه وسلم-: “كل مولود يولد على الفطرة, فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه“, ولقوله –صلى الله عليه وسلم- فيما يروي عن ربه –عز وجل-: “خلقت عبادي حنفاء, فاجتالتهم الشياطين” الحديث, وفي الحديث المتقدم ما يدل على ذلك, حيث قال” يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه” ولم يقل: ويسلمانه, وفي رواية: “يولد على الملة“, وفي أخرى: “على هذه الملة“.

وهو مع ذلك إن لم يعبد الله وحده ويتبرأ من عبادة ما سواه, كان مشركاً من جنس أمثاله من المشركين, والقرآن مملوء من تقرير هذا التوحيد وبيانه وضرب الأمثال له ومن ذلك أنه يقرر توحيد الربوبية, ويبين أنه لا خالق إلا الله, وأن ذلك مستلزم أن لا يُعُبد إلا الله, فيجعل الأول دليلاً على الثاني, إذ كانوا يسلمون في الأول وينازعون في الثاني, فبين لهم –سبحانه- أنكم إذا كنتم تعلمون أنه لا خالق إلا الله وحده, وأنه هو الذي يأتي العباد بما ينفعهم, ويدفع عنهم ما يضرهم لا شريك له في ذلك فلِمَ تعبدون غيره, وتجعلون معه آلهة أخرى؟

كقوله –تعالى-: (قل الحمد لله وسلام على عباده الذين اصطفى آالله خير أمّا يشركون, أمّن خلق السموات والأرض وأنزل لكم من السماء ماءً فأنبتنا به حدائق ذات بهجة ما كان لكم أن تنبتوا شجرها أإله مع الله بل هم قوم يعدلون)[20] الآيات. يقول الله –تعالى- في آخر كل آية: (أإله مع الله) أي أإله مع الله فعل هذا؟ وهذا استفهام إنكار, يتضمن نفي ذلك, وهم كانوا مقرّين بأنه لم يفعل ذلك غير الله, فاحتج عليهم بذلك, ولما كان هذا الشرك في الربوبية موجوداً في الناس, بيّن القرآن بطلانه, كما في قوله –تعالى-: (ما اتخذ الله من ولد وما كان معه من إله إذاً لذهب كل إله بما خلق ولعلا بعضهم على بعض)[21], فتأمل هذا البرهان الباهر بهذا اللفظ الوجيز الظاهر, فإن الإله الحق لا بد أن يكون خالقاً فاعلاً يوصل إلى عابده النفع ويدفع عنه الضر, فلو كان معه –سبحانه- إله آخر يشركه في ملكه لكان له خلق وفعل, وحينئذ فلا يرضى تلك الشركة, بل إن قدر على قهر ذلك الشريك وتفرده بالملك والإلهية دونه فعل, وإن لم يقدر على ذلك انفرد بخلقه وذهب بذلك الخلق, كما ينفرد ملوك الدنيا بعضهم عن بعض بملكه, إذا لم يقدر المنفرد منهم على قهر الآخر والعلو عليه, فلا بد من أحد ثلاثة أمور:-

إما أن يذهب كل إله بخلقه وسلطانه.

وإما أن يعلو بعضهم على بعض.

وإما أن يكونوا تحت قهر ملك واحد يتصرف فيهم كيف يشاء, ولا يتصرفون فيه, بل يكون وحده هو الإله, وهم العبيد المربوبون المقهورون من كل وجه, وانتظام العالم كله وإحكام أمره من أدل دليل على أن مدبره إله واحد, وملك واحد, ورب واحد, لا إله للخلق غيره, ولا رب لهم سواه.

وتوحيد الإلهية متضمن لتوحيد الربوبية دون العكس, فمن لا يقدر على أن يخلق يكون عاجزاً, والعاجز لا يصلح أن يكون إلهاً, قال –تعالى-: (أيشركون ما لا يخلق شيئاً وهم يخلقون)[22], وقال –تعالى-: (أفمن يخلق كمن لا يخلق أفلا تذكرون)[23], وقال –تعالى-: (قل لو كان معه آلهة كما يقولون إذاً لابتغوا إلى ذي العرش سبيلا)[24].

 

أنواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل

أنواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل

ثم إن التوحيد الذي دعت إليه رسل الله ونزلت به كتبه نوعان:

توحيد في الإثبات والمعرفة.

وتوحيد في الطلب والقصد.

فالأول: هو إثبات حقيقة ذات الرب –تعالى- وصفاته وأفعاله وأسمائه, ليس كمثله شيء في ذلك كله, كما أخبر به عن نفسه, وكما أخبر رسوله –صلى الله عليه وسلم-, وقد أفصح القرآن عن هذا النوع كل الإفصاح, كما في أول (الحديد) و(طه) وآخر (الحشر) وأول ( ألم تنزيل السجدة) وأول (آل عمران) وسورة (الإخلاص) بكمالها, وغير ذلك.

والثاني: وهو توحيد الطلب والقصد, مثل ما تضمنته سورة: (قل يا أيها الكافرون), و (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم)[25], وأول سورة (تنزيل الكتاب) وآخرها, وأول سورة (يونس) وأوسطها وآخرها, وأول سورة (الأعراف) وآخرها, وجملة سورة (الأنعام).

-وغالب سور القرآن متضمنة لنوعي التوحيد, بل كل سورة في القرآن, فالقرآن إما خبر عن الله وأسمائه وصفاته, وهو التوحيد العلمي الخبري, وإما دعوة إلى عبادته وحده لا شريك له, وخلع ما يُعبد من دونه, فهو التوحيد الإرادي الطلبي, وإما أمر ونهي وإلزام بطاعة, فذلك من حقوق التوحيد ومكملاته, وإما خبر عن إكرامه لأهل توحيده, وما فعل بهم في الدنيا وما يكرمهم به في الآخرة, فهو جزاء توحيده, وإما خبر عن أهل الشرك وما فعل بهم في الدنيا من النكال, وما يحل بهم في العقبى من العذاب فهو جزاء من خرج عن حكم التوحيد.

فالقرآن كله في التوحيد وحقوقه وجزائه, وفي شأن الشرك وأهله وجزائهم, فـ (الحمد لله رب العالمين) توحيد, (الرحمن الرحيم) توحيد, (مالك يوم الدين) توحيد, (إياك نعبد وإياك نستعين) توحيد, (اهدنا الصراط المستقيم) توحيد متضمن لسؤال الهداية إلى طريق أهل التوحيد, (الذين أنعمت عليهم), (غير المغضوب عليهم ولا الضالين) الذين فارقوا التوحيد, وكذلك شهد الله لنفسه بهذا التوحيد, وشهدت له ملائكته وأنبياؤه ورسله, قال –تعالى-: (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولوا العلم قائماً بالقسط لا إله إلا هو العزيز الحكيم, إن الدين عند الله الإسلام)[26], فتضمنت هذه الآية الكريمة إثبات حقيقة التوحيد, والرد على جميع طوائف الضلال, فتضمنت أجلّ شهادة وأعظمها وأعدلها وأصدقها, من أجلّ شاهد بأجلّ مشهود به.

وفي كل شيء له آية     تدل على أنه واحد

وإذا عرف أن توحيد الإلهية هو التوحيد الذي أرسلت به الرسل وأنزلت به الكتب, كما تقدمت إليه الإشارة, فلا يلتفت إلى قول من قسم التوحيد إلى ثلاثة أنواع, وجعل هذا النوع توحيد العامة, والنوع الثاني توحيد الخاصة, والنوع الثالث توحيد خاصة الخاصة, فإن أكمل الناس توحيداً الأنبياء –صلوات الله عليهم- والمرسلون منهم أكمل في ذلك, وأولو العزم من الرسل أكملهم توحيداً, وهم: نوح, وإبراهيم, وموسى, وعيسى, ومحمد –صلى الله وسلم عليهم أجمعين- وأكملهم توحيداً الخليلان: (محمد وإبراهيم) –صلوات الله عليهما وسلامه- فإنهما قاما من التوحيد بما لم يقم به غيرهما علماً, ومعرفةً وحالاً, ودعوةً للخلق وجهاداً, فلا توحيد أكمل من الذي قامت به الرسل, ودعوا إليه, وجاهدوا الأمم عليه؛ ولهذا أمر –سبحانه- نبيه أن يقتدي بهم فيه, كما قال –تعالى- بعد مناظرة إبراهيم قومه في بطلان الشرك وصحة التوحيد وذكر الأنبياء من ذريته: (أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده)[27], فلا أكمل من توحيد من أمر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن يقتدي بهم, وكان –صلى الله عليه وسلم- يعلم أصحابه إذا أصبحوا أن يقولوا: “أصبحنا على فطرة الإسلام, وكلمة الإخلاص, ودين نبينا محمد, وملة أبينا إبراهيم حنيفاً مسلماً, وما كان من المشركين“, فملة إبراهيم: التوحيد, ودين محمد –صلى الله عليه وسلم-: ما جاء به من عند الله قولاً وعملاً واعتقاداً, وكلمة الإخلاص: هي شهادة أن لا إله إلا الله, وفطرة الإسلام: هي ما فطر عليه عباده من محبته وعبادته وحده لا شريك له, والاستسلام له عبودية وذلاً وانقياداً وإنابةً, فهذا توحيد خاصة الخاصة, الذي من رغب عنه فهو من أسفه السفهاء, قال –تعالى-: (ومن يرغب عن ملة إبراهيم إلا من سفه نفسه ولقد اصطفيناه في الدنيا وإنه في الآخرة لمن الصالحين, إذ قال له ربه أسلم قال أسلمت لرب العالمين)[28].

 

قوله .. ولا شيء مثله ..

قوله .. ولا شيء مثله ..

الشرح ..

اتفق أهل السنة على أن الله ليس كمثله شيء, لا في ذاته, ولا في صفاته, ولا في أفعاله, قال -تعالى- (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)[29], فمن جعل صفات الخالق مثل صفات المخلوق, فهو المشبه المبطل المذموم, ومن جعل صفات المخلوق مثل صفات الخالق, فهو نظير النصارى في كفرهم, والقول الأول الذي هو التعطيل يراد به أن لا يثبت لله شيء من الصفات, فلا يقال له قدرة, ولا علم, ولا حياة؛ لأن العبد موصوف بهذه الصفات, ولازم هذا القول أنه لا يقال له: حي, عليم, قدير؛ لأن العبد يسمى بهذه الأسماء, وكذلك سمعه وبصره وإرادته وغير ذلك, وهم يوافقون أهل السنة على أنه موجود, عليم, قدير حي, والمخلوق يقال له: موجود حي, عليم قدير, ولا يقال: هذا تشبيه يجب نفيه, وهذا مما دل عليه الكتاب والسنة وصريح العقل, ولا يخالف فيه عاقل, فإن الله سمى نفسه بأسماء, وسمى بعض عباده بها, وكذلك سمى صفاته بأسماء, وسمى ببعضها صفات خلقه, وليس المسمى كالمسمى فسمى نفسه: حياً, عليماً, قديراً, رؤوفاً, رحيماً, عزيزاً, حكيماً, سميعاً, بصيراً, ملكاً, مؤمناً, جباراً, متكبراً, وقد سمى بعض عباده بهذه الأسماء فقال: (يُخرج الحي من الميت)[30], (وبشروه بغلام عليم)[31], (فبشرناه بغلام حليم)[32], (بالمؤمنين رؤوف رحيم)[33], (فجعلناه سميعاً بصيراً) , (قالت امرأة العزيز)[34], (وكان وراءهم ملك)[35], (أفمن كان مؤمناً)[36], (كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار)[37].

ومعلوم أنه لا يماثل الحيُّ الحيَّ, والعليمُ العليمَ, ولا العزيزُ العزيزَ, وكذلك سائر الأسماء, وقال –تعالى- (ولا يحيطون بشيء من علمه)[38], (أنزله بعلمه)[39], (وما تحمل من أنثى ولا تضع إلا بعلمه)[40], (إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)[41], وعن جابر –رضي الله عنه- قال: (كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يعلمنا الاستخارة في الأمور كلها كما يعلمنا السورة من القرآن, يقول: “إذا همَّ أحدكم بالأمر فليركع ركعتين من غير الفريضة, ثم ليقل: اللهم إني أستخيرك بعلمك, وأستقدرك بقدرتك, وأسألك من فضلك العظيم, فإنك تقدر ولا أقدر, وتعلم ولا أعلم, وأنت علام الغيوب, اللهم إن كنت تعلم أن هذا الأمر خير لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله, فاقدُرهُ لي ويسره لي, ثم بارك لي فيه, وإن كنت تعلم أن هذا الأمر شر لي في ديني ومعاشي وعاقبة أمري أو قال: عاجل أمري وآجله, فاصرفه عني, واصرفني عنه واقدر لي الخير حيث كان, ثم رضني به, قال: ويسمي حاجته”) رواه البخاري.

وفي حديث عمار بن ياسر الذي رواه النسائي وغيره, عن النبي –صلى الله عليه وسلم- (أنه كان يدعو بهذا الدعاء: “اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق, أحيِني ما كانت الحياة خيراً لي, وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي, اللهم إني أسألك القصد في الغنى والفقر, وأسألك نعيماً لا يَنفد, وقرة عين لا تنقطع, وأسألك الرضى بعد القضاء, وأسألك بَردَ العيش بعد الموت, وأسألك لذة النظر إلى وجهك الكريم, والشوق إلى لقائك في غير ضراء مضرة, ولا فتنة مضلة, اللهم زينا بزينة الإيمان, واجعلنا هداة مهتدين”) فقد سمى الله ورسوله صفات الله علماً وقدرةً وقوةً, وقال –تعالى-: (ثم جعلنا من بعد ضعف قوة)[42] (وإنه لذو علم لما علمناه)[43], ومعلوم أنه ليس العلم كالعلم, والقوة كالقوة, ونظائر هذا كثيرة.

 

قوله .. ولا شيء يعجزه..

قوله .. ولا شيء يعجزه..

الشرح..

لكمال قدرته, قال –تعالى-: (إن الله على كل شيء قدير)[44], (وكان الله على كل شيء مقتدراً)[45], (وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً)[46], (وسع كرسيه السموات والأرض ولا يؤوده حفظهما وهو العلي العظيم)[47], (لا يؤوده) أي: لا يُكْرِثُه أو لا يثقله ولا يعجزه, فهذا النفي لثبوت كمال ضده, وكذلك كل نفي يأتي في صفات الله –تعالى- في الكتاب والسنة إنما هو لثبوت كمال ضده كقوله –تعالى-: (ولا يظلم ربك أحداً)[48], لكمال عدله, (لا يعزب عنه مثقال ذرة في السموات ولا في الأرض)[49], لكمال علمه, وقوله –تعالى- (وما مسنا من لغوب)[50], لكمال قدرته, (لا تأخذه سنة ولانوم), لكمال حياته وقيوميته, (لا تدركه الأبصار)[51], لكمال جلاله وعظمته وكبريائه, وإلا فالنفي الصرف لا مدح فيه, ألا ترى أن قول الشاعر:

قبيلة لا يغدرون بذمة          ولا يظلمون الناس حبة خردل

لما اقترن بنفي الغدر والظلم عنهم ما ذكره قبل هذا البيت وبعده, وتصغيرهم بقوله ((قبيلة)) عُلم أن المراد عجزهم وضعفهم, لا كمال قدرتهم. وقول الآخر:

لكن قومي وإن كانوا ذوي عدد     ليسوا من الشر في شيء وإن هانا

لما اقترن بنفي الشر عنهم ما يدل على ذمهم, عُلم أن المراد عجزهم وضعفهم أيضاً, ولهذا يأتي الإثبات للصفات في كتاب الله مفصلاً والنفي مجملاً, والتعبير عن الحق بالألفاظ الشرعية النبوية الألهية هو سبيل أهل السنة والجماعة.

وأهل الحق والسنة والإيمان يجعلون ما قاله الله ورسوله هو الحق الذي يجب اعتقاده واعتماده, وليس قول الشيخ –رحمه الله تعالى- ولا شيء يعجزه, من النفي المذموم, فإن الله –تعالى- قال: (وما كان الله ليعجزه من شيء في السموات ولا في الأرض إنه كان عليماً قديراً)[52], فنبه –سبحانه وتعالى- في آخر الآية على دليل انتفاء العجز, وهو كمال العلم والقدرة, فإن العجز إنما ينشأ إما من الضعف عن القيام بما يريده الفاعل, وإما من عدم علمه به, والله –تعالى- لا يعزُب عنه مثقال ذرة, وهو على كل شيء قدير, وقد عُلم ببدائه العقول والفِطَر كمال قدرته وعلمه, فانتفى العجز, لما بينه وبين القدرة من التضاد؛ ولأن العاجز لا يصلح أن يكون إلهاً, تعالى الله عن ذكر ذلك علواً كبيراً.

 

قوله.. ولا إله غيره..

قوله.. ولا إله غيره..

الشرح..

هذه كلمة التوحيد التي دعت إليها الرسل كلهم, كما تقدم ذكره, وإثبات التوحيد بهذه الكلمة باعتبار النفي والإثبات المقتضي للحصر, فإن الإثبات المجرد قد يتطرق إليه الاحتمال ولهذا –والله أعلم- لما قال الله –تعالى-: (وإلهكم إله واحد)[53], قال بعده: (لا إله إلا هو الرحمن الرحيم), فإنه قد يخطر ببال أحد خاطر شيطاني: هب أن إلهنا واحد, فَلِغَيرنا إله غيره, فقال –تعالى-: (لا إله إلا هو الرحمن الرحيم).

 

قوله.. قديم بلا ابتداء, دائم بلا انتهاء..

قوله.. قديم بلا ابتداء, دائم بلا انتهاء..

الشرح ..

قال –تعالى-: (هو الأول والآخر)[54], وقال –صلى الله عليه وسلم-: “اللهم أنت الأول فليس قبلك شيء, وأنت الآخر فليس بعدك شيء” فقول الشيخ قديم بلا ابتداء, دائم بلا انتهاء هو معنى اسمه الأول والآخر, وقد أدخل المتكلمون في أسماء الله –تعالى- القديم, وليس هو من الأسماء الحسنى, فإن القديم في لغة العرب التي نزل بها القرآن: هو المتقدم على غيره, فيقال: هذا قديم للعتيق, وهذا حديث للجديد, ولم يستعملوا هذا الاسم إلا في المتقدم على غيره, لا فيما لم يسبقه عدم, كما قال الله –عز وجل-: (حتى عاد كالعرجون القديم)[55], والعرجون القديم: الذي يبقى إلى حين وجود العرجون الثاني, فإذا وجد الجديد قيل للأول: قديم, وقال –تعالى-: (وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم)[56], أي متقدم في الزمان, وقال –تعالى-: (أفرأيتم ما كنتم تعبدون, أنتم وآباؤكم الأقدمون)[57], فالأقدم مبالغة في القديم, ومنه: القول القديم والجديد للشافعي –رحمه الله-, وقال –تعالى-: (يقدُم قومه يوم القيامة فأوردهم النار)[58], أي يتقدمهم, ويقال: هذا قدم هذا وهو يقدُمه ومنه سميت القدم قدماً؛ لأنها تقدم بقية بدن الإنسان, وأما إدخال القديم في أسماء الله –تعالى-, فهو مشهور-عند أكثر أهل الكلام, وقد أنكر ذلك كثير من السلف والخلف, منهم ابن حزم, وجاء الشرع باسمه الأول, وهو أحسن من القديم؛ لأنه يشعر بأن ما بعده آيل إليه, وتابع له بخلاف القديم, والله –تعالى- له الأسماء الحسنى لا الحسنة.

 

قوله .. لا يفنى ولا يبيد

قوله .. لا يفنى ولا يبيد

الشرح..

إقرار بدوام بقائه –سبحانه وتعالى-, قال عز مِنْ قائل: (كل من عليها فان, ويبقى وجه ربك ذو الجلال والإكرام)[59] والفناء والبيد متقاربان في المعنى, والجمع بينهما في الذكر للتأكيد, وهو أيضاً مقرر ومؤكد لقوله: دائم بلا انتهاء.

 

قوله .. ولا يكون إلا ما يريد

قوله .. ولا يكون إلا ما يريد

الشرح ..

هذا رد لقول القدرية والمعتزلة, فإنهم زعموا أن الله أراد الإيمان من الناس كلهم والكافر أراد الكفر, وقولهم فاسد مردود؛ لمخالفته الكتاب والسنة والمعقول الصحيح, أما أهل السنة فيقولون: أن الله وإن كان يريد المعاصي قدراً, فهو لا يحبها ولا يرضاها ولا يأمر بها, بل يبغضها ويسخطها ويكرهها وينهى عنها, وهذا قول السلف قاطبة, فيقولون: ما شاء الله كان, وما لم يشأ لم يكن؛ ولهذا اتفق الفقهاء على أن الحالف لو قال: والله لأفعلن كذا إن شاء الله –لم يحنث- إذا لم يفعله وإن كان واجباً أو مستحباً ولو قال: إن أحب الله –حنث- إذا كان واجباً أو مستحباً.

والمحققون من أهل السنة يقولون: الإرادة في كتاب الله نوعان:

إرادة قدرية كونية خلقية.

وإرادة دينية أمرية شرعية, فالإرادة الشرعية هي المتضمنة للمحبة والرضى, والكونية هي المشيئة الشاملة لجميع الموجودات, وهذا كقوله –تعالى-: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعّد في السماء)[60], وقوله –تعالى- عن نوح –عليه السلام-: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكن إن كان الله يريد أن يغويكم)[61], وقوله –تعالى-: (ولكن الله يفعل ما يريد)[62].

وأما الإرادة الدينية الشرعية الأمرية, كقوله –تعالى-: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)[63], وقوله –تعالى-: (يريد الله ليبين لكم ويهديكم سنن الذين من قبلكم ويتوب عليكم والله عليم حكيم)[64], (والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلو ميلاً عظيماً, يريد الله أن يخفف عنكم وخُلق الإنسان ضعيفاً)[65], وقوله –تعالى-: (ما يريد الله ليجعل عليكم من حرج ولكن يريد ليطهركم وليتم نعمته عليكم)[66], وقوله –تعالى-: (إنما يريد الله ليذهب عنكم الرجس أهل البيت ويطهركم تطهيراً)[67], فهذه الإرادة هي المذكورة في مثل قول الناس لمن يفعل القبائح: هذا يفعل ما لا يريده الله, أي: لا يحبه ولا يرضاه ولا يأمر به.

وأما الإرادة الكونية فهي الإرادة المذكورة في قول المسلمين: ما شاء الله كان, وما لم يشأ لم يكن.

 

قوله .. لا تبلغه الأوهام, ولا تدركه الأفهام

قوله .. لا تبلغه الأوهام, ولا تدركه الأفهام

الشرح..

قال الله –تعالى-: (ولا يحيطون به علماً)[68] قال في ((الصحاح)): توهمت الشيء: ظننته, وفهمت الشيء: علمته. فمراد الشيخ –رحمه الله-: أنه لا ينتهي إليه وهم, ولا يحيط به علم. قيل: الوهم ما يرجى كونه, أي: يظن أنه على صفة كذا, والفهم: هو ما يحصله العقل ويحيط به. والله –تعالى- لا يعلم كيف هو إلا هو –سبحانه وتعالى-, وإنما نعرفه سبحانه بصفاته, وهو أنه أحد صمد, لم يلد ولم يولد, ولم يكن له كفواً أحد, (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لا تأخذه سنة ولا نوم له ما السموات وما في الأرض)[69]. (هو الله الذي لا إله إلا هو الملك القدوس السلام المؤمن المهيمن العزيز الجبار المتكبر سبحان الله عما يشركون, هو الله الخالق البارئ المصور له الأسماء الحسنى يسبح له ما في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)[70].

 

قوله.. ولا يشبهه الأنام

قوله.. ولا يشبهه الأنام

الشرح..

هذا رد لقول المشبّهة, الذين يشبهون الخالق بالمخلوق, -سبحانه وتعالى-, قال –عز وجل-: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)[71]. وليس المراد نفي الصفات كما يقول أهل البدع فمن كلام أبي حنيفة –رحمه الله- في ((الفقه الأكبر)): لا يشبهه من خلقه, ثم قال بعد ذلك: وصفاته كلها خلاف صفات المخلوقين, يعلم لا كعلمنا, ويقدر لا كقدرتنا, ويرى لا كرؤيتنا.انتهى.

وقال نعيم بن حماد: من شبه الله بشيء من خلقه فقد كفر, ومن أنكر ما وصف الله به نفسه فقد كفر, وليس فيما وصف به نفسه ولا رسوله تشبيه. وقال إسحاق بن راهويه: من وصف الله فشبّه صفاته بصفات أحد من خلق الله فهو كافر بالله العظيم, وكما أنه لا يشبه شيئاً من مخلوقاته –تعالى-, ولا يشبهه شيء من مخلوقاته, مستلزم لنفي مشابهته لشيء من مخلوقاته.

 

قوله.. حي لا يموت قيوم لا ينام

قوله.. حي لا يموت قيوم لا ينام

الشرح..

قال –تعالى-: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم لاتأخذه سنة ولا نوم)[72], فنفي السِنة والنوم دليل على كمال حياته وقيّوميته. وقال –تعالى-: (ألم,الله لا إله إلا هو الحي القيوم, نزل عليك الكتاب بالحق)[73]. وقال –تعالى-: (وعنت الوجوه للحي القيوم)[74], وقال –تعالى-: (هو الحي لا إله إلا هو)[75], وقال –صلى الله عليه وسلم-: “إن الله لا ينام ولا ينبغي له أن ينام” الحديث.

لما نفى الشيخ –رحمه الله- التشبيه, أشار إلى ما تقع به التفرقة بينه وبين خلقه, بما يتصف به –تعالى- دون خلقه: فمن ذلك: أنه حي لا يموت؛ لأن صفة الحياة الباقية مختصة به –تعالى-, دون خلقه, فإنهم يموتون, ومنه أنه قيوم لا ينام؛ إذ هو مختص بعدم النوم والسنة دون خلقه, فإنهم ينامون, وفي ذلك إشارة إلى أن نفي التشبيه ليس المراد منه نفي الصفات, بل هو –سبحانه- موصوف بصفات الكمال, لكمال ذاته, فالحي بحياة باقية لا يشبه الحي بحياة زائلة, ولهذا كانت الحياة الدنيا متاعاً ولهواً ولعباً وأن الدار الآخرة لهي الحَيَوان, فالحياة الدنيا كالمنام, والحياة الآخرة كاليقظة, ولا يقال: فهذه الحياة الآخرة كاملة, وهي للمخلوق: لأنا نقول: الحي الذي الحياة من صفات ذاته اللازمة لها, هو الذي وهب المخلوق تلك الحياة الدائمة, فهي دائمة بإدامة الله لها, لا أن الدوام وصف لازم لها لذاتها, بخلاف حياة الرب –تعالى-, وكذلك سائر صفاته, فصفات الخالق كما يليق به, وصفات المخلوق كما يليق به.

واعلم أن هذين الاسمين, أعني: الحي القيوم مذكوران في القرآن معاً في ثلاث سور كما تقدم, وهما من أعظم أسماء الله الحسنى, حتى قيل: أنهما الاسم الأعظم, فإنهما يتضمنان إثبات صفات الكمال أكمل تضمن وأصدقه, ويدل القيوم على معنى الأزلية والأبدية ما لا يدل عليه لفظ القديم, ويدل أيضاً على كونه موجوداً بنفسه, وهو يفيد دوام قيامه وكمال قيامه, لما فيه من المبالغة, فهو –سبحانه- لا يزول ولا يأفل, فإن الأفل قد زال قطعاً, أي: لا يغيب ولا ينقص ولا يغني ولا يعدم, بل هو الدائم الباقي الذي لم يزل ولا يزال, موصوفاً بصفات الكمال, واقترانه بالحي يستلزم سائر صفات الكمال, ويدل على دوامها وبقائها, وانتفاء النقص والعدم عنها أزلاً وأبداً, ولهذا كان قوله: (الله لا إله إلا هو الحي القيوم)[76], أعظم آية في القرآن, كما ثبت ذلك في ((الصحيح)) عن النبي –صلى الله عليه وسلم- , فعلى هذين الاسمين مدار الأسماء الحسنى كلها, وإليهما ترجع معانيها, فإن الحياة مستلزمة لجميع صفات الكمال, فلا يتخلف عنها صفة منها إلا لضعف الحياة, فإذا كانت حياته –تعالى- أكمل حياة وأتمها, استلزم إثباتها إثبات كل كمال يضاد نفيه كمال الحياة, وأما القيوم فهو متضمن كمال غناه وكمال قدرته, فإنه القائم بنفسه, فلا يحتاج إلى غيره بوجه من الوجوه, المقيم لغيره, فلا قيام لغيره إلا بإقامته, فانتظم هذان الاسمان صفات الكمال أتم انتظام.

 

قوله.. خالق بلا حاجة, رازق بلا مؤنة

قوله.. خالق بلا حاجة, رازق بلا مؤنة

الشرح..

قال –تعالى-: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون, ما أريد منهم من رزق وما أريد أن يطعمون, إن الله هو الرزاق ذو القوة المتين)[77], (يا أيها الناس أنتم الفقراء إلى الله والله هو الغني الحميد)[78], (والله الغني وأنتم الفقراء)[79], (قل أغير الله أتخذ ولياً فاطر السموات والأرض وهو يُطعم ولا يُطعَم)[80], وقال –صلى الله عليه وسلم- من حديث أبي ذر الغفاري –رضي الله عنه-: “يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم ما زاد ذلك في ملكي شيئاً, يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم كانوا على أفجر قلب رجل واحد منكم ما نقص ذلك في ملكي شيئاً, يا عبادي لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم قاموا في صعيد واحد فسألوني, فأعطيت كل إنسان مسألته ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المِخيطُ إذا أدخِل البحر” الحديث, رواه مسلم.

 

قوله.. مميت بلا مخافة, باعث بلا مشقة

قوله.. مميت بلا مخافة, باعث بلا مشقة

الشرح..

الموت صفة وجودية, قال –تعالى-: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)[81], وفي الحديث أنه: “يؤتى بالموت يوم القيامة على صورة كبش أملح, فيذبح بين الجنة والنار”, وهو وإن كان عرضاً فالله –تعالى- يقلبه عيناً, كما ورد في العمل الصالح: “أنه يأتي صاحبه في صورة الشاب الحسن, والعمل القبيح على أقبح صورة” وورد في القرآن: “أنه يأتي على صورة الشاب الشاحب اللون” الحديث, أي قراءة القارئ, وورد في الأعمال: “أنها توضع في الميزان” والأعيان هي التي تقبل الوزن دون الأعراض, وورد في سورة البقرة وآل عمران: أنهما يوم القيامة ” يُظلان صاحبهما كأنهما غمامتان أو غيايتان أو فرقان من طير صواف”, وفي الصحيح: ” أن أعمال العباد تصعد إلى السماء” وسيأتي الكلام على البعث والنشور –إن شاء الله تعالى-.

 

قوله.. ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه, لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته, وكما كان بصفاته أزلياً, كذلك لا يزال عليها أبدياً..

قوله.. ما زال بصفاته قديماً قبل خلقه, لم يزدد بكونهم شيئاً لم يكن قبلهم من صفته, وكما كان بصفاته أزلياً, كذلك لا يزال عليها أبدياً..

الشرح..

أي: أن الله –سبحانه وتعالى- لم يزل متصفاً بصفات الكمال: صفات الذات, وصفات الفعل, ولا يجوز أن يعتقد أن الله وُصف بصفة بعد أن لم يكن متصفاً بها؛ لأن صفاته –سبحانه- صفات كمال, وفقدها صفة نقص, ولا يجوز أن يكون قد حصل له الكمال بعد أن كان متصفاً بضده, ولا يرد على هذه صفات الفعل والصفات الاختيارية ونحوها, كالخلق والتصوير, والإماتة والإحياء, والقبض والبسط والطي, والاستواء والإتيان والمجيء والنزول, والغضب والرضى, ونحو ذلك مما وصف به نفسه, ووصفه به رسوله, وإن كنا لا ندرك كنهه وحقيقته التي هي تأويله, ولا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا, ولكن أصل معناه معلوم لنا, كما قال الإمام مالك –رضي الله عنه-, لما سئل عن قوله –تعالى-: (ثم استوى على العرش)[82], وغيرها: كيف استوى؟ فقال: الاستواء معلوم, والكيف مجهول, وإن كانت هذه الأحوال تحدث في وقت دون وقت, كما في حديث الشفاعة: “إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله“؛ لأن هذا الحدوث بهذا الاعتبار غير ممتنع, ولا يطلق عليه أنه حدث بعد أن لم يكن, ألا ترى أن من تكلم اليوم وكان متكلماً بالأمس لا يقال: أنه حدث له الكلام, ولو كان غير متكلم؛ لأنه لآفة كالصغر, والخرس, ثم تكلم يقال: حدث له الكلام, فالساكت لغير آفة يسمى متكلماً بالقوة, بمعنى أنه يتكلم إذا شاء, وفي حال تكلمه يسمى متكلماً بالفعل, وكذلك الكاتب في حال الكتابة هو كاتب بالفعل, ولا يخرج عن كونه كاتباً في حال عدم مباشرته الكتابة.

 

قوله.. ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بأحداثه البرية استفاد اسم الباري..

قوله.. ليس بعد خلق الخلق استفاد اسم الخالق ولا بأحداثه البرية استفاد اسم الباري..

الشرح..

روى البخاري وغيره عن عمران بن حصين –رضي الله عنه-, قال: “قال أهل اليمن لرسول الله –صلى الله عليه وسلم-: جئناك لنتفقه في الدين, ولنسألك عن أول هذا الأمر, فقال: كان الله ولم يكن شيء قبله “وفي رواية: “ولم يكن شيء معه“, وفي رواية”غيره“: “وكان عرشه على الماء, وكتب في الذكر كل شيء, وخلق السموات والأرض“, وفي لفظ: “ثم خلق السموات والأرض“, فقوله”كتب في الذكر“: يعني اللوح المحفوظ, كما قال –تعالى-: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر)[83] يسمى ما يكتب في الذكر ذكراً, كما يسمى ما يكتب في الكتاب كتاباً.

والناس في هذا الحديث على قولين: منهم من قال: إن المقصود إخباره بأن الله كان موجوداً وحده ولم يزل كذلك دائماً, ثم ابتدأ إحداث جميع الحوادث, وأن الله صار فاعلاً بعد أن لم يكن يفعل شيئاً من الأزل إلى حين ابتداء الفعل كان الفعل ممكناً. والقول الثاني: المراد إخباره عن مبدأ خلق هذا العالم المشهود الذي خلقه الله في ستة أيام ثم استوى على العرش, كما أخبر القرآن بذلك في غير موضع, وفي ((صحيح مسلم)) عن عبد الله بن عمرو –رضي الله عنهما- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “قدر الله –تعالى- مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة, وكان عرشه على الماء“, فأخبر –صلى الله عليه وسلم- “أن تقدير هذا العالم المخلوق في ستة أيام كان قبل خلقه السموات بخمسين ألف سنة, وأن عرش الرب –تعالى- كان حينئذ على الماء“.

 

قوله.. له معنى الربوبية ولا مربوب, ومعنى الخالق ولا مخلوق

قوله.. له معنى الربوبية ولا مربوب, ومعنى الخالق ولا مخلوق

الشرح..

يعني أن الله –تعالى- موصوف بأنه الرب قبل أن يوجد مربوب, وموصوف بأنه خالق قبل أن يوجد مخلوق.

 

قوله.. وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم, كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم..

قوله.. وكما أنه محيي الموتى بعد ما أحيا استحق هذا الاسم قبل إحيائهم, كذلك استحق اسم الخالق قبل إنشائهم..

الشرح..

يعني: أنه –سبحانه وتعالى- موصوف بأنه محيي الموتى قبل إحيائهم, فكذلك يوصف بأنه خالق قبل خلقهم.

 

قوله.. ذلك بأنه على كل شيء قدير, وكل شيء إليه فقير, وكل أمر عليه يسير, لا يحتاج إلى شيء, ليس كمثله شيء, وهو السميع البصير..

قوله.. ذلك بأنه على كل شيء قدير, وكل شيء إليه فقير, وكل أمر عليه يسير, لا يحتاج إلى شيء, ليس كمثله شيء, وهو السميع البصير..

 الشرح..

قد حرّفت المعتزلة المعنى المفهوم من قوله –تعالى-: (والله على كل شيء قدير)[84], فقالوا: أنه على كل ما هو مقدور له, وأما نفس أفعال العباد فلا يقدر عليها عندهم, وقوله: (ليس كمثله شيء), رد على المشبهة, وقوله –تعالى-: (وهو السميع البصير)[85], رد على المعطّلة, فهو –سبحانه وتعالى- موصوف بصفات الكمال, وليس له فيها شبيه, فالمخلوق وإن كان يوصف بأنه سميع بصير, فليس سمعه وبصره كسمع الرب وبصره, ولا يلزم من إثبات الصفة تشبيه, ولا تنف عن الله ما وصف به نفسه وما وصفه به أعرف الخلق بربه وما يجب له وما يمتنع عليه, وأنصحهم لأمته, وأفصحهم وأقدرهم على البيان, فإنك إن نفيت من ذلك كنت كافراً بما أنزل على محمد –صلى الله عليه وسلم-, وإذا وصفته بما وصف به نفسه فلا تشبهه بخلقه, فليس كمثله شيء, فإذا شبهته بخلقه كنت كافراً به. قال نعيم بن حماد الخزاعي شيخ البخاري: من شبه الله بخلقه فقد كفر, ومن جحد ما وصف الله به نفسه فقد كفر, وليس ما وصف الله به نفسه ولا ما وصفه به رسوله تشبيهاً.

وقد وصف الله –تعالى- نفسه بأن له المثل الأعلى, فقال –تعالى-: (للذين لا يؤمنون بالآخرة مثَل السَوْء ولله المثل الأعلى)[86], وقال –تعالى-: (وله المَثل الأعلى في السموات والأرض وهو العزيز الحكيم)[87], فجعل –سبحانه- مثل السَّوء, المتضمن للعيوب والنقائص وسلب الكمال, لأعدائه المشركين وأوثانهم, وأخبر أن المثل الأعلى المتضمن لإثبات الكمال كله, لله وحده, فمن سلب صفة الكمال عن الله –تعالى- فقد جعل له مثل السَّوء, ونفى عنه ما وصف به نفسه من المثل الأعلى, وهو الكمال المطلق.

ولما كانت صفات الرب –سبحانه وتعالى- أكثر وأكمل, كان له المثل الأعلى, وكان أحق به من كل ما سواه.

واختلفت عبارات المفسرين في المَثل الأعلى, ووفق بين أقوالهم من وفقه الله وهداه, فقال: المثل الأعلى يتضمن: الصفة العليا, وعلم العالمين بها, ووجودها العلمي, والخبر عنها وذكرها, وعبادة الرب –تعالى- بواسطة العلم والمعرفة القائمة بقلوب عابديه وذاكريه, فها هنا أمور أربعة:

الأول: ثبوت الصفات العليا لله –سبحانه وتعالى-, سواء علمها العباد أو لا, وهذا معنى قول من فسرها بالصفة.

الثاني: وجودها في العلم والشعور, وهذا معنى قول من قال من السلف والخلف: أنه ما في قلوب عابديه وذاكريه, من معرفته وذكره, ومحبته وجلاله, وتعظيمه, وخوفه ورجائه, والتوكل عليه والإنابة إليه, وهذا الذي في قلوبهم من المثل الأعلى لا يشْركه فيه غيره أصلاً, بل يختص به في قلوبهم, كما اختص به في ذاته, وهذا معنى قول من قال من المفسرين: إن معناه: أهل السموات يعظمونه ويحبونه ويعبدونه, وأهل الأرض كذلك, وإن أشرك به من أشرك, وعصاه من عصاه, وجحد صفاته من جحدها, فأهل الأرض معظّمون له, مجلّون, خاضعون لعظمته, مستكينون لعزته وجبروته, قال –تعالى-: (وله من في السموات والأرض كل له قانتون)[88].

الثالث: ذكر صفاته والخبر عنها وتنزيهها من العيوب والنقائص والتمثيل.

الرابع: محبة الموصوف به وتوحيده, والإخلاص له, والتوكل عليه, والإنابة إليه, وكلما كان الإيمان بالصفات أكمل كان هذا الحب والإخلاص أقوى.

فعبارات السلف كلها تدور على هذه المعاني الأربع, فمن أضلُ ممن يعارض بين قوله –تعالى-: (وله المثل الأعلى)[89] وبين قوله: (ليس كمثله شيء)[90], ويستدل بقوله: (ليس كمثله شيء) على نفي الصفات ويعمى عن تمام الآية وهو قوله: (وهو السميع البصير)[91].

 

قوله.. خلق الخلق بعلمه..

قوله.. خلق الخلق بعلمه..

الشرح..

خلق: أي: أوجد وأنشأ وأبدع, ويأتي خلق أيضاً بمعنى: قدر, والخلق: مصدر, وهو هنا بمعنى المخلوق, وقوله: بعلمه, أي خلقهم عالماً بهم, قال –تعالى-: (ألا يعلم من خلق وهو اللطيف الخبير)[92], وقال –تعالى-: (وعنده مفاتح الغيب لا يعلمها إلا هو ويعلم ما في البر والبحر وما تسقط من ورقة إلا يعلمها ولا حبة في ظلمات الأرض ولا رطب ولا يابس إلا في كتاب مبين, وهو الذي يتوفاكم بالليل ويعلم ما جرحتم بالنهار)[93], قال الإمام عبد العزيز المكي صاحب الإمام الشافعي –رحمه الله- وجليسه, في كتاب ((الحيْدة)), فمن أثبت العلم فقد نفى الجهل, ومن نفى الجهل لم يثبت العلم, وعلى الخلق أن يثبتوا ما أثبته الله –تعالى-, وينفوا ما نفاه, ويمسكوا عما أمسك عنه.

 

قوله.. وقدر لهم أقداراً..

قوله.. وقدر لهم أقداراً..

الشرح..

قال –تعالى-: (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) وقال –تعالى-: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)[94], وقال –تعالى-: (وكان أمر الله قدراً مقدوراً)[95], وقال –تعالى-: (الذي خلق فسوى والذي قدّر فهدى)[96], وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن عمرو –رضي الله عنهما- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “قدّر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة, وكان عرشه على الماء“.

 

قوله.. وضرب لهم آجالاً..

قوله.. وضرب لهم آجالاً..

الشرح..

يعني: أن الله –سبحانه وتعالى- قدر آجال الخلائق, بحيث إذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون, قال –تعالى-: (فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون)[97], وقال –تعالى-: (وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً)[98], وفي صحيح مسلم عن عبد الله بن مسعود قال: “قالت أم حبيبة زوج النبي –صلى الله عليه وسلم- ورضي الله عنها-: اللهم أمتعني بزوجي رسول الله, وبأبي سفيان, وبأخي معاوية, قال: فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-, قد سألت الله لآجال مضروبة, وأيام معدودة, وأرزاق مقسومة, لن يجعل شيئاً قبل أجله, ولن يؤخر شيئاً عن أجله, ولو كنت سألت الله أن يعيذك من عذاب في النار وعذاب في القبر: كان خيراً وأفضل“, فالمقتول ميت بأجله, فعلم الله –تعالى- وقدّر وقضى أن يموت هذا بسبب المرض, وهذا بسبب القتل, وهذا بسبب الهدم, وهذا بسبب الحرق, وهذا بالغرق, إلى غير ذلك من الأسباب, والله –سبحانه- خلق الموت والحياة, وخلق سبب الموت والحياة.

وقد قدّر الله أن هذا يصل رحمه فيعيش بهذا السبب إلى هذه الغاية, ولولا ذلك السبب لم يصل إلى هذه الغاية, ولكن قدر هذا السبب وقضاه, وكذلك قدر أن هذا يقطع رحمه فيعيش إلى كذا, كما قلنا في القتل وعدمه, فإن قيل: هل يلزم من تأثير صلة الرحم في زيادة العمر ونقصانه تأثير الدعاء في ذلك أم لا؟ فالجواب: أن ذلك غير لازم, لقوله –صلى الله عليه وسلم- لأم حبيبة –رضي الله عنها-: “قد سألت الله –تعالى- لآجال مضروبة” الحديث, كما تقدم, فاعلم أن الأعمار مقدرة, لم يشرع الدعاء بتغيرها, بخلاف النجاة من عذاب الآخرة, فإن الدعاء مشروع له نافع فيه, ألا ترى أن الدعاء بتغيير العمر لما تضمن النفع الآخروي, شرع كما في الدعاء رواه النسائي من حديث عمار بن ياسر عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “اللهم بعلمك الغيب وقدرتك على الخلق أحيني ما كانت الحياة خيراً لي, وتوفني إذا كانت الوفاة خيراً لي“, إلى آخر الدعاء. ويؤيد هذا ما رواه الحاكم في صحيحه من حديث ثوبان –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: “لا يرد القدَر إلا الدعاء, ولا يزيد في العمر إلا البر, وإن الرجل ليُحرم الرزق بالذنب يصيبه” صحيح دون زيادةوإن الرجل…“, وفي الحديث رد على ما يظن أن النذر سبب في دفع البلاء وحصول النعماء, وقد ثبت في الصحيحين عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: أنه نهى عن النذر, وقال: “إنه لا يأتي بخير, وإنما يستخرج به من البخيل“.

واعلم أن الدعاء يكون مشروعاً نافعاً في بعض الأشياء دون بعض, وكذلك هو؛ ولهذا لا يجيب الله المعتدين في الدعاء, وكان الإمام أحمد –رحمه الله- يكره أن يدعى له بطول العمر, ويقول: هذا أمر قد فرغ منه, [ قلت: الصحيح جوازه لدعاء النبي –صلى الله عليه وسلم- لأنس بذلك ].

وأما قوله –تعالى-: (وما يُعمّر من مُعَمّر ولا يُنقص من عمره إلا في كتاب)[99], فقد قيل في الضمير المذكور في قوله –تعالى-: (من عمره) أنه بمنزلة قولهم: عندي درهم ونصفه, أي: ونصف درهم آخر, فيكون المعنى: ولا ينقص من عمر معمر آخر, وقيل: الزيادة والنقصان في الصحف التي في أيدي الملائكة, وحمل قوله –تعالى-: (لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويُثبت وعنده أمّ الكتاب)[100], على أن المحو والإثبات من الصحف التي في أيدي الملائكة, وأن قوله: (وعنده أم الكتاب), اللوح المحفوظ, ويدل على هذا الوجه سياق الآية, وهو قوله: (لكل أجل كتاب), ثم قال: (يمحو الله ما يشاء ويثبت)[101], أي: من ذلك الكتاب, (وعنده أم الكتاب), أي: أصله, وهو اللوح المحفوظ, وقيل: يمحو الله ما يشاء من الشرائع وينسخه ويثبت ما يشاء فلا ينسخه, والسياق أدل على هذا الوجه من الوجه الأول, وهو قوله –تعالى-: (وما كان لرسول أن يأتي بآية إلا بإذن الله لكل أجل كتاب), فأخبر –تعالى- أن الرسول لا يأتي بالآيات من قبل نفسه, بل هو من عند الله, ثم قال: (لكل أجل كتاب يمحو الله ما يشاء ويثبت), أي: أن الشرائع لها أجل وغاية تنتهي إليها, ثم تنسخ بالشريعة الأخرى, فينسخ الله ما يشاء من الشرائع عند انقضاء الأجل, ويثبت ما يشاء, وفي الآية أقوال أخرى, والله أعلم بالصواب.

 

قوله.. ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم, وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم.

قوله.. ولم يخف عليه شيء قبل أن يخلقهم, وعلم ما هم عاملون قبل أن يخلقهم.

الشرح..

فإنه: -سبحانه- يعلم ما كان وما يكون وما لم يكن أن لو كان كيف يكون, كما قال –تعالى-: (ولو رُدوا لعادوا لما نهوا عنه)[102], وإن كان يعلم أنهم لا يُردون, ولكن أخبر أنهم لو ردوا لعادوا, كما قال –تعالى-: (ولو علم الله فيهم خيراً لأسمعهم ولو أسمعهم لتولوا وهم معرضون)[103].

 

قوله.. وأمرهم بطاعته, ونهاهم عن معصيته..

قوله.. وأمرهم بطاعته, ونهاهم عن معصيته..

الشرح..

ذكر الشيخ الأمر والنهي, بعد ذكره الخلق والقدر, إشارة إلى أن الله –تعالى- خلق الخلق لعبادته, كما قال –تعالى-: (وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون)[104], وقال –تعالى-: (الذي خلق الموت والحياة ليبلوكم أيكم أحسن عملاً)[105].

 

قوله.. وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته, ومشيئته تنفذ, لا مشيئة للعباد, إلا ما شاء لهم, فما شاء لهم كان, وما لم يشأ لم يكن..

قوله.. وكل شيء يجري بتقديره ومشيئته, ومشيئته تنفذ, لا مشيئة للعباد, إلا ما شاء لهم, فما شاء لهم كان, وما لم يشأ لم يكن..

 الشرح..

قال –تعالى-: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله إن الله كان عليماً حكيماً)[106], وقال: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين)[107], وقال –تعالى-: (ولو أننا نزلنا إليهم الملائكة وكلمهم الموتى وحشرنا عليهم كل شيء قُبُلاً ما كانوا ليؤمنوا إلا أن يشاء الله)[108], وقال –تعالى-: (ولو شاء ربك ما فعلوه)[109], وقال –تعالى-: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً)[110], وقال –تعالى-: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصّعّد في السماء)[111], وقال –تعالى- حكاية عن نوح –عليه السلام- إذ قال لقومه: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يُغويكم)[112], وقال –تعالى-: (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم)[113], إلى غير ذلك من الأدلة على أنه ما شاء الله كان وما لم يشأ لم يكن, وكيف يكون في ملكه ما لا يشاء! ومن أضل سبيلاً وأكفر ممن يزعم أن الله شاء الإيمان من الكافر والكافر شاء الكفر فغلبت مشيئة الكافر مشيئة الله!! تعالى الله عما يقولون علواً كبيراً.

فإن قيل: يشكل على هذا قوله –تعالى-: (سيقول الذين أشركوا لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا)[114]الآية, وقوله –تعالى-: (وقال الذين أشركوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء)[115], الآية, وقوله –تعالى-: (وقالوا لو شاء الرحمن ما عبدناهم ما لهم بذلك من علم إن هم إلا يخرصون)[116], فقد ذمهم الله –تعالى- حيث جعلوا الشرك كائناً منهم بمشيئة الله, وكذلك ذم إبليس حيث أضاف الإغواء إلى الله –تعالى- إذ قال: (رب بما أغويتني لأزينن لهم في الأرض ولأغوينهم إجمعين)[117].

قيل: قد أجيب على هذا بأجوبة, من أحسنها: أنه أنكر عليهم ذلك؛ لأنهم احتجوا بمشيئة على رضاه ومحبته, وقالوا: لو كره ذلك وسخطه لما شاءه, فجعلوا مشيئته دليل رضاه, فرد الله عليهم ذلك, أو أنه أنكر عليهم اعتقادهم أن مشيئة الله دليل على أمره به, أو أنه أنكر عليهم معارضته شرعه وأمره الذي أرسل به رسله وأنزل به كتبه بقضائه وقدره, فجعلوا المشيئة العاملة دافعة للأمر, فلم يذكروا المشيئة على جهة التوحيد, وإنما ذكروها معارضين بها لأمره, دافعين بها لشرعه, كفعل الزنادقة, والجهال إذا أمروا أو نُهوا احتجوا بالقدر, وقد احتج سارق على عمر –رضي الله عنه- بالقدَر, فقال: وأنا أقطع يدك بقضاء الله وقدره, يشهد لذلك قوله –تعالى- في الآية: (كذلك كذّب الذين من قبلهم)[118], فعلم أن مرادهم التكذيب, فهو من قبل الفعل, من أين له أن الله لم يقدره؟ أطّلع الغيب؟ فإن قيل: فما يقولون في احتجاج آدم على موسى –عليهما السلام- بالقدر, إذ قال له: أتلومني على أمر قد كتبه الله عليّ قبل أن أخلق بأربعين عاماً؟ وشهد النبي –صلى الله عليه وسلم- أن آدم حج موسى, أي غلب عليه بالحجة.

قيل: نتلقاه بالقبول والسمع والطاعة, لصحته عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, ولا نتلقاه بالرد والتكذيب لراويه, ولا بالتأويلات الباردة, بل الصحيح أن آدم لم يحتجّ بالقضاء والقدر على الذنب, وهو كان أعلم بربه وذنبه, بل آحاد بنيه من المؤمنين لا يحتجُّ بالقدر, فإنه باطل, وموسى –عليه السلام- كان أعلم بأبيه وبذنبه من أن يلوم آدم على ذنب قد تاب منه وتاب الله عليه واجتباه وهداه, وإنما وقع اللوم على المصيبة التي أخرجت أولاده من الجنة, فاحتج آدم بالقدر على المصيبة, لا على الخطيئة, فإن القدر يحتج به عند المصائب, لا عند المعائب, وهذا المعنى أحسن ما قيل في الحديث, فما قُدّر من المصائب يجب الاستسلام له, فإنه من تمام الرضى بالله رباً, وأما الذنوب فليس للعبد أن يذنب, وإذا أذنب فعليه أن يستغفر ويتوب, فيتوب من المعائب, ويصبر على المصائب, قال –تعالى-: (فاصبر إن وعد الله حق واستغفر لذنبك)[119], وقال –تعالى-: (وإن تصبروا وتتقوا لا يضركم كيدهم شيئاً)[120].

وأما قول إبليس: (رب بما أغويتني), إنما ذم على احتجاجه بالقدر, لا على اعترافه بالمقدر وإثباته له, ألم تسمع قول نوح –عليه السلام-: (ولا ينفعكم نصحي إن أردت أن أنصح لكم إن كان الله يريد أن يغويكم هو ربكم وإليه ترجعون)[121], ولقد أحسن القائل:

فما شئت كان وإن لم أشأ       وما شئت إن لم تشأ لم يكن

وعن وهب بن منبه, أنه قال: نظرت في القدر فتحيرت, ثم نظرت فيه فتحيرت, ووجدت أعلم الناس بالقدر أكفهم عنه, وأجهل الناس بالقدر أنطقهم به.

 

قوله.. يهدي من يشاء, ويعصم ويعافي, فضلاً, ويضل من يشاء, ويخذل ويبتلي, عدلاً..

قوله.. يهدي من يشاء, ويعصم ويعافي, فضلاً, ويضل من يشاء, ويخذل ويبتلي, عدلاً..

الشرح..

قال –تعالى-: (إنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء)[122], وقوله –تعالى-: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها)[123], (يضل الله من يشاء ويهدي من يشاء)[124], وكذلك قوله –تعالى-: (ولولا نعمة ربي لكنت من المحضرين)[125], وقوله: (من يشأ الله يضلله ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم)[126].

 

قوله.. وكلهم يتقلبون في مشيئته, بين فضله وعدله..

قوله.. وكلهم يتقلبون في مشيئته, بين فضله وعدله..

الشرح..

فإنهم كما قال –تعالى-: (هو الذي خلقكم فمنكم كافر ومنكم مؤمن)[127], فمن هداه إلى الإيمان فبفضله, وله الحمد, ومن أضله فبعدله, وله الحمد, وسيأتي لهذا المعنى زيادة إيضاح, إن شاء الله –تعالى-, فإن الشيخ –رحمه الله- لم يجمع الكلام في القدر في مكان واحد, بل فرقه, فأتيت به على ترتيبه.

 

قوله.. وهو متعال عن الأضداد والأنداد..

قوله.. وهو متعال عن الأضداد والأنداد..

الشرح..

الضد: المخالف, والنِّد: المثل, فهو –سبحانه- لا معارض له, بل ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن, ولا مثل له, كما قال –تعالى-: (ولم يكن له كفواً أحد)[128], ويشير الشيخ –رحمه الله- بنفي الضد والند إلى الرد على المعتزلة, في زعمهم أن العبد يخلق فعله.

 

قوله.. لا راد لقضائه, ولا معقب لحكمه, ولا غالب لأمره..

قوله.. لا راد لقضائه, ولا معقب لحكمه, ولا غالب لأمره..

الشرح..

أي: لا يرد قضاء الله راد, ولا يعقب, أي لا يؤخر حكمه مؤخر, ولا يغلب أمره غالب, بل هو الله الواحد القهار.

 

قوله.. آمنا بذلك كله, وأيقنا أن كلاً من عنده..

قوله.. آمنا بذلك كله, وأيقنا أن كلاً من عنده..

الشرح..

أما الإيمان فسيأتي الكلام عليه إن شاء الله –تعالى-, والإيقان: الاستقرار, من قر الماء في الحوض إذا استقر, والتنوين في كلاً بدل الإضافة, أي: كل كائن محدث من عند الله, أي: بقضائه وقدره وإرادته ومشيئته وتكوينه, وسيأتي الكلام على ذلك في موضعه, إن شاء الله –تعالى-.

 

قوله.. وإن محمداً عبده المصطفى, ونبيه المجتبى, ورسوله المرتضى..

قوله.. وإن محمداً عبده المصطفى, ونبيه المجتبى, ورسوله المرتضى..

الشرح..

الاصطفاء والاجتباء والارتضاء: متقارب المعنى, واعلم أن كمال المخلوق في تحقيق عبوديته لله تعالى, وكلما ازداد العبد تحقيقاً للعبودية ازداد كماله وعلت درجته ومن توهم أن المخلوق يخرج عن العبودية بوجه من الوجوه, وأن الخروج عنها أكمل, فهو من أجهل الخلق وأضلهم, قال –تعالى-: (وقالوا اتخذ الرحمن ولداً سبحانه بل عباد مكرمون)[129], إلى غير ذلك من الآيات, وذكر الله نبيه –صلى الله عليه وسلم- باسم العبد في أشرف المقامات, فقال في ذكر الإسراء (سبحان الذي أسرى بعبده)[130], وقال –تعالى-: (وأنه لما قام عبد الله يدعوه)[131], وقال –تعالى-: (فأوحى إلى عبده ما أوحى)[132], وقال –تعالى-: (وإن كنتم في ريب مما نزلنا على عبدنا)[133], وبذلك استحق التقديم على الناس في الدنيا والآخرة, ولذلك يقول المسيح –عليه السلام- يوم القيامة, إذا طلبوا منه الشفاعة بعد الأنبياء –عليهم السلام-: “اذهبوا إلى محمد, عبد غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر“, فحصلت له تلك المرتبة بتكميل عبوديته لله –تعالى-, والطريقة المشهورة عند أهل الكلام والنظر, تقرير نبوة الأنبياء بالمعجزات, لكن كثير منهم لا يعرف نبوة الأنبياء إلا بالمعجزات, وقرروا, ذلك بطرق مضطربة, والتزم كثير منهم إنكار خرق العادات لغير الأنبياء, حتى أنكروا كرامات الأولياء والسحر, ونحو ذلك.

ولا ريب أن المعجزات دليل صحيح, لكن الدليل غير محصور في المعجزات, فإن النبوة إنما يدعيها أصدق الصادقين أو أكذب الكاذبين, ولا يلتبس هذا بهذا إلا على أجهل الجاهلين, بل قرائن أحوالها تعرب عنهما, وتعرف بهما والتمييز بين الصادق والكاذب له طرق كثيرة فيما دون دعوى النبوة, فكيف بدعوى النبوة؟ وما أحسن ما قال حسان –رضي الله عنه-:

لو لم يكن فيه آيات مبينة     كانت بديهته تأتيك بالخبر

وما من أحد ادعى النبوة من الكاذبين إلا وقد ظهر عليه من الجهل والكذب والفجور واستحواذ الشياطين عليه, ما ظهر لمن له أدنى تمييز, فإن الرسول لا بد أن يخبر الناس بأمور, ويأمرهم بأمور, ولا بد أن يفعل أموراً يبين بها صدقه, والكاذب يظهر في نفس ما يأمر به ويخبر عنه وما يفعله ما يبين به كذبه من وجوه كثيرة, والصادق ضده, بل كل شخصين ادعيا أمراً: أحدهما صادق والآخر كاذب, لا بد أن يظهر صدق وكذب هذا ولو بعد مدة, إذ الصدق مستلزم للبر, والكذب مستلزم للفجور, كما في الصحيحين عن النبي -صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “عليكم بالصدق, فإن الصدق يهدي إلى البر, وإن البر يهدي إلى الجنة, وما يزال الرجل يصدق ويتحرى الصدق, كتى يكتب عند الله صديقاً, وإياكم والكذب فإن الكذب يهدي إلى الفجور, وإن الفجور يهدي إلى النار, وما يزال الرجل يكذب, ويتحرى الكذب, حتى يكتب عند الله كذاباً“؛ ولهذا قال –تعالى-: (هل أنبئكم على من تنزل الشياطين, تنزل على كل أفاك أثيم, يلقون السمع وأكثرهم كاذبون, والشعراء يتبعهم الغاوون, ألم تر أنهم في كل واد يهيمون, وأنهم يقولون ما لا يفعلون)[134], فالكهّان ونحوهم, وإن كانوا أحياناً يخبرون بشيء من المغيبات, ويكون صدقاً, فمعهم من الكذب والفجور ما يبين أن الذي يخبرون به ليس عن ملك, وليسوا بأنبياء؛ ولهذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم- لابن صياد: “قد خبأت لك خبأ, فقال: هو الدّخ” قال له النبي –صلى الله عليه وسلم-: “اخسأ, فلن تعدو قدرك” يعني إنما أنت كاهن, وقد قال للنبي –صلى الله عليه وسلم-: “يأتيني صادق وكاذب” وقال: “أرى عرشاً على الماء” وذلك هو عرش الشيطان وبين أن الشعراء يتبعهم الغاوون, والغاوي:الذي يتبع هواه وشهوته, وإن كان ذلك مضراً له في العاقبة, فمن عرف الرسول وصدقه ووفاءه ومطابقة قوله لعمله, علم علماً يقيناً أنه ليس بشاعر ولا كاهن.

وقد قيل: ما أسرّ من أحد سريرة إلا أظهرها الله على صفحات وجهه وفلتات لسانه, فإذا كان صدق المُخبر وكذبه يُعلم بما يقترن من القرائن, فكيف بدعوى المدعي أنه رسول الله, كيف يخفى صدق هذا من كذبه؟ وكيف لا يتميز الصادق في ذلك من الكاذب بوجوه من الأدلة؟

وقد ذكروا فروقاً بين النبي والرسول, وأحسنها: أن من نبّأه الله بخبر السماء, إن أمره أن يبلغ غيره, فهو نبي رسول, وإن لم يأمره أن يبلغ غيره, فهو نبي وليس برسول, فالرسول أخص من النبي, فكل رسول نبي, وليس كل نبي رسولاً, ولكن الرسالة أعم من جهة نفسها, فالنبوة جزء من الرسالة, إذ الرسالة تتناول النبوة وغيرها, بخلاف الرسل, فإنهم لا يتناولون الأنبياء وغيرهم, بل الأمر بالعكس, فالرسالة أعم من جهة نفسها, وأخص من جهة أهلها.

وإرسال الرسل من أعظم نعم الله على خلقه, وخصوصاً رسول الله محمد –صلى الله عليه وسلم- كما قال –تعالى-: (لقد منّ الله على المؤمنين إذ بعث فيهم رسولاً من أنفسهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين)[135] وقال –تعالى-: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)[136]

 

قوله..وإنه خاتم الأنبياء

قوله..وإنه خاتم الأنبياء

الشرح..

قال –تعالى-: (ولكن رسول الله وخاتم النبيين)[137], وقال –صلى الله عليه وسلم-: “مثلي ومثل الأنبياء كمثل قصر أُحسِن بناؤه, وترك منه موضع لبنة, فطاف به النظار يتعجبون من حسن بنائه, إلا موضع تلك اللبنة, لا يعيبون سواها, فكنت أنا سددت موضع تلك اللبنة ختم بي البنيان وختم بي الرسل” أخرجاه في الصحيحين, وقال –صلى الله عليه وسلم-: “إن لي أسماءَ: أنا محمد, وأنا أحمد, وأنا الماحي, يمحو الله بي الكفر, وأنا الحاشر, الذي يُحشر الناس على قدمي, وأنا العاقب, والعاقب الذي ليس بعده نبي“, وفي صحيح مسلم عن ثوبان قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “وإنه سيكون في أمتي كذابون, كلهم يزعم أنه نبي, وأنا خاتم النبيين, لا نبي بعدي” الحديث, ولمسلم: أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “فضلت على الأنبياء بست: أعطيت جوامع الكلم, ونصرت بالرعب, وأُحلت لي الغنائم, وجُعِلت لي الأرض مسجداً وطهوراً, وأرسلت إلى الخلق كافة, وختم بي النبيون”.

 

قوله .. وإمام الأتقياء

قوله .. وإمام الأتقياء

الشرح..

هو –صلى الله عليه وسلم-, الإمام الذي يؤتَمّ به, أي يقتدون به, والنبي –صلى الله عليه وسلم- إنما بعث للاقتداء به؛ لقوله –تعالى-: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)[138], وكل من اتبعه واقتدى به فهو من الأتقياء.

 

قوله.. وسيد المرسلين

قوله.. وسيد المرسلين

الشرح..

قال –صلى الله عليه وسلم-: “أنا سيد ولد آدم يوم القيامة, وأول من ينشق عنه القبر وأول شافع, وأول مشفع” رواه مسلم, وفي أول حديث الشفاعة: “أنا سيد الناس يوم القيامة” وروى مسلم والترمذي عن واثلة بن الأسقع –رضي الله عنه-: قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: ” إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل, واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم”.

فإن قيل: يشكل على هذا قوله –صلى الله عليه وسلم-: “لا تفضلوني على موسى, فإن الناس يصعقون يوم القيامة, فأكون أول من يفيق, فأجد موسى باطشاً بساق العرش, فلا أدري هل أفاق قبلي, أو كان ممن استثنى الله؟” خرجاه في الصحيحين, فكيف يُجمع بين هذا وبين قوله “أنا سيد ولد آدم ولا فخر“.

فالجواب: أن هذا كان له سبب, فإنه كان قد قال يهودي: لا والذي اصطفى موسى على البشر, فلطمه مسلم, وقال: أتقول هذا ورسول الله –صلى الله عليه وسلم- بين أظهرنا؟ فجاء اليهودي فاشتكى من المسلم الذي لطمه, فقال النبي –صلى الله عليه وسلم- هذا؛ لأن التفضيل إذا كان على وجه الحمية والعصبية وهوى النفس كان مذموماً, بل نفس الجهاد إذا قاتل الرجل حمية وعصبية كان مذموماً, فإن الله حرم الفخر, وقد قال –تعالى-: (ولقد فضلنا بعض النبيين على بعض)[139], وقال –تعالى-: (تلك الرسل فضلنا بعضهم على بعض منهم من كلم الله ورفع بعضهم درجات)[140], فعُلم أن المذموم إنما هو التفضيل على وجه الفخر, أو على وجه الانتقاص بالمفضول, وعلى هذا يحمل أيضاً قوله –صلى الله عليه وسلم-: “لا تفضلوا بين الأنبياء“.

وقد أجاب بعضهم بجواب آخر, وهو: أن قوله –صلى الله عليه وسلم- “لا تفضلوني على موسى“, وقوله: “لا تفضلوا بين الأنبياء” نهي عن التفضيل الخاص, أي: لا يفضل بعض الرسل على بعض بعينه, بخلاف قوله: “أنا سيد ولد آدم ولا فخر“, فإنه تفضيل عام فلا يمنع منه, وهذا كما لو قيل: فلان أفضل أهل البلد, لا ينصب على أفرادهم, بخلاف ما لو قيل لأحدهم: فلان أفضل منك, ثم إني رأيت الطحاوي –رحمه الله- قد أجاب بهذا الجواب في ((شرح معاني الآثار)).

وأما ما يروى أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “لا تفضلوني على يونس بن متَّى” [قلت: هو بالمعنى], هذا الحديث بهذا اللفظ لم يروه أحد من أهل الكتب التي يعتمد عليها, وإنما اللفظ الذي في الصحيح: “لا ينبغي لعبد أن يقول أنا خير من يونس ابن متي“, وفي رواية: “من قال إني خير من يونس بن متي فقد كذب“, وهذا اللفظ يدل على العموم, “لا ينبغي لأحد أن يفضل نفسه على يونس بن متي”, ليس فيه نهي المسلمين أن يفضلوا محمداً على يونس, وذلك لأن الله –تعالى- قد أخبر عنه أنه التقمه الحوت وهو مليم, أي: فاعل ما يلام عليه, وقال –تعالى-: (وذا النون إذ ذهب مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات أن لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين)[141], فقد يقع في نفس بعض الناس أنه أكمل من يونس, فلا يحتاج إلى هذا المقام, إذ لا يفعل ما يلام عليه, ومن ظن هذا فقد كذب, بل كل عبد من عباد الله يقول ما قال يونس: (لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين), كما قال أول الأنبياء وآخرهم, فأولهم: آدم, قد قال( ربنا ظلمنا أنفسنا وإن لم تغفر لنا وترحمنا لنكونن من الخاسرين)[142], وآخرهم وأفضلهم وسيدهم: محمد –صلى الله عليه وسلم-, قال في الحديث الصحيح, حديث الاستفتاح, من رواية علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- وغيره, بعد قوله “وجهت وجهي“, آخره: “اللهم أنت الملك لا إله إلا أنت, أنت ربي وأنا عبدك, ظلمت نفسي, واعترفت بذنبي, فاغفر لي ذنوبي جميعاً, لا يغفر الذنوب إلا أنت” إلى آخر الحديث, وكذا قال موسى –عليه السلام-: (رب إني ظلمت نفسي فاغفر لي فغفر له إنه هو الغفور الرحيم)[143], وأيضاً: فيونس –عليه السلام- لما قيل فيه: (فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت)[144], فنهى نبينا –صلى الله عليه وسلم- عن التشبه به, وأمره بالتشبه بأولي العزم حيث قال له: (فاصبر كما صبر أولو العزم من الرسل)[145], وإنما أخبر –صلى الله عليه وسلم- أنه سيد ولد آدم, لأنا لا يمكننا أن نعلم ذلك إلا بخبره, إذ لا نبي بعده يخبرنا بعظيم قدره عند الله, كما أخبرنا هو بفضائل الأنبياء قبله –صلى الله عليهم وسلم أجمعين-؛ ولهذا اتبعه بقوله “ولا فخر“, كما جاء في رواية.

 

قوله.. وحبيب رب العالمين

قوله.. وحبيب رب العالمين

الشرح..

ثبت له –صلى الله عليه وسلم- أعلى مراتب المحبة, وهي الخُلة, كما صح عنه –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “إن الله اتخذني خليلاً كما اتخذ إبراهيم خليلاً“, وقال: “ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاًً, ولكن صاحبكم خليل الرحمن“, والحديثان في الصحيح وهما يبطلان قول من قال: الخلة لإبراهيم والمحبة لمحمد, فإبراهيم خليل الله ومحمد حبيبه, وفي الصحيح أيضاً: “إني أبرأ إلى كل خليل من خلته“, والمحبة قد ثبتت لغيره, قال –تعالى-:(والله يحب المحسنين)[146], (فإن الله يحب المتقين)[147], (إن الله يحب التوابين ويحب المتطهرين)[148], فبطل قول من خص الخُلة بإبراهيم والمحبة بمحمد, بل الخلة خاصة بهما, والمحبة عامة, وحديث ابن عباس –رضي الله عنه- الذي رواه الترمذي الذي فيه: “إن إبراهيم خليل الله, ألا وأنا حبيب الله ولا فخر” [قلت: ضعيف, لم يثبت].

واعلم أن وصف الله –تعالى- بالمحبة والخلة هو كما يليق بجلال الله –تعالى- وعظمته, كسائر صفاته –تعالى-, وإنما يوصف الله –تعالى- من هذه الأنواع بالإرادة والود والمحبة والخلة, حسبما ورد النص.

 

قوله.. وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى

قوله.. وكل دعوى النبوة بعده فغي وهوى

الشرح..

لما ثبت أنه خاتم النبيين, علم أن من ادعى بعده النبوة فهو كاذب, ولا يقال: فلو جاء المدعي للنبوة بالمعجزات الخارقة والبراهين الصادقة كيف يقال بتكذيبه, لأنا نقول: هذا لا يتصور أن يوجد, وهو من باب فرض المحال؛ لأن الله –تعالى- لما أخبر أنه خاتم النبيين, فمن المحال أن يأتي مدّع يدعي النبوة ولا يظهر أمارة كذبه في دعواه, والغي: ضد الرشاد, والهوى: عبارة عن شهوة النفس, أي: أن تلك الدعوى بسبب هوى النفس, لا عن دليل, فتكون باطلة.

 

قوله.. وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى, بالحق والهدى, وبالنور والضياء

قوله.. وهو المبعوث إلى عامة الجن وكافة الورى, بالحق والهدى, وبالنور والضياء

الشرح..

أما كونه مبعوثاً إلى عامة الجن, فقال –تعالى- حكاية عن قول الجن: (يا قومنا أجيبوا داعي الله)[149], الآية, وكذا سورة الجن تدل على أنه أرسل إليهم أيضاً, فقد قال –تعالى-: (يا معشر الجن والإنس ألم يأتكم رسل منكم)[150]الآية, والرسل من الإنس فقط, وليس من الجن رسول, كذا قال مجاهد وغيره من السلف والخلف, وقال ابن عباس –رضي الله عنهما-: الرسل من بني آدم, ومن الجن نُذُر, وظاهر قوله –تعالى- حكاية عن الجن: (إنا سمعنا كتاباً أنزل من بعد موسى)[151] الآية: تدل على أن موسى مرسل إليهم أيضاً, -والله أعلم-.

وأما كونه مبعوثاً إلى كافة الورى, فقد قال: (وما أرسلناك إلا كافة للناس بشيراً ونذيراً)[152], وقد قال –تعالى-: (قل يا أيها الناس إني رسول الله إليكم جميعاً)[153], وقال –تعالى-: (وأوحي إلي هذا القرآن لأنذركم به ومن بلغ)[154], أي: وأنذر من بلغه, وقال –تعالى-: (وأرسلناك للناس رسولاً وكفى بالله شهيداً)[155], وقال –تعالى-: (أكان للناس عجباً أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس وبشر الذين آمنوا أن لهم قدم صدق عند ربهم)[156], الآية.

وقال –تعالى-: (تبارك الذي نزّل الفرقان على عبده ليكون للعالمين نذيراً)[157], وقد قال –تعالى-: (وقل للذين أوتوا الكتاب والأميين أأسلمتم فإن أسلموا فقد اهتدوا وإن تولوا فإنما عليك البلاغ)[158], وقال –صلى الله عليه وسلم-: “أعطيت خمساً لم يعطهن أحدٌ من قبلي: نُصرت بالرعب مسيرة شهر, وجُعلَت لي الأرض مسجداً وطهوراً, فأيما رجل من أمتي أدركته الصلاة فليصل, وأحلت لي الغنائم, ولم تحلّ لأحد قبلي, وأعطيت الشفاعة, وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة وبعثت إلى الناس عامة“, أخرجاه في الصحيحين, وقال –صلى الله عليه وسلم-: “لا يسمع بي رجل من هذه الأمة يهودي ولا نصراني ثم لا يؤمن بي إلا دخل النار” رواه مسلم, وكونه –صلى الله عليه وسلم- مبعوثاً إلى الناس كافة معلومٌ من دين الإسلام بالضرورة.

 

وقوله.. بالحق والهدى وبالنور والضياء

وقوله.. بالحق والهدى وبالنور والضياء

الشرح..

هذه أوصاف ما جاء به رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من الدين والشرع المؤيد بالبراهين الباهرة من القرآن وسائر الأدلة, والضياء: أكمل من النور, قال –تعالى-: (هو الذي جعل الشمس ضياء والقمر نوراً)[159].

 

قوله.. وإن القرآن كلام الله, منه بدا بلا كيفية قولاً, وأنزله على رسوله وحياً, وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً, وأيقنوا أنه كلام الله بالحقيقة ، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر, وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال –تعالى-: (إن هذا إلا قول البشر) المدثر: 25, علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر, ولا يشبه قول البشر.

قوله.. وإن القرآن كلام الله, منه بدا بلا كيفية قولاً, وأنزله على رسوله وحياً, وصدقه المؤمنون على ذلك حقاً, وأيقنوا أنه كلام الله بالحقيقة ، ليس بمخلوق ككلام البرية، فمن سمعه فزعم أنه كلام البشر فقد كفر, وقد ذمه الله وعابه وأوعده بسقر حيث قال –تعالى-: (إن هذا إلا قول البشر) المدثر: 25, علمنا وأيقنا أنه قول خالق البشر, ولا يشبه قول البشر.

الشرح..

هذه قاعدة شريفة, وأصل كبير من أصول الدين, ضل فيه طوائف كثيرة من الناس, وهذا الذي حكاه الطحاوي –رحمه الله- هو الحق الذي دلت عليه الأدلة من الكتاب والسنة لمن تدبرهما, وشهدت به الفطرة السليمة التي لم تغير بالشبهات والشكوك والآراء الباطلة, فإنه –تعالى- لم يزل متكلماً إذا شاء ومتى شاء وكيف شاء, وهو يتكلم بصوت يسمع, [قلت: كما جاء في حديث البخاري], وهذا المأثور عن أئمة الحديث والسنة.

والوصف بالتكلم من أوصاف الكمال, وضده من أوصاف النقص, قال –تعالى-: (واتخذ قوم موسى من بعده من حُليهم عجلاً جسداً له خوار ألم يروا أنه لا يكلمهم ولا يهديهم سبيلاً)[160], وقال –تعالى- عن العجل أيضاً: (أفلا يرون ألا يرجع إليهم قولاً ولا يملك لهم ضراً ولا نفعاً) طه: 89, فعلم أن نفي رجوع القول ونفي التكلم نقص يستدل به على عدم ألوهية العجل.

وكم في الكتاب والسنة من دليل على تكليم الله –تعالى- لأهل الجنة وغيرهم, قال –تعالى-: (سلامٌ قولاً من رب رحيم)[161], وأيضاً: فإن الله قد كفر من جعله قول البشر, ومحمد –صلى الله عليه وسلم- بشر, فمن جعله قول محمد, بمعنى أنه أنشأه فقد كفر, ولا فرق بين أن يقول: إنه قول بشر, أو جني أو ملك والكلام من قاله مبتدئاً لا من قاله مبلغاً ومن سمع قائلاً يقول:

قفا نبكِ من ذكرى حبيب ومنزل

قال: هذا شعر امرئ القيس, ومن سمعه يقول: “إنما الأعمال بالنيات, وإنما لكل امرئ ما نوى“, قال: هذا كلام الرسول –صلى الله عليه وسلم- وإن سمعه يقول: (الحمد لله رب العالمين, الرحمن الرحيم, مالك يوم الدين, إياك نعبد وإياك نستعين) قال: هذا كلام الله إن كان عنده خبر ذلك, وإلا قال: لا أدري كلام من هذا, ولو أنكر عليه أحد ذلك لكذب, ولهذا من سمع من غيره نظماً أو نثراً, يقول له: هذا كلام من؟ هذا كلامك أو كلام غيرك؟ وبالجملة فأهل السنة كلهم من أهل المذاهب الأربعة وغيرهم من السلف والخلف متفقون على أن كلام الله غير مخلوق, والذي يدل عليه, كلام الطحاوي –رحمه الله-: أنه –تعالى- لم يزل متكلماً إذا شاء كيف شاء, وكذلك ظاهر كلام الإمام أبي حنيفة –رضي الله عنه- في ((الفقه الأكبر)), فإنه قال: والقرآن في المصاحف مكتوب وفي القلوب محفوظ, وعلى الألسن مقروء, وعلى النبي –صلى الله عليه وسلم- منزّل, والقرآن غير مخلوق, وما ذكر الله في القرآن عن موسى –عليه السلام- وغيره, وعن فرعون وإبليس, فإن ذلك كلام الله إخباراً عنهم, وكلام موسى وغيره من المخلوقين مخلوق, والقرآن كلام الله لا كلامهم, وسمع موسى –عليه السلام- كلام الله –تعالى, فلما كلم موسى كلمه بكلامه الذي هو من صفاته لم يزل, وصفاته كلها خلافُ صفات المخلوقين, يعلم لا كعلمنا, ويقدر لا كقدرتنا, ويرى لا كرؤيتنا, ويتكلم لا ككلامنا, انتهى.

ولو كان ما في المصحف عبارة عن كلام الله, وليس هو كلام الله, لما حرم على الجنب والمحدث مسه, ولو كان ما يقرأه القارئ ليس كلام الله لما حرم على الجنب والمحدث قراءته, بل كلام الله محفوظ في الصدور, مقروء بالألسن, مكتوب في المصاحف, كما قال أبو حنيفة في ((الفقه الأكبر)) والقرآن في الأصل: مصدر, فتارة يذكر ويراد به القراءة, قال –تعالى-: (وقرآن الفجر إن قرآن الفجر كان مشهوداً)[162], وقال –صلى الله عليه وسلم-: “زينوا القرآن بأصواتكم“, وتارة يذكر ويراد به المقروء, قال –تعالى-: (فإذا قرأت القرآن فاستعذ بالله من الشيطان الرجيم)[163], وقال –تعالى-: (وإذا قرأ القرآن فاستمعوا له وانصتوا لعلكم ترحمون)[164], وقال –صلى الله عليه وسلم-: “إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف” إلى غير ذلك من الآيات والأحاديث الدالة على كل من المعنيين المذكورين, وقوله بلا كيفية: أي: لا تعرف كيفية تكلمه به, وأنزله على رسوله وحياً, أي: أنزله إليه على لسان المَلَك, فسمعه الملك جبرائيل من الله, وسمعه الرسول محمد –صلى الله عليه وسلم- من الملك, وقرأ على الناس, قال –تعالى-: (وقرآناً فرقناه لتقرأه على الناس على مُكث ونزّلناه تنزيلاً)[165], وقال –تعالى-: (نزل به الروح الأمين, على قلبك لتكون من المنذرين, بلسان عربي مبين)[166], وفي ذلك إثبات صفة العلو لله تعالى.

وقوله: وصدقه المؤمنون على ذلك حقا الإشارة إلى ما ذكره من التكلم على الوجه المذكور وإنزاله, أي: هذا قول الصحابة والتابعين لهم بإحسان, وهم السلف الصالح, وأن هذا حق وصدق, وقوله: ومن سمعه وقال إنه كلام البشر فقد كفر, لا شك في تكفير من أنكر أن القرآن كلام الله, بل قال إنه كلام محمد أو غيره من الخلق, ملكاً كان أو بشراً, وقوله: ولا يشبه قول البشر, يعني أنه أشرف وأفصح وأصدق, قال –تعالى-: (ومن أصدق من الله حديثاً)[167], وقال –تعالى-: (قل لئن اجتمعت الإنس والجن على أن يأتوا بمثل هذا القرآن لا يأتون بمثله)[168], الآية, وقال –تعالى-: (قل فأتوا بسورة مثله)[169], فلما عجزوا وهم فصحاء العرب, مع شدة العداوة عن الإتيان بسورة مثله, تبين صدق الرسول –صلى الله عليه وسلم- أنه من عند الله, وإعجازه من جهة نظمه ومعناه, لا من جهة أحدهما فقط, هذا مع أنه قرآن عربي غير ذي عوج بلسان عربي مبين, فنفي المشابهة من حيث التكلم, ومن حيث المتكلم به, ومن حيث النظم والمعنى, لا من حيث الحروف والكلمات, وإلى هذا وقعت الإشارة بالحروف المقطعة في أوائل السور, أي أنه في أسلوب كلامهم وبلغتهم التي يخاطبون بها, ألا ترى أنه يأتي بعد الحروف المقطعة بذكر القرآن؟ كما في قوله –تعالى-: (ألم, ذلك الكتاب لا ريب فيه)[170], (ألم, الله لا إله إلا هو الحي القيوم, نزل عليك الكتاب بالحق)[171] الآية, (ألمص, كتاب أنزل إليك)[172], (ألر, تلك آيات الكتاب الحكيم)[173], وكذلك الباقي ينبههم الرسول الكريم أنه لم يأتكم بما لا تعرفونه, بل خاطبكم بلسانكم.

 

قوله.. ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر, فقد كفر, من أبصر هذا اعتبر, وعن مثل قول الكفار انزجر وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر.

قوله.. ومن وصف الله بمعنى من معاني البشر, فقد كفر, من أبصر هذا اعتبر, وعن مثل قول الكفار انزجر وعلم أنه بصفاته ليس كالبشر.

الشرح..

لما ذكر فيما تقدم أن القرآن كلام الله حقيقة, منه بدا, نبه بعد ذلك على أنه تعالى بصفاته ليس كالبشر نفياً للتشبيه عقيب الإثبات, يعني أن الله –تعالى- وإن وُصف بأنه متكلم, لكن لا يوصف بمعنى من معاني البشر التي يكون الإنسان بها متكلماً, فإن الله ليس كمثله شيء وهو السميع البصير, وقوله: فمن أبصر هذا اعتبر: أي من نظر بعين بصيرته فيما قاله من إثبات الوصف, ونفي التشبيه ووعيد المشبِه اعتبر وانزجر عن مثل قول الكفار.

 

قوله.. والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية, كما نطق به كتاب ربنا (وجوه يومئذ ناضرة, إلى ربها ناظرة) القيامة: (22-23) وتفسيره على ما أراد الله –تعالى- وعَلِمَه, وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فهو كما قال ومعناه على ما أراد لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا, فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله –عز وجل- ولرسوله –صلى الله عليه وسلم- ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه.

قوله.. والرؤية حق لأهل الجنة بغير إحاطة ولا كيفية, كما نطق به كتاب ربنا (وجوه يومئذ ناضرة, إلى ربها ناظرة) القيامة: (22-23) وتفسيره على ما أراد الله –تعالى- وعَلِمَه, وكل ما جاء في ذلك من الحديث الصحيح عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فهو كما قال ومعناه على ما أراد لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا ولا متوهمين بأهوائنا, فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله –عز وجل- ولرسوله –صلى الله عليه وسلم- ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه.

الشرح..

قال بثبوت الرؤية الصحابة والتابعون, وأئمة الإسلام المعروفون بالإمامة في الدين, وأهل الحديث وسائر طوائف أهل الكلام المنسوبون إلى السنة والجماعة, وهذه المسألة من أشرف مسائل أصول الدين وأجلّها, وهي الغاية التي شمّر لها المشمرون, وتنافس فيها المتنافسون, وحُرمها الذين هم عن ربهم محجوبون, وعن بابه مردودون, وقد ذكر الشيخ –رحمه الله- من الأدلة قوله –تعالى-: (وجوه يومئذ ناضرة, إلى ربها ناظرة)[174] وهي من أظهر الأدلة, وإضافة النظر إلى الوجه الذي هو محله في هذه الآية, وتعديته بأداة (إلى) الصريحة في نظر العين وإخلاء الكلام من قرينة تدل على خلافه حقيقة موضوعة صريحة في أن الله أراد بذلك نظر العين التي في الوجه إلى الرب –جل جلاله-.

عن الحسن قال: نَظَرَت إلى ربها فنضرت بنوره, وقال أبو صالح عن ابن عباس –رضي الله عنهما—(إلى ربها ناظرة) قال: تنظر إلى وجه ربها –عز وجل-, وقال عكرمة: (وجوه يومئذ ناضرة) قال: من النعيم, (إلى ربها ناظرة), قال: تنظر إلى ربها نظراً, ثم حكى عن ابن عباس مثله, وهذا قول المفسرين من أهل السنة والحديث, وقال –تعالى-: (لهم ما يشاءون فيها ولدينا مزيد)[175], قال الطبري: قال علي بن أبي طالب وأنس بن مالك: هو النظر إلى وجه الله –عز وجل- وقال –تعالى-: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)[176], فالحسنى: الجنة, والزيادة: هي النظر إلى وجهه الكريم, فسرها بذلك رسول الله –صلى الله عليه وسلم- والصحابة من بعده, كما روى مسلم في صحيحه عن صهيب, قال: قرأ رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: (للذين أحسنوا الحسنى وزيادة)[177], قال: “إذا دخل أهل الجنة الجنة, وأهل النار النار, نادى مناد: يا أهل الجنة, إن لكم عند الله موعداً يريد أن يُنْجِزَكُموه, فيقولون: ما هو؟ ألم يُثقِل موازيننا ويبيّض وجوهنا ويدخلنا الجنة ويجرْنا من النار؟ فيُكشَفُ الحجاب, فينظرون إليه, فما أعطاهم شيئاً أحب إليهم من النظر إليه, وهي الزيادة” ورواه غيره بأسانيد متعددة وألفاظ أخر, معناها أن الزيادة النظر إلى وجه الله –عز وجل-, وكذلك فسرها الصحابة –رضي الله عنهم-, روى ابن جرير ذلك عن جماعة, منهم: أبو بكر الصديق –رضي الله عنه-, وحذيفة وأبو موسى الأشعري, وابن عباس –رضي الله عنهم-.

وقال –تعالى-: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)[178], احتج الشافعي –رحمه الله- وغيره من الأئمة بهذه الآية على الرؤية لأهل الجنة, ذكر ذلك الطبري وغيره عن المزني عن الشافعي, وقال الحاكم: حدثنا الأصم حدثنا الربيع ابن سليمان قال: حضرت محمد بن إدريس الشافعي, وقد جاءته رقعة من الصعيد فيها: ما تقول في قول الله –عز وجل-: (كلا إنهم عن ربهم يومئذ لمحجوبون)؟, فقال الشافعي: لما أن حُجب هؤلاء في السخط كان في هذا دليل على أن أولياءه يرونه في الرضى.

وأما الأحاديث عن النبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه, الدالة على الرؤية فمتواترة, رواها أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن, فمنها: حديث أبي هريرة: “إن ناساً قالوا: يا رسول الله, هل نرى ربنا يوم القيامة؟ فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- هل تضارّون في رؤية القمر ليلة البدر؟ قالوا: لا يا رسول الله, قال: هل تضارون في الشمس ليس دونها سحاب؟ قالوا: لا, قال فإنكم ترونه كذلك“, الحديث أخرجاه في ((الصحيحين)) بطوله, وحديث أبي سعيد الخدري أيضاً في (( الصحيحين)) نظيره, وحديث جرير بن عبد الله البجلي, قال: (كنا جلوساً مع النبي –صلى الله عليه وسلم-, فنظر إلى القمر ليلة أربع عشرة, فقال: إنكم سترون ربكم عياناً, كما ترون هذا, لا تضامّون في رؤيته) الحديث أخرجاه في ((الصحيحين)), وحديث صهيب المتقدم, رواه مسلم وغيره, وحديث أبي موسى عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “وجنتان من فضة, آنيتهما وما فيهما, وجنتان من ذهب, آنيتهما وما فيهما, وما بين القوم وبين أن يروا ربهم –تبارك وتعالى- إلا رداء الكبرياء على وجهه في جنة عدن” أخرجاه في ((الصحيحين)) ومن حديث عدي بن حاتم: “وليلقَيَن اللهَ أحدكم يوم يلقاه, وليس بينه وبينه حجاب ولا ترجمان يترجم له, فيقول: ألم أبعث إليك رسولاً فيبلغَك؟ فيقول: بلى يا رب, فيقول: ألم أعطك مالاً وأفضل عليك؟ فيقول: بلى يا رب” أخرجه البخاري في صحيحه.

وقد روى أحاديث الرؤية نحو ثلاثين صحابياً, ومن أحاط بها معرفة يقطع بأن الرسول قالها, ولولا أني التزمت الاختصار لسقت ما في الباب من الأحاديث.

وليس تشبيه رؤية الله –تعالى- برؤية الشمس والقمر تشبيهاً لله, بل هو تشبيه الرؤية بالرؤية, لا تشبيه المرئي بالمرئي, ولكن فيه دليل على علو الله على خلقه, وإلا فهل تعقل رؤية بلا مقابلة؟ ومن قال: يرى لا في جهة –فليراجع عقله-, فإما أن يكون مكابراً لعقله أو في عقله شيء, وإلا فإذا قال يرى لا أمام الرائي ولا خلفه ولا عن يمينه ولا عن يساره ولا فوقه ولا تحته, رد عليه كل من سمعه بفطرته السليمة.

وإنما لم نره في الدنيا لعجز أبصارنا, لا لامتناع الرؤية, فهذه الشمس إذا حقق الرائي البصر في شعاعها ضعف عن رؤيتها, لا لامتناع في ذات المرئي, بل لعجز الرائي, فإذا كان في الدار الآخرة أكمل اللهُ قُوى الآدميين حتى أطاقوا رؤيته, ولهذا لما تجلى الله للجبل: (خرّ موسى صعِقا فلما أفاق قال سبحانك تبت إليك وأنا أول المؤمنين)[179], بأنه لا يراك حي إلا مات, ولا يابس إلا تدهده؛ ولهذا كان البشر يعجزون عن رؤية الملك في صورته, إلا من أيده الله كما أيد نبينا –صلى الله عليه وسلم-, قال –تعالى-: (وقالوا لولا أنزل عليه ملك ولو أنزلنا ملكاً لقضي الأمر)[180], قال غير واحد من السلف: لا يطيقون أن يروا الملك في صورته, فلو أنزلنا عليهم ملكاً لجعلناه في صورة بشر, وحينئذ يشتبه عليهم: هل هو بشر أم ملك؟ ومن تمام نعمة الله علينا أن بعث فينا رسولاً منا.

وقوله: الرؤية حق لأهل الجنة, تخصيص أهل الجنة بالذكر, يفهم منه نفي الرؤية عن غيرهم, ولا شك في رؤية أهل الجنة لربهم في الجنة, وكذلك في المحشر قبل دخولهم, كما ثبت ذلك في الصحيحين, عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, ويدل عليه قوله –تعالى-: (تحيتهم يوم يلقونه سلام)[181], واختلف في رؤية أهل المحشر على ثلاثة أقوال:

أحدها: أنه لا يراه إلا المؤمنون.

الثاني: يراه أهل الموقف, مؤمنهم وكافرهم, ثم يحتجب عن الكفار ولا يرونه بعد ذلك.

الثالث: يراه مع المؤمنين المنافقون دون بقية الكفار, وكذلك الخلاف في تكليمه لأهل الموقف.

واتفقت الأمة على أنه لا يراه أحد في الدنيا بعينه, ولم يتنازعوا في ذلك إلا في نبينا –صلى الله عليه وسلم- خاصة: منهم من نفى رؤيته بالعين, ومنهم من أثبتها له –صلى الله عليه وسلم-, وحكى القاضي عياض في كتابه ((الشفا)) اختلاف الصحابة ومن بعدهم في رؤيته –صلى الله عليه وسلم-.

وقوله: بغير إحاطة ولا كيفية, هذا لكمال عظمته وبهائه –سبحانه وتعالى- لا تدركه الأبصار ولا تحيط به, كما يُعلم ولا يحاط به علماً, قال –تعالى-: (لا تدركه الأبصار)[182], وقال –تعالى-: (ولا يحيطون به علما)[183], وقوله: وتفسيره على ما أراد الله وعلمه, إلى أن قال: لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا, ولا متوهمين بأهوائنا.

وقوله: فإنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله عز وجل ولرسوله –صلى الله عليه وسلم-, ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه, أي: سلم لنصوص الكتاب والسنة, ولم يعترض عليها بالشكوك والشبه والتأويلات الفاسدة, فالواجب كمال التسليم للرسول –صلى الله عليه وسلم-, والانقياد لأمره, وتلقي خبره بالقبول والتصديق, دون أن نعارضه بخيال باطل نسميه معقولاً, أو نحمله شبهة أو شكاً, أو نقدم عليه آراء الرجال وزبالة أذهانهم, فنوحده بالتحكيم والتسليم والانقياد والإذعان, كما نوحد المرسِل بالعبادة والخضوع والذل والإنابة والتوكل.

فهما توحيدان, لا نجاة للعبد من عذاب الله إلا بهما:

توحيد المرسِل.

وتوحيد متابعة الرسول, فلا نحاكم إلى غيره, ولا نرضى بحكم غيره, ولا نوقف تنفيذ أمره وتصديق خبره بعرضه على قول شيخه وإمامه وذوي مذهبه وطائفته ومن يعظمه, فإن أذنوا له نفذه وقبل خبره, وإلا فإن طلب السلامة فوضه إليهم وأعرض عن أمره وخبره, وإلا حرّفه عن مواضعه, وسمى تحريفه تأويلاً وحملاً, فقال: نؤوله ونحمله, فلأن يلقى العبد ربه بكل ذنب –ما خلا الإشراك بالله- خيرٌ له من أن يلقاه بهذه الحال, بل إذا بلغه الحديث الصحيح يعد نفسه كأنه سمعه من رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, فهل يسوغ أن يؤخر قبوله والعمل به حتى يعرضه على رأي فلان وكلامه ومذهبه؟! بل كان الفرض المبادرة إلى امتثاله, من غير التفات إلى سواه, ولا يستشكل قوله لمخالفته رأي فلان, بل يستشكل الآراء لقوله, ولا يعارض نصه بقياس, بل نهدر الأقيسة, ونتلقى نصوصه, ولا نحرف كلامه عن حقيقته لخيال يسميه أصحابه معقولاً, نعم هو مجهول, وعن الصواب معزول, ولا يوافق قبول قوله على موافقة فلان دون فلان, كائناً من كان.

قال الإمام أحمد: حدثنا أنس بن عياض, حدثنا أبو حازم, عن عمرو بن شعيب, عن أبيه, عن جده, قال: لقد جلست أنا وأخي مجلساً ما أحب أن لي به من حمر النعم, أقبلت أنا وأخي, وإذا مشيخة من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- جلوس عند باب من أبوابه, فكرهنا أن نفرق بينهم, فجلسنا حجرة, إذ ذكروا آية من القرآن, فتماروا فيها, حتى ارتفعت أصواتهم, فخرج رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مغضباً, قد احمر وجهه, يرميهم بالتراب, ويقول: “مهلاً يا قوم, بهذا أهلكت الأمم من قبلكم, باختلافهم على أنبيائهم, وضربهم الكتب بعضها ببعض, إن القرآن لم ينزل يكذب بعضه بعضاً, بل يصدق بعضه بعضاً, فما عرفتم منه فاعملوا به, وما جهلتم منه فردوه إلى عالِمه“.

ولا شك أن الله قد حرم القول عليه بغير علم, قال –تعالى-: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)[184], وقال –تعالى-: (ولا تقف ما ليس لك به علم)[185], فعلى العبد أن يجعل ما بعث الله به رسله, وأنزل به كتبه هو الحق الذي يجب اتباعه, فيصدق بأنه حق وصدق, وما سواه من كلام سائر الناس يعرضه عليه, فإن وافقه فهو حق, وإن خالفه فهو باطل, وإن لم يعلم: هل خالفه أو وافقه, يكون ذلك الكلام مجملاً لا يعرف مراد صاحبه, أو قد عرف مراده لكن لم يعرف هل جاء الرسول بتصديقه أو بتكذيبه فإنه يمسك عنه, ولا يتكلم إلا بعلم, والعلم ما قام عليه الدليل, والنافع منه ما جاء به الرسول, وقد يكون علم من غير الرسول, لكن في الأمور الدنيوية, مثل الطب والحساب والفلاحة, وأما الأمور الإلهية والمعارف الدينية, فهذه العلم فيها ما أخِذ عن الرسول لا غير.

 

قوله.. ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام

قوله.. ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم والاستسلام

الشرح..

هذا من باب الاستعارة, إذ القدم الحسي لا تثبت إلا على ظهر شيء: أي لا يثبت إسلام من لم يسلم لنصوص الوحيين, وينقاد إليها, ولا يعترض عليها ولا يعارضها برأيه ومعقوله وقياسه, روى البخاري عن الإمام محمد بن شهاب الزهري –رحمه الله- أنه قال: من الله الرسالة, ومن الرسول البلاغ, وعلينا التسليم, وهذا كلام جامع نافع, وما أحسن المثل المضروب للنقل مع العقل, وهو: أن العقل مع النقل كالعامي المقلد مع العالم المجتهد, بل هو دون ذلك بكثير, فإن العامي يمكنه أن يصير عالماً, ولا يمكن العالم أن يصير نبياً رسولاً, والعاقل يعلم أن الرسول معصوم في خبره عن الله –تعالى-, لا يجوز عليه الخطأ فيجب عليه التسليم له والانقياد لأمره.

 

قوله.. فمن رام علم ما حظر عنه علمه, ولم يقنع بالتسليم فهمه, حجبه مرامه عن خالص التوحيد, وصافي المعرفة, وصحيح الإيمان

قوله.. فمن رام علم ما حظر عنه علمه, ولم يقنع بالتسليم فهمه, حجبه مرامه عن خالص التوحيد, وصافي المعرفة, وصحيح الإيمان

الشرح..

هذا تقرير للكلام الأول, وزيادة تحذير أن يتكلم في أصول الدين –بل وفي غيرها- بغير علم, قال –تعالى-: (ولا تقف ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً)[186], وقال –تعالى-: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد, كُتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير)[187], وقال –تعالى-: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير, ثاني عطفه ليضل عن سبيل الله له في الدنيا خزي ونذيقه يوم القيامة عذاب الحريق)[188], وقال –تعالى-: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله إن الله لا يهدي القوم الظالمين)[189], وقال –تعالى-: (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى)[190], إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى.

وعن أبي أمامة الباهلي –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “ما ضل قوم بعد هدىً كانوا عليه إلا وأوتوا الجدل” ثم تلا (ما ضربوه لك إلا جدلاً)[191], رواه الترمذي, وقال: حديث حسن, وعن عائشة –رضي الله عنها-, قالت: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إن أبغض الرجال إلى الله الألد الخصيم” خرجاه في ((الصحيحين)).

ولا شك أن من لم يسلم للرسول نقص توحيده, فإنه يقول برأيه وهواه, ويقلد ذا رأي وهوى بغير هدى من الله, فينقص من توحيده بقدر خروجه عما جاء الرسول, فإنه قد اتخذه في ذلك إلهاً غير الله, قال –تعالى-: (أفرأيت من اتخذ إلهه هواه)[192], أي: عبد ما تهواه نفسه, وإنما دخل الفساد في العالم من ثلاث فرق, كما قال عبد الله بن المبارك –رضي الله عنه-:

رأيت الذنوب تميت القلوب      وقد يورث الذلّ إدمانها

وترك الذنوب حياة القلوب       وخير لنفسك عصيانها

وهل أفسد الدين إلا الملوك     وأحبار سوء ورهبانها

فالملوك الجائرة يعترضون على الشريعة بالسياسات الجائرة, ويعارضونها بها, ويقدمونها على حكم الله ورسوله, وأحبار السوء: وهم العلماء الخارجون عن الشريعة بآرائهم وأقيستهم الفاسدة, المتضمنة تحليل ما حرم الله ورسوله, وتحريم ما أباحه, واعتبار ما ألغاه, وإلغاء ما اعتبره, وإطلاق ما قيده, وتقييد ما أطلقه, ونحو ذلك, والرهبان وهم جهال المتصوفة, المعترضون على حقائق الإيمان والشرع بالأذواق والمواجيد والخيالات والكشوفات الباطلة الشيطانية, المتضمنة شرع دينٍ لم يأذن به الله, وإبطال دينه الذي شرعه على لسان نبيه –صلى الله عليه وسلم-, والتعوض عن حقائق الإيمان بخدع الشيطان وحظوظ النفس, فقال الأولون: إذا تعارضت السياسة والشرع قدمنا السياسة! وقال الآخرون: إذا تعارض العقل والنقل قدمنا العقل! وقال أصحاب الذوق: إذا تعارض الذوق والكشف, وظاهر الشرع قدمنا الذوق والكشف.

وكل من قال برأيه وذوقه وسياسته مع وجود النص, أو عارض النص بالمعقول, فقد ضاهى إبليس, حيث لم يسلم لأمر ربه, بل قال: (أنا خير منه خلقتني من نار وخلقته من طين)[193], وقال –تعالى- (من يطع الرسول فقد أطاع الله ومن تولى فما أرسلناك عليهم حفيظاً)[194], وقال –تعالى-: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)[195], وقال –تعالى-: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)[196], أقسم –سبحانه- بنفسه أنهم لا يؤمنون حتى يحكموا نبيه ويرضوا بحكمه ويسلموا تسليماً.

 

قوله.. فيتذبذب بين الكفر والإيمان, والتصديق والتكذيب, والإقرار والإنكار موسوساً تائهاً لا مؤمناً مصدقاً ولا جاحداً مكذباً

قوله.. فيتذبذب بين الكفر والإيمان, والتصديق والتكذيب, والإقرار والإنكار موسوساً تائهاً لا مؤمناً مصدقاً ولا جاحداً مكذباً

الشرح..

يتذبذب: يضطرب ويتردد, وهذه الحالة التي وصفها الشيخ –رحمه الله- حال كل من عدل عن الكتاب والسنة إلى علم الكلام المذموم, أو أراد أن يجمع بينه وبين الكتاب والسنة, وعند التعارض يتأول النص ويرده إلى الرأي والآراء المختلفة, فيؤول أمره إلى الحيرة والضلال والشك, كما قال ابن رشد الحفيد, وهو من أعلم الناس بمذاهب الفلاسفة ومقالاتهم في كتابه ((تهافت التهافت)): “ومن الذي قال في الإلهيات شيئاً يعتد به؟” وكذلك الآمدي واقف في المسائل الكبار حائر, وكذلك الغزالي –رحمه الله-, انتهى آخر أمره إلى الوقف والحيرة في المسائل الكلامية, ثم أعرض عن تلك الطرق وأقبل على الرسول –صلى الله عليه وسلم- فمات, و((صحيح الإمام البخاري)) على صدره, وكذلك أبو عبد الله محمد بن عمر الرازي, قال في كتابه الذي صنفه: أقسام اللذات:

نهـاية إقـدام العقول عِقــال     وغايـة سعي العـالين ضـلال

وأرواحنا في وحشة من جسومنا     وحـاصل دنيانـا أذى ووبـال

ولم نستفد من بحثنا طول عمرنا     سوى أن جمعنا فيه: قيل وقالوا

فكم قد رأينا من رجال ودولـة       فبـادوا جميعاً مسرعين وزالوا

وكم من جبال قد علت شرفاتها       رجـال, فزالوا والجبـال جبال

لقد تأملت الطرق الكلامية, والمناهج الفلسفية, فما رأيتها تشفي عليلاً, ولا تُروي غليلاً, رأيت أقرب الطرق طريقة القرآن, أقرأ في الإثبات: (إليه يصعد الكَلِم الطيب)[197], وأقرأ في النفي: (ليس كمثله شيء)[198] (ولا يحيطون به علماً)[199], ثم قال: “ومن جرب مثل تجربتي عرف مثل معرفتي“.

وكذلك قال الشيخ أبو عبد الله محمد بن عبد الكريم الشهرستاني, إنه لم يجد عند الفلاسفة والمتكلمين إلا الحيرة والندم, حيث قال:

لعمري لقد طفتُ المعاهد كلها   وسيرت طرفي بين تلك المعالم

فلم أرَ إلا واضعاً كفَّ حـائرٍ     على ذقنٍ أو قارعـاً سنَّ نادمِ

وكذلك قال أبو المعالي الجويني: يا أصحابنا لا تشتغلوا بالكلام, فلو عرفت أن الكلام يبلغ بي إلى ما بلغ ما اشتغلت به, وقال عند موته: لقد خضت البحر الخِضَم, وخليت أهل الإسلام وعلومهم, ودخلت في الذي نهوني عنه, والآن فإن لم يتداركني ربي برحمته فالويل لابن الجويني, وها أنا ذا أموت على عقيدة أمي, أو قال: على عقيدة عجائز نيسابور, وكذلك قال شمس الدين الخِسروشاهي, وكان من أجل تلامذة فخر الدين الرازي, لبعض الفضلاء, وقد دخل عليه يوماً, فقال: ما تعتقده؟ قال: ما يعتقده المسلمون, فقال: وأنت منشرح الصدر لذلك مستيقن به؟ أو كما قال, قال: نعم, فقال: اشكر الله على هذه النعمة, لكني والله ما أدري ما أعتقد, والله ما أدري ما أعتقد, والله ما أدري ما أعتقد, وبكى حتى أخضل لحيته, ولابن أبي الحديد, الفاضل المشهور بالعراق:

فيك يـا أُغلوطـة الفكر     حار أمري وانقضى عُمري

سافرت فيك العقول فما     ربحـت إلا أذى السفــر

فلحى الله الأولى زعموا     أنــك المعروف بالنظـر

كذبوا إن الـذي ذكروا     خــارجٌ عن قـوة البشر

وقال الخوفجي عند موته: ما عرفت مما حصلته شيئاً سوى أن الممكن يفتقر إلى المرجح, ثم قال: الافتقار وصف سلبي, أموت وما عرفت شيئاً, وقال آخر: أضطجع على فراشي وأضع اللحفة على وجهي, وأقابل بين حجج هؤلاء وهؤلاء حتى يطلع الفجر, ولم يترجح عندي منها شيء.

ومن يصل إلى مثل هذه الحال إن لم يتداركه الله برحمته وإلا تزندق, كما قال أبو يوسف: من طلب الدين بالكلام تزندق, ومن طلب المال بالكيمياء أفلس, ومن طلب غريب الحديث كذب, وقال الشافعي –رحمه الله-: حكمي في أهل الكلام أن يضربوا بالجريد والنعال, ويطاف بهم في القبائل والعشائر, ويقال: هذا جزاء من ترك الكتاب والسنة وأقبل على الكلام, وقال: لقد اطلعت من أهل الكلام على شيء ما ظننت مسلماً يقوله, ولأن يُبتلى العبد بكل ما نهى الله عنه ما خلا الشرك بالله خيرٌ له من أن يبتلى بالكلام, انتهى.

وتجد أحد هؤلاء عند الموت يرجع إلى مذهب العجائز, فيقر بما أقروا به ويعرض عن تلك الدقائق المخالفة لذلك التي كان يقطع بها, ثم تبين له فسادها, أو لم يتبين له صحتها, فيكونون في نهاياتهم –إذا سلموا من العذاب- بمنزلة أتباع أهل العلم من الصبيان والنساء والأعراب, والدواء النافع لمثل هذا المرض, ما كان طبيب القلوب –صلوات الله وسلامه عليه- يقوله, إذا قام من الليل يفتتح الصلاة: “اللهم ربّ جبرائيل وميكائيل وإسرافيل, فاطر السموات والأرض, عالم الغيب والشهادة, أنت تحكم بين عبادك فيما كانوا فيه يختلفون, اهدني لما اختُلف فيه من الحق بإذنك, إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم” خرجه مسلم, توجه –صلى الله عليه وسلم- إلى ربه بربوبية جبرائيل وميكائيل وإسرافيل أن يهديه لما اختلف فيه من الحق بإذنه, إذ حياة القلب بالهداية, وقد وكل الله –سبحانه- هؤلاء الثلاثة بالحياة: فجبرائيل موكل بالوحي الذي هو سبب حياة القلوب, وميكائيل بالقَطر الذي هو سبب حياة الأبدان وسائر الحيوان, وإسرافيل بالنفخ في الصور الذي هو سبب حياة العالم وعوْد الأرواح إلى أجسادها, فالتوسل إلى الله –سبحانه- بربوبية هذه الأرواح العظيمة الموكلة بالحياة, له تأثير عظيم في حصول المطلوب –والله المستعان-.

 

قوله.. ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم إذ كان تأويل الرؤية, وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل, ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه

قوله.. ولا يصح الإيمان بالرؤية لأهل دار السلام لمن اعتبرها منهم بوهم أو تأولها بفهم إذ كان تأويل الرؤية, وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل, ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل ولم يصب التنزيه

 الشرح..

يشير الشيخ –رحمه الله- إلى الرد على من يقول بنفي الرؤية, وعلى من يشبه الله بشيء من مخلوقاته, فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “إنكم ترون ربكم كما ترون القمر ليلة البدر” الحديث, أدخل كاف التشبيه على (ما) المصدرية أو الموصولة بـ (ترون) التي تتأول مع صلتها إلى المصدر الذي هو الرؤية, فيكون التشبيه في الرؤية لا في المرئي, وهذا بيان واضح في أن المراد إثبات الرؤية وتحقيقها, ودفع الاحتمالات عنها, وماذا بعد هذا البيان وهذا الإيضاح؟ فإذا سلط التأويل على مثل هذا النص, كيف يستدل بنص من النصوص؟! وهل يحتمل هذا النص أن يكون معناه: إنكم تعلمون ربكم كما تعلمون القمر ليلة البدر؟ ويستشهد لهذا التأويل الفاسد بقوله –تعالى-: (ألم تر كيف فعل ربك بأصحاب الفيل)[200], ونحو ذلك مما استعمل فيه رأى التي من أفعال القلوب, ولا شك أن (ترى) تارة تكون بصرية, وتارة تكون قلبية, وتارة تكون من رؤيا الحلم, وغير ذلك ولكن ما يخلو الكلام من قرينة تخلص أحد معانيه من الباقي, وإلا لو أخلى المتكلم كلامه من القرينة المخلصة لأحد المعاني لكان مجملاً مُلغِزاً, لا مبيناً موضحاً, وأي بيان وقرينة فوق قوله: “ترون ربكم كما ترون الشمس في الظهيرة ليس دونها سحاب“؟ فهل مثل هذا مما يتعلق برؤية البصر, أو برؤية القلب؟ وهل يخفى مثل هذا على من أعمى الله قلبه, وقوله: لمن اعتبرها منهم بوَهم: أي توهم أن الله –تعالى- يُرى على صفة كذا, فيتوهم تشبيهاً, ثم بعد هذا التوهم –إن ثبت ما توهمه من الوصف- فهو مشبه, وإن نفي الرؤية من أصلها لأجل ذلك التوهيم, فهو جاحد معطل, بل الواجب دفع ذلك الوهم وحده, ولا يعم بنفيه الحق والباطل, فينفيهما رداً على من أثبت الباطل, بل الواجب رد الباطل وإثبات الحق.

وإلى هذا المعنى أشار الشيخ –رحمه الله- بقوله: (ومن لم يتوق النفي والتشبيه, زل ولم يصب التنزيه), فإن هؤلاء يزعمون أنهم ينزهون الله بهذا النفي, وهل يكون التنزيه بنفي صفة الكمال؟ فإن نفي الرؤية ليس بصفة كمال, إذ المعدوم لا يرى, وإنما الكمال في إثبات الرؤية ونفي إدراك الرائي له إدراك إحاطة, كما في العلم, فإن نفي العلم ليس بكمال, وإنما الكمال في إثبات العلم ونفي الإحاطة به علماً, فهو –سبحانه- لا يحاط به رؤية, كما لا يحاط به علماً.

وقوله: (أو تأولها بفهم): أي ادعى أنه فهم لها تأويلاً يخالف ظاهرها, وما يفهمه كل عربي من معناها, فإنه قد صار اصطلاح المتأخرين في معنى التأويل: أنه صرف اللفظ عن ظاهره, وبهذا تسلط المحرفون على النصوص, وقالوا نحن نتأول ما يخالف قولنا, فسموا التحريف تأويلاً؛ تزييناً له وزخرفة ليقبل, وقد ذم الله الذين زخرفوا الباطل, قال –تعالى-: (وكذلك جعلنا لكل نبي عدواً شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض زخرف القول غروراً)[201], والعبرة للمعاني لا للألفاظ, فكم من باطل قد أقيم عليه دليل مزخرف عورض به دليل الحق, وكلامه هنا نظير قوله فيما تقدم: (لا ندخل في ذلك متأولين بآرائنا, ولا متوهمين بأهوائنا) ثم أكد هذا المعنى بقوله: (إذا كان تأويل الرؤية وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية بترك التأويل, ولزوم التسليم, وعليه دين المسلمين), ومراده ترك التأويل الذي يسمونه تأويلاً وهو تحريف, ولكن الشيخ –رحمه الله- تأدب وجادل بالتي هي أحسن, كما أمر الله –تعالى- بقوله: (وجادلهم بالتي هي أحسن)[202], وليس مراده تركَ كلّ ما يسمى تأويلاً, ولا تَرَكَ شيئاً من الظواهر لبعض الناس لدليل راجح من الكتاب والسنة, وإنما مراده ترك التأويلات الفاسدة المبتدعة, المخالفة لمذهب السلف, التي يدل الكتاب والسنة على فسادها, وترك القول على الله بلا علم.

فمن التأويلات الفاسدة, تأويل أدلة الرؤية, وأدلة العلو, وأنه لم يكلم موسى تكليماً, ولم يتخذ إبراهيم خليلاً, ثم قد صار لفظ التأويل مستعملاً في غير معناه الأصلي.

فالتأويل في كتاب الله وسنة رسوله: هو الحقيقة التي يؤول إليها الكلام, فتأويل الخبر: هو عين المخبَر به, وتعأويل الأمر: نفس الفعل المأمور به كما قالت عائشة –رضي الله عنها-: (كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول في ركوعه: “سبحانك اللهم ربنا وبحمدك, اللهم اغفر لي ” يتأول القرآن, وقال –تعالى-: (هل ينظرون إلا تأويله يوم يأتي تأويله يقول الذين نسوه من قبل قد جاءت رسل ربنا بالحق)[203] ومنه الرؤيا وتأويل العمل كقوله –تعالى-: (هذا تأويل رؤياي من قبل)[204], وقوله: (ويعلمك من تأويل الأحاديث)[205], وقوله: (ذلك خير وأحسن تأويلا)[206], وقوله: (سأنبئك بتأويل ما لم تستطع عليه صبراً)[207], إلى قوله: (ذلك تأويل ما لم تسطع عليه صبراً)[208], فمن ينكر وقوع مثل هذا التأويل, والعلم بما تعلق بالأمر والنهي منه؟ وأما ما كان خبراً, كالإخبار عن الله واليوم الآخر, فهذا قد لا يُعلم تأويله, الذي هو حقيقته, إذ كانت لا تعلم بمجرد الإخبار, فإن المخبر إن لم يكن قد تصور المخبَر به, أو ما يعرفه قبل ذلك يعرف حقيقته التي هي تأويله بمجرد الإخبار, وهذا هو التأويل الذي لا يعلمه إلا الله لكن لا يلزم من نفي العلم بالتأويل نفي العلم بالمعنى الذي قصد المخاطِب إفهام المخاطَب إياه, فما في القرآن آية إلا وقد أمر الله بتدبرها, وما أنزل آية إلا وهو يحب أن يُعلم ما عنى بها, وإن كان من تأويله ما لا يعلمه إلا الله, فهذا معنى التأويل في الكتاب والسنة وكلام السلف, وسواء كان هذا التأويل موافقاً للظاهر أو مخالفاً له.

والتأويل في كلام كثير من المفسرين, كابن جرير ونحوه, يريدون به تفسير الكلام وبيان معناه, سواء وافق ظاهره أو خالف, وهذا اصطلاح معروف, وهذا التأويل كالتفسير, يحمد حقه ويُرد باطله, وقوله –تعالى- (وما يعلم تأويله إلا الله والراسخون في العلم)[209], الآية –فيها قراءتان:

قراءة من يقف على قوله:- (إلا الله).

وقراءة من لا يقف عندها.

وكلتا القراءتين حق, ويراد بالأولى: المتشابه في نفسه الذي استأثر الله بعلم تأويله, ويراد بالثانية: الذي يعرف الراسخون تفسيره, وهو تأويله, ولا يريد من وقف على قوله: (إلا الله) أن يكون التأويل بمعنى التفسير للمعنى, فإن لازم هذا أن يكون الله أنزل على رسوله كلاماً لا يعلم معناه جميع الأمة ولا الرسول, ويكون الراسخون في العلم لاحظ لهم في القدر يقوله غير الراسخ في العلم من المؤمنين والراسخون في العلم يجب امتيازهم عن عوام المؤمنين في ذلك, وقد قال ابن عباس –رضي الله عنهما- أنا من الراسخين في العلم الذين يعلمون تأويله, ولقد صدق –رضي الله عنه- فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- دعا له وقال: “اللهم فقهه في الدين, وعلمه التأويل” رواه البخاري وغيره.

ودعاؤه –صلى الله عليه وسلم- لا يرد, قال مجاهد: عرضت المصحف على ابن عباس من أوله إلى آخره, أقفه عند كل آية وأسأله عنها, وقد تواترت النقول عنه أنه تكلم في جميع معاني القرآن, ولم يقل عن آية إنها من المتشابه الذي لا يعلم أحد تأويله إلا الله, وقول الأصحاب –رحمهم الله- في الأصول: المتشابه: الحروف المقطعة في أوائل السور, ويروى هذا عن ابن عباس, مع أن هذه الحروف قد تكلم في معناها أكثر الناس, فإن كان معناها معروفاً, فقد عرف معنى المتشابه, وإن لم يكن معروفاً, -وهي المتشابه- كان ما سواها معلوم المعنى, وهذا المطلوب.

وأيضاً فإن الله قال: (منه آيات محكمات هنّ أم الكتاب وأخَر متشابهات)[210]وهذه الحروف ليست آيات عند جمهور العادّين.

 

قوله.. ومن لم يتوَقَّ النفي والتشبيه زلّ ولم يصب التنزيه

قوله.. ومن لم يتوَقَّ النفي والتشبيه زلّ ولم يصب التنزيه

الشرح..

النفي والتشبيه مرضان من أمراض القلوب, فإن أمراض القلوب نوعان:

مرض شبهة, ومرض شهوة.

وكلاهما مذكور في القرآن, قال –تعالى-: (فلا تخضعن بالقول فيطمع الذي في قلبه مرض)[211], فهذا مرض الشهوة وقال –تعالى-: (في قلوبهم مرض فزادهم الله مرضاً)[212], وقال –تعالى-: (وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم)[213], فهذا مرض الشبهة, وهو أردأ من مرض الشهوة, إذ مرض الشهوة يرجى له الشفاء بقضاء الشهوة, ومرض الشبهة لا شفاء له إن لم يتداركه الله برحمته, والشبهة التي في مسألة الصفات نفيها وتشبيهها, وشبه النفي أردأ من شبه التشبيه, فإن شبه النفي رد وتكذيب لما جاء به الرسول –صلى الله عليه وسلم-, وشبه التشبيه غلو ومجاوزة للحد فيما جاء به الرسول –صلى الله عليه وسلم-, وتشبيه الله بخلقه كفر, فإن الله –تعالى- يقول: (ليس كمثله شيء)[214], ونفي الصفات كفر, فإن الله –تعالى- يقول: (وهو السميع البصير)[215], وهذا أصل نوعي التشبيه, فإن التشبيه نوعان:

تشبيه الخلق بالمخلوق: وهذا الذي يتعب أهل الكلام في ردّه وإبطاله, وأهله في الناس أقل من النوع الثاني.

النوع الثاني: الذين هم أهل تشبيه المخلوق بالخالق, كعبّاد المشايخ, وعزيز, والشمس والقمر, والأصنام والملائكة, والنار, والماء, والعجل, والقبور, والجن, وغير ذلك, وهؤلاء هم الذين أرسلت لهم الرسل يدعونهم إلى عبادة الله وحده لا شريك له.

 

قوله.. فإن ربنا –جل وعلا- موصوف بصفات الوحدانية, منعوت بنعوت الفردانية, ليس في معناه أحد من البرية.

قوله.. فإن ربنا –جل وعلا- موصوف بصفات الوحدانية, منعوت بنعوت الفردانية, ليس في معناه أحد من البرية.

الشرح..

يشير الشيخ –رحمه الله- إلى تنزيه الرب –تعالى- بالذي هو وَصفه كما وصف نفسه نفياً وإثباتاً وكلام الشيخ مأخوذ من معنى سورة الإخلاص فقوله: موصوف بصفات الوحدانية مأخوذ من قوله –تعالى-: (قل هو الله أحد, الله الصمد)[216], وقوله منعوت بنعوت الفردانية من قوله –تعالى-: (الله الصمد, لم يلد ولم يولد)[217], وقوله: ليس في معناه أحد من البرية من قوله –تعالى-: (ولم يكن له كفواً أحد)[218].

 

قوله.. وتعالى عن الحدود والغايات, والأركان والأعضاء والأدوات, لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات

قوله.. وتعالى عن الحدود والغايات, والأركان والأعضاء والأدوات, لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات

الشرح..

أذكر بين يدي الكلام على عبارة الشيخ –رحمه الله- مقدمة, وهي: أن للناس في إطلاق مثل هذه الألفاظ ثلاثة أقوال: فطائفة تنفيها, وطائفة تفصِّل, وهم المتبعون للسلف, فلا يطلقون نفيها ولا إثباتها إلا إذا تبين, ما أثبت بها فهو ثابت, وما نُفي بها فهو منفي؛ لأن المتأخرين قد صارت هذه الألفاظ في اصطلاحهم فيها إجمال وإبهام, كغيرها من الألفاظ الاصطلاحية, فليس كلهم يستعملها في نفس معناها اللغوي؛ ولهذا كان النفاة ينفون بها حقاً وباطلاً, ويذكرون عن مثبتها ما لا يقولون به, وبعض المثبتين لها يدخل لها معنى باطلاً, مخالفاً لقول السلف, ولما دل عليه الكتاب والميزان, ولم يرد نص من الكتاب ولا من السنة بنفيها ولا إثباتها, وليس لنا أن نصف الله تعالى بما لم يصف به نفسه ولا وصفه به رسوله نفياً ولا إثباتاً, وإنما نحن متبعون لا مبتدعون.

فالواجب أن ينظر في هذا الباب, أعني باب الصفات, فما أثبته الله ورسوله أثبتناه, وما نفاه الله ورسوله نفيناه, والألفاظ التي ورد بها النص يعتصم بها في الإثبات والنفي, فنثبت ما أثبته الله ورسوله من الألفاظ والمعاني, وأما الألفاظ التي لم يرد نفيها ولا إثباتها فلا تطلق حتى ينظر في مقصود قائلها: فإن كان معنى صحيحاً قُبل, لكن ينبغي التعبير عنه بألفاظ النصوص, دون الألفاظ المجملة, إلا عند الحاجة, مع قرائن تبين المراد, والحاجة مثل أن يكون الخطاب مع من لا يتم المقصود معه إن لم يخاطب بها, ونحو ذلك.

فالألفاظ الشرعية صحيحة المعاني, سالمة من الاحتمالات الفاسدة, فكذلك يجب أن لا يُعدل عن الألفاظ الشرعية نفياً ولا إثباتاً, لئلا يثبت معنى فاسد, أو يُنفى معنى صحيح, وكل هذه الألفاظ المجملة عرضة للمحق والمبطل.

وأما لفظ الجهة, فقد يراد به ما هو موجود, وقد يراد به ما هو معدوم, ومن المعلوم أنه لا موجود إلا الخالق والمخلوق, فإذا أريد بالجهة أمر موجود غيرُ الله –تعالى- كان مخلوقاً, والله –تعالى- لا يحصره شيء, ولا يحيط به شيء من المخلوقات, -تعالى- الله عن ذلك, وإن أريد بالجهة أمر عدمي, وهو ما فوق العالم, فليس هناك إلا الله وحده, فإذا قيل: إنه في جهة بهذا الاعتبار, فهو صحيح, ومعناه: أنه فوق العالم حيث انتهت المخلوقات فهو فوق الجميع, عال عليه.

وقول الشيخ –رحمه الله-: لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات, هو حق, باعتبار أنه لا يحيط به شيء من مخلوقاته, بل هو محيط بكل شيء وفوقه, وهذا المعنى هو الذي أراده الشيخ –رحمه الله-, لما يأتي في كلامه: أنه –تعالى- محيط بكل شيء وفوقه, فإذا جمع بين كلاميه, وهو قوله: لا تحويه الجهات الست كسائر المبتدعات, وقوله: محيط بكل شيء وفوقه, عُلم أن مراده أن الله –تعالى- لا يحويه شيء, ولا يحيط به شيء, كما يكون لغيره من المخلوقات, وأنه –تعالى- هو المحيط بكل شيء, العالي عن كل شيء.

وسيأتي لإثبات صفة العلو لله –تعالى- زيادة بيان, عند الكلام على قول الشيخ –رحمه الله-: محيط بكل شيء وفوقه, -إن شاء الله تعالى-.

 

قوله.. والمعراج حق, وقد أسري بالنبي –صلى الله عليه وسلم-, وعُرج بشخصه في اليقظة إلى السماء, ثم إلى حيث شاء الله من العلا وأكرمه الله بما شاء, وأوحى إليه ما أوحى, ما كذب الفؤاد ما رأى, فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى

قوله.. والمعراج حق, وقد أسري بالنبي –صلى الله عليه وسلم-, وعُرج بشخصه في اليقظة إلى السماء, ثم إلى حيث شاء الله من العلا وأكرمه الله بما شاء, وأوحى إليه ما أوحى, ما كذب الفؤاد ما رأى, فصلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى

الشرح..

المعراج: مفعال, من العروج, أي الآلة التي يعرج فيها, أي: يُصعَد, وهو بمنزلة السُّلم, لكن لا يعلم كيف هو, وحكمه كحكم غيره من المغيَّبات, نؤمن به ولا نشتغل بكيفيته.

وقوله: وقد أسري بالنبي –صلى الله عليه وسلم- وعُرج بشخصه في اليقظة, اختلف الناس في الإسراء.

فقيل: كان الإسراء بروحه ولم يُفقد جسده, نقله ابن اسحاق عن عائشة ومعاوية –رضي الله عنهما-[قلت:

( لم يصح عنهما)], ونقل عن الحسن البصري نحوه, لكن ينبغي أن يعرف الفرق بين أن يقال: كان الإسراء مناماً, وبين أن يقال: كان بروحه دون جسده, وبينهما فرق عظيم, فعائشة ومعاوية –رضي الله عنهما- لم يقولا: كان مناماً, وإنما قالا: أسري بروحه, ولم يُفقد جسده, وفرق ما بين الأمرين: أن ما يراه النائم قد يكون أمثالاً مضروبة للمعلوم في الصورة المحسوسة, فيرى كأنه قد عرج إلى السماء, وذهب به إلى مكة, وروحه لم تصعد ولم تذهب, وإنما ملك الرؤيا ضرب له المثال, فما أراد أن الإسراء كان مناماَ، وإنما أراد أن الروح ذاتها أسري …بها, ففارقت الجسد ثم عادت إليه, ويجعلان هذا من خصائصه, فإن غيره لا تنال ذاتُ روحِه الصعودَ الكاملَ إلى السماء إلا بعد الموت.

وقيل: كان الإسراء مرتين, مرة يقظة, ومرة مناماً, وأصحاب هذا القول كأنهم أرادوا الجمع بين حديث شريك وقوله: (ثم استيقظتُ), وبين سائر الروايات.

وكذلك منهم من قال: بل كان مرتين, مرة قبل الوحي, ومرة بعده, ومنهم من قال: بل ثلاث مرات, مرة قبل الوحي, ومرتين بعده, وكلما اشتبه عليهم لفظ زادوا مرة؛ للتوفيق!! وهذا يفعله ضعفاء أهل الحديث, وإلا فالذي عليه أئمة النقل: أن الإسراء كان مرة واحدة بمكة بعد البعثة, قبل الهجرة بسنة, وقيل: بسنة وشهرين, ذكره ابن عبد البر, قال شمس الدين ابن القيم: يا عجباً لهؤلاء الذين زعموا أنه كان مراراً!! كيف ساغ لهم أن يظنوا أنه في كل مرة يفرض عليهم الصلوات خمسين, ثم يتردد بين ربه وبين موسى حتى تصير خمساً, فيقول: “أمضيت فريضتي وخففت عن عبادي”, ثم يعيدها المرة الثانية إلى خمسين, ثم يحطها إلى خمس؟! وقد غلّط الحفّاظ شريكاً في ألفاظ من حديث الإسراء, ومسلم أورد المسند منه, ثم قال: “فقدّم وأخّر وزاد ونقص” ولم يسرد الحديث وأجاد –رحمه الله- انتهى كلام الشيخ شمس الدين –رحمه الله-.

وكان من حديث الإسراء: أنه –صلى الله عليه وسلم- أسري بجسده في اليقظة على الصحيح, من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى, راكباً على البراق, صحبة جبرائيل –عليه السلام-, فنزل هناك, صلى بالأنبياء إماماً, وربط البراق بحلقة باب المسجد, وقد قيل: أنه نزل بيت لحم وصلى فيه, ولا يصح عنه ذلك البتة, ثم عرج من بيت المقدس تلك الليلة إلى السماء الدنيا, فاستفتح له جبرائيل, ففتح لهما, فرأى هناك آدم أبا البشر, فسلم عليه, فرحب به ورد عليه السلام, وأقرّ بنبوته, ثم عُرج به إلى السماء الثانية, فاستُفتح له, فرأى فيها يحيى ابن زكريا وعيسى ابن مريم, فلقيهما, فسلم عليهما, فردّا عليه السلام, ورحبا به, وأقرّا بنبوته, ثم عرج به إلى السماء الثالثة, فرأى فيها يوسف, فسلم عليه ورحب به وأقرّ بنبوته, ثم عرج به إلى السماء الرابعة, فرأى فيها إدريس, فسلم عليه ورحب به وأقرّ بنبوته, ثم عرج به إلى السماء الخامسة, فرأى فيها هارون بن عمران, فسلم عليه ورحب به وأقرّ بنبوته, ثم عرج إلى السماء السادسة, فلقي موسى, فسلم عليه ورحب به, وأقرّ بنبوته, فلما جاوزه بكى موسى, فقيل له: ما يبكيك؟ قال: أبكي لأن غلاماً بُعث بعدي يدخل الجنة من أمته أكثرُ مما يدخلها من أمتي, ثم عُرج إلى السماء السابعة, فلقي فيها إبراهيم, فسلم عليه ورحب به وأقر بنبوته, ثم رُفع إلى سدرة المنتهى, ثم رفع له البيت المعمور, ثم عُرج به إلى الجبار –جل جلاله وتقدست أسماؤه-, فدنا منه حتى كان قاب قوسين أو أدنى, [قلت: (هذا الدنو غير ثابت)], فأوحى إلى عبده ما أوحى, وفرض عليه خمسين صلاة, فرجع حتى مر على موسى, فقال: بمَ أمِرت؟ قال: بخمسين صلاة, فقال: إن أمتك لا تطيق ذلك, ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف لأمتك, فالتفت إلى جبرائيل كأنه يستشيره في ذلك, فأشار أن نعم –إن شئت-, فعلا به جبرائيل حتى أتى به إلى الجبار –تبارك وتعالى- وهو في مكانه –هذا لفظ البخاري في صحيحه- وفي بعض الطرق –فوضع عنه عشراً, ثم نزل حتى مر بموسى فأخبره, فقال: ارجع إلى ربك فاسأله التخفيف, فلم يزل يتردد بين موسى وبين الله –تبارك وتعالى-, حتى جعلها خمساً, فأمره موسى بالرجوع وسؤال التخفيف, فقال: قد استحييتُ من ربي, ولكن أرضى وأسلّم, فلما نفد, نادى مناد: قد أمضيت فريضتي وخففتُ عن عبادي.

وقد ذكر اختلاف الصحابة في رؤيته –صلى الله عليه وسلم- ربه –عز وجل- بعين رأسه, وأن الصحيح أنه رآه بقلبه, ولم يره بعين رأسه, وقوله: (ما كذب الفؤاد ما رأى)[219], (ولقد رآه نزلة أخرى)[220] صح عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أن هذا المرئيّ جبرائيل, رآه مرتين على صورته التي خُلق عليها.

وأما قوله –تعالى- في سورة النجم: (ثم دنا فتدلى), فهو غير الدنوّ والتدلي المذكورين في قصة الإسراء, فإن الذي في سورة النجم هو دنو جبرائيل وتدليه, كما قالت عائشة وابن مسعود –رضي الله عنهما-, فإنه قال: (علّمه شديد القوى, ذو مرة فاستوى, وهو بالأفق الأعلى, ثم دنا فتدلى)[221] فالضمائر كلها راجعة إلى هذا المعلم الشديد القوى, وأما الدنوّ والتدلي الذي في حديث الإسراء, فذلك صريح في أنه دنوّ الرب –تعالى- وتدليه,[ قلت في ثبوت الحديث نظر], وأما الذي في سورة النجم: أنه رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى, فهذا هو جبرائيل, رآه مرتين, مرة في الأرض, ومرة عند سدرة المنتهى.

ومما يدل على أن الإسراء بجسده في اليقظة, قوله –تعالى-: (سبحان الذي أسرى بعبده ليلاً من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصا)[222], والعبد عبارة عن مجموع الجسد والروح, كما أن الإنسان اسم لمجموع الجسد والروح, هذا هو المعروف عند الإطلاق, وهو الصحيح, فيكون الإسراء بهذا المجموع, ولا يمتنع ذلك عقلاً, ولو جاز صعود البشر لجاز استبعاد نزول الملائكة, وذلك يؤدي إلى إنكار النبوة وهو كُفر.

فإن قيل: فما الحكمة في الإسراء إلى بيت المقدس أولاً؟ فالجواب –والله أعلم-: أن ذلك كان إظهاراً لصدق دعوى الرسول –صلى الله عليه وسلم- المعراج حين سألته قريش عن نعت بيت المقدس فنعته لهم وأخبرهم عن عيرهم التي مر عليها في طريقه, ولو كان عروجه إلى السماء من مكة لما حصل ذلك, إذ لا يمكن ذلك اطلاعهم على ما في السماء لو أخبرهم عنه, وقد اطلعوا على بيت المقدس, فأخبرهم بنعته.

وفي حديث المعراج دليل على ثبوت صفة العلو لله –تعالى- من وجوه, لمن تدبره, وبالله التوفيق.

 

قوله.. والحوض الذي أكرمه الله –تعالى- به غياثاً لأمته حق

قوله.. والحوض الذي أكرمه الله –تعالى- به غياثاً لأمته حق

الأحاديث الواردة في ذكر الحوض تبلغ حد التواتر, رواها من الصحابة بضع وثلاثون صحابياً, ولقد استقصى طرقها شيخنا الشيخ عماد الدين ابن كثير, تغمده الله برحمته, في آخر تاريخه الكبير, المسمى بـ: ((البداية والنهاية)), فمنها: ما رواه البخاري –رحمه الله تعالى-, عن أنس بن مالك –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “إن قدر حوضي كما بين لأيلة إلى صنعاء من اليمن, وإن فيه من الأباريق كعدد نجوم السماء“, وعنه عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “ليردنّ عليّ ناس من أصحابي, حتى إذا عرفتهم اختُلجوا دوني, فأقول: أصحابي: فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك” رواه مسلم, وروى الإمام أحمد عن أنس بن مالك, قال: أغفى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إغفاة, فرفع رأسه مبتسماً, إما قال لهم, وإما قالوا له: لم ضحكتَ؟ فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إنه أنزلت عليّ آنفاً سورة, فقرأ: (بسم الله الرحمن الرحيم, إنا أعطيناك الكوثر): الكوثر:1, حتى ختمها, ثم قال لهم: هل تدرون ما الكوثر؟ قالوا: الله ورسوله أعلم, قال: هو نهر أعطانيه ربي –عز وجل- في الجنة, عليه خير كثير, تردُ عليه أمتي يوم القيامة, آنيته عدد الكواكب, يُختلج العبد منهم, فأقول: يا رب إنه من أمتي, فيقال لي: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك” ورواه مسلم, ولفظه: “هو نهر وعدنيه ربي, عليه خير كثير, هو حوض ترد عليه أمتي يوم القيامة“, والباقي مثله, ومعنى ذلك أنه يشخب فيه ميزابان من ذلك الكوثر إلى الحوض, والحوض في العرصات قبل الصراط؛ لأنه يختلج عنه, ويمنع منه, أقوام قد ارتدوا على أعقابهم, ومثل هؤلاء لا يجاوزون الصراط, وروى البخاري ومسلم عن جندب بن عبد الله البجلي, قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: “أنا فرطكم على الحوض“, والفرط: الذي يسبق إلى الماء, وروىالبخاري عن سعد بن سهل الأنصاري, قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إني فرطكم على الحوض, من مرّ علي شرب, ومن شرب لم يظمأ أبداً, ليردن عليّ أقوام أعرفهم ويعرفونني, ثم يحال بيني وبينهم” قال أبو حازم: فسمعني النعمان ابن أبي عياش فقال: هكذا سمعت من سهل؟ فقلت: نعم, فقال: أشهد على أبي سعيد الخدري, سمعته وهو يزيد: فأقول: “إنهم من أمتي” فقال: إنك لا تدري ما أحدثوا بعدك, فقال: “سُحقاً سُحقاً لمن غيّر بعدي” سحقاً: أي بُعداً.

والذي يتلخص من الأحاديث الواردة في صفة الحوض: أنه حوض عظيم, ومورد كريم, يمد من شراب الجنة, من نهر الكوثر, الذي هو أشد بياضاً من اللبن, وأبرد من الثلج, وأحلى من العسل, وأطيب ريحاً من المسك, وهو في غاية الاتساع, عرضه وطوله سواء, كل زاوية من زواياه مسيرة شهر, وفي بعض الأحاديث: أنه كلما شرب منه وهو في زيادة واتساع, وأنه ينبت في خلاله من المسك والرضراض من اللؤلؤ وقضبان الذهب, ويثمر ألوان الجواهر, فسبحان الخالق الذي لا يعجزه شيء, وقد ورد في أحاديث: أن لكل نبي حوضاً وأن حوض نبينا –صلى الله عليه وسلم- أعظمها وأحلاها وأكثرها وارداً, جعلنا الله منهم بفضله وكرمه.

 

قوله.. والشفاعة التي ادخرها لهم حق, كما روي في الأخبار

قوله.. والشفاعة التي ادخرها لهم حق, كما روي في الأخبار

الشفاعة أنواع: منها ما هو متفق عليه بين الأمة, ومنها ما خالف فيه المعتزلة ونحوهم من أهل البدع.

النوع الأول: الشفاعة الأولى, وهي العظمى الخاصة بنبينا –صلى الله عليه وسلم- من بين سائر إخوانه, من الأنبياء والمرسلين, -صلوات الله عليهم جميعاً_, في ((الصحيحين)) وغيرهما عن جماعة من الصحابة, -رضي الله عنهم أجمعين-, أحاديث الشفاعة.

منها:عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: “أتى رسول الله –صلى الله عليه وسلم_ بلحم, فدفع إليه منها الذراع, كانت تعجبه, فنهس منها نهسة, ثم قال: أنا سيد الناس يوم القيامة, وهل تدرون لمَ ذلك؟ يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد, فيقول بعض الناس لبعض: ألا ترون إلى ما أنتم فيه؟ ألا ترون إلى ما قد بلغكم, ألا تنظرون من يشفع لكم إلى ربكم؟ فيقول بعض الناس لبعض: أبوكم آدم, فيأتون آدم, فيقولون: يا آدم, أنت أبو البشر, فاشفع لنا إلى ربك, ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول آدم: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, وإنه نهاني عن الشجرة فعصيته, نفسي نفسي, نفسي نفسي, اذهبو إلى غيري, اذهبوا إلى نوح, فيأتون نوحاً, فيقولون: يا نوح, أنت أول الرسل إلى أهل الأرض, وسماك الله عبداً شكوراً, فاشفع لنا إلى ربك, ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى إلى ما قد بلغنا؟ فيقول نوح: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, وإنه كانت لي دعوة دعوت بها على قومي, نفسي نفسي نفسي نفسي, اذهبوا إلى غيري, اذهبوا إلى إبراهيم, فيأتون إبراهيم, فيقولون: يا إبراهيم, أنت نبي الله وخليله من أهل الأرض ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, وذكر كذباتِه, نفسي نفسي نفسي نفسي, اذهبوا إلى غيري, اذهبوا إلى موسى, فيأتون موسى: فيقولون: يا موسى, أنت رسول الله, اصطفاك الله برسالاته وبتكليمه على الناس, اشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه, ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم موسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, وإني قتلت نفساً لم أومر بقتلها, نفسي نفسي نفسي نفسي, اذهبوا إلى غيري, اذهبوا إلى عيسى, فيأتون عيسى, فيقولون: يا عيسى أنت رسول الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروح منه, قال: هكذا هو, وكلّمت الناس في المهد, فاشفع لنا إلى ربك, ألا ترى إلى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فيقول لهم عيسى: إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله, -ولم يذكر له ذنباً-, اذهبوا إلى غيري, اذهبوا إلى محمد –صلى الله عليه وسلم-, فيأتوني, فيقولون: يا محمد, أنت رسول الله, وخاتم الأنبياء, غفر الله لك ذنبك, ما تقدم منه وما تأخر, فاشفع لنا إلى ربك, ألا ترى ما نحن فيه؟ ألا ترى ما قد بلغنا؟ فأقوم, فآتي تحت العرش, فأقع ساجداً لربي –عز وجل-, ثم يفتح الله عليّ ويلهمني من محامده وحسن الثناء عليه شيئاً لم يفتحه على أحد قبلي, فيقال: يا محمد, ارفع رأسك, سل تعطه, اشفع تشفّع, فأقول: يا رب أمتي أمتي, يا رب أمتي أمتي, فيقول: أدخل من أمتك من لا حساب عليه من الباب الأيمن من أبواب الجنة, وهم شركاء الناس فيما سواه من الأبواب, ثم قال: والذي نفسي بيده, لما بين مصراعين من مصاريع الجنة كما بين مكة وهجَر, أو كما بين مكة وبُصرَى” أخرجاه في ((الصحيحين)) بمعناه, واللفظ للإمام أحمد.

والعجب كل العجب, من إيراد الأئمة لهذا الحديث من أكثر طرقه, لا يذكرون أمر الشفاعة الأولى, في مأتى الرب –سبحانه وتعالى- لفصل القضاء, كما ورد هذا في حديث الصُّور, فإنه المقصود في هذا المقام, ومقتضى سياق أول الحديث, فإن الناس إنما يستشفعون إلى آدم فمن بعده من الأنبياء في أن يفصل بين الناس ويستريحوا من مقامهم, كما دلت عليه سياقاته من سائر طرقه, فإذا وصلوا إلى الجزاء إنما يذكرون الشفاعة في عُصاة الأمم وإخراجهم من النار, وكان مقصود السلف في الاقتصار على هذا المقدار من الحديث هو الرد على الذين أنكروا خروج أحد من النار بعد دخولها, فيذكرون هذا القدر من الحديث الذي فيه النص الصريح في الرد عليهم, فيما ذهبوا إليه من البدعة المخالفة للأحاديث.

النوع الثاني والثالث من الشفاعة: شفاعته –صلى الله عليه وسلم- في أقوام قد تساوت حسناتهم وسيئاتهم, فيشفع فيهم ليدخلوا الجنة, وفي أقوام آخرين قد أمِر بهم إلى النار, أن لا يدخلونها.

النوع الرابع: شفاعته –صلى الله عليه وسلم- في رفع درجات من يدخل الجنة فيها فوق ما كان يقتضيه ثواب أعمالهم.

النوع الخامس: الشفاعة في أقوام أن يدخلوا الجنة بغير حساب, ويحسن أن يستشهد لهذا النوع بحديث عكاشة بن محصن, حين دعا له رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن يجعله من السبعين ألفاً الذين يدخلون الجنة بغير حساب, والحديث مخرّج في الصحيحين.

النوع السادس: الشفاعة في تخفيف العذاب عمن يستحقه, كشفاعته في عمه أبي طالب أن يخفف عنه عذابه, قال القرطبي في ((التذكرة)) بعد ذكر هذا النوع: فإن قيل: قال –تعالى-: (فما تنفعهم شفاعة الشافعين)[223], قيل له: لا تنفعه في الخروج من النار, كما تنفع عصاة الموحدين, الذين يُخرجون منها ويدخلون الجنة.

النوع السابع: شفاعته أن يؤذن لجميع المؤمنين في دخول الجنة, كما تقدم, وفي ((صحيح مسلم)) عن أنس –رضي الله عنه-, أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “أنا أول شفيع في الجنة“.

النوع الثامن: شفاعته في أهل الكبائر من أمته, ممن دخل النار, فيخرجون منها, وقد تواترت بهذا النوع الأحاديث, وهذه الشفاعة تشاركه فيها الملائكة والنبيون والمؤمنون أيضاً, وهذه الشفاعة تتكرر منه –صلى الله عليه وسلم- أربع مرات, ومن أحاديث هذا النوع, حديث أنس ابن مالك –رضي الله عنه-, قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي” رواه الإمام أحمد –رحمه الله-, وروى البخاري –رحمه الله- في كتاب ((التوحيد)): حدثنا سليمان بن حرب, حدثنا حماد بن زيد, حدثنا معبد بن هلال العنزي, قال: اجتمعنا, ناسٌ من أهل البصرة, فذهبنا إلى أنس بن مالك, وذهبنا معنا بثابت البناني إليه, يسأله لنا عن حديث الشفاعة, فإذا هو في قصره, فوافقناه يصلي الضحى, فاستأذنا, فأذن لنا وهو قاعد على فراشه, فقلنا لثابت: لا تسأله عن شيء أول من حديث الشفاعة, فقال: يا أبا حمزة, هؤلاء إخوانك من أهل البصرة, جاؤوك يسألونك عن حديث الشفاعة, فقال: حدثنا محمد –صلى الله عليه وسلم-, قال: “إذا كان يوم القيامة, ماج الناس بعضهم في بعض, فيأتون آدم, فيقولون: اشفع لنا إلى ربك, فيقول: لست لها ولكن عليكم بإبراهيم, فإنه خليل الرحمن, فيأتون إبراهيم, فيقول: لست لها, ولكن عليكم بموسى, فإنه كليم الله, فيأتون موسى, فيقول: لست لها, لكن عليكم بعيسى, فإنه روح الله وكلمته, فيأتون عيسى فيقول: لست لها, لكن عليكم بمحمد –صلى الله عليه وسلم-, فيأتوني, فأقول: أنا لها, فأستأذن على ربي فيؤذن لي, ويلهمني محامد أحمده بها, لا تحضرني الآن, فأحمده بتلك المحامد, وأُخرّ له ساجداً, فيقال: يا محمد, ارفع رأسك, وقل يسمع لك, واشفع تشفّع وسل تعطه, فأقول: يا رب أمتي أمتي, فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال شعيرة من إيمان, فأنطلق فأفعل, ثم أعود فأحمده بتلك المحامد, ثم أخر له ساجداً, فيقال: يا محمد, ارفع رأسك وقل يسمع لك, واشفع تشفّع وسل تعط, فأقول: يا رب أمتي أمتي, فيقال: انطلق فأخرج منها من كان في قلبه مثقال ذرة أو خردلة من إيمان, فأنطلق فأفعل, ثم أعود بتلك المحامد, ثم أخر له ساجداً, فيقال: يا محمد, ارفع رأسك, وقل يسمع لك, وسل تعط واشفع تشفّع, فأقول: يا رب أمتي أمتي, فيقال: انطلق فأخرج من كان في قلبه أدنى أدنى مثقال حبة من خردل من إيمان, فأخرجه من النار, فأنطلق فأفعل” قال: فلما خرجنا من عند أنس, قلت لبعض أصحابنا لو مررنا بالحسن, وهو متوار في منزل أبي خليفة, فحدثناه بما حدثنا به أنس بن مالك, فأتيناه, فسلمنا عليه, فأذن لنا, فقلنا له: يا أبا سعيد, جئناك من عند أخيك أنس بن مالك, فلم نرَ مثل ما حدثنا في الشفاعة, فقال: هيه؟ فحدثناه بالحديث, فانتهى إلى هذا الموضع, فقال: هيه؟ فقلنا لم يزد لنا على هذا, فقال: لقد حدثني وهو جميع, منذ عشرين سنة, فما أدري, أنسي أم كره أن تتّكلوا؟ فقلنا يا أبا سعيد, فحدثنا, فضحك وقال: خُلق الإنسان عجولاً! ما ذكرته إلا وأنا أريد أن أحدثكم, حدثني كما حدثكم به, “قال: ثم أعود الرابعة, فأحمده بتلك المحامد, ثم أخر له ساجداً, فيقال: يا محمد, ارفع رأسك, وقل يُسمَع, وسل تعطه, واشفع تشفع, فأقول: يا رب, ائذن لي فيمن قال: لا إله إلا الله, فيقول: وعزتي وجلالي, وكبريائي وعظمتي, لأخرجن منها من قال: لا إله إلا الله” وهكذا رواه مسلم.

وفي ((الصحيح)) من حديث أبي سعيد –رضي الله عنه- مرفوعاً, قال: “فيقول الله –تعالى-: شفعت الملائكة, وشفع النبيون, وشفع المؤمنون, ولم يبق إلا أرحم الراحمين, فيقبض قبضة من النار, فيخرج منها قوماً لم يعملوا خيراً قط” الحديث.

ثم إن الناس في الشفاعة على ثلاثة أقوال:

فالمشركون والنصارى والمبتدعون من الغلاة في المشايخ وغيرهم: يجعلون شفاعة من يعظّمونه عند الله كالشفاعة المعروفة في الدنيا.

والمعتزلة والخوارج أنكروا شفاعة نبينا –صلى الله عليه وسلم- وغيره في أهل الكبائر.

أما أهل السنة والجماعة, فيقرون بشفاعة نبينا –صلى الله عليه وسلم- في أهل الكبائر, وشفاعة غيره, لكن لا يشفع أحد حتى يأذن الله له ويَحُد له حدّاً, كما في الحديث الصحيح, حديث الشفاعة: “إنهم يأتون آدم, ثم نوحاً, ثم إبراهيم, ثم موسى, ثم عيسى, فيقول لهم عيسى –عليه السلام-: اذهبوا إلى محمد, فإنه عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر, فيأتوني, فأذهب, فإذا رأيت ربي خررتُ له ساجداً, فأحمد ربي بمحامد يفتحها علي, لا أحسنها الآن, فيقول: أي محمد, ارفع رأسك, وقل يسمع, واشفع تشفع, فأقول: ربي, أمتي أمتي, فيحدّ لي حداً, فأدخلهم الجنة, ثم أنطلق فأسجد, فيحد لي حداً, ذكرها ثلاث مرات.

وأما الاستشفاع بالنبي –صلى الله عليه وسلم- وغيره في الدنيا إلى الله –تعالى- في الدعاء, ففيه تفصيل: فإن الداعي تارة يقول: بحق نبيك أو بحق فلان, يقسم على الله بأحد من مخلوقاته, فهذا محذور من وجهين:

أحدهما: أنه أقسم بغير الله.

والثاني: اعتقاده أن لأحد على الله حقاً, ولا يجوز الحلف بغير الله, وليس لأحد على الله حق إلا ما أحقه على نفسه, كقوله –تعالى-: (وكان حقاً علينا نصر المؤمنين)[224], وكذلك ما ثبت في ((الصحيحين)) من قوله –صلى الله عليه وسلم- لمعاذ –رضي الله عنه-, وهو رديفه: “يا معاذ, أتدري ما حق الله على عباده؟ قلت: الله ورسوله أعلم, قال: حقه عليهم أن يعبدوه ولا يشركوا به شيئاً, أتدري ما حق العباد على الله إذا فعلوا ذلك؟ قلت: الله ورسوله أعلم, قال: حقهم عليه أن لا يعذبهم“, فهذا حق وجب بكلماته التامة ووعده الصادق, لا أن العبد نفسه مستحق على الله شيئاً كما يكون للمخلوق على المخلوق, فإن الله هو المنعم على العباد بكل خير, وحقهم الواجب بوعده هو أن لا يعذبهم, وترك تعذيبهم معنى لا يصلح أن يقسَم به, ولا أن يُسأل بسببه ويتوسل به؛ لأن السبب هو ما نصبه الله سبباً, ولقد أحسن القائل:

ما للعبـاد عليه حق واجب     كـلا, ولا سعي لديه ضائع

إن عُذبوا فبِعدله, أو نعّموا     فبفضله وهو الكريم السامع

فإن قيل: فأي فرق بين قول الداعي: “بحق السائلين عليك” وبين قوله: “بحق نبيك” أو نحو ذلك؟ فالجواب: أن معنى قوله: “بحق السائلين عليك” أنك وعدت السائلين بالإجابة, وأنا من جملة السائلين, فأجب دعائي, بخلاف قوله: بحق فلان- فإن فلاناً وإن كان له حق على الله بوعده الصادق- فلا مناسبة بين ذلك وبين إجابة دعاء هذا السائل, فكأنه يقول: لكون فلان من عبادك الصالحين أجب دعائي! وأي مناسبة في هذا وأي ملازمة؟ وإنما هذا من الاعتداء في الدعاء, وقد قال –تعالى-: (ادعوا ربكم تضرعاً وخفية إنه لا يحب المعتدين)[225], وهذا ونحوه من الأدعية المبتدعة, ولم ينقل عن النبي –صلى الله عليه وسلم- ولا عن الصحابة, ولا عن التابعين, ولا عن أحد من الأئمة –رضي الله عنهم-, وإنما يوجد مثل هذا في الحروز والهياكل التي يكتب بها الجهال والطرقية, والدعاء من أفضل العبادات, والعبادات مبناها على السنة والاتباع, لا على الهوى والابتداع.

وإن كان مراده الإقسام على الله بحق فلان, فذلك محذور أيضاً؛ لأن الإقسام بالمخلوق لا يجوز, فكيف على الخالق؟! وقد قال –صلى الله عليه وسلم-: “من حلف بغير الله فقد أشرك“؛ ولهذا قال أبو حنيفة وصاحباه –رضي الله عنهم-: يكره أن يقول الداعي: أسألك بحق فلان, أو بحق أنبيائك ورسلك, وبحق البيت الحرام والمشعر الحرام, ونحو ذلك, حتى كره أبو حنيفة ومحمد –ضي الله عنهما- أن يقول الرجل: اللهم إني أسألك بمعقد العز من عرشك, ولم يكرهه أبو يوسف –رحمه الله- لما بلغه الأثر فيه, [قلت:(موضوع)], وتارة يقول: بجاه فلان عندك, يقول: نتوسل إليك بأنبيائك ورسلك وأوليائك, ومراده أن فلاناً عندك ذو وجاهة وشرف ومنزلة فأجب دعاءنا, وهذا أيضاً محذور, فإنه لو كان هذا التوسل الذي كان الصحابة يفعلونه في حياة النبي –صلى الله عليه وسلم- لفعلوه بعد موته, وإنما كانوا يتوسلون في حياته بدعائه, يطلبون منه أن يدعو لهم, وهم يؤمّنون على دعائه, كما في الاستسقاء وغيره, فلما مات النبي –صلى الله عليه وسلم- قال عمر –رضي الله عنه- لما خرجوا يستسقون-: “اللهم إنا كنا إذا أجدبنا نتوسل إليك بنبينا فتسقينا, وإنا نتوسل إليك بعم نبينا” معناه بدعائه هو ربه وشفاعته وسؤاله, ليس المراد أنا نقسم عليك به, أو نسألك بجاهه عندك, إذ لو كان ذلك مراداً لكان جاء النبي –صلى الله عليه وسلم- أعظمَ وأعظمَ من جاء العباس.

وتارة يقول: باتباعي لرسولك ومحبتي له وإيماني به وسائر أنبيائك ورسلك وتصديقي لهم, ونحو ذلك, فهذا من أحسن ما يكون في الدعاء والتوسل والاستشفاع.

فلفظ التوسل بالشخص والتوجه به فيه إجمال, غلط بسببه من لم يفهم معناه, فإن أريد به التسبب به لكونه داعياً وشافعاً, وهذا في حياته يكون, أو لكون الداعي محباً له, مطيعاً لأمره, مقتدياً به, وذلك أهل للمحبة والطاعة والاقتداء, فيكون التوسل إما بدعاء الوسيلة وشفاعته, وإما بمحبة السائل واتباعه, أو يراد به الإقسام به والتوسل بذاته, فهذا الثاني هو الذي كرهوه ونهوا عنه.

وكذلك السؤال بالشيء, قد يراد به التسبب به؛ لكونه سبباً في حصول المطلوب, وقد يراد به الإقسام به, ومن الأول: حديث الثلاثة الذين أووا إلى الغار, وهو حديث مشهور في ((الصحيحين)) وغيرهما, فإن الصخرة انطبقت عليهم, فتوسلوا إلى الله بذكر أعمالهم الصالحة الخالصة, وكل واحد منهم يقول: فإن كنت فعلت ذلك ابتغاء وجهك فافرج عنا ما نحن فيه, فانفرجت الصخرة فخرجوا يمشون, فهؤلاء دعوا الله بصالح الأعمال؛ لأن الأعمال الصالحة هي أعظم ما يتوسل به العبد إلى الله, ويتوجه به إليه, ويسأله به؛ لأنه وعد أن يستجيب للذين آمنوا وعملوا الصالحات ويزيدهم من فضله.

فالحاصل أن الشفاعة عند الله ليست كالشفاعة عند البشر, فإن الشفيع عند البشر كما أنه شافع للطالب شفعة في الطلب, بمعنى أنه صار شفعاً فيه بعد أن كان وتراً, فهو أيضاً قد شفع المشفوع إليه, وبشفاعته صار فاعلاً للمطلوب, فقد شفع الطالبَ والمطلوبَ منه, والله –تعالى- وتر, لا يشفعه أحد, فلا يشفع عنده أحد إلا بإذنه, فالأمر كله إليه, فلا شريك له بوجه, فسيد الشفعاء يوم القيامة إذا سجد وحمد الله –تعالى- فقال له الله: “ارفع رأسك, وقل يُسمع, واسأل تعطه, واشفع تشفع” فيحد له حداً فيدخلهم الجنة, فالأمر كله لله –كما قال تعالى-: (قل إن الأمر كله لله)[226], وقال –تعالى-: (ليس لك من الأمر شيء)[227], وقال –تعالى-: (ألا له الخلق والأمر)[228], فإذا كان لا يشفع عنده أحد إلا بإذنه لمن يشاء, ولكن يُكرم الشفيع بقبول شفاعته, كما قال –صلى الله عليه وسلم-: “اشفعوا تؤجروا, ويقضي الله على لسان نبيه ما يشاء” وفي الصحيح أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “يا بني عبد مناف, لا أملك لكم من الله شيئاً, يا صفيةُ يا عمةَ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لا أملك لك من الله شيئاً, يا عباسُ عمَّ رسول الله, لا أملك لك من الله شيئاً” وفي ((الصحيح)) أيضاً عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: “لا ألفينّ أحدكم يأتي يوم القيامة على رقبته بعير له رُغاء, أو شاة لها يعار, أو رقاع تخفِق, فيقول: أغثني أغثني, فأقول: قد أبلغتك, لا أملك لك من الله شيئاَ ” فإذا كان سيد الخلق وأفضل الشفعاء يقول لأخص الناس به: “لا أملك لكم من الله شيئاَ ” فما الظن بغيره؟ وإذا دعاه الداعي, وشفع عنده الشفيع, فسمع الدعاء, وقبِل الشفاعة, لم يكن هذا هو المؤثر فيه كما يؤثر المخلوق في المخلوق, فإنه –سبحانه وتعالى- هو الذي جعل هذا يدعو ويشفع, وهو الخالق لأفعال العباد, فهو الذي وفّق العبد للتوبة ثم قبلها, وهو الذي وفقه للعمل ثم أثابه, وهو الذي وفقه للدعاء ثم أجابه, وهذا مستقيم على أصول أهل السنة المؤمنين بالقدَر, وأن الله خالق كل شيء.

 

قوله.. والميثاق الذي أخذه الله –تعالى- من آدم وذريته حقّ

قوله.. والميثاق الذي أخذه الله –تعالى- من آدم وذريته حقّ

الشرح..

قال –تعالى-: (وإذ أخذ ربك من بني آدم من ظهورهم ذريتهم وأشهدهم على أنفسهم ألست بربكم, قالوا بلى شهدنا أن تقولوا يوم القيامة إنا كنا عن هذا غافلين)[229], أخبر –سبحانه- أنه استخرج ذرية بني آدم من أصلابهم شاهدين على أنفسهم أن الله ربهم ومليكهم وأنه لا إله إلا هو, وقد وردت أحاديث في أخذ الذرية من صلب آدم –عليه السلام-, وتمييزهم إلى أصحاب اليمين وإلى أصحاب الشمال, وفي بعضها الإشهاد عليهم بأن الله ربهم, فمنها: ما رواه الإمام أحمد عن ابن عباس –رضي الله عنهما- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-, قال: “إن الله أخذ الميثاق من ظهر آدم –عليه السلام- بنَعمان يوم عرفة, فأخرج من صلبه كل ذرية ذرأها, فنثرها بين يديه, ثم كلمهم قُبُلاً, قال: ألست بربكم؟ قالوا: بلى, شهدنا.. إلى قوله: المبطلون” ورواه النسائي أيضاً, وابن جرير, وابن أبي حاتم, والحاكم في ((المستدرك)) وقال: صحيح الإسناد ولم يخرجاه.

وروى الإمام أحمد أيضاً عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-: أنه سُئل عن هذه الآية, فقال: “سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- سئل عنها, فقال: إن الله خلق آدم –عليه السلام-, ثم مسح ظهره بمينه فاستخرج منه ذرية, قال: خلقت هؤلاء للجنة وبعما أهل الجنة يعملون, ثم مسح ظهره, فاستخرج منه ذرية, قال: خلقت هؤلاء للنار وبعمل أهل النار يعملون فقال رجل: يا رسول الله, ففيم العمل؟ قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: إن الله –عز وجل- إذا خلق العبد للجنة استعمله بعمل أهل الجنة, حتى يموت على عمل من أعمال أهل الجنة, فيدخل به الجنة, وإذا خلق العبد للنار استعمله بعمل أهل النار, حتى يموت على عمل من أعمال أهل النار, فيدخل به النار” قلت: صحيح لغيره إلا مسح الظهر, ورواه أبو داود, والترمذي, والنسائي, وابن أبي حاتم, وابن جرير, وابن حبان في ((صحيحه)).

وروى الترمذي عن أبي هريرة, قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “لما خلق الله آدم مسح على ظهره, فسقط من ظهره كل نسمة هو خالقها من ذريته إلى يوم القيامة, وجعل بين عيني كل إنسان منهم وبيصاً من نور, ثم عرضهم على آدم, فقال: أي ربّ, من هذا؟ قال: هذا رجل من آخر الأمم من ذريتك يقال له: داود, قال: ربّ كم عمره؟ قال: ستون سنة, قال: أي ربّ, زده من عمري أربعين سنة, فلما انقضى عمر آدم, جاء ملك الموت, قال: أو لم يبق من عمري أربعون سنة؟ قال: أو لم تعطها ابنك داود؟ قال: فجحد! فجحدت ذريته, ونسي آدم فنسيت ذريته, وخطئ آدم فخطئت ذريته” ثم قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح, ورواه الحاكم وقال: صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه.

وروى الإمام أحمد أيضاً عن أنس بن مالك –رضي الله عنه-, عن النبي –صلى الله عليه وسلم-, قال: “يقال للرجل من أهل النار يوم القيامة: أرأيت لو كان لك ما على الأرض من شيء, أكنتَ مفتدياً به؟ قال: فيقول: نعم, قال: فيقول: قد أردت منك أهون من ذلك, قد أخذت عليك في ظهرآدم أن لا تشرك بي شيئاً فأبيت إلا أن تشرك بي شيئاً” وأخرجاه في ((الصحيحين)) أيضاً.

 

قوله.. وقد علم الله –تعالى- فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة, وعدد من يدخل النار, جملة واحدة, فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه, وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه.

قوله.. وقد علم الله –تعالى- فيما لم يزل عدد من يدخل الجنة, وعدد من يدخل النار, جملة واحدة, فلا يزداد في ذلك العدد ولا ينقص منه, وكذلك أفعالهم فيما علم منهم أن يفعلوه.

الشرح..

قال الله –تعالى-: (إن الله بكل شيء عليم)[230], (وكان الله بكل شيء عليماً)[231], فالله –تعالى- موصوف بأنه بكل شيء عليم أزلاً وأبداً, لم يتقدم علمَه بالأشياء جهالة, وما كان ربك نسياً, وعن علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-, قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد, فأتانا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, فقعد وقعدنا حوله, ومعه مخصرة, فنكس رأسه فجعل ينكت بمخصرته ثم قال: ما من نفس منفوسة إلا وقد كتب الله مكانها من الجنة والنار, وإلا قد كُتبت شقية أو سعيدة, قال: فقال رجل: يا رسول الله, أفلا نمكث على كتابنا وندع العمل؟ فقال: من كان من أهل السعادة فسيصير إلى عمل أهل السعادة, ومن كان من أهل الشقاوة فسيصير إلى عمل أهل الشقاوة, ثم قال: اعملوا فكل ميسّر لما خلق له, أما أهل السعادة فييسرّون لعمل أهل السعادة, وأما أهل الشقاوة فييسرون لعمل أهل الشقاوة, ثم قرأ: (فأما من أعطى واتقى, وصدق بالحسنى, فسنيسره لليسرى, وأما من بخل واستغنى وكذب بالحسنى فسنيسره للعسرى)[232], خرجاه في ((الصحيحين)).

 

قوله.. وكلُ ميسر لما خُلق له, والأعمال بالخواتيم, والسعيد من سعد بقضاء الله, والشقي من شقي بقضاء الله

قوله.. وكلُ ميسر لما خُلق له, والأعمال بالخواتيم, والسعيد من سعد بقضاء الله, والشقي من شقي بقضاء الله

الشرح..

تقدم حديث علي –رضي الله عنه- وقوله –صلى الله عليه وسلم-: “اعملوا فكل ميسر لما خُلق له“, وعن زهير عن أبي الزبير عن جابر بن عبد الله –رضي الله عنهما-, قال: “جاء سُراقة بن مالك بن جُعثم, فقال: يا رسول الله, بيّن لنا ديننا كأنا خلقنا الآن, فيم العمل اليوم؟ أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير, قال: ففيم العمل؟ قال زهير: ثم تكلم أبو الزبير بشيء لم أفهمه, فسألت: ما قال؟ فقال: اعملوا فكل ميسر” رواه مسلم. وعن سهل بن سعد الساعدي –رضي الله عنه-, أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “إن الرجل ليعمل بعمل أهل الجنة فيما يبدو للناس وهو من أهل النار…” خرجاه في ((الصحيحين)) وزاد البخاري: “وإنما الأعمال بالخواتيم“, وفي ((الصحيحين)) أيضاً عن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-, قال: حدثنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهو الصادق المصدوق: “إن أحدكم يُجمع خلقُه في بطن أمه أربعين يوماً نطفة, ثم يكون علقة مثل ذلك, ثم يكون مضغة مثل ذلك, ثم يرسل إليه الملك فينفخ فيه الروح, ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه وأجله وعمله وشقي أو سعيد, فوالذي لا إله غيره, إن أحدكم ليعمل بعمل أهل الجنة حتى ما يكون بينه وبينها إلا ذراع, فيسبق عليه الكتاب فيعمل بعمل أهل النار فيدخلها” والأحاديث في هذا الباب كثيرة, وكذلك الآثار عن السلف, قال أبو عمر بن عبد البر في ((التمهيد)): قد أكثر الناس من تخريج الآثار في هذا الباب, وأكثر المتكلمون من الكلام فيه, وأهل السنة مجتمعون على الإيمان بهذه الآثار واعتقادها وترك المجادلة فيها, وبالله العصمة والتوفيق.

 

وقوله.. وأصل القدر سر الله –تعالى- في خلقه, لم يطلع على ذلك ملك مقرّب, ولا نبي مرسل, والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان, وسُلم الحرمان, ودرجة الطغيان, فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة, فإن الله –تعالى- طوى علم القدر عن أنامه, ونهاهم عن مرامه, كما قال –تعالى- في كتابه: (لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) الأنبياء: 23, فمن سأل: لم فعل؟ فقد ردَّ حكم الكتاب, ومن رد حكم الكتاب, كان من الكافرين.

وقوله.. وأصل القدر سر الله –تعالى- في خلقه, لم يطلع على ذلك ملك مقرّب, ولا نبي مرسل, والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان, وسُلم الحرمان, ودرجة الطغيان, فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة, فإن الله –تعالى- طوى علم القدر عن أنامه, ونهاهم عن مرامه, كما قال –تعالى- في كتابه: (لا يُسأل عما يفعل وهم يسألون) الأنبياء: 23, فمن سأل: لم فعل؟ فقد ردَّ حكم الكتاب, ومن رد حكم الكتاب, كان من الكافرين.

الشرح..

أصل القدر سر الله في خلقه, وهو كونه أوجد وأفنى, وأفقر وأغنى, وأمات وأحيا, وأضل وهدى, قال علي –كرم الله وجهه ورضي عنه-: القدر سر الله فلا نكشفه, والنزاع بين الناس في مسألة القدر مشهور.

والذي عليه أهل السنة والجماعة: أن كل شيء بقضاء الله وقدره, وأن الله –تعالى- خالق أفعال العباد, قال –تعالى-: (إنا كل شيء خلقناه بقدر)[233], وقال –تعالى- (وخلق كل شيء فقدره تقديراً)[234], وأن الله –تعالى- يريد الكفر من الكافر ويشاؤه, ولا يرضاه ولا يحبه, فيشاؤه كوناً, ولا يرضاه ديناً. وأما الأدلة من الكتاب والسنة, فقد قال –تعالى-: (ولو شئنا لآتينا كل نفس هداها, ولكن حق القول مني لأملأن جهنم من الجنة والناس أجمعين)[235], وقال –تعالى-: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً, أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)[236], وقال –تعالى-: (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله رب العالمين)[237], (وما تشاؤون إلا أن يشاء الله, إن الله كان عليماً حكيماً)[238], وقال –تعالى-: (من يشأ الله يضلله, ومن يشأ يجعله على صراط مستقيم)[239], وقال –تعالى-: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام, ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنما يصعّد في السماء)[240].

ومنشأ الضلال: من التسوية بين: المشيئة, والإرادة, وبين: المحبة, والرضى, على الفرق بين: المشيئة والإرادة من الكتاب, فقدم تقدم ذكر بعضها, وأما نصوص المحبة والرضى, فقال –تعالى-: (والله لا يحب الفساد)[241], (ولا يرضى لعباده الكفر)[242], وقال –تعالى- عَقيب ما نهى عنه من الشرك والظلم والفواحش والكبر: (كل ذلك كان سيئه عند ربك مكروهاً)[243], وفي ((الصحيح)) عن النبي –صلى الله عليه وسلم- “إن الله كره لكم ثلاثاً: قيل وقال, وكثرة السؤال, وإضاعة المال” وفي ((المسند)): إن الله يحب أن يؤخذ برخصه, كما يكره أن تؤتى معصيته, وكان من دعائه: “اللهم إني أعوذ برضاك من سخطك, وأعوذ بمعافاتك من عقوبتك, وأعوذ بك منك“, فتأمل ذكر استعاذته بصفة الرضى من صفة السخط, وبفعل المعافاة من فعل العقوبة, فالأول: الصفة, والثاني: أثرها المرتب عليها, ثم ربط ذلك كله بذاته –سبحانه-, وأن ذلك كله راجع إليه وحده لا إلى غيره, فما أعوذ منه واقع بمشيئتك وإرادتك, وما أعوذ به من رضاك ومعافاتك هو بمشيئتك وإرادتك, إن شئت أن ترضى عن عبدك وتعافيه, وإن شئت أن تغضب عليه وتعاقبه, فإعاذتي مما أكره ومنعه أن يحل بي, هي بمشيئتك أيضاً, فالمحبوب والمكروه كله بقضائك ومشيئتك, فعياذي بك منك, وعياذي بحولك وقوتك ورحمتك مما يكون بحولك وقوتك وعدلك وحكمتك, فلا أستعيذ بغيرك من غيرك ولا أستعيذ بك من شيء صادر عن غير مشيئتك, بل هو منك, فلا يعلم ما في هذه الكلمات من التوحيد والمعارف والعبودية, إلا الراسخون في العلم بالله ومعرفته ومعرفة عبوديته.

وقوله: والتعمق والنظر في ذلك ذريعة الخذلان، التعمق: هو المبالغة في طلب الشيء, والمعنى: أن المبالغة في طلب القدر والغوص في الكلام فيه ذريعة الخذلان, الذريعة: الوسيلة, والذريعة والدرجة والسلم متقاربة المعنى أيضاً, لكن الخذلان في مقابلة الظفر والطغيان في مقابلة الاستقامة.

وقوله: فالحذر كل الحذر من ذلك نظراً وفكراً ووسوسة, عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: (جاء ناس من أصحاب النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فسألوه: إنا نجد في أنفسنا ما يتعاظم أحدنا أن يتكلم به؟ قال: “وقد وجدتموه؟ قالوا: نعم, قال: ذلك صريح الإيمان”.

ولمسلم أيضاً عن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- قال: سئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الوسوسة؟ فقال: “تلك محض الإيمان”, فهو بمعنى حديث أبي هريرة, فإن وسوسة النفس أو مدافعة وسواسها بمنزلة المحادثة الكائنة بين اثنين, فمدافعة الوسوسة الشيطانية واستعظامها صريح الإيمان ومحض الإيمان, هذه طريقة الصحابة –رضي الله عنهم- والتابعين لهم بإحسان, ثم خلف من بعدهم خلف سوّدوا الأوراق بتلك الوساوس, التي هي شكوك وشبه, بل وسوّدوا القلوب, وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق؛ ولذلك أطنب الشيخ –رحمه الله- في ذم الخوض في الكلام في القدر والفحص عنه, وعن عائشة –رضي الله عنها- أنها قالت: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “أبغض الرجال إلى الله الألد الخصيم“, وقال الإمام أحمد: حدثنا أبو معاوية, حدثنا داود ابن أبي هند عن عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده, قال: (خرج رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ذات يوم والناس يتكلمون في القدر, قال: “فكأنما تفقّأ في وجهه حبّ الرمان من الغضب, قال: فقال لهم: “ما لكم تضربون كتاب الله بعضه ببعض؟ بهذا هلك من كان قبلكم”, قال: فما غبطت نفسي بمجلس فيه رسول الله لم أشهده, بما غبطت نفسي بذلك المجلس أنّي لم أشهده) ورواه ابن ماجه أيضاً, وقال –تعالى-: (فاستمتعتم بخلاقكم كما استمتع الذين من قبلكم بخلاقهم وخضتم كالذي خاضوا)[244], الخلاق: النصيب, قال –تعالى-وما له في الآخرة من خلاق)[245], أي: استمتعتم بنصيبكم كما استمتع الذين من قبلكم بنصيبهم, وخضتم كالذي خاضوا, وجمع –سبحانه- بين الاستمتاع بالخلاق وبين الخوض؛ لأن فساد الدين إما في العمل, وإما في الاعتقاد, فالأول من جهة الشهوات, والثاني من جهة الشبهات.

وروى البخاري عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “لتأخذن أمتي أخذ القرون قبلها شبراً بشبر, وذراعاً بذراع, قالوا: فارس والروم؟ قال: فمن الناسُ إلا أولئك“.

وعن عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما-, قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “ليأتينّ على أمتي ما أتى على بني إسرائيل حذوَ النعل بالنعل, حتى إذا كان منهم من أتى أمه علانية كان من أمتي من يصنع ذلك, وإن بني إسرائيل تفرقوا على اثنتين وسبعين ملة, وتفترق أمتي ثلاث وسبعين ملة, كلهم في النار إلا ملة واحدة, قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: “ما أنا عليه وأصحابي” رواه الترمذي.

وعن أبي هريرة أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة أو اثنتين وسبعين فرقة, والنصارى مثل ذلك, وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة” رواه أبو داود وابن ماجه والترمذي, وقال: حديث حسن صحيح.

وعن معاوية ابن أبي سفيان –رضي الله عنهما- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على اثنتين وسبعين ملة, وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة” يعني: الأهواء كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة.

وأكبر المسائل التي وقع فيها الخلاف بين الأمة: مسألة القدر, وقد اتسع الكلام فيها غاية الاتساع.

 

وقوله: فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب وكان من الكافرين.

وقوله: فمن سأل: لم فعل؟ فقد رد حكم الكتاب وكان من الكافرين.

اعلم أن مبنى العبودية والإيمان بالله وكتبه ورسله, على التسليم وعدم الأسئلة عن تفاصيل الحكمة والأوامر والنواهي والشرائع؛ ولهذا لم يحكِ الله –سبحانه- عن أمة نبي صدقت بنبيها وآمنت بما جاء به, أنها سألته عن تفاصيل الحكمة فيما أمرها به, ونهاها عنه وبلغها عن ربها, ولو فعلت ذلك لما كانت مؤمنة بنبيها, بل انقادت وسلمت وأذعنت, وما عرفت من الحكمة عرفته, وما خفي عنها لم تتوقف في انقيادها وتسليمها على معرفته, ولا جعلت ذلك من شأنها, وكان رسولها أعظم عندها من أن تسأله عن ذلك, كما في الإنجيل: “يا بني إسرائيل لا تقولوا: لم أمر ربنا؟ ولكن قولوا: بمَ أمر ربنا” ولهذا كان سلف هذه الأمة التي هي أكمل الأمم عقولاً ومعارف وعلوماً لا تسأل نبيها: لمَ أمر الله بكذا؟ ولمَ نهى عن كذا؟ ولمَ فعل كذا؟ لعلمهم أن ذلك مضاد للإيمان والاستسلام, وأن قدم الإسلام لا تثبت إلا على درجة التسليم, فأول مراتب تعظيم الأمر التصديقُ به, ثم العزم الجازم على امتثاله, ثم المسارعة إليه والمبادرة به, والحذرُ من القواطع والموانع, ثم بذل الجهد والنصح في الإتيان به على أكمل الوجوه, ثم فعلُه لكونه مأموراً, بحيث لا يتوقف الإتيان على معرفة حكمته, فإن ظهرت له فعله وإلا عطله, فإن هذا ينافي الانقياد, ويقدح في الامتثال. قال القرطبي ناقلاً عن ابن عبد البر: فمن سأل مستفهماً راغباً في العلم ونفي الجهل عن نفسه, باحثاً عن معنى يجب الوقوف في الديانة عليه: فلا بأس به, فشفاء العي السؤال. ومن سأل متعنتاً غير متفقه ولا متعلم, فهو الذي لا يحل قليل سؤاله ولا كثيره. قال ابن العربي: الذي ينبغي للعالم أن يشتغل به هو بسط الأدلة, وإيضاح سبل النظرة, وتحصيل مقدمات الاجتهاد, وإعداد الآلة المعينة على الاستمداد. قال: فإذا عرضت نازلة, أتيت من بابها, ونُشدت من مظانها, والله يفتح وجه الصواب فيها, انتهى. وقال –صلى الله عليه وسلم-: “من حُسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه” رواه الترمذي وغيره, ولا شك في تكفير من رد حكم الكتاب, ولكن من تأول حكم الكتاب لشبهة عرضت له, بُين له الصواب ليرجع إليه, فالله –سبحانه وتعالى- لا يسأل عما يفعل؛ لكمال حكمته ورحمته وعدله, لا لمجرد قهره وقدرته.

 

قوله.. فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منوّرٌ قلبه من أولياء الله تعالى, وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان:

علم في الخلق موجود, وعلم في الخلق مفقود, فإنكار العلم الموجود كفر, وادعاء العلم المفقود كفر, ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود, وترك طلب العلم المفقود.

قوله.. فهذا جملة ما يحتاج إليه من هو منوّرٌ قلبه من أولياء الله تعالى, وهي درجة الراسخين في العلم؛ لأن العلم علمان:

علم في الخلق موجود, وعلم في الخلق مفقود, فإنكار العلم الموجود كفر, وادعاء العلم المفقود كفر, ولا يثبت الإيمان إلا بقبول العلم الموجود, وترك طلب العلم المفقود.

الشرح..

الإشارة بقوله: فهذا, إلى ما تقدم ذكره, مما يجب اعتقاده والعمل به, مما جاءت به الشريعة, وقوله: وهي درجة الراسخين في العلم: أي علم ما جاء به الرسول جملة وتفصيلاً, نفياً وإثباتاً, ويعني بالعلم المفقود: علم القَدَر الذي طواه الله عن أنامه, ونهاهم عن مرامه, ويعني بالعلم الموجود: علمَ الشريعة, أصولها وفروعها, فمن أنكر شيئاً مما جاء به الرسول كان من الكافرين, ومن ادعى علم الغيب كان من الكافرين, قال –تعالى-: (عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً, إلا من ارتضى من رسول)[246], وقال –تعالى-: (إن الله عنده علم الساعة, ويُنزل الغيث, ويعلم ما في الأرحام, وما تدري نفس ماذا تكسب غداً, وما تدري نفس بأي أرض تموت, إن الله عليم خبير)[247], ولا يلزم من خفاء حكمة الله علينا عدمها, ولا من جهلها انتفاء حكمته, ألا ترى أن خفاء حكمة الله علينا في خلق الحيّات والعقارب والفأر والحشرات, التي لا يعلم منها إلا المضرة: لم ينفَ أن يكون الله –تعالى- خالقاً لها لا, ولا يلزم أن لا يكون فيها حكمة خفيت علينا؛ لأن عدم العلم لا يكون علماً بالمعدوم.

 

قوله.. ونؤمن باللوح والقلم, وبجميع ما فيه قد رقم.

قوله.. ونؤمن باللوح والقلم, وبجميع ما فيه قد رقم.

الشرح..

قال –تعالى-: (بل هو قرآن مجيد, في لوح محفوظ)[248], اللوح المذكور هو الذي كتب الله مقادير الخلائق فيه, والقلم المذكور هو الذي خلقه الله وكتب به في اللوح المذكور المقادير, كما في ((سنن أبي داود)), عن عُبادة بن الصامت, قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن أول ما خلق الله القلم, فقال له: اكتب, قال: يا رب, وما أكتب؟ قال: اكتب مقاديرَ كل شيء حتى تقوم الساعة“.

قوله.. فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء كتبه الله –تعالى- فيه أنه كائن؛ ليجعلوه غير كائن, لم يقدروا عليه, ولو اجتمعوا كلهم على شيء لم يكتبه الله –تعالى- فيه؛ ليجعلوه كائناً لم يقدروا عليه جفَّ القلمُ بما هو كائن إلى يوم القيامة.

الشرح..

تقدم حديث جابر عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, قال: جاء سراقة بن مالك بن جُعشم, فقال: يا رسول الله, بيّن لنا ديننا كأنا خُلقنا الآن, فيم العملُ اليوم, أفيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير؟ أم فيما استقبل؟ قال: “لا, بل فيما جفت به الأقلام وجرت به المقادير” وعن ابن عباس –رضي الله عنهما-, قال: كنت خلف رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يوماً فقال: يا غلام ألا أعلمك كلمات: “احفظ الله يحفظك, احفظ الله تجده تُجاهك, إذا سألت فاسأل الله, وإذا استعنت فاستعن بالله, واعلم أن الأمة لو اجتمعت على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك, ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بشيء قد كتبه الله عليك, رُفعت الأقلام, وجفّت الصحف” رواه الترمذي, وقال: حديث حسن صحيح.

وفي رواية غير الترمذي: “احفظ الله تجده أمامك, تعرّف إلى الله في الرخاء يعرفك في الشدة, واعلم أن ما أخطأك لم يكن ليصيبك, وما أصابك لم يكن ليخطئك, واعلم أن النصر مع الصبر, وأن الفرج مع الكرب, وأن مع العسر يسراً“.

وقد جاءت “الأقلام” في هذه الأحاديث وغيرها مجموعة, فدل ذلك على أن للمقادير أقلاماً غير القلم الأول, الذي تقدم ذكره مع اللوح المحفوظ, والذي دلت عليه السنة أن الأقلام أربعة, وهذا التقسيم غير التقسيم المقدّم ذكره:-

القلم الأول: العام الشامل لجميع المخلوقات, وهو الذي تقدم ذكره مع اللوح.

القلم الثاني: خبر خلق آدم, وهو قلم عام أيضاً, لكن لبني آدم, ورد في هذا آيات تدل على أن الله قدّر أعمال بني آدم وأرزاقهم وآجالهم وسعادتهم عقيب خلق أبيهم.

القلم الثالث: حين يُرسل الملك إلى الجنين في بطن أمه, فينفخ فيه الروح, ويؤمر بأربع كلمات: بكتب رزقه, وأجله, وعمله, وشقي أو سعيد كما ورد ذلك في الأحاديث الصحيحة.

القلم الرابع: الموضوع على العبد عند بلوغه, الذي بأيدي الكرام الكاتبين, الذين يكتبون ما يفعله بنو آدم, كما ورد ذلك في الكتاب والسنة.

وإذا علم العبد أن كلاً من عند الله, فالواجب إفراده –سبحانه وتعالى- بالخشية والتقوى, قال –تعالى- (فلا تخشوا الناس واخشون)[249], (وإياي فارهبون)[250], (وإياي فاتقون)[251]. (ومن يطع الله ورسوله ويخش الله ويتقه فأولئك هم الفائزون)[252], (هو أهل التقوى وأهل المغفرة)[253].

ونظائر هذا المعنى في القرآن كثيرة, ولا بد لكل عبد أن يتقي أشياء فإنه لا يعيش وحده, ولو كان ملكاً مطاعاً فلا بد أن يتقي أشياء يراعي بها رعيته, فحينئذ فلا بد لكل إنسان أن يتقي, فإن لم يتقِ الله اتقى المخلوق, والخلق لا يتفق حبهم كلهم وبغضهم, بل الذي يريده هذا يبغضه هذا, فلا يمكن إرضاؤهم كلهم, كما قال الشافعي –رضي الله عنه-: رضى الناس غاية لا تدرك, فعليك بالأمر الذي يصلحك فالزمه, ودع ما سواه فلا تعانه, فإرضاء الخلق لا مقدور ولا مأمور, وإرضاء الخالق مقدور ومأمور, وأيضاً فالمخلوق لا يغني عنه من الله شيئاً, فإذا اتقى العبد ربه كفاه مؤنة الناس, كما كتبت عائشة إلى معاوية, روي مرفوعاً, وروي موقوفاً عليها: (من أرضى الله بسخط الناس, رضي الله عنه وأرضى عنه الناس, ومن أرضى الناس بسخط الله, عاد حامده من الناس له ذامّاً).

فمن أرضى الله كفاه مؤنة الناس ورضي عنه, ثم فيما بعد يرضون, إذ العاقبة للتقوى, ويحبه الله فيحبه الناس. كما في ((الصحيحين)) عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “إذا أحب الله العبد نادى: يا جبرائيل, إني أحب فلاناً فأحبه, فيحبه جبرائيل, ثم ينادي جبرائيل في السماء: إن الله يحب فلاناً فأحبوه, فيحبه أهل السماء, ثم يوضع له القبول في الأرض“, وقال في البغض مثل ذلك. فقد بين أنه لا بد لكل مخلوق من أن يتقي إما المخلوق, وإما الخالق. وتقوى المخلوق ضررها راجح على نفعها من وجوه كثيرة, وتقوى الله هي التي يحصل بها سعادة الدنيا والآخرة, فهو سبحانه أهل التقوى, وهو أيضاً أهل المغفرة, فإنه هو الذي يغفر الذنوب, لا يقدر مخلوق على أن يغفر الذنوب ويجير من عذابها غيره, وهو الذي يجير ولا يجار عليه. قال بعض السلف: ما احتاج تقي قط, لقوله –تعالى-: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً, ويرزقه من حيث لا يحتسب)[254], فقد ضمن الله للمتقين أن يجعل لهم مخرجاً مما يضيق على الناس, وأن يرزقهم من حيث لا يحتسبون, فإذا لم يحصل ذلك دل على أن في التقوى خللاً, فليستغفر الله وليتب إليه, ثم قال –تعالى-: (ومن يتوكل على الله فهو حسبه)[255] أي: فهو كافيه, لا يحوجه إلى غيره, وقد ظن بعض الناس أن التوكل ينافي الاكتساب وتعاطي الأسباب, وأن الأمور إذا كانت مقدرة فلا حاجة إلى الأسباب! وهذا فاسد, فإن الاكتساب: منه فرض, ومنه مستحب, ومنه مباح, ومنه مكروه, ومنه حرام, كما قد عرف في موضعه, وقد كان النبي –صلى الله عليه وسلم- أفضل المتوكلين, يلبس لأمة الحرب, ويمشي في الأسواق للاكتساب, حتى قال الكافرون: (ما لهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق)[256]؛ ولهذا تجد كثيراً ممن يرى الاكتساب ينافي التوكل يرزقون على يد من يعطيهم, إما صدقة, وإما هدية, وقد يكون ذلك من مكاس, أو والي شرطة, أو نحو ذلك, وهذا مبسوط في موضعه, لا يسعه هذا المختصر, وقد تقدمت الإشارة إلى بعض الأقوال التي في تفسير قوله –تعالى-: (يمحو الله ما يشاء ويثبت, وعنده أم الكتاب)[257], وأما قوله –تعالى-: (كل يوم هو في شأن)[258], فقال البغوي: قال مقاتل: نزلت في اليهود حين قالوا: إن الله لا يقضي يوم السبت! قال المفسرون: من شأنه أنه يحيي ويميت, ويرزق, ويعز قوماً ويذل آخرين, ويشفي مريضاً, ويفك عانياً, ويفرج مكروباً, ويجيب داعياً, ويعطي سائلاً, ويغفر ذنباً, إلى ما لا يحصى من أفعاله وإحداثه في خلقه ما يشاء.

 

قوله.. وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه, وما أصابه لم يكن ليخطئه

قوله.. وما أخطأ العبد لم يكن ليصيبه, وما أصابه لم يكن ليخطئه

الشرح..

هذا بناءً على ما تقدم من أن المقدور كائن لا محالة, ولقد أحسن القائل حيث يقول:

ما قضى الله كائن لا محاله     والشقي الجهول من لام حاله

والقائل الآخر:

اقنع بما ترزق يا ذا الفتى     فليس ينسى ربنا نملة

إن أقبل الدهر فقم قائمـاً     وإن تولى مدبراً نم له

 

قوله.. وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه, فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً, ليس فيه ناقض ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه

قوله.. وعلى العبد أن يعلم أن الله قد سبق علمه في كل كائن من خلقه, فقدر ذلك تقديراً محكماً مبرماً, ليس فيه ناقض ولا معقب ولا مزيل ولا مغير ولا ناقص ولا زائد من خلقه في سماواته وأرضه

الشرح..

هذا بناءً على ما تقدم من أن الله –تعالى- قد سبق علمه بالكائنات, وأنه قدر مقاديرها قبل خلقها, كما قال –صلى الله عليه وسلم-: “قدّر الله مقادير الخلق قبل أن يخلق السموات والأرض بخمسين ألف سنة, وعرشه على الماء“, قال الإمام الشافعي –رضي الله عنه-: (إن الله –تعالى- يعلم أن هذا مستطيع يفعل ما استطاعه فيثيبه, وهذا مستطيع لا يفعل ما استطاعه فيعذبه, فإنما يعذبه لأنه لا يفعل مع القدرة وقد علم الله منه, ومن لا يستطيع لا يأمره ولا يعذبه على ما لم يستطعه).

 

قوله.. وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله –تعالى- وربوبيته كما قال –تعالى- في كتابه (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) الفرقان: 2, وقال –تعالى-: (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) الأحزاب: 38.

قوله.. وذلك من عقد الإيمان وأصول المعرفة والاعتراف بتوحيد الله –تعالى- وربوبيته كما قال –تعالى- في كتابه (وخلق كل شيء فقدره تقديراً) الفرقان: 2, وقال –تعالى-: (وكان أمر الله قدراً مقدوراً) الأحزاب: 38.

الشرح..

الإشارة إلى ما تقدم من الإيمان بالقدر وسبق علمه بالكائنات قبل خلقها, قال –صلى الله عليه وسلم- في جواب السائل عن الإيمان: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر, وتؤمن بالقدر خيره وشره” وقال –صلى الله عليه وسلم- في آخر الحديث: “يا عمر أتدري من السائل؟ قال: الله ورسوله أعلم, قال: فإنه جبرائيل, أتاكم يعلمكم دينكم“. رواه مسلم.

وقوله: والإقرار بتوحيد الله وربوبيته, أي لا يتم التوحيد والإقرار بالربوبية إلا بالإيمان بصفاته –تعالى- فإن من زعم خالقاً غير الله فقد أشرك, فكيف بمن يزعم أن كل أحد يخلق فعله؟!

والقدر الذي هو التقدير المطابق للعلم, يتضمن أصولاً عظيمة:

أحدهما: أنه عالم بالأمور المقدرة قبل كونها, فيثبت علمه القديم, وفي ذلك الرد على من ينكر علمه القديم.

الثاني: أن التقدير يتضمن مقادير المخلوقات, ومقاديرها هي صفاتها المختصة بها, فإن الله قد جعل لكل شيء قدراً, قال –تعالى-: (وخلق كل شيء فقدره تقديراً)[259], فالخلق يتضمن التقدير, تقدير الشيء في نفسه بأن يجعل له قدراً, وتقديره قبل وجوده, فإذا كان قد كتب لكل مخلوق قدره الذي يخصه في كميته وكيفيته, كان ذلك أبلغ في العلم بالأمور الجزئية المعينة, خلافاً لمن أنكر ذلك وقال: إنه يعلم الكليات دون الجزئيات! فالقدر يتضمن العلم القديم والعلم بالجزئيات.

الثالث: أنه يتضمن أنه أخبر بذلك وأظهره قبل وجود المخلوقات إخباراً مفصلاً, فيقضي أنه يمكن أن يعلم العباد الأمور قبل وجودها علماً مفصلاً, فيدل ذلك بطريق التنبيه على أن الخالق أولى بهذا العلم, فإن كان يُعلم عباده بذلك فكيف لا يعلمه هو؟!

الرابع: أنه يتضمن أنه مختار لما يفعله, محدث له بمشيئته وإرادته, ليس لازماً لذاته.

الخامس: أنه يدل على حدوث هذا المقدور, وأنه كان بعد أن لم يكن, فإنه يقدره ثم يخلُفه.

 

قوله.. فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً, وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً, وعاد بما قال فيه أفّاكاً أثيماً.

قوله.. فويل لمن صار لله تعالى في القدر خصيماً, وأحضر للنظر فيه قلباً سقيماً لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً, وعاد بما قال فيه أفّاكاً أثيماً.

الشرح..

اعلم أن القلب له حياة وموت, ومرض وشفاء, وذلك أعظم مما للبدن, قال –تعالى-: (أوَمن كان ميتاً فأحييناه وجعلنا له نوراً يمشي به في الناس كمن مثله في الظلمات ليس بخارج منها)[260], أي كان ميتاً بالكفر فأحييناه بالإيمان, فالقلب الصحيح الحي إذا عرض عليه الباطل والقبائح نفر منها بطبعه وأبغضها ولم يلتفت إليها, بخلاف القلب الميت, فإنه لا يفرق بين الحسن والقبيح, كما قال عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-: “هلك من لم يكن له قلب يعرف به المعروف والمنكر, وكذلك القلب المريض بالشهوة, فإنه لضعفه يميل إلى ما يعرض له من ذلك بحسب قوة المرض وضعفه.

ومرض القلب نوعان –كما تقدم-: مرض شهوة, ومرض شبهة, وأردؤها مرض الشبهة, وأردأ الشبه ما كان من أمر القدر, وقد يمرض القلب ويشتد مرضه ولا يشعر به صاحبه؛ لاشتغاله وانصرافه عن معرفة صحته وأسبابها, بل قد يموت وصاحبه لا يشعر بموته, وعلامة ذلك أنه لا تؤلمه جراحات القبائح, ولا يوجعه جهله بالحق وعقائده الباطلة, فإن القلب إذا كان فيه حياة تألم بورود القبيح عليه, وتألم بأهله بالحق بحسب حياته, ما لجرح بميت إيلام, وقد يشعر بمرضه, ولكن يشتد عليه تحمل مرارة الدواء والصبر عليها, فيؤثر بقاء ألمه على مشقة الدواء فإن دواءه في مخالفة الهوى, وذلك أصعب شيء على النفس, وليس له أنفع منه, وتارة يوطن نفسه على الصبر, ثم ينفسخ عزمه ولا يستمر معه؛ لضعف علمه وبصيرته وصبره, كمن دخل في طريق مخوف مفض إلى غاية الأمن, وهو يعلم أنه إن صبر عليه انقضى الخوف وأعقبه الأمن, فهو محتاج إلى قوة صبر وقوة يقين بما يصير إليه, ومتى ضعف صبره ويقينه رجع من الطريق ولم يتحمل مشقتها, ولا سيما إن عدم الرفيق واستوحش من الوحدة وجعل يقول: أين ذهب الناس في أسوة بهم! وهذه حال أكثر الخلق, وهي التي أهلكتهم, فالصابر الصادق لا يستوحش من قلة الرفيق ولا من فقده, إذا استشعر قلبُه مرافقة الرّعيل الأول: (الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحَسُنَ أولئك رفيقاً)[261], وما أحسن ما قال أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل المعروف بأبي شامة في كتاب ((الحوادث والبدع)): حيث جاء الأمر بلزوم الجماعة, فالمراد لزوم الحق واتباعه, وإن كان المتمسك به قليلاً والمخالف له كثيراً؛ لأن الحق هو الذي كانت عليه الجماعة الأولى من عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه –رضي الله عنهم-, ولا ننظر إلى كثرة أهل الباطل بعدهم, وعن الحسن البصري –رحمه الله- أنه قال: السّنة –والذي لا إله إلا هو- بين الغالي والجافي, فاصبروا عليها رحمكم الله, فإن أهل السنة كانوا أقل الناس فيما مضى, وهم أقل الناس فيما بقي, الذين لم يذهبوا مع أهل الإتراف في إترافهم, ولا مع أهل البدع في بدعتهم, وصبروا على سنتهم حتى لقوا ربهم, فكذلك كونوا.

وعلامة مرض القلب عدوله عن الأغذية النافعة الموافقة إلى الأغذية الضارة, وعدوله عن دوائه النافع إلى دوائه الضار, فههنا أربعة أشياء: غذاء نافع, ودواء شافٍ, وغذاء ضار, ودواء مهلك, فالقلب الصحيح يؤثر النافع الشافي, على الضار المؤذي, والقلب المريض بضد ذلك, وأنفع الأغذية غذاء الإيمان, وأنفع الأدوية دواء القرآن, وكل منهما فيه الغذاء والدواء, فمن طلب الشفاء في غير الكتاب والسنة فهو من أجهل الجاهلين وأضل الضالين, فإن الله –تعالى- يقول: (قل هو للذين آمنوا هدىً وشفاء والذين لا يؤمنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى أولئك ينادون من مكان بعيد)[262], وقال –تعالى- (وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمؤمنين ولا يزيد الظالمين إلا خساراً)[263], و(من) في قوله (من القرآن) لبيان الجنس, لا للتبعيض, وقال –تعالى- (يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين)[264], فالقرآن هو الشفاء التام من جميع الأدواء القلبية والبدنية, وأدواء الدنيا والآخرة, وما كل أحد يؤهل للاستشفاء به, وإذا أحسن العليل التداوي به, ووضعه على دائه بصدق وإيمان وقبول تام واعتقاد جازم واستيفاء شروطه, لم يقاوم الداء أبداً, وكيف تقاوم الأدواء كلام رب الأرض والسماء, الذي لو نزل على الجبال لصدعها, أو على الأرض لقطعها؟! فما من مرض من أمراض القلوب والأبدان إلا وفي القرآن سبيل الدلالة على دوائه وسببه والحمية منه, لمن رزقه الله فهماً في كتابه.

وقوله: لقد التمس بوهمه في فحص الغيب سراً كتيماً, أي طلب بوهمه في البحث عن الغيب سراً مكتوماً, إذ القدر سر الله في خلقه, فهو يروم ببحثه الاطلاع على الغيب, وقد قال –تعالى-: (عالم الغيب فلا يُظهر على غيبه أحداً, إلا من ارتضى من رسول)[265] إلى آخر السورة, وقوله: وعاد بما قال فيه, أي في القدر: أفاكاً كذاباً أثيماً, أي مأثوماً.

 

قوله.. والعرش والكرسي حق

قوله.. والعرش والكرسي حق

الشرح..

كما بيّن –تعالى- في كتابه, قال –تعالى-: (ذو العرش المجيد, فعّال لما يريد)[266] (رفيع الدرجات ذو العرش)[267], (ثم استوى على العرش)[268], في غير ما آية من القرآن, (الرحمن على العرش استوى)[269], (لا إله إلا هو رب العرش الكريم)[270], (الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم)[271], ( الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا)[272], (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)[273] (وترى الملائكة حافّين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم)[274], وفي دعاء الكرب المروي في ((الصحيح)): لا إله إلا الله العظيم الحليم, لا إله إلا هو رب العرش العظيم, لا إله إلا الله رب السموات ورب الأرض ورب العرش الكريم.

وفي ((صحيح البخاري)) عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “إذا سألتم الله الجنة فاسألوه الفردوس, فإنه أوسط الجنة, وفوقه عرش الرحمن” يروى “وفوقَه” بالنصب على الظرفية, وبالرفع على الابتداء, أي: وسقفه.

وثبت في الشرع أن له قوائم تحمله الملائكة, كما قال –صلى الله عليه وسلم-: “فإن الناس يصعقون, فأكون أول من يفيق, فإذا أنا بموسى آخذ بقائمة من قوائم العرش, فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة الطور” والعرش في اللغة: عبارة عن السرير الذي للملك, كما قال –تعالى- عن بلقيس: (ولها عرش عظيم)[275], والقرآن إنما نزل بلغة العرب, فهو: سرير ذو قوائم تحمله الملائكة, وهو كالقبة على العالم, وهو سقف المخلوقات, فمن شعر أمية ابن أبي الصلت:

مجدوا الله فهو للمجد أهل     ربنا في السمــاء أمسى كبيراً

بالبناء العالي الذي بهر النا     س وسوى فوق السماء سريراً

شرْجَعَاً لا يناله بصر العـ     ين ترى حولــه الملائك صوراً

الصور هنا: جمع أصْوَر, وهو: المائل العنق لنظره إلى العلو, والشرْجع: هو العالي المنيف, والسرير: هو العرش في اللغة, ومن شعر عبد الله ابن رَوَاحة –رضي الله عنه-:

شهدتُ بأن وعد الله حق       وأن النار مثوى الكافرينا

وأن العرش فوق الماء طاف     وفوق العرش ربُّ العالمينا

وتحملـه مـلائكـة شـداد     مـلائكـة الإله مسوّمينـاُ

ذكره ابن عبد البر وغيره من الأئمة, وروى أبو داود عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “أذن لي أن أحدّث عن ملك من ملائكة الله –عز وجل- من حملة العرش, إن ما بين شحمة أذنه إلى عاتقه مسيرة سبعمائة عام“.

وأما من حرف كلام الله, وجعل العرش عبارة عن المُلك, كيف يصنع بقوله –تعالى-: (ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية)[276], وقوله: (وكان عرشه على الماء)[277], أيقول: ويحمل ملكَه يومئذ ثمانية؟! وكان ملكه على الماء! ويكون موسى –عليه السلام- آخذاً بقائمة الملك؟! هل يقول هذا عاقل يدري ما يقول؟!

وأما الكرسي فقال –تعالى-: (وسع كرسيه السموات والأرض)[278], وقد قيل: هو العرش, والصحيح أنه غيره, نقل ذلك عن ابن عباس –رضي الله عنهما- وغيره, روى ابن أبي شيبة في كتاب ((صفة العرش)), والحاكم في ((مستدركه)), وقال: إنه على شرط الشيخين ولم يخرجاه, عن سعيد بن جبير عن ابن عباس, في قوله –تعالى-: (وسع كرسيه السموات والأرض), أنه قال: الكرسي موضع القدمين, والعرش لا يقدّر قدره إلا الله –تعالى-, [قلت: صحيح موقوفاً], وقد روي مرفوعاً, والصواب أنه موقوف على ابن عباس, وقال السدي: السموات والأرض في جوف الكرسي بين يدي العرش, وقال ابن جرير: قال أبو ذر –رضي الله عنه-: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: “ما الكرسي في العرش إلا كحلقة من حديد ألقيت بين ظهري فلاة من الأرض“, ومن قال غير ذلك فليس له دليل إلا مجرد الظن, والظاهر أنه من جراب الكلام المذموم, كما قيل في العرش, وإنما هو كما قال غير واحد من السلف: بين يدي العرش كالمرقاة إليه.

 

قوله.. وهو مستغن عن العرش وما دونه, محيط بكل شيء وفوقه, وقد أعجز عن الإحاطة خلقه

قوله.. وهو مستغن عن العرش وما دونه, محيط بكل شيء وفوقه, وقد أعجز عن الإحاطة خلقه

الشرح..

أما قوله: وهو مستغن عن العرش وما دونه, فقال –تعالى-: (إن الله لغني عن العالمين)[279], وقال –تعالى-: (والله هو الغني الحميد)[280], وإنما قال الشيخ –رحمه الله- هذا الكلام هنا؛ لأنه لما ذكر العرش والكرسي, ذكر بعد ذلك غناه –سبحانه- عن العرش وما دون العرش؛ ليبين أن خلقه العرش لاستوائه عليه, ليس لحاجته إليه, بل له في ذلك حكمة اقتضته, وكون العالي فوق السافل, لا يلزم أن يكون السافل حاوياً للعالي, محيطاً به, حاملاً له, ولا أن يكون الأعلى مفتقراً إليه, فانظر إلى السماء, كيف هي فوق الأرض وليست مفتقرةَ إليها؟ فالرب –تعالى- أعظم شأناً وأجلّ من أن يلزم من علوّه ذلك, بل لوازم علوه من خصائصه, وهي حمله بقدرته للسافل, وفقر السافل, وغناه هو –سبحانه- عن السافل, وإحاطته –عز وجل- به, فهو فوق العرش مع حمله بقدرته للعرش وحملته, وغناه عن العرش, وفقر العرش إليه, وإحاطته بالعرش, وعدم إحاطة العرش به, وحصره للعرش, وعدم حصر العرش له, وهذه اللوازم منتفية عن المخلوق.

ونفاة العلوّ, أهل التعطيل, لو فصّلوا بهذا التفصيل, لهُدوا إلى سواء السبيل, وعلموا مطابقة العقل للتنزيل, ولسلكوا خلف الدليل, فضلّوا عن سواء السبيل, والأمر في ذلك كما قال الإمام مالك –رحمه الله-, لما سئل عن قوله –تعالى-: (ثم استوى على العرش)[281], وغيرها: كيف استوى؟ فقال الاستواء معلوم والكيف مجهول, ويروى هذا الجواب عن أم سلمة –رضي الله عنها- موقوفاً ومرفوعاً إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-, [قلت: لم يثبت مرفوعاً].

وأما قوله: محيط بكل شيء وفوقه, معناها: أنه –تعالى- محيط بكل شيء وفوق كل شيء, أما كونه محيطاً بكل شيء, فقال –تعالى-: (والله من ورائهم محيط)[282], (ألا إنه بكل شيء محيط)[283], (ولله ما في السموات وما في الأرض وكان الله بكل شيء محيطاً)[284], وليس المراد من إحاطته بخلقه أن المخلوقات داخل ذاته المقدسة, -تعالى- الله عن ذلك علواً كبيراً, وإنما المراد: إحاطة عظمته, وسَعَة علمه وقدرته, وأنها بالنسبة إلى عظمته كخردلة, كما روي عن ابن عباس –رضي الله عنهما- أنه قال: ما السموات السبع والأرضون السبع وما فيهن وما بينهن في يد الرحمن إلا كخردلة في يد أحدكم, ومن المعلوم –ولله المثل الأعلى- أن الواحد منا إذا كان عنده خردلة, إن شاء قبضها وأحاط قَبضتَه بها, وإن شاء جعلها تحته, وهو في الحالين مباين لها, عال عليها فوقها من جميع الوجوه, فكيف بالعظيم الذي لا يحيط بعظمته وصف واصف, فلو شاء لقبض السموات والأرض اليوم, وفعل بها كما يفعل بها يوم القيامة, فكيف يستبعد العقل مع ذلك أنه يدنو –سبحانه- من بعض أجزاء العالم وهو على عرشه فوق سمواته؟ أو يُدني إليه من يشاء من خلقه؟ فمن نفى ذلك لم يقدُره حقّ قدره.

وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “لما قضى الله الخلق كتب في كتاب فهو عنده فوق العرش: إن رحمتي سبقت غضبي” وفي رواية: “تغلب غضبي” رواه البخاري وغيره, وروى مسلم عن النبي –صلى الله عليه وسلم- في تفسير قوله –تعالى-: (هو الأول والآخر والظاهر والباطن)[285], بقوله: “أنت الأول فليس قبلك شيء, وأنت الباطن فليس دونك شيء”, فهذه الأسماء الأربعة متقابلة: اسمان منها لأزلية الرب –سبحانه وتعالى- وأبديته, واسمان لعلوه وقربه, وفي قصة سعد بن معاذ يوم بني قريظة, لما حكم فيهم أن تقتل مقاتلتهم وتسبى ذراريهم, فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “لقد حكمت فيهم بحكم الملك من فوق سبع سموات” [قلت: صحيح دون ” من فوق ….“] وهو حديث صحيح, أخرجه الأموي في مغازيه, وأصله في ((الصحيحين)), وروى البخاري عن زينب –رضي الله عنها-, أنها كانت تفخر على أزواج النبي –صلى الله عليه وسلم-, وتقول: زوجكنّ أهاليكن, وزوجني الله من فوق سبع سموات, وروى عكرمة عن ابن عباس, في قوله: (ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم وعن أيمانهم وعن شمائلهم)[286], قال: ولم يستطع أن يقول من فوقهم؛ لأنه قد علم أن الله –سبحانه- من فوقهم.

ومن سمع أحاديث الرسول –صلى الله عليه وسلم- وكلام السلف, وجد منه في إثبات الفوقية ما لا ينحصر, وإذا كانت صفة العلو والفوقية صفة كمال, لا نقص فيه, ولا يستلزم نقصاً, ولا يوجب محذوراً, ولا يخالف كتاباً ولا سنة ولا إجماعاً, فنفي حقيقته يكون عينَ الباطل والمحال الذي لا تأتي به شريعة أصلاً, فكيف إذا كان لا يمكن الإقرار بوجوده وتصديق رسله, والإيمان بكتابه وبما جاء به رسوله: إلا بذلك؟ فكيف إذا انضم إلى ذلك شهادة العقول السليمة, والفطر المستقيمة, والنصوص الواردة المتنوعة المحكمة على علو الله على خلقه, وكونه فوق عباده, التي تقرب من عشرين نوعاً:

أحدها: التصريح بالفوقية مقروناً بأداة: من, المعينة للفوقية بالذات, كقوله –تعالى-: (يخافون ربهم من فوقهم)[287].

الثاني: ذكرها مجردة من الآداة, كقوله –تعالى-: (وهو القاهر فوق عباده)[288].

الثالث: التصريح بالعروج إليه نحو: (تعرج الملائكة والروح إليه)[289], وقوله –صلى الله عليه وسلم-: “يعرج الذين باتوا فيكم فيسألهم“.

الرابع: التصريح بالصعود إليه, كقوله –تعالى-: (إليه يصعد الكلم الطيب)[290].

الخامس: التصريح برفعه بعض المخلوقات إليه, كقوله –تعالى- (بل رفعه الله إليه)[291], وقوله: (إني متوفيك ورافعك إليّ)[292].

السادس: التصريح بالعلو المطلق, الدال على جميع مراتب العلو, ذاتاً وقدراً وشرفاً, كقوله –تعالى-: (وهو العلي العظيم)[293], (وهو العلي الكبير)[294], (إنه علي حكيم)[295].

السابع: التصريح بتنزيل الكتاب منه, كقوله –تعالى-: (تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم)[296], (تنزيل الكتاب من الله العزيز الحكيم)[297], (تنزيل من الرحمن الرحيم)[298], (تنزيل من حكيم حميد)[299], (قل نزله روح القدس من ربك بالحق)[300], (حم, والكتاب المبين, إنا أنزلناه في ليلة مباركة إنا كنا منذرين, فيها يفرق كل أمر حكيم, أمراً من عندنا إنا كنا مرسلين)[301].

الثامن: التصريح باختصاص بعض المخلوقات بأنها عنده, وأن بعضها أقرب إليه من بعض, كقوله –تعالى: (إن الذين عند ربك)[302], (وله من في السموات والأرض ومن عنده)[303], ففرق بين (له من) عموماً وبين (من عنده) من ملائكته وعبيده خصوصاً, وقول النبي –صلى الله عليه وسلم- في الكتاب الذي كتبه الرب –تعالى- على نفسه: “أنه عنده فوق العرش“.

التاسع: التصريح بأنه تعالى في السماء, وهذا عند المفسرين من أهل السنة على أحد وجهين: إما أن تكون “في” بمعنى “على”, وإما أن يراد بالسماء العلو لا يختلفون في ذلك, ولا يجوز الحمل على غيره.

العاشر: التصريح بالاستواء مقروناً بأداة “على” مختصاً بالعرش, الذي هو أعلى المخلوقات, مصاحباً في الأكثر لأداة “ثم” الدالة على الترتيب والمهلة.

الحادي عشر: التصريح برفع الأيدي إلى الله –تعالى-, كقوله –صلى الله عليه وسلم-: “إن الله يستحيي من عبده إذا رفع إليه يديه أن يردهما صفراً“, والقول بأن العلو قبلة الدعاء فقط باطل بالضرورة والفطرة, وهذا يجده من نفسه كل داعٍ, كما يأتي –إن شاء الله تعالى-.

الثاني عشر: التصريح بنزوله كل ليلة إلى سماء الدنيا, والنزول المعقول عند جميع الأمم إنما يكون من علو إلى سفل.

الثالث عشر: الإشارة إليه حساً إلى العلو كما أشار إليه من هو أعلم بربه, وبما يجب له ويمتنع عليه من جميع البشر, لما كان بالمجمع الأعظم الذي لم يجتمع لأحد مثله في اليوم الأعظم, في المكان الأعظم قال لهم: “أنتم مسؤولون عني, فماذا أنتم قائلون؟ قالوا نشهد أنك قد بلّغت وأدّيت ونصحت” فرفع اصبعه الكريمة إلى السماء رافعاً لها إلى من هو فوقها وفوق كل شيء, قائلاً: “اللهم اشهد”, فكأنما نشاهد تلك الأصبع الكريمة وهي مرفوعة إلى الله, وذلك اللسان الكريم وهو يقول لمن رفع أصبعه إليه: “اللهم اشهد” ونشهد أنه بلغ البلاغ المبين, وأدى رسالة ربه كما أمر, ونصح أمته غاية النصيحة, فلا يحتاج مع بيانه وتبليغه وكشفه وإيضاحه إلى تنطّع المتنطعين, وحذلقة المتحذلقين! والحمد لله رب العالمين.

الرابع عشر: التصريح بلفظ “الأين” كقول أعلم الخلق به, وأنصحهم لأمته, وأفصهم بياناً عن المعنى الصحيح بلفظ لا يوهم باطلاً بوجه: “أين الله” في غير موضع.

الخامس عشر: شهادته –صلى الله عليه وسلم- لمن قال إن ربه في السماء بالإيمان.

السادس عشر: إخباره –تعالى- عن فرعون أنه رام الصعود إلى السماء؛ ليطّلع إلى إله موسى فيكذبه فيما أخبره من أنه –سبحانه- فوق السموات, فقال: (يا هامان ابن لي صرحاً لعلي أبلغ الأسباب أسباب السموات فأطّلع إلى إله موسى وإني لأظنه كاذباً)[304], فمن نفى العلو من الجهمية فهو فرعوني, ومن أثبته فهو موسوي محمدي.

السابع عشر: إخباره –صلى الله عليه وسلم-: “أنه تردد بين موسى –عليه السلام- وبين ربه ليلة المعراج بسبب تخفيف الصلاة, فيصعد إلى ربه ثم يعود إلى موسى عدة مرار“.

الثامن عشر: النصوص الدالة على رؤية أهل الجنة له –تعالى- من الكتاب والسنة.

ولا يتم إنكار الفوقية إلا بإنكار الرؤية, وصدّق أهل السنة بالأمريم معاً, وأقروا بهما, وصار من أثبت الرؤية ونفى العلوّ مذبذباً بين ذلك, لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء! وهذه الأنواع من الأدلة لو بُسطت أفرادها لبلغت نحو ألف دليل, فعلى المتأول أن يجيب عن ذلك كله! وهيهات له بجواب صحيح عن بعض ذلك! وكلام السلف في إثبات صفة العلو كثير جداً: فمنه: ما روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه ((الفاروق)), بسنده إلى مطيع البلخي: أنه سأل أبا حنيفة عمن قال: لا أعرف ربي في السماء أم في الأرض؟ فقال: قد كفر؛ لأن الله يقول: (الرحمن على العرش استوى)[305], وعرشه فوق سبع سمواته, قلت: فإن قال: إنه على العرش, ولكن يقول: لا أدري العرش في السماء أم في الأرض؟ قال: هو كافر؛ لأنه أنكر أنه في السماء, فمن أنكر أنه في السماء فقد كفر, وزاد غيره: لأن الله في أعلى عليين, وهو يُدعى من أعلى, لا من أسفل, انتهى. ولا يلتفت إلى من أنكر ذلك ممن ينتسب إلى مذهب أبي حنيفة, فقد انتسب إليه طوائف مخالفون له في كثير من اعتقاداته, وقد ينتسب إلى مالك والشافعي وأحمد من يخالفهم في بعض اعتقاداتهم.

ومن تأول “فوق” بأنه خير من عباده وأفضل منهم, وأنه خير من العرش وأفضل منه, كما قال: الأمير فوق الوزير, والدينار فوق الدرهم, فذلك مما تنفر عنه العقول السليمة, وتشمئز منه القلوب الصحيحة! فإن قول القائل ابتداء: الله خير من عباده, وخير من عرشه: من جنس قوله: الثلج بارد والنار حارة, والشمس أضوأ من السراج, والسماء أعلى من سقف الدار, والجبل أثقل من الحصى, ورسول الله أفضل من فلان اليهودي, والسماء فوق الأرض! وليس في ذلك تمجيد ولا تعظيم ولا مدح, بل هو من أرذل الكلام وأسمجه وأهجنه! فكيف يليق بكلام الله, الذي لو اجتمع الإنس والجن على أن يأتوا بمثله لما أتوا بمثله ولو كان بعضهم لبعض ظهيراً؟! بل في ذلك تنقص, كما قيل في المثل السائر:

ألم ترَ أن السيف ينقص قدره     إذا قيل إن السيف أمضى من العصا

وإنما يثبت هذا المعنى من الفوقية في ضمن ثبوت الفوقية المطلقة من كل وجه, فله –سبحانه وتعالى- فوقية القهر, وفوقية القدر, وفوقية الذات وأما ثبوته بالفطرة, فإن الخلق جميعاً بطباعهم وقلوبهم السليمة يرفعون أيديهم عند الدعاء, ويقصدون جهة العلوّ بقلوبهم عند التضرع إلى الله –تعالى-.

وقوله: (وقد أعجز عن الإحاطة خلقه), أي: لا يحيطون به علماً ولا رؤية, ولا غير ذلك من وجوه الإحاطة, بل هو –سبحانه- محيط بكل شيء, ولا يحيط به شيء.

 

قوله.. ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً, وكلم الله موسى تكليماً, إيماناً وتصديقاً وتسليماً

قوله.. ونقول: إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً, وكلم الله موسى تكليماً, إيماناً وتصديقاً وتسليماً

الشرح..

قال الله –تعالى-: (واتخذ الله إبراهيم خليلاً)[306], وقال –تعالى-: (وكلم الله موسى تكليماً)[307], الخلة: كمال المحبة, ولكن محبته وخلته كما يليق به –تعالى-, كسائر صفاته, ويشهد لما دلت الآية الكريمة ما ثبت في ((الصحيح)) عن أبي سعيد الخدري, عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً, ولكن صاحبكم خليل الله“, وفي رواية: “إني أبرأ إلى كل خليل من خلته, ولو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً“, فبين –صلى الله عليه وسلم- أنه لا يصلح له أن يتخذ من المخلوقين خليلاً, وأنه لو أمكن ذلك لكان أحق الناس به أبو بكر الصديق, مع أنه –صلى الله عليه وسلم- قد وصف نفسه بأنه يحب أشخاصاً, كقوله لمعاذ: “والله إني لأحبك” وكذلك قوله للأنصار, وكان زيد بن حارثة حِب رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, وابنه أسامة حِبه, وأمثال ذلك, وقال له عمرو بن العاص: أي الناس أحبّ إليك؟ قال: عائشة” قال: فمن الرجال؟ قال: “أبوها” , فعلم أن الخلة أخص من مطلق المحبة, والمحبوب بها لكمالها يكون محباً لذاته, لا لشيء آخر, إذ المحبوب لغيره هو مؤخر في الحب عن ذلك الغير, ومن كمالها لا تقبل الشركة ولا المزاحمة؛ لتخللها المحبة, ففيها كمال التوحيد وكمال الحب, ولذلك لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً, وكان إبراهيم قد سأل ربه أن يهب له ولداً صالحاً, فوهب له إسماعيل, فأخذ هذا الولد شعبة من قلبه, فغار الخليل على قلب خليله أن يكون فيه مكان لغيره, فامتحنه به بذبحه؛ ليظهر سر الخلة في تقديمه محبة خليله على محبة ولده, فلما استسلم لأمر ربه, وعزم على فعله, فظهر سلطان الخلة في الإقدام على ذبح الولد إيثاراً لمحبة خليله على محبته, نسخ الله ذلك عنه, وفداه بالذبح العظيم؛ لأن المصلحة في الذبح كانت ناشئة من العزم وتوطين النفس على ما أمِر, فلما حصلت هذه المصلحة عاد الذبح نفسه مفسدة, فنسخ في حقه, فصارت الذبائح والقرابين من الهدايا والضحايا سنة في أتباعه إلى يوم القيامة, وكما أن منزلة الخلة الثابتة لإبراهيم –صلوات الله عليه- قد شاركه فيها نبينا –صلى الله عليه وسلم- كما تقدم, كذلك منزلة التكليم الثابتة لموسى –صلوات الله عليه- قد شاركه فيها نبينا –صلى الله عليه وسلم-, كما ثبت ذلك في حديث الإسراء.

 

قوله.. ونؤمن بالملائكة والنبيين, والكتب المنزلة على المرسلين, ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين

قوله.. ونؤمن بالملائكة والنبيين, والكتب المنزلة على المرسلين, ونشهد أنهم كانوا على الحق المبين

الشرح..

هذه الأمور من أركان الإيمان, قال –تعالى-: (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون, كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله)[308], وقال –تعالى-: (ليس البر أن تولوا وجوهكم قِبَل المشرق والمغرب ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين)[309], فجعل الله –سبحانه وتعالى- الإيمان هو الإيمان بهذه الجملة, وسمى من آمن بهذه الجملة مؤمنين, كما جعل الكافرين من كفر بهذه الجملة, بقوله: (ومن يكفر بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر فقد ضل ضلالاً بعيداً)[310], وقال –صلى الله عليه وسلم-, في الحديث المتفق على صحته, حديث جبرائيل وسؤاله للنبي –صلى الله عليه وسلم- عن الإيمان فقال: “أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر, وتؤمن بالقدر خيره وشره“, فهذه الأصول التي اتفقت عليها الأنبياء والرسل –صلوات الله عليهم وسلامه-, ولم يؤمن بها حقيقة الإيمان إلا أتباع الرسل, وأصول أهل السنة والجماعة تابعة لما جاء به الرسول, وأصل الدين: الإيمان بما جاء به الرسول –كما تقدم بيان ذلك-؛ ولهذا كانت الآيتان من آخر سورة البقرة لما تضمنتا هذا الأصل, لهما شأن عظيم ليس لغيرهما, ففي ((الصحيحين)) عن أبي مسعود عقبة بن عمرو, عن النبي –صلى الله عليه وسلم-, قال: “من قرأ الآيتين من آخر سورة البقرة في ليلة كفَتاه“, وفي ((صحيح مسلم)) عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: “بينا جبرائيل قاعد عند النبي –صلى الله عليه وسلم- سمع نقيضاً من فوقه, فرفع رأسه, فقال: هذا باب من السماء فتح اليوم, فسلم, وقال: أبشر بنورين أوتيتهما, لم يؤتهما نبي قبلك: فاتحة الكتاب, وخواتم سورة البقرة, لن تقرأ بحرف منهما إلا أوتيته“, وقال أبو طالب المكي: أركان الإيمان سبعة, يعني هذه الخمسة, والإيمان بالقدر, والإيمان بالجنة والنار, وهذا حق, والأدلة عليه ثابتة محكمة قطعية, وقد تقدمت الإشارة إلى دليل التوحيد والرسالة, وأما الملائكة فهم الموكلون بالسموات والأرض, فكل حركة في العالم فهي ناشئة عن الملائكة, كما قال –تعالى-: (فالمدبرات أمراً)[311], (فالمقسمات أمراً)[312], وهم الملائكة عند أهل الإيمان وأتباع الرسل, وقد دل الكتاب والسنة على أصناف الملائكة, وأنها موكلة بأصناف المخلوقات, وأنه –سبحانه- وكّل بالجبال ملائكة, ووكل بالسحاب والمطر ملائكة, ووكل بالرحم ملائكة تدبر أمر النطفة حتى يتم خلقها, ثم وكل بالعبد ملائكة لحفظ ما يعمله وإحصائه وكتابته, ووكل بالموت ملائكة, ووكل بالسؤال في القبر ملائكة, ووكل بالأفلاك ملائكة يحركونها, ووكل بالشمس والقمر ملائكة, ووكل بالنار وإيقادها وتعذيب أهلها وعمارتها ملائكة ووكل بالجنة وعمارتها وغرسها وعمل آلاتها ملائكة, فالملائكة أعظم جنود الله ومنهم: (المرسلات عرفاً)[313] و (الناشرات نشراً)[314] و (الفارقات فرقاً)[315] و (الملقيات ذكراً)[316], ومنهم: (النازعات غرقاً)[317], و (الناشطات نشطاً)[318], و (السابحات سبحاً)[319], (فالسابقات سبقاً)[320], ومنهم: (الصافات صفاً, فالزاجرات زجراً, فالتاليات ذكراً)[321], ومعنى التأنيث في ذلك كله: الفِرَق والطوائف والجماعات, التي مفردها: “فرقة” و”طائفة” و”جماعة”, ومنهم ملائكة الرحمة, وملائكة العذاب, وملائكة قد وكلوا بحمل العرش, وملائكة قد وكلوا بعمارة السموات بالصلاة والتسبيح والتقديس, إلى غير ذلك من أصناف الملائكة التي لا يحصيها إلا الله, ولفظ “الملَك” يشعر بأنه رسول منفذ لأمر مرسِله فليس لهم من الأمر شيء, بل الأمر كله للواحد القهار, وهم ينفذون أمره: (لا يسبقونه بالقول وهم بأمره يعملون)[322], (يعلم ما بين أيديهم وما خلفهم)[323], (ولا يشفعون إلا لمن ارتضى وهم من خشيته مشفقون)[324], (يخافون ربهم من فوقهم ويفعلون ما يؤمرون)[325], فهم عباد مكرمون, منهم الصافون, ومنهم المسبحون, ليس منهم إلا له مقام معلوم, ولا يتخطاه, وهو على عمل قد أمر به لا يقصر عنه ولا يتعداه, وأعلاهم الذين عنده: (لا يستكبرون عن عبادته ولا يستحسرون, يسبحون الليل والنهار لا يفترون)[326] ورؤساؤهم الأملاك الثلاثة: جبرائيل, وميكائيل, وإسرافيل, الموكلون بالحياة, فجبرائيل موكل بالوحي الذي به حياة القلوب والأرواح, وميكائيل موكل بالقطر الذي به حياة الأرض والنبات والحيوان, وإسرافيل موكل بالنفخ في الصور الذي به حياة الخلق بعد مماتهم, فهم رسل الله في خلقه وأمره, وسفراؤه بينه وبين عباده, ينزلون الأمر من عنده في أقطار العالم, ويصعدون إليه بالأمر, قد أطّت السموات بهم, وحق لها أن تئط, ما فيها موضع أربع أصابع إلا وملك قائم أو راكع أو ساجد لله, ويدخل البيت المعمور منهم كل يوم سبعون ألفاً لا يعودون إليه آخر ما عليهم, والقرآن مملوء بذكر الملائكة وأصنافهم ومراتبهم, فتارة يقرن الله –تعالى- اسمه باسمهم, وصلاته بصلاتهم, ويضيفهم إليه في مواضع التشريف, وتارة يذكر حفهم بالعرش وحملهم له, ومراتبهم من الدنو, وتارة يصفهم بالإكرام والكرم, والتقريب والعلو والطهارة والقوة والإخلاص, قال –تعالى-: (كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله)[327], (شهد الله أنه لا إله إلا هو والملائكة وأولو العلم)[328], (هو الذي يصلي عليكم وملائكته ليخرجكم من الظلمات إلى النور)[329], (الذين يحملون العرش ومن حوله يسبحون بحمد ربهم ويؤمنون به ويستغفرون للذين آمنوا)[330], (وترى الملائكة حافّين من حول العرش يسبحون بحمد ربهم)[331], (بل عباد مكرمون)[332], (إن الذين عند ربك لا يستكبرون عن عبادته ويسبحونه وله يسجدون)[333], (فإن استكبروا فالذين عند ربك يسبحون له بالليل والنهار وهم لا يسأمون)[334], (كراماً كاتبين)[335], (كرامٍ بررة)[336] (يشهده المقربون)[337], (لا يسّمّعون إلى الملأ الأعلى)[338], وكذلك الأحاديث النبوية طافحة بذكرهم؛ فلهذا كان الإيمان بالملائكة أحد الأصولَ الخمسة التي هي أركان الإيمان.

وأما الأنبياء والمرسلون, فعلينا الإيمان بمن سمى الله –تعالى- في كتابه من رسله, والإيمان بأن الله –تعالى- أرسل رسلاً سواهم وأنبياء, لا يعلم أسماءهم وعددهم إلا الله –تعالى- الذي أرسلهم, فعلينا الإيمان بهم جملة؛ لأنه لم يأت في عددهم نص, وقد قال –تعالى-: (ورسلاً قد قصصنهم عليك من قبل ورسلاً لم نقصصهم عليك)[339], وقال –تعالى-: (ولقد أرسلنا رسلاً من قبلك منهم من قصصنا عليك ومنهم من لم نقصص عليك)[340], وعلينا الإيمان بأنهم بلغوا جميع ما أرسلوا به على ما أمرهم الله به, وأنهم بينوه بياناً لا يسع أحداً ممن أرسلوا إليه جهله, ولا يحل خلافه, قال –تعالى-: (فهل على الرسل إلا البلاغ المبين)[341], (وإن تولوا فإنما عليك البلاغ المبين)[342], (وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين)[343], (وأطيعوا الرسول فإن توليتم فإنما على رسولنا البلاغ المبين)[344], وأما أولو العزم من الرسل, فقد قيل فيهم أقوال أحسنها: ما نقله البغوي عن ابن عباس وقتادة: أنهم نوح, وإبراهيم, وموسى, وعيسى, ومحمد –صلوات الله وسلامه عليهم-, قال: وهم المذكورون في قوله –تعالى-: (وإذ أخذنا من النبيين ميثاقهم ومنك ومن نوح وإبراهيم وموسى وعيسى ابن مريم)[345], وفي قوله –تعالى-: (شرع لكم من الدين ما وصّى به نوحاً والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه)[346], وأما الإيمان بمحمد –صلى الله عليه وسلم-, فتصديقه واتباع ما جاء به من الشرائع إجمالاً وتفصيلاً.

وأما الإيمان بالكتب المنزلة على المرسلين, فنؤمن بما سمى الله –تعالى- منها في كتابه من التوراة والإنجيل والزبور, ونؤمن بأن لله –تعالى- سوى ذلك كتباً أنزلها على أنبيائه, لا يعرف أسماءها وعددها إلا الله –تعالى-.

وأما الإيمان بالقرآن, فالإقرار به واتباع ما فيه, وذلك أمر زائد على الإيمان بغيره من الكتب, فعلينا الإيمان بأن الكتب المنزلة على رسل الله أتتهم من عند الله –تعالى-, وأنها حق وهدى ونور وبيان وشفاء, قال –تعالى-: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا)[347], إلى قوله: (وما أوتي النبيون من ربهم)[348], (ألم, الله لا إله إلا هو الحي القيوم)[349] إلى قوله –تعالى-: (وأنزل الفرقان)[350], (آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه)[351], (أفلا يتدبرون القرآن ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً)[352], إلى غير ذلك من الآيات الدالة على أن الله تكلم بها, وأنها نزلت من عنده, وفي ذلك إثبات صفة الكلام والعلو, قال –تعالى-: (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق)[353], (وإنه لكتاب عزيز, لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه تنزيل من حكيم حميد)[354], (ويرى الذين أوتوا العلم الذي أنزل إليك من ربك هو الحق)[355].

(يا أيها الناس قد جاءتكم موعظة من ربكم وشفاء لما في الصدور وهدى ورحمة للمؤمنين)[356], (قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء)[357], (فآمنوا بالله رسوله والنور الذي أنزلنا)[358], وأمثال ذلك في القرآن كثيرة.

 

قوله.. ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين, ما داموا بما جاء به النبي –صلى الله عليه وسلم- معترفين, وله بكل ما قال وأخبر مصدقين

قوله.. ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين, ما داموا بما جاء به النبي –صلى الله عليه وسلم- معترفين, وله بكل ما قال وأخبر مصدقين

الشرح..

قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “من صلى صلاتنا, واستقبل قبلتنا, وأكل ذبيحتنا, فهو المسلم, له ما لنا, وعليه ما علينا” ويشير الشيخ –رحمه الله- بهذا الكلام إلى أن الإسلام والإيمان واحد, وأن المسلم لا يخرج من الإسلام بارتكاب الذنب ما لم يستحله, والمراد بقوله: أهل قبلتنا, من يدعي الإسلام ويستقبل الكعبة وإن كان من أهل الأهواء, أو من أهل المعاصي, ما لم يكذب بشيء مما جاء به الرسول –صلى الله عليه وسلم- وسيأتي الكلام على هذين المعنيين عند قول الشيخ: ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله, وعند قوله: والإسلام والإيمان واحد, وأهله في أصله سواء.

 

قوله.. ولا نخوض في الله, ولا نماري في دين الله.

قوله.. ولا نخوض في الله, ولا نماري في دين الله.

الشرح..

يشير الشيخ –رحمه الله- إلى الكف عن كلام المتكلمين الباطل, وذم علمهم, فإنهم يتكلمون في الإله بغير علم وغير سلطان أتاهم: (إن يتبعون إلا الظن وما تهوى الأنفس ولقد جاءهم من ربهم الهدى)[359], وعن أبي حنيفة –رحمه الله- أنه قال: لا ينبغي لأحد أن ينطق في ذات الله بشيء, بل يصفه بما وصف به نفسه, وقوله: ولا نماري في دين الله معناه: لا نخاصم أهل الحق بإلقاء شبهات أهل الأهواء عليهم؛ التماساً لامترائهم وميلهم؛ لأنه في معنى الدعاء إلى الباطل, وتلبيس الحق, وإفساد دين الإسلام.

 

قوله.. ولا نجادل في القرآن, ونشهد أنه كلام رب العالمين, نزل به الروح الأمين, فعلمه سيد المرسلين محمداً –صلى الله عليه وسلم-, وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين, ولا نقول بخلقه, ولا نخالف جماعة المسلمين

قوله.. ولا نجادل في القرآن, ونشهد أنه كلام رب العالمين, نزل به الروح الأمين, فعلمه سيد المرسلين محمداً –صلى الله عليه وسلم-, وهو كلام الله تعالى لا يساويه شيء من كلام المخلوقين, ولا نقول بخلقه, ولا نخالف جماعة المسلمين

فقوله ولا نجادل في القرآن, يحتمل أنه أراد: أنا لا نقول فيه كما قال أهل الزيغ واختلفوا, وجادلوا بالباطل ليدحضوا به الحق, بل نقول: إنه كلام رب العالمين, نزل به الروح الأمين إلى آخر كلامه, ويحتمل أنه أراد: أنا لا نجادل في القراءة الثابتة, بل نقرؤه بكل ما ثبت وصح, وكل من المعنيين حق, ويشهد بصحة المعنى الثاني ما روي عن عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- أنه قال: سمعت رجلاً قرأ آية سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقرأ خلافها, فأخذت بيده, فانطلقت به إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فذكرت ذلك له, فعرفت في وجهه الكراهة, وقال: “كلاكما محسن, لا تختلفوا, فإن من كان قبلكم اختلفوا فهلكوا” رواه مسلم.

نهى رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الاختلاف الذي فيه جحد كل واحد من المختلفين ما مع صاحبه من الحق؛ لأن كلا القارئين كان محسناً فيما قرأه, وعلل ذلك بأن من كان قبلنا اختلفوا فهلكوا, ولهذا قال حذيفة –رضي الله عنه- لعثمان –رضي الله عنه-: أدرك هذه الأمة لا تختلف كما اختلفت الأمم قبلهم, فجمع الناس على حرف واحد اجتماعاً سائغاً, وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة, ولم يكن في ذلك ترك لواجب, ولا فعل لمحظور, إذ كانت قراءة القرآن على سبعة أحرف جائزة لا واجبة, رخصة من الله –تعالى- وقد جعل الاختبار إليهم في أي حرف اختاروه, كما أن ترتيب السور لم يكن واجباً عليهم منصوصاً؛ ولهذا كان ترتيب مصحف عبد الله على غير ترتيب المصحف العثماني, وكذلك مصحف غيره, وأما ترتيب آيات السور فهو ترتيب منصوص عليه, فلم يكن لهم أن يقدموا آية على آية بخلاف السور, فلما رأى الصحابة أن الأمة تختلف وتتقاتل إن لم تجتمع على حرف واحد جمعهم الصحابة عليه, هذا قول جمهور السلف من العلماء والقراء, قال ابن جرير وغيره: منهم من يقول: إن الترخيص في الأحرف السبعة كان في أول الإسلام, لما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولاً, فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة, وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيراً عليهم, وهو أوفق لهم, أجمعوا على الحرف الذي كان في العَرضة الأخيرة, وذهب طوائف من الفقهاء وأهل الكلام إلى أن المصحف يشتمل على الأحرف السبعة لأنه لا يجوز أن يهمل شيء من الأحرف السبعة, وقد اتفقوا على نقل المصحف العثماني, وترك ما سواه, وقد تقدمت الإشارة إلى الجواب, وهو: أن ذلك كان جائزاً لا واجباً, أو أنه صار منسوخاً, وأما من قال عن ابن مسعود إنه كان يجوّز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه, وإنما قال: قد نظرت إلى القَرَأَة, فرأيت قراءتهم متقاربة, وإنما هو كقول أحدكم: هلم, وأقبل, وتعال, فاقرؤوا كما علمتم, أو كما قال, والله تعالى قد أمرنا أن لا نجادل أهل الكتاب إلا بالتي هي أحسن إلا الذين ظلموا منهم, فكيف بمناظرة أهل القبلة؟ فإن أهل القبلة من حيث الجملة خير من أهل الكتاب, فلا يجوز أن يناظر من لم يظلم منهم إلا بالتي هي أحسن, وليس إذا أخطأ يقال إنه كافر قبل أن تقام عليه الحجة التي حكم الرسول بكفر من تركها, والله –تعالى- قد عفا لهذه الأمة عن الخطأ والنسيان؛ ولهذا ذم السلف أهل الأهواء, وذكروا أن آخر أمرهم السيف, وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان –إن شاء الله تعالى- عند قول الشيخ: ونرى الجماعة حقاً وصواباً, والفرقة زيغاً وعذاباً.

وقوله: ونشهد أنه كلام رب العالمين, قد تقدم الكلام على هذا المعنى عند قوله: وإن القرآن كلام الله منه بدا بلا كيفية قولاً, وقوله: (نزل به الروح الأمين)[360], هو جبرائيل –عليه السلام- سمي روحاً لأنه حامل الوحي الذي به حياة القلوب إلى الرسل من البشر –صلوات الله عليهم أجمعين- وهو أمين حق أمين –صلوات الله عليه- قال –تعالى-: (نزل به الروح الأمين, على قلبك لتكون من المنذرين, بلسان عربي مبين)[361] وقال –تعالى-: (إنه لقول رسول كريم, ذي قوة عند ذي العرش مكين, مطاعٍ ثَمّ أمين)[362], وهذا وصف جبرائيل بخلاف قوله –تعالى-: (إنه لقول رسول كريم, وما هو بقول شاعر)[363], الآيات, فإن الرسول هنا محمد –صلى الله عليه وسلم-.

وقوله: فعلمه سيد المرسلين, تصريح بتعليم جبرائيل إياه, إبطالاً لتوهم أنه تصوره في نفسه إلهاماً.

وقوله: ولا نقول بخلقه, ولا نخالف جماعة المسلمين, تنبيه على أن من قال بخلق القرآن فقد خالف جماعة المسلمين, فإن سلف الأمة كلهم متفقون على أنه كلام الله بالحقيقة غير مخلوق, بل قوله: ولا نخالف جماعة المسلمين مجرى على إطلاقه أنا لا نخالف جماعة المسلمين في جميع ما اتفقوا عليه فإن خلافهم زيغ وضلال وبدعة.

 

قوله.. ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب, ما لم يستحله, ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله

قوله.. ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب, ما لم يستحله, ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله

الشرح..

أراد بأهل القبلة الذين تقدم ذكرهم في قوله: ونسمي أهل قبلتنا مسلمين مؤمنين, ما داموا بما جاء به النبي –صلى الله عليه وسلم- معترفين, وله بكل ما قال وأخبر مصدّقين, يشير الشيخ بهذا الكلام إلى الرد على القائلين بالتكفير بكل ذنب.

واعلم –رحمك الله وإيانا- أن باب التكفير وعدم التكفير, بابٌ عظمت الفتنة والمحنة فيه, وكثر فيه الافتراق, وتشتت فيه الأهواء والآراء, وتعارضت فيه دلائلهم, فالناس فيه في جنس تكفير أهل المقالات والعقائد الفاسدة, المخالفة للحق الذي بعث الله به رسوله في نفس الأمر, أو المخالفة لذلك في اعتقادهم, على طرفين ووسط, من جنس الاختلاف في تكفير أهل الكبائر العملية.

فطائفة تقول: لا نكفر من أهل القبلة أحداً, فتنفي التكفير نفياً عاماً, مع العلم بأن في أهل القبلة المنافقين, الذين فيهم من هو أكفر من اليهود والنصارى بالكتاب والسنة والإجماع, وفيهم من قد يُظهر بعض ذلك حيث يمكنهم, وهم يتظاهرون بالشهادتين, وأيضاً: فلا خلاف بين المسلمين أن الرجل لو أظهر إنكار الواجبات الظاهرة المتواترة, والمحرمات الظاهرة المتواترة ونحو ذلك, فإنه يستتاب, فإن تاب, وإلا قتل كافراً مرتداً, والنفاق والردة مظنتها البدع والفجور, كما ذكره الخلال في كتاب ((السنة)), بسنده إلى محمد بن سيرين, أنه قال: إنّ أسرع الناس ردة أهل الأهواء, وكان يرى هذه الآية نزلت فيهم: (وإذا رأيت الذين يخوضون في آياتنا فأعرض عنهم حتى يخوضوا في حديث غيره)[364]؛ ولهذا امتنع كثير من الأئمة عن إطلاق القول بأنا لا نكفر أحداً بذنب, بل يقال: لا نكفرهم بكل ذنب, وفرق بين النفي العام, ونفي العموم, والواجب إنما هو نفي العموم, مناقضة لقول الخوارج الذين يكفرون بكل ذنب ولهذا –والله أعلم- قيده الشيخ –رحمه الله- بقوله: ما لم يستحله, وفي قوله: ما لم يستحله إشارة إلى أن مراده من هذا النفي العام لكل ذنب من الذنوب العملية لا العلمية, وفيه إشكال فإن الشارع لم يكتف من المكلف في العمليات بمجرد العمل دون العلم, ولا في العلميات بمجرد العلم دون العمل, وليس العمل مقصوراً على عمل الجوارح, بل أعمال القلوب أصل لعمل الجوارح, وأعمال الجوارح تبع, إلا أن يضمن قوله: يستحله بمعنى: يعتقده أو نحو ذلك.

وقوله: ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله… إلى آخر كلامه, رد على المرجئة, فإنهم يقولون: لا يضر مع الإيمان ذنب, كما لا ينفع مع الكفر طاعة, فهؤلاء في طرف, والخوارج في طرف, فإنهم يقولون نكفر المسلم بكل ذنب أو بكل ذنب كبير, وكذلك المعتزلة الذين يقولون يحبط إيمانه كله بالكبيرة, فلا يبقى معه شيء من الإيمان, لكن الخوارج يقولون: يخرج من الإيمان ويدخل في الكفر! والمعتزلة يقولون: يخرج من الإيمان ولا يدخل في الكفر, وهذه المنزلة بين المنزلتين!! وبقولهم بخروجه من الإيمان أوجبوا له الخلود في النار! وطوائف من أهل الكلام والفقه والحديث لا يقولون ذلك في الأعمال, لكن في الاعتقادات البدعية, وإن كان صاحبها متأولاً, فيقولون: يكفر كل من قال هذا القول, لا يفرقون بين المجتهد المخطئ وغيره, أو يقولون: يكفر كل مبتدع, وهؤلاء يدخل عليهم في هذا الإثبات العام أمور عظيمة, فإن النصوص المتواترة قد دلت على أنه يخرج من النار من في قلبه ذرة من إيمان, ونصوص الوعد التي يحتج بها هؤلاء تعارض نصوص الوعيد التي يحتج بها أولئك, والكلام في الوعيد مبسوط في موضعه, وسيأتي بعضه عند الكلام على قول الشيخ: وأهل الكبائر في النار لا يخلدون إذا ماتوا وهم موحدون, والمقصود هنا: أن البدع هي من هذا الجنس, فإن الرجل يكون مؤمناً باطناً وظاهراً, لكن تأول تأويلاً أخطأ فيه, إما مجتهداً وإما مفرطاً مذنباً, فلا يقال: إن إيمانه حبط لمجرد ذلك إلا أن يدل على ذلك دليل شرعي, بل هذا من جنس قول الخوارج والمعتزلة, ولا نقول: لا يكفر, بل العدل هو الوسط وهو: أن الأقوال الباطلة المبتدعة المحرمة المتضمنة نفي ما أثبته الرسول أو إثبات ما نفاه, أو الأمر بما نهى عنه, أو النهي عما أمر به, يقال فيها الحق, ويثبت لها الوعيد الذي دلت عليه النصوص, ويبين أنها كفر, ويقال: من قالها فهو كافر, ونحو ذلك, كما يذكر من الوعيد في الظلم في النفس والأموال, وكما قد قال كثير من أهل السنة المشاهير بتكفير من قال بخلق القرآن, وأن الله لا يرى في الآخرة ولا يعلم الأشياء قبل وقوعها, وعن أبي يوسف –رحمه الله- أنه قال: ناظرت أبا حنيفة –رحمه الله- مدة, حتى اتفق رأيي ورأيه: أن من قال بخلق القرآن فهو كافر, وأما الشخص المعين, إذا قيل: هل تشهدون أنه من أهل الوعيد وأنه كافر؟ فهذا لا نشهد عليه إلا بأمر تجوز معه الشهادة, فإنه من أعظم البغي أن يُشهد على معين أن الله لا يغفر له ولا يرحمه بل يخلده في النار, فإن هذا الكافر بعد الموت؛ ولهذا ذكر أبو داود في سننه في كتاب ((الأدب)) باب النهي عن البغي, وذكر فيه عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: “كان رجلان في بني إسرائيل متواخيين, فكان أحدهما يذنب, والآخر مجتهد في العبادة, فكان لا يزال المجتهد يرى الآخر على الذنب, فيقول: أقصر, فوجده يوماً على ذنب, فقال له: أقصر, فقال: خلني وربي, أبُعِثتَ عليّ رقيباً؟ فقال: والله لا يغفر الله لك, أو لا يدخلك الله الجنة فقبض أرواحهما, فاجتمعا عند رب العالمين, فقال لهذا المجتهد: أكنت بي عالماً؟ أو كنت على ما في يدي قادراً؟ وقال للمذنب: اذهب فادخل الجنة برحمتي, وقال للآخر: اذهبوا به إلى النار, قال أبو هريرة: والذي نفسي بيده, لتكلم بكلمة أوبقت دنياه وآخرته” وهو حديث حسن؛ ولأن الشخص المعين يمكن أن يكون مجتهداً مخطئاً مغفوراً له, ويمكن أن يكون ممن لم يبلغه ما وراء ذلك من النصوص, ويمكن أن يكون له إيمان عظيم وحسنات أوجبت له رحمة الله, كما غفر للذي قال: “إذا متّ فاسحقوني ثم أذروني, ثم غفر له لخشيته” وكان يظن أن الله لا يقدر على جمعه وإعادته, أو شك في ذلك, لكن هذا التوقف في أمر الآخرة لا يمنعنا أن نعاقبه في الدنيا؛ لمنع بدعته, وأن نستتيبه, فإن تاب وإلا قتلناه, ثم إذا كان القول في نفسه كفراً قيل: إنه كفر والقائل له يكفر بشروط وانتفاء موانع, ولا يكون ذلك إلا إذا صار منافقاً زنديقاً فلا يتصور أن يكفّر أحد من أهل القبلة المظهرين الإسلام إلا من يكون منافقاً زنديقاً, وكتاب الله يبين ذلك, فإن الله صنف الخلق فيه ثلاثة أصناف:

صنف: كفار من المشركين ومن أهل الكتاب, وهم الذين لا يقرون بالشهادتين.

وصنف: المؤمنون باطناً ظاهراً.

وصنف: أقروا به ظاهراً وباطناً.

وهذه الأقسام الثلاثة مذكورة في أول سورة البقرة, وكل من ثبت أنه كافر في نفس الأمر وكان مقراً بالشهادتين, فإنه لا يكون إلا زنديقاً, والزنديق هو المنافق, وهنا يظهر غلط الطرفين, فإنه من كفر كل من قال القول المبتدع في الباطن, يلزمه أن يكفر أقواماً ليسوا في الباطن منافقين, بل هم في الباطن يحبون الله ورسوله ويؤمنون بالله ورسوله وإن كانوا مذنبين, كما ثبت في ((صحيح البخاري)), عن أسلم مولَى عمر –رضي الله عنه-, عن عمر: أن رجلا كان على عهد النبي –صلى الله عليه وسلم- كان اسمه عبد الله, وكان يلقب: حماراً, وكان يضحك رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وكان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قد جلده في الشراب, فأتى به يوماً, فأمر به فجلد فقال رجل من القوم: اللهم العنه! ما أكثر ما يؤتى به! فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “لا تلعنه, فوالله ما علمتُ إلا إنه يحب الله ورسوله” وهذا أمر متيقن به في طوائف كثيرة وأئمة في العلم والدين, ولكن الأئمة في العلم والدين لا يكونون قائمين بجملة تلك البدعة, بل بفرع منها؛ ولهذا انتحل أهل هذه الأهواء لطوائف من السلف المشاهير, فمن عيوب أهل البدع تكفير بعضهم بعضاً, ومن ممادح أهل العلم أنهم يخطئون ولا يكفرون.

ولكن بقي هنا إشكال يَرد على كلام الشيخ –رحمه الله-, وهو: أن الشارع قد سمى بعض الذنوب كفراً قال –تعالى-: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)[365], وقال –صلى الله عليه وسلم-: “سباب المسلم فسوق, وقتاله كفر” متفق عليه من حديث ابن مسعود –رضي الله عنه- وقال –صلى الله عليه وسلم-: “لا ترجعوا بعدي كفاراً يضرب بعضكم رقاب بعض” و “إذا قال الرجل لأخيه: يا كافر فقد باء بها أحدهما” متفق عليهما من حديث ابن عمر –رضي الله عنه- وقال –صلى الله عليه وسلم-: “أربعٌ من كُنَّ فيه كان منافقاً خالصاً, ومن كانت فيه خَصلة منهن كان فيه خَصلة من النفاق حتى يدعَها: إذا حدث كذب, وإذا وعد أخلف, وإذا عاهد غدر, وإذا خاصم فجر” متفق عليه من حديث عبد الله بن عمر –رضي الله عنه-, وقال –صلى الله عليه وسلم-: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن, ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن, والتوبة معروضة بعد” وقال –صلى الله عليه وسلم- : “بين المسلم وبين الكفر ترك الصلاة” رواه مسلم عن جابر –رضي الله عنه-, وقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “من أتى كاهناً فصدقه, أو أتى امرأة في دبرها, فقد كفر بما أنزل على محمد” وقال –صلى الله عليه وسلم-: “من حلف بغير الله فقد كفر” رواه الحاكم بهذا اللفظ, وقال –صلى الله عليه وسلم-: “ثنتان في أمتي بهم كفر: الطعن في الأنساب, والنياحة على الميت” ونظائر ذلك كثيرة.

والجواب أن أهل السنة متفقون كلهم على أن مرتكب الكبيرة لا يكفر كفراً ينقل عن الملة بالكلية إذ لو كفر كفراً ينقل عن الملة لكان مرتداً يقتل على كل حال, ولا يُقبل عفو ولي القصاص, ولا تجري الحدود في الزنا والسرقة وشرب الخمر, وهذا القول معلوم بطلانه وفساده بالضرورة من دين الإسلام, ومتفقون على أنه لا يخرج من الإيمان والإسلام, ولا يدخل في الكفر, ولا يستحق الخلود مع الكافرين, إذ قد جعل الله مرتكب الكبيرة من المؤمنين, قال –تعالى-: (يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم القصاص في القتلى)[366], إلى أن قال –تعالى-: (فمن عفي له من أخيه شيء فاتباع بالمعروف)[367], فلم يخرج القاتل من الذين آمنوا, وجعله أخاً لولي القصاص, والمراد أخوّة الدين بلا ريب, وقال –تعالى-: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما)[368], إلى أن قال: (إنما المؤمنون إخوة فأصلحوا بين أخويكم)[369], ونصوص الكتاب والسنة والإجماع تدل على أن الزاني والسارق والقاذف لا يقتل, بل يقام عليه الحد, فدل على أنه ليس بمرتد, وقد ثبت في ((الصحيح)) عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “من كانت عنده لأخيه اليوم مظلمة من عرض أو شيء فليتحلله منه اليوم, قبل أن لا يكون درهم ولا دينار, إن كان له عمل صالح أخذ منه بقدر مظلمته, وإن لم يكن له حسنات أخِذ من سيئات صاحبه فطرحت عليه, ثم ألقي في النار” أخرجاه في ((الصحيحين)), فثبت أن الظالم يكون له حسنات يستوفي المظلوم منها حقه, وكذلك ثبت في ((الصحيح)) عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “ما تعدون المفلس فيكم؟ قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا دينار, قال: المفلس من يأتي يوم القيامة وله حسنات أمثال الجبال, فيأتي وقد شتم هذا, وأخذ مال هذا, وسفك دم هذا, وقذف هذا, وضرب هذا, فيقتص هذا من حسناته, وهذا من حسناته, فإذا فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخِذ من خطاياهم فطرحت عليه, ثم طرح في النار” رواه مسلم, وقد قال –تعالى-: (إن الحسنات يذهبن السيئات)[370], فدل ذلك على أنه في حال إساءته يعمل حسنات تمحو سيئاته, وأهل السنة أيضاً متفقون على أنه يستحق الوعيد المرتب على ذلك الذنب, كما وردت به النصوص, لا كما يقوله المرجئة من أنه لا يضر مع الإيمان ذنب, ولا ينفع مع الكفر طاعة!! وإذا اجتمعت نصوص الوعد التي استدلت بها المرجئة, ونصوص الوعيد التي استدلت بها الخوارج والمعتزلة تبين لك فساد القولين, ولا فائدة في كلام هؤلاء سوى أنك تستفيد من كلام كل طائفة فساد مذهب الطائفة الأخرى, ثم بعد هذا الاتفاق تبين أن أهل السنة اختلفوا خلافاً لفظياً, لا يترتب عليه فساد, وهو أنه هل يكون الكفر على مراتب, كفراً دون كفر؟ كما اختلفوا: هل يكون الإيمان على مراتب, إيماناً دون إيمان؟ وهذا اختلاف نشأ من اختلافهم في مسمى “الإيمان”: هل هو قول وعمل يزيد وينقص, أم لا؟ بعد اتفاقهم على أن من سماه الله تعالى ورسوله كافراً نسميه كافراً, ولا نطلق عليهما اسم الكفر, ولكن من قال: إن الإيمان قول وعمل يزيد وينقص, قال: هو كفر عملي لا اعتقادي, والكفر عنده على مراتب, كفر دون كفر, كالإيمان عنده, ومن قال: إن الإيمان هو التصديق, ولا يدخل العمل في مسمى الإيمان, والكفر هو الجحود, ولا يزيدان ولا ينقصان, قال: هو كفر مجازي غير حقيقي إذ الكفر الحقيقي هو الذي ينقل عن الملة, وكذلك يقول في تسمية بعض الأعمال بالإيمان كقوله –تعالى-: (وما كان الله ليضيع إيمانكم)[371] أي صلاتكم إلى بيت المقدس, إنها سميت إيماناً مجازياً لتوقف صحتها على الإيمان أو لدلالتها على الإيمان, إذ هي دالة على كون مؤديها مؤمناً؛ ولهذا يحكم بإسلام الكافر إذا صلى صلاتنا, فليس بين فقهاء الأمة نزاع في أصحاب الذنوب, إذا كانوا مقرين باطناً وظاهراً بما جاء به الرسول وما تواتر عنهم أنهم من أهل الوعيد, ولكن الأقوال المنحرفة قول من يقول بتخليدهم في النار, كالخوارج والمعتزلة, ولكن أردأ ما في ذلك التعصب على ما يضادهم وإلزامه لمن يخالف قوله بما لا يلزمه, والتشنيع عليه! وإذا كنا مأمورين بالعدل في مجادلة الكافرين, وأن يجادلوا بالتي هي أحسن فكيف لا يعدل بعضُنا على بعض في مثل هذا الخلاف؟! قال –تعالى-: (يا أيها الذين آمنوا كونوا قوّامين لله شهداء بالقسط ولا يجرمنكم شنآن قوم على أن تعدلوا اعدلوا هو أقرب للتقوى)[372] الآية.

وهنا أمر يجب أن يُتفطن له, وهو: أن الحكم بغير ما أنزل الله قد يكون كفراً ينقل عن الملة, وقد يكون معصية كبيرة أو صغيرة، ويكون كفراً إما مجازياً وإما كفراً أصغر على القولين المذكورين, وذلك بحسب حال الحاكم فإنه إن اعتقد أن الحكم بما أنزل الله غير واجب, وأنه مخير فيه, أو استهان به مع تيقنه أنه حكم الله, فهذا كفر أكبر, وإن اعتقد وجوب الحكم بما أنزل الله وعلمه في هذه الواقعة, وعدل عنه مع اعترافه بأنه مستحق للعقوبة, فهذا عاصٍ, ويسمى كافراً كفراً مجازياً, أو كفراً أصغر, وإن جهل حكم الله فيها, مع بذل جهده واستفراغ وسعه في معرفة الحكم وأخطأه, فهذا مخطئ له أجر على اجتهاده, وخطؤه مغفور, وأراد الشيخ –رحمه الله- بقوله: ولا نقول لا يضر مع الإيمان ذنب لمن عمله مخالفة للمرجئة, وشبهتهم كانت قد وقعت لبعض الأولين, فاتفق الصحابة على قتلهم إن لم يتوبوا من ذلك, فإن قُدامة بن عبد الله شرب الخمر بعد تحريمها هو وطائفة, وتأوّلوا قوله –تعالى-: (ليس على الذين آمنوا وعملوا الصالحات جُناح فيما طعموا إذا ما اتقوا وآمنوا وعملوا الصالحات)[373], الآية, فلما ذكروا ذلك لعمر بن الخطاب –رضي الله عنه- اتفق هو وعلي بن أبي طالب وسائر الصحابة على أنهم إن اعترفوا بالتحريم جلدوا, وإن أصروا على استحلالها قتلوا, وقال عمر لقدامة: أخطأت استك الحفرة, أما إنك لو اتقيت وآمنت وعملت الصالحات لم تشرب الخمر, وذلك أن هذه الآية نزلت بسبب أن الله –سبحانه- لما حرم الخمر؟ وكان تحريمها وقعة أحُد, قال بعض الصحابة: فكيف بأصحابنا الذين ماتوا وهم يشربون الخمر؟ فأنزل الله هذه الآية, بين فيها أن من طعم الشيء في الحال التي لم يحرم فيها فلا جناح عليه إذا كان من المؤمنين المتقين المصلحين, كما كان من أمر استقبال بيت المقدس, ثم إن أولئك الذين فعلوا ذلك يذمون على أنهم أخطأوا وأيسوا من التوبة, فكتب عمر إلى قدامة يقول له: (حم, تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم, غافر الذنب وقابل التوب شديد العقاب)[374], ما أدري أيُ ذنبيك أعظم؟ استحلالك المحرّم أولاً؟ أم يأسُك من رحمة الله ثانياً؟ وهذا الذي اتفق عليه الصحابة هو متفق عليه بين أئمة الإسلام.

 

قوله.. ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته, ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم, ونخاف عليهم ولا نقنّطهم.

قوله.. ونرجو للمحسنين من المؤمنين أن يعفو عنهم ويدخلهم الجنة برحمته, ولا نأمن عليهم ولا نشهد لهم بالجنة ونستغفر لمسيئهم, ونخاف عليهم ولا نقنّطهم.

الشرح..

وعلى المؤمن أن يعتقد هذا الذي قال الشيخ –رحمه الله- في حق نفسه وفي حق غيره, قال –تعالى- (أولئك الذين يدعون يبتغون إلى ربهم الوسيلة أيهم أقرب ويرجون رحمته ويخافون عذابه إن عذاب ربك كان محذوراً)[375], وقال –تعالى-: (فلا تخافوهم وخافون إن كنتم مؤمنين)[376], وقال –تعالى-: (وإياي فاتقون)[377], (وإياي فارهبون)[378], (فلا تخشوهم واخشوني)[379], ومدح أهل الخوف, فقال –تعالى-: (إن الذين هم من خشية ربهم مشفقون, والذين هم بآيات ربهم يؤمنون)[380] إلى قوله: (أولئك يسارعون في الخيرات وهم لها سابقون)[381], وفي ((المسند)) والترمذي عن عائشة –رضي الله عنها- قالت: قلت: يا رسول الله, (الذين يؤتون ما آتوا وقلوبهم وجلة)[382], هو الذي يزني ويشرب الخمر ويسرق؟ قال: “لا يا ابنة الصديق, ولكنه الرجل يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يقبل منه” قال الحسن –رضي الله عنه- عملوا –والله- بالطاعات, واجتهدوا فيها, وخافوا أن ترد عليهم, إن المؤمن جمع إحساناً وخشية, والمنافق جمع إساءة وأمناً, انتهى. وقد قال –تعالى-: (إن الذين آمنوا والذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله أولئك يرجون رحمة الله والله غفور رحيم)[383], فتأمل كيف جعل رجاءهم مع إيمانهم بهذه الطاعات؟ فالرجاء إنما يكون مع الإتيان بالأسباب التي اقتضتها حكمة الله –تعالى- شَرعَه وقدرته, وثوابه, وكرامته, ولو أن رجلاً له أرض يؤمل أن يعود عليه من مغلها ما ينفعه, فأهملها ولم يحرثها ولم يبذرها, ورجا أنه يأتي مع مغلها مثل ما يأتي من حَرَث وزرع وتعاهد الأرض, لعدّه الناس من أسفه السفهاء! وكذا لو رجا وحسن ظنه أن يجيئه ولدٌ من غير جماع! أو يصير أعلم أهل زمانه من غير طلب العلم وحرص تام! وأمثال ذلك, فكذلك من حسن ظنه وقوي رجاؤه في الفوز بالدرجات العلى والنعيم المقيم, من غير طاعة ولا تقرب إلى الله –تعالى- بامتثال أوامره, واجتناب نواهيه, ومما ينبغي أن يُعلم أن من رجا شيئاً استلزم رجاؤه أموراً:

أحدها: محبة ما يرجوه.

الثاني: خوفه من فواته.

الثالث: سعيه في تحصيله بحسب الإمكان, وأما رجاء لا يقارنه شيء من ذلك, فهو من باب الأمانيّ، والرجاء شيء والأمانيّ شيء آخر, فكل راجٍ خائف, والسائر على الطريق إذا خاف أسرع السير, مخافة الفوات, وقال –تعالى- (إن الله لا يغفر أن يُشرك به ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء)[384], فالمشرك لا تُرجى له المغفرة؛ لأن الله نفى عنه المغفرة, وما سواه من الذنوب في مشيئة الله, إن شاء الله غفر له, وإن شاء عذبه, وقد اختلفت عبارات العلماء في الفرق بين الكبائر والصغائر, وستأتي الإشارة إلى ذلك عند قول الشيخ –رحمه الله-: وأهل الكبائر من أمة محمد في النار لا يخلدون, ولكن ثم أمر ينبغي التفطن له وهو: أن الكبيرة قد يقترن بها من الحياء والخوف والاستعظام لها ما يُلحقها بالصغائر, وقد يقترن بالصغيرة من قلة الحياء وعدم المبالاة وترك الخوف والاستهانة بها ما يلحقها بالكبائر, وهذا أمر مرجعه إلى ما يقوم بالقلب, وهو قدر زائد على مجرد الفعل, والإنسان يعرف ذلك من نفسه وغيره.

وأيضاً: فإنه قد يعفى لصاحب الإحسان العظيم ما لا يعفى لغيره, فإن فاعل السيئات يسقط عنه عقوبة جهنم بنحو عشرة أسباب, عُرفت بالاستقراء من الكتاب والسنة:

السبب الأول: التوبة, قال –تعالى-: (إلا من تاب)[385], (إلا الذين تابوا)[386], وغيرها, والتوبة النصوح, وهي الخالصة, لا يختص بها ذنب, لكن هل تتوقف صحتها على أن تكون عامة؟ حتى لو تاب من ذنب وأصر على آخر لا تقبل؟ والصحيح أنها تقبل, وهل يَجُبُّ الإسلام ما قبله من الشرك وغيره من الذنوب وإن لم يتب منها؟ أم لا بد مع الإسلام من التوبة من غير الشرك؟ حتى لو أسلم وهو مصر على الزنا وشرب الخمر مثلاً, هل يؤاخذ بما كان منه في كفره من الزنا وشرب الخمر؟ أم لا بد أن يتوب من ذلك الذنب مع إسلامه؟ أو يتوب توبة عامة من كل ذنب؟ وهذا هو الأصح: أنه لا بد من التوبة مع الإسلام, وكونُ التوبة سبباً لغفران جميع الذنوب, قال –تعالى- (قل يا عبادي الذين أسرفوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم)[387], وهذا لمن تاب؛ ولهذا قال: (لا تقنطوا), وقال بعدها (وأنيبوا إلى ربكم)[388], الآية.

السبب الثاني: الاستغفار, قال –تعالى-: (وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون)[389], لكن الاستغفار تارة يذكر وحده, وتارة يقرن بالتوبة, فإن ذكره وحده دخلت معه التوبة, كما إذا ذكرت التوبة وحدها شملت الاستغفار, فالتوبة تتضمن الاستغفار, والاستغفار يتضمن التوبة, وكل واحد منهما يدخل في مسمى الآخر عند الإطلاق, وأما عند اقتران إحدى اللفظتين بالأخرى, فالاستغفار: طلب وقاية شر ما مضى, والتوبة: الرجوع وطلب وقاية شر ما يخافه في المستقبل من سيئات أعماله, ونظير هذا: الفقير والمسكين, إذا ذكر أحد اللفظين شمل الآخر, وإذا ذكرا معاً كان لكل منهما معنى, قال –تعالى-: (فإطعام عشرة مساكين)[390], (فإطعام ستين مسكيناً)[391], (وإن تخفوها وتؤتوها الفقراء فهو خير لكم)[392], لا خلاف أن كل واحد من الاسمين في هذه الآيات لما أفرد شمل المقِل والمعدِم, ولما قرن أحدهما بالآخر في قوله –تعالى-: (إنما الصدقات للفقراء والمساكين)[393] الآية, كان المراد بأحدهما المقل والآخر المعدم على خلاف فيه, وكذلك الإثم والعدوان والبر والتقوى, والفسوق والعصيان ويقرب من هذا المعنى: الكفر والنفاق, فإن الكفر أعم, فإذا ذكر الكفر شمل النفاق, وإذا ذكرا معاً كان لكل منهما معنى, وكذلك الإيمان والإسلام على ما يأتي الكلام فيه –إن شاء الله تعالى-.

السبب الثالث: الحسنات, فإن الحسنة بعشر أمثالها, والسيئة بمثلها, فالويل لمن غلبت آحاده عشراته, وقال –تعالى-: (إن الحسنات يذهبن السيئات)[394], وقال –صلى الله عليه وسلم-: “وأتبع السيئة الحسنة تمحها“.

السبب الرابع: المصائب الدنيوية, قال –صلى الله عليه وسلم-: “ما يصيب المؤمن من وصب ولا نصب, ولا غمّ ولا هم ولا حزن, حتى الشوكة يشاكها إلا كفّر بها من خطاياه“, فالمصائب نفسها مكفرة, وبالصبر عليها يثاب العبد, وهي جزاء من الله للعبد على ذنبه, ويكفّر ذنبه بها, وإنما يثاب المرء ويأثم على فعله, والصبر والسخط من فعله, وإن كان الأجر قد يحصل بغير عمل من العبد, بل هدية من الغير, أو فضلاً من الله من غير سبب, قال –تعالى-: (ويؤت من لدنه أجراً عظيماً)[395], فنفس المرض جزاء وكفارة لما تقدم, وكثيراً ما يفهم من الأجر غفران الذنوب, وليس ذلك مدلوله, وإنما يكون من لازمه.

بعد نزول القرآن كله, ولا يجب على كل أحد من الإيمان المفصل مما أخبر به الرسول ما يجب على من بلغه خبره, كما في حق النجاشي وأمثاله, وأما الزيادة بالعمل والتصديق المستلزم لعمل القلب والجوارح, فهو أكمل من التصديق الذي لا يستلزمه, فالعلم الذي يعمل به صاحبه أكمل من العلم الذي لا يعمل به, فإذا لم يحصل اللازم دل على ضعف الملزوم؛ ولهذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “ليس المخبَر كالمعايِن” وموسى –عليه السلام- لما أخبِر أن قومه عبدوا العجل لم يلق الألواح, فلما رآهم قد عبدوه ألقاها, وليس ذلك لشك موسى في خبر الله, لكن المخبر وإن جزم بصدق المخبِر, فقد لا يتصور المخبَر به نفسه, كما يتصوره إذا عاينه, كما قال إبراهيم الخليل صلوات الله على نبينا محمد وعليه (رب أرني كيف تحيي الموتى قال أوَلم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي)[396], وأيضاً: فمن وجب عليه الحج والزكاة مثلاً, يجب عليه من الإيمان أن يعلم ما أمِر به, ويؤمن بأن الله أوجب عليه ما لا يجب على غيره الإيمان به إلا مجملاً, وهذا يجب عليه فيه الإيمان المفصل, كذلك الرجل أول ما يسلم, إنما يجب عليه الإقرار المجمل, ثم إذا جاء وقت الصلاة كان عليه أن يؤمن بوجوبها ويؤديها, فلم يتساو الناس فيما أمروا به من الإيمان, ولا شك أن من قام بقلبه التصديق الجازم, الذي لا يقوى على معارضته شهوة ولا شبهة, لا تقع معه معصية, ولولا ما حصل له من الشهوة والشبهة أو إحداهما لما عصى, بل يشتغل قلبه ذلك الوقت بما يواقعه من المعصية, فيغيب عنه التصديق والوعيد فيعصي؛ ولهذا –والله أعلم- قال –صلى الله عليه وسلم-: “لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن” الحديث, فهو حين يزني يغيب عنه تصديقه بحرمة الزنا, وإن بقي أصل التصديق في قلبه, ثم يعاوده, فإن المتقين كما وصفهم الله بقوله: (إن الذين اتقوا إذا مسهم طائف من الشيطان تذكّروا فإذا هم مبصرون)[397], قال ليث عن مجاهد هو الرجل يهم بالذنب فيذكر الله فيدعه, والشهوة والغضب مبدأ السيئات, فإذا أبصر رجع, ثم قال –تعالى-: (وإخوانهم يمدونهم في الغي ثم لا يُقصرون)[398], أي: وإخوان الشياطين تمدهم الشياطين في الغي ثم لا يقصرون, قال ابن عباس: لا الإنس تقصر عن السيئات, ولا الشياطين تمسك عنهم, فإذا لم يبصر بقي قلبه في عمى, والشيطان يمده في غيه, وإن كان التصديق في قلبه لم يكذب, فذلك النور والإبصار, وتلك الخشية والخوف تخرج من قلبه, وهذا كما أن الإنسان يغمض عينه فلا يرى, وإن لم يكن أعمى فكذلك القلب, بما يغشاه من رَيْن الذنوب, لا يبصر الحق وإن لم يكن أعمى كعمى الكافر, وجاء هذا المعنى مرفوعاً إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “إذا زنا العبد نزع منه الإيمان, فإذا تاب أعيد إليه“.

والأدلة على زيادة الإيمان ونقصانه من الكتاب والسنة والآثار السلفية كثيرة جداً: منها قوله –تعالى-: (وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً)[399], (ويزيد الله الذين اهتدوا هدى)[400], (ويزداد الذين آمنوا إيماناً)[401] (هو الذي أنزل السكينة في قلوب المؤمنين ليزدادوا إيماناً مع إيمانهم)[402], (الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم فاخشوهم فزادهم إيماناً وقالوا حسبنا الله ونعم الوكيل)[403], وكيف يقال في هذه الآية والتي قبلها إن الزيادة باعتبار زيادة المؤمَن به؟ فهل في قول الناس: (قد جمعوا لكم فاخشوهم)[404] زيادة مشروع؟ وهل في إنزال السكينة على قلوب المؤمنين زيادة مشروع؟ وإنما أنزل الله السكينة في قلوب المؤمنين مرجعهم من الحديبية ليزدادوا طمأنينة ويقيناً, ويؤيد ذلك قوله –تعالى-: (هم للكفر يومئذ أقرب منهم للإيمان)[405], وقال –تعالى-: (وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيماناً, فأما الذين آمنوا فزادتهم إيماناً وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجساً إلى رجسهم وماتوا وهم كافرون)[406].

وقد وصف النبي –صلى الله عليه وسلم- النساء بنقصان العقل والدين, وقال –صلى الله عليه وسلم- “لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحبَّ إليه من ولده ووالده والناس أجمعين” والمراد نفي الكمال, ونظائره كثيرة, وحديث شُعب الإيمان, وحديث الشفاعة, وأنه يخرج من النار من في قلبه أدنى أدنى أدنى مثقال ذرة من إيمان, فكيف يقال بعد هذا: إن إيمان أهل السموات والأرض سواء؟! وإنما التفاضل بينهم بمعان أخرغيرالإيمان, وكلام الصحابة –رضي الله عنهم- في هذا المعنى كثير أيضاً منه: قول أبي الدرداء –رضي الله عنه-: من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه ومانقص منه, ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينقص, وكان عمر –رضي الله عنه- يقول لأصحابه: هلموا نزدد إيماناً, فيذكرون الله –تعالى عز وجل-, وكان ابن مسعود –رضي الله عنه- يقول في دعائه: اللهم زدنا إيماناً ويقيناً وفقهاً, وكان معاذ بن جبل –رضي الله عنه- يقول لرجل: اجلس بنا نؤمن ساعة, ومثله عن عبد الله بن رواحة –رضي الله عنه-, وصح عن عمار بن ياسر –رضي الله عنه- أنه قال: ثلاث من كن فيه فقد استكمل الإيمان: إنصاف من نفسه, والإنفاق من إقتار, وبذل السلام للعالم. ذكره البخاري –رحمه الله- في ((صحيحه)) موقوفاً, وفي هذا المقدار كفاية وبالله التوفيق.

وكذلك هل يستلزم الإسلام الإيمان؟ فيه نزاع, وإنما وعد الله بالجنة في القرآن وبالنجاة من النار باسم الإيمان, كما قال –تعالى-: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون, الذين آمنوا وكانوا يتقون)[407] وقال –تعالى-: (سابقوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها كعرض السماء والأرض أعدت للذين آمنوا بالله ورسله)[408] وأما اسم الإسلام مجرداً فما عُلق به في القرآن دخول الجنة, لكنه فرضه وأخبر أنه دينه الذي لا يقبل من أحد سواه, وبه بعث النبيين, (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)[409], فالحاصل أن حالة اقتران الإسلام بالإيمان غير حالة إفراد أحدهما عن الآخر, فمثل الإسلام من الإيمان, كمثل الشهادتين إحداهما من الأخرى, فشهادة الرسالة غير شهادة الوحدانية, فهما شيئان في الأعيان وإحداهما مرتبطة بالأخرى في المعنى كشيء واحد, كذلك الإسلام والإيمان, لا إيمان لمن لا إسلام له, ولا إسلام لمن لا إيمان له, إذ لا يخلو المؤمن من إسلام به تحقق إيمانه, ولا يخلو المسلم من إيمان به يصح إسلامه, ونظائر ذلك في كلام الله ورسوله, وفي كلام الناس كثيرة, أعني في الإفراد والاقتران, منها: لفظ الكفر والنفاق, فالكفر إذا ذكر مفرداً في وعيد الآخرة دخل فيه المنافقون, كقوله –تعالى-: (ومن يكفر بالإيمان فقد حبط عمله وهو في الآخرة من الخاسرين)[410], ونظائره كثيرة, وإذا قرن بينهما كان الكافر من أظهر كفره, والمنافق من آمن بلسانه ولم يؤمن بقلبه, وكذلك لفظ البر والتقوى, ولفظ الإثم والعدوان, ولفظ التوبة والاستغفار, ولفظ الفقير والمسكين, وأمثال ذلك.

ويشهد للفرق بين الإسلام والإيمان, قوله –تعالى-: (قالت الأعراب آمنا قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا)[411], إلى آخر السورة, وقد اعترض على هذا بأن معنى الآية (قولوا أسلمنا)[412]انقدنا بظواهرنا, فهم منافقون في الحقيقة, وهذا أحد قولي المفسرين في هذه الآية الكريمة, وأجيب بالقول الآخر, ورُجح وهو: أنهم ليسوا بمؤمنين كاملي الإيمان, لا أنهم منافقون كما نفى الإيمان عن القاتل, والزاني, والسارق, ومن لا أمانة له, ويؤيد هذا سياق الآية, فإن السورة من أولها إلى هنا في النهي عن المعاصي, وأحكام بعض العصاة ونحو ذلك, وليس فيها ذكر المنافقين, ثم قال بعد ذلك: (وإن تطيعوا الله ورسوله لا يلِتكُم من أعمالكم شيئاً)[413], ولو كانوا منافقين ما نفعتهم الطاعة, ثم قال: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا)[414], الآية: يعني –والله أعلم- أن المؤمنين الكاملي الإيمان هم هؤلاء لا أنتم, بل أنتم منتف عنكم الإيمان الكامل يؤيد هذا: أنه أمرهم أو أذن لهم أن يقولوا: أسلمنا, والمنافق لا يقال له ذلك, ولو كانوا منافقين لنفى عنهم الإسلام, كما نفى عنهم الإيمان, ونهاهم أن يمنوا بإسلامهم, فأثبت لهم إسلاماً, ونهاهم أن يمنوا به على رسوله, ولو لم يكن إسلاماً صحيحاً لقال: لم تسلموا, بل أنتم كاذبون, كما كذبهم في قولهم: (نشهد إنك لرسول الله)[415], -والله أعلم بالصواب-.

مسألة الاستثناء في الإيمان: وهو أن يقول (أي الرجل): أنا مؤمن –إن شاء الله-, والناس فيه على ثلاثة أقوال: طرفان, ووسط, منهم من يوجبه, ومنهم من يحرمه, ومنهم من يجيزه باعتبار ويمنعه باعتبار, وهذا أصح الأقوال.

أما من يوجبه فلهم مأخذان: أحدهما: أن الإيمان هو ما مات الإنسان عليه, والإنسان إنما يكون عند الله مؤمناً أو كافراً باعتبار الموافاة وما سبق في علم الله أنه يكون عليه, وما قبل ذلك لا عبرة به, قالوا: والإيمان الذي يعقبه الكفر فيموت صاحبه كافراً, ليس بإيمان: كالصلاة التي أفسدها صاحبها قبل الكمال, والصيام الذي يفطر صاحبه قبل الغروب, وعند هؤلاء أن الله يحب في الأزل من كان كافراً إذا علم منه أنه يموت مؤمناً, فالصحابة ما زالوا محبوبين قبل إسلامهم, وإبليس ومن ارتد عن دينه ما زال الله يبغضه وإن كان لم يكفر بعد! وليس هذا قول السلف, ولا كان يقول بهذا من يستثنى من السلف في إيمانه, وهو فاسد, فإن الله –تعالى- قال: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)[416], فأخبر أنهم يحبهم إن اتبعوا الرسول, فاتباع الرسول شرط المحبة, والمشروط يتأخر عن الشرط, وغير ذلك من الأدلة, ثم صار إلى هذا القول طائفة غلوا فيه, حتى صار الرجل منهم يستثني في الأعمال الصالحة, يقول: صليت إن شاء الله ونحو ذلك, يعني القبول, ثم صار كثير منهم يستثنون في كل شيء, فيقول أحدهم: هذا ثواب إن شاء الله, هذا حبل إن شاء الله, فإذا قيل لهم: هذا لا شك فيه؟ يقولون: نعم, لكن إن شاء الله أن يغيره غيره!! المأخذ الثاني: أن الإيمان المطلق يتضمن فعل ما أمر الله به عبده كله, وترك ما نهاه عنه كله, فإذا قال الرجل: أنا مؤمن بهذا الاعتبار: فقد شهد لنفسه أنه من الأبرار المتقين, القائمين بجميع ما أمروا به, وترك كل ما نهوا عنه, فيكون من أولياء الله المقربين, وهذا مع تزكية الإنسان لنفسه, ولو كانت هذه الشهادة صحيحة, لكان ينبغي أن يشهد لنفسه بالجنة إن مات على هذه الحال, وهذا مأخذ عامة السلف الذين كانوا يستثنون, وإن جوزوا ترك الاستثناء بمعنى آخر, كما سنذكره –إن شاء الله تعالى-, ويحتجون أيضاً بجواز الاستثناء فيما لا شك فيه, كما قال –تعالى-: (لتُدخلنَّ المسجد الحرام إن شاء الله آمنين)[417], وقال –صلى الله عليه وسلم- حين وقف على المقابر: “وإنا إن شاء الله بكم لاحقون” وقال أيضاً “إني لأرجو أن أكون أخشاكم لله“, ونظائر هذا, وأما من يحرمه, فكل من جعل الإيمان شيئاً واحداً فيقول: أنا أعلم أني مؤمن, كما أعلم أني تكلمت بالشهادتين, فقولي: أنا مؤمن, كقولي: أنا مسلم, فمن استثنى في إيمانه فهو شاك فيه, وسموا الذين يستثنون في إيمانهم الشكاكة, وأجابوا عن الاستثناء الذي في قوله –تعالى-: (لتدخلن المسجد الحرام إن شاء الله آمنين)[418] بأنه يعود إلى الأمن والخوف, فأما الدخول فلا شك فيه, وقيل: لتدخلن جميعاً أو بعضكم؛ لأنه علم أن بعضهم يموت, وفي كلا الجوابين نظر: فإنهم وقعوا فيما فروا منه, فأما الأمن والخوف فقد أخبر أنهم يدخلون آمنين, مع علمه بذلك, فلا شك في الدخول, ولا في الأمن, ولا في دخول الجميع أو البعض, فإن الله قد علم من يدخل فلا شك فيه أيضاً, فكان قول: إن شاء الله هنا تحقيقاً للدخول, كما يقول الرجل فيما عزم على شيء أن يفعله لا محالة: والله لأفعلن كذا إن شاء الله, لا يقولها لشك في إرادته وعزمه, ولكن لا يحنث الحالف في مثل هذه اليمين لأنه لا يجزم بحصول مراده, وأجيب بجواب آخر لا بأس به, وهو أنه قال ذلك تعليماً لنا كيف نستثني إذا أخبرنا عن مستقبل, وفي كون هذا المعنى مراداً من النص نظر فإنه ما سيق الكلام إلا أن يكون مراداً من إشارة النص, وأجاب الزمخشري بجوابين آخرين باطلين وهما: أن يكون الملك قد قاله, فأثبت قرآناً, أو أن الرسول قاله, فعند هذا المسكين يكون من القرآن ما هو غير كلام الله, فيدخل في وعيد من قال: (إن هذا إلا قول البشر)[419] –نسأل الله العافية-.

وأما من يجوز الاستثناء وتركه, فهم أسعد بالدليل من الفريقين, وخير الأمور أوسطها: فإن أراد المستثني الشك في أصل إيمانه منه من الاستثناء, وهذا مما لا خلاف فيه, وإن أراد أنه مؤمن من المؤمنين الذين وصفهم الله في قوله: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم وإذا تليت عليهم آياته زادتهم إيماناً وعلى ربهم يتوكلون, الذين يقيمون الصلاة ومما رزقنهم ينفقون, أولئك هم المؤمنون حقاً لهم درجات عند ربهم ومغفرة ورزق كريم)[420], وفي قوله –تعالى-: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله أولئك هم الصادقون)[421], فالاستثناء حينئذ جائز, وكذلك من استثنى وأراد عدم علمه بالعاقبة, وكذلك من استثنى تعليقاً للأمر بمشيئة الله, لا شكاً في إيمانه, وهذا القول في القوة كما ترى.

 

قوله.. وجميع ما صح عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من الشرع والبيان كله حق.

قوله.. وجميع ما صح عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- من الشرع والبيان كله حق.

الشرح..

يشير الشيخ -رحمه الله- بذلك إلى الرد على القائلين بأن الأخبار قسمان: متواتر وآحاد, فالمتواتر –وإن كان قطعي السند- لكنه غير قطعي الدلالة, فإن الأدلة اللفظية لا تفيد اليقين؛ ولهذا قدحوا في دلالة القرآن على الصفات, قالوا: والآحاد لا تفيد العلم, ولا يُحتج بها من جهة طريقها, ولا من جهة متنها, فسدوا على القلوب معرفة الرب –تعالى- وأسمائه وصفاته وأفعاله من جهة الرسول, وأحالوا الناس على قضايا وهمية, ومقدمات خيالية, سموها قواطع عقلية, وبراهين يقينية, وهي في التحقيق: (كسرابٍ بقيعةٍ يحسبه الظمآن ماءً حتى إذا جاءه لم يجده شيئاً ووجد الله عنده فوفّاه حسابه والله سريع الحساب, أو كظلمات في بحر لجي يغشاه موج من فوقه موج من فوقه سحاب ظلمات بعضها فوق بعض إذا أخرج يده لم يكد يراها ومن لم يجعل الله له نوراً فما له من نور)[422], ومن العجب أنهم قدموها على نصوص الوحي, وعزلوا لأجلها النصوص, فأقفرت قلوبهم من الاهتداء بالنصوص, ولم يظفروا بالعقول الصحيحة المؤيّدة بالفطرة السليمة والنصوص النبوية, ولو حكموا نصوص الوحي لفازوا بالمعقول الصحيح, الموافق للفطرة السليمة, بل كل فريق من أرباب البدع يعرض النصوص على بدعته, وما ظنه معقولاً فما وافقه قال: إنه محكم وقبِله واحتج به, وما خالفه قال: إنه متشابه, ثم رده وسمى رده تفويضاً أو حرفه, وسمى تحريفه تأويلاً؛ فلذلك اشتد إنكار أهل السنة عليهم.

وطريق أهل السنة: أن لا يعدلوا عن النص الصحيح, ولا يعارضوه بمعقول, ولا قول فلان, كما أشار الشيخ –رحمه الله- وكما قال البخاري –رحمه الله-: سمعت الحميدي يقول: كنا عند الشافعي –رحمه الله- فأتاه رجل فسأله عن مسألة, فقال: قضى فيها رسول الله –صلى الله عليه وسلم- كذا وكذا, فقال رجل للشافعي: ما تقول أنت؟ فقال: سبحان الله! تراني في كنيسة! تراني في بِيْعة! تراني على وسطي زنار؟! أقول لك: قضى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, وأنت تقول: ما تقول أنت؟! ونظائر ذلك في كلام السلف كثير, وقال –تعالى-: (وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمراً أن يكون لهم الخِيَرة من أمرهم)[423].

وخبر الواحد إذا تلقته الأمة بالقبول عملاً وتصديقاً له: يفيد العلم اليقيني عند جماهير الأمة, وهو أحد قسمي المتواتر, ولم يكن بين سلف الأمة في ذلك نزاع, كخبر عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- “إنما الأعمال بالنيات” وخبر ابن عمر –رضي الله عنهما-: “نهى عن بيع الولاء وهبته” وخبر أبي هريرة: “لا تنكح المرأة على عمتها ولا على خالتها” وكقوله: “يحرم من الرضاع ما يحرم من النسب” وأمثال ذلك, وهو نظير خبر الذي أتى مسجد قباء وأخبر أن القبلة تحولت إلى الكعبة, فاستداروا إليها, وكان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يرسل رسله آحاداً ويرسل كتبه مع الآحاد, ولم يكن المرسَل إليهم يقولون لا نقبله لأنه خبر واحد, وقد قال –تعالى-: (هو الذي أرسل رسوله بالهدى ودين الحق ليظهره على الدين كله)[424], فلا بد أن يحفظ الله حججه وبيناته على خلقه, لئلا تبطل حججه وبيناته؛ ولهذا فضح الله من كذب على رسوله في حياته وبعد وفاته, وبين حاله للناس, قال سفيان بن عيينة: ما ستر الله أحداً يكذب في الحديث, وقال عبد الله بن المبارك: لو همّ رجل في البحر أن يكذب في الحديث, لأصبح والناس يقولون: فلان كذاب, وخبر الواحد وإن كان يحتمل الصدق والكذب, ولكن التفريق بين صحيح الأخبار وسقيمها لا يناله أحد إلا بعد أن يكون معظم أوقاته مشتغلاً بالحديث, والبحث عن سير الرواة, ليقف على أحوالهم وأقوالهم, وشدة حذرهم من الطغيان والزلل, وكانوا بحيث لو قتلوا لم يسامحوا أحداً في كلمة يتقولها على رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, ولا فعلوا هم بأنفسهم ذلك, وقد نقلوا هذا الدين إلينا كما نقل إليهم, فهم تُرُكُ الإسلام وعصابة الإيمان, وهم نقاد الأخبار, وصيارفة الأحاديث, فإذا وقف المرء على هذا من شأنهم, وعرف حالهم, وخبر صدقهم وورعهم وأمانتهم: ظهر له العلم فيما نقلوه ورووه, ومن عقل ومعرفة يعلم أن أهل الحديث لهم من العلم بأحوال نبيهم وسيرته وأخباره, ما ليس لغيرهم شعور, فضلاً أن يكون معلوماً لهم أو مظنوناً, كما أن النحاة عندهم من أخبار سيبويه والخليل وأقوالهما ما ليس عند غيرهم, وعند الأطباء من كلام بقراط وجالينيوس ما ليس عند غيرهم, وكل ذي صنعة هو أخبر بها من غيره, فلو سألت البقال عن أمر العطر, أو العطار عن البر, ونحو ذلك لعد ذلك جهلاً كبيراً, ولكن النفاة قد جعلوا قوله –تعالى-: (ليس كمثله شيء)[425], مستنداً لهم في رد الأحاديث الصحيحة, فكلما جاءهم حديث يخالف قواعدهم وآراءهم, وما وضعته خواطرهم وأفكارهم ردوه بـ (ليس كمثله شيء), تلبيساً منهم وتدليساً وتحريفاً لمعنى الآي عن مواضعه, ففهموا من أخبار الصفات ما لم يرده الله ولا رسوله, ولا فهمه أحد من أئمة الإسلام أنه يقتضي إثباتها التمثيل بما للمخلوقين, ثم استدلوا على بطلان ذلك بـ (ليس كمثله شيء), تحريفاً للنصين!! ويصنفون الكتب ويقولون: هذا أصول دين الإسلام الذي أمر الله به وجاء من عنده, ويقرؤون كثيراً من القرآن ويفوضون معناه إلى الله –تعالى- من غير تدبر لمعناه الذي بينه الرسول, وأخبر أن معناه الذي أراده الله, وقد ذم الله –تعالى- أهل الكتاب الأول على هذه الصفات الثلاث, وقص ذلك علينا من خبرهم لنعتبر, وننزجر عن مثل طريقتهم, فقال –تعالى-: (أفتطمعون أن يؤمنوا لكم وقد كان فريق منهم يسمعون كلام الله ثم يحرفونه من بعد ما عقلوه وهم يعلمون)[426], إلى أن قال: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ وإن هم إلا يظنون)[427], والأماني: التلاوة المجردة, ثم قال –تعالى-: (فويل للذين يكتبون الكتاب بأيديهم ثم يقولون هذا من عند الله ليشتروا به ثمناً قليلاً فويل لهم مما كتبت أيديهم وويل لهم مما يكسبون)[428], فذمهم على نسبة ما كتبوه إلى الله, وعلى اكتسابهم بذلك, فكلا الوصفين ذميم: أن ينسب إلى الله ما ليس من عنده, وأن يأخذ بذلك عوضاً من الدنيا مالاً أو رياسة, -نسأل الله تعالى أن يعصمنا من الزلل, في القول والعمل بمنه وكرمه-.

ويشير الشيخ –رحمه الله- بقوله: من الشرع والبيان, إلى أن ما صح عن النبي –صلى الله عليه وسلم- نوعان:

شرع ابتدائي, وبيان لما شرعه الله في كتابه العزيز, وجميع ذلك حق واجب الاتباع, وقوله: وأهله في أصله سواء, والتفاضل بينهم بالحقيقة ومخالفة الهوى, وملازمة الأولى, وفي بعض النسخ: بالخشية والتقى بدل قوله: بالحقيقة, ففي العبارة الأولى يشير إلى أن الكل مشتركون في أصل التصديق, ولكن التصديق يكون بعضه أقوى من بعض وأثبت, كما تقدم نظيره بقوة البصر وضعفه, وفي العبارة الأخرى يشير إلى التفاوت بين المؤمنين بأعمال القلوب, وأما التصديق فلا تفاوت فيه, والمعنى الأول أظهر قوة –والله أعلم بالصواب-.

 

قوله.. والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن

قوله.. والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن

الشرح..

قال –تعالى-: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون, الذين آمنوا وكانوا يتقون)[429], الولي: من الوَلاية بفتح الواو, التي هي ضد العداوة, وقد قرأ حمزة: (ما لكم من وِلايتهم من شيء)[430] بكسر الواو, والباقون بفتحها, وقيل: هما لغتان, وقيل: بالفتح النصرة, وبالكسر الإمارة, قال الزجّاج: وجاز الكسر؛ لأن في تولي بعض القوم بعضاً جنساً من الصناعة والعمل, وكل ما كان؟ ذلك فمكسور, مثل: الخياطة ونحوها, فالمؤمنون أولياء الله, والله –تعالى- وليهم, قال الله –تعالى-: (الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت يخرجونهم من النور إلى الظلمات)[431], وقال –تعالى-: (ذلك بأن الله مولى الذين آمنوا وأن الكافرين لا مولى لهم)[432], (والمؤمنون والمؤمنات بعضهم أولياء بعض)[433]. وقال –تعالى-: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض)[434], إلى آخر السورة. وقال –تعالى-: (إنما وليكم الله ورسوله والذين آمنوا الذين يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة وهم راكعون, ومن يتول الله ورسوله والذين آمنوا فإن حزب الله هم الغالبون)[435], فهذه النصوص كلها ثبت فيها موالاة المؤمنين بعضهم لبعض, وأنهم أولياء الله, وأن الله وليهم ومولاهم, فالله يتولى عباده المؤمنين, فيحبهم ويحبونه, ويرضى عنهم ويرضون عنه, ومن عادى له ولياً فقد بارزه بالمحاربة, وهذه الولاية من رحمته وإحسانه, ليست كولاية المخلوق للمخلوق, لحاجة إليه, قال –تعالى-: (وقل الحمد لله الذي لم يتخذ ولداً ولم يكن له شريك في الملك ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً)[436], فالله –تعالى- ليس له ولي من الذل, بل لله العزة جميعاً, خلاف الملوك وغيرهم ممن يتولاه لذله وحاجته إلى ولي ينصره, والولاية أيضاً نظير الإيمان, فيكون مراد الشيخ: أن أهلها في أصلها سواء, وتكون كاملة وناقصة: فالكاملة تكون للمؤمنين المتقين, كما قال –تعالى-: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون)[437], ويجتمع في المؤمن ولاية من وجه, وعداوة من وجه, كما قد يكون فيه كفر وإيمان, وشرك وتوحيد, وتقوى وفجور, ونفاق وإيمان. وإن كان في هذا الأصل نزاع لفظي بين أهل السنة, ونزاع معنوي بينهم وبين أهل البدع, كما تقدم في الإيمان.

ولكن موافقة الشارع في اللفظ والمعنى –أولى من موافقته في المعنى وحده, قال –تعالى-: (وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون)[438]. وقال تعالى: (قل لم تؤمنوا ولكن قولوا أسلمنا)[439], وقد تقدم الكلام على هذه الآية, وأنهم ليسوا منافقين على أصح القولين. وقال –صلى الله عليه وسلم- “أربع من كن فيه كان منافقاً خالصاً, ومن كانت فيه خصلة منهن كانت فيه خصلة من النفاق حتى يدعها: إذا حدّث كذب, وإذا عاهد غدر, وإذا وعد أخلف, وإذا خاصم فجر. وفي رواية …. خان بدل: وإذا وعد أخلف“. أخرجاه في ((الصحيحين)). وحديث: ((شعب الإيمان)) تقدم، وقال –صلى الله عليه وسلم-: ((يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان)). فعلم أن من حصل من الإيمان أقل القليل لم يخلد في النار, وإن كان معه كثير من النفاق, فهو يعذب في النار على قدر ما معه، من ذلك, ثم يخرج من النار. فالطاعات من شعب الإيمان, والمعاصي من شعب الكفر، ورأس شعب الكفر الجحود, ورأس شعب الإيمان التصديق. وأما ما يروى مرفوعاً إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: ما من جماعة اجتمعت إلا وفيهم ولي لله, لا هم يدرون به, ولا هو يدري بنفسه فلا أصل له, وهو كلام باطل, فإن الجماعة قد يكونون كفاراً, وقد يكونون فساقاً يموتون على الفسق وأما أولياء الله الكاملون فهم الموصوفون في قوله –تعالى-: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون, الذين آمنوا وكانوا يتقون, لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة)[440], الآية. والتقوى هي المذكورة في قوله –تعالى-: (ولكن البر من آمن بالله واليوم الآخر والملائكة والكتاب والنبيين) إلى قوله: (أولئك الذين صدقوا .. )[441], وهم قسمان: مقتصدون, ومقربون, فالمقتصدون: الذين يتقربون إلى الله بالفرائض من أعمال القلوب والجوارح, والسابقون: الذين يتقربون إلى الله بالنوافل بعد الفرائض, كما في صحيح البخاري)) عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: يقول الله –تعالى-: من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة, [قلت: ليست هذه اللفظة أي:بارزني في البخاري بل هي ضعيفة], وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه, ولا يزال عبدي يتقرب إلي بالنوافل حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها ورجله التي يمشي بها, ولئن سألني لأعطينه, ولئن استعاذني لأعيذنه, وما ترددت عن شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن, يكره الموت وأكره مساءته“, والولي خلاف العدو، وهو مشتق من الولاء وهو الدنو والتقرب, فولي الله: هو مَن والى الله بموافقته محبوباته, والتقرب إليه بمرضاته, وهؤلاء كما الله –تعالى- فيهم: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً, ويرزقه من حيث لا يحتسب)[442], فالمتقون يجعل لهم مخرجاً مما ضاق على الناس, ويرزقهم من حيث لا يحتسبون, فيدفع الله عنهم المضار, ويجلب لهم المنافع, ويعطيهم الله أشياء يطول شرحها.

 

قوله.. وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن

قوله.. وأكرمهم عند الله أطوعهم وأتبعهم للقرآن

الشرح..

أراد أكرم المؤمنين هو الأطوع لله, وأتبع للقرآن, وهو الأتقى, والأتقى هو الأكرم, قال تعالى:(إن أكرمكم عند الله أتقاكم)[443], وفي ((السنن)) [قلت: هو في ((المسند)) وليس في ((السنن))] عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “لا فضل لعربي على عجمي, ولا لعجمي على عربي, ولا لأبيض على أسود, ولا لأسود على أبيض إلا بالتقوى, الناس من آدم, وآدم من تراب.

 

قوله.. والإيمان: هو الإيمان بالله وملائكته, وكتبه ورسله, واليوم الآخر, والقدر خيره وشره وحلوه ومره, من الله –تعالى-

قوله.. والإيمان: هو الإيمان بالله وملائكته, وكتبه ورسله, واليوم الآخر, والقدر خيره وشره وحلوه ومره, من الله –تعالى-

الشرح..

تقدم أن هذه الخصال هي أصول الدين, وبها أجاب النبي –صلى الله عليه وسلم- في حديث جبرائيل المشهور المتفق على صحته, حين جاء إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- على صورة رجل أعرابي, وسأله عن الإسلام؟ فقال: “أن تشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً رسول الله, وتقيم الصلاة, وتؤتي الزكاة, وتصوم رمضان, وتحج البيت إن استطعت إليه سبيلاً, وسأله عن الإيمان؟ فقال: “أن تؤمن بالله, وملائكته, وكتبه, ورسله, واليوم الآخر, وتؤمن بالقدر خيره وشره, وسأله عن الإحسان؟ فقال: “أن تعبد الله كأنك تراه, فإن لم تكن تراه فإنه يراك“, وقد ثبت كذلك في ((الصحيح)) عنه –صلى الله عليه وسلم-: “أنه كان يقرأ في ركعتي الفجر تارة بسورتي الإخلاص والكافرون, )قل يا أيها الكافرون)[444], (قل هو الله أحد)[445], وتارة بآيتي الإيمان والإسلام التي في سورة البقرة: (قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا)[446]الآية, والتي في آل عمران: (قل يا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم)[447]الآية, وفسر –صلى الله عليه وسلم- في حديث وفد عبد القيس, المتفق على صحته, حيث قال لهم: “آمركم بالإيمان بالله وحده, أتدرون ما الإيمان بالله وحده؟ شهادة أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, وإقام الصلاة, وإيتاء الزكاة وأن تؤدوا خُمس ما غنمتم“, ومعلوم أنه لم يُرد أن هذه الأعمال تكون إيماناً بالله بدون إيمان القلب, لما قد أخبر في غير موضع أنه لا بد من إيمان القلب, فعلم أن هذه مع إيمان القلب هو الإيمان.

والكتاب والسنة مملوءان بما يدل على أن الرجل لا يثبت له حكم الإيمان إلا بالعمل مع التصديق, وهذا أكثر من معنى الصلاة والزكاة, فإن تلك إنما فسرتها السنة, والإيمان بين معناه الكتاب والسنة, فمن الكتاب قوله –تعالى-: (إنما المؤمنون الذين إذا ذكر الله وجلت قلوبهم)[448] الآية, وقوله –تعالى-: (إنما المؤمنون الذين آمنوا بالله ورسوله ثم لم يرتابوا)[449] الآية, وقوله –تعالى-: (فلا وربك لا يؤمنون حتى يحكموك فيما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجاً مما قضيت ويسلموا تسليماً)[450], فنفي الإيمان حتى توجد هذه الغاية, دل على أن هذه الغاية فرض على الناس, فمن تركها كان من أهل الوعيد ولم يكن قد أتى بالإيمان الواجب, الذي وعد أهله بدخول الجنة بلا عذاب.

وقوله: والقدر خيره وشره, وحلوه ومره, من الله –تعالى- تقدم قوله –صلى الله عليه وسلم- في حديث جبرائيل: “وتؤمن بالقدر خيره وشره” وقال –تعالى-: (قل لن يصيبنا إلا ما كتب الله لنا)[451] وقال –تعالى-: (إن تصبهم حسنة يقولوا هذه من عند الله وإن تصبهم سيئة يقولوا هذه من عندك قل كل من عند الله فما لهؤلاء القوم لا يكادون يفقهون حديثاً)[452], (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك)[453] الآية, فإن قيل: فكيف الجمع بين قوله: (كل من عند الله)[454], وبين قوله: (فمن نفسك)[455], قيل: قوله: (كل من عند الله) الخصب والجدب, والنصر والهزيمة كلها من عند الله, وقوله: (فمن نفسك) أي ما أصابك من سيئة من الله فبذنب نفسك عقوبة لك, كما قال –تعالى-: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم)[456].

يدل على ذلك ما روي عن ابن عباس –رضي الله عنه-: أنه قرأ: (وما أصابك من سيئة فمن نفسك), وأنا كتبتها عليك والمراد بالحسنة هنا النعمة, وبالسيئة البلية, في أصح الأقوال, وقد قيل: الحسنة الطاعة, والسيئة المعصية, وقيل: الحسنة ما أصابه يوم بدر, والسيئة ما أصابه يوم أحد, والقول الأول شامل لمعنى القول الثالث, والمعنى الثاني ليس مراداً دون الأول قطعاً, ولكن لا منافاة بين أن تكون سيئة العمل وسيئة الجزاء, مع أنها من سيئات العمل, والحسنة الثانية قد تكون من ثواب الأولى, كما دل على ذلك الكتاب والسنة, وقوله بعد هذا: ما أصابك من حسنة, ومن سيئة, مثل قوله: “وإن تصبهم حسنة” و”إن تصبهم سيئة”, وفرق –سبحانه وتعالى- بين الحسنات التي هي النعم, وبين السيئات التي هي المصائب, فجعل هذه من الله, وهذه من نفس الإنسان؛ لأن الحسنة مضافة إلى الله, إذ هو أحسنَ بها من كل وجه فما من وجه من أوجهها إلا وهو يقتضي الإضافة إليه, وأما السيئة, فهو إنما يخلقها لحكمة, وهي باعتبار تلك الحكمة من إحسانه, فإن الرب لا يفعل سيئة قط, بل فعله كله حسن وخير؛ ولهذا كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يقول في الاستفتاح: “والخير كله بيديك, والشر ليس إليك” أي: فإنك لا تخلق شراً محضاً, بل كل ما يخلقه ففيه حكمة, وهو باعتبارها خير, ولكن قد يكون فيه شر لبعض الناس, فهذا شر جزئي إضافي, فأما شر كلي أو شر مطلق, فالرب –سبحانه وتعالى- منزه عنه, وهذا هو الشر الذي ليس إليه؛ ولهذا لا يضاف الشر إليه مفرداً قط, بل إما أن يدخل في عموم المخلوقات, كقوله –تعالى-: (الله خالق كل شيء)[457], (كل من عند الله)[458], وإما أن يضاف إلى السبب كقوله: (من شر ما خلق)[459], وإما أن يحذف فاعله, كقول الجن: (وأنا لا ندري أشر أريد بمن في الأرض أم أراد بهم ربهم رشداً)[460], وليس إذا خلق ما يتأذى به بعض الحيوان لا يكون فيه حكمة, بل لله من الرحمة والحكمة ما لا يقدر قدره إلا الله –تعالى-, وليس إذا وقع في المخلوقات ما هو شر جزئي بالإضافة يكون شراً كلياً عاماً, بل الأمور العامة الكلية لا تكون إلا خيراً أو مصلحة للعباد, كالمطر العام, وكإرسال رسول عام, وهذا مما يقتضي أنه لا يجوز أن يؤيد كذاباً عليه بالمعجزات التي أيد بها الصادقين, فإن هذا شر عام للناس, يضلهم, فيفسد عليهم دينهم ودنياهم وأخراهم, وليس هذا كالملك الظالم والعدو, فإن الملك الظالم لا بد أن يدفع الله به من الشر أكثر من ظلمه, وقد قيل: ستون سنة بإمام ظالم خير من ليلة واحدة بلا إمام, وإن قدر كثرة ظلمه, فذاك خير في الدين, كالمصائب تكون كفارة لذنوبهم, ويثابون على الصبر عليه, ويرجعون فيه إلى الله, ويستغفرونه ويتوبون إليه, وكذلك ما يسلط عليهم من العدو؛ ولهذا قد يمكن الله كثيراً من الملوك الظالمين مدة, وأما المتنبئون الكذابون فلا يطيل تمكينهم, بل لا بد أن يهلكهم؛ لأن فسادهم عام في الدين والدنيا والآخرة, قال –تعالى-: (ولو تقوّل علينا بعض الأقاويل, لأخذنا منه باليمين, ثم لقطعنا منه الوتين)[461]وفي قوله: فمن نفسك, من الفوائد: أن العبد لا يطمئن إلى نفسه ولا يسكن إليها, فإن الشر كامن فيها, لا يجيء إلا منها, ولا يشتغل بملام الناس ولا ذمهم إذا أساؤوا إليه, فإن ذلك من السيئات التي أصابته, وهي إنما أصابته بذنوبه, فيرجع إلى الذنوب, ويستعيذ بالله من شر نفسه وسيئات عمله ويسأل الله أن يعينه على طاعته, فبذلك يحصل له كل خير, ويندفع عنه كل شر؛ ولهذا كان أنفع الدعاء وأعظمه وأحكمه دعاء الفاتحة: (اهدنا الصراط المستقيم, صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين) فإنه إذا هداه هذا الصراط أعانه على طاعته وترك معصيته, فلم يصبه شر, لا في الدنيا ولا في الآخرة, لكن الذنوب هي لوازم نفس الإنسان, وهو محتاج إلى الهدى كل لحظة, وهو إلى الهدى أحوج منه إلى الطعام والشراب, ليس كما يقوله بعض المفسرين: إنه قد هداه! فلماذا يسأل الهدى؟ وإن المراد التثبيت أو مزيد الهداية, بل العبد محتاج إلى أن يعلمه الله ما يفعله من تفاصيل أحواله, وإلى ما يتركه من تفاصيل الأمور في كل يوم, وإلى أن يلهمه أن يعمل ذلك, فإنه لا يكفي مجرد علمه إن لم يجعله مريداً للعمل بما يعلمه, وإلا كان العلم حجة عليه, ولم يكن مهتدياً, ومحتاج إلى أن يجعله قادراً على العمل بتلك الإرادة الصالحة, فإن المجهول لنا من الحق أضعاف المعلوم, وما لا نريد فعله تهاوناً وكسلاً مثل ما نريده أو أكثر منه أو دونه, وما لا نقدر عليه مما نريده كذلك, وما نعرف جملته ولا نهتدي لتفاصيله, فأمر يفوت الحصر, ونحن محتاجون إلى الهداية التامة, فمن كملت له هذه الأمور كان سؤاله سؤال تثبيت, وهي آخر الرتب, وبعد ذلك كله هداية أخرى, وهي الهداية إلى طريق الجنة في الآخرة, ولهذا كان الناس مأمورين بهذا الدعاء في كل صلاة, لفرط حاجتهم إليه, فليسوا إلى شيء أحوج منهم إلى هذا الدعاء, فيجب أن يعلم أن الله بفضل رحمته جعل هذا الدعاء من أعظم الأسباب المقتضية للخير, المانعة من الشر, فقد بين القرآن أن السيئات من النفس, وإن كانت بقدر الله, وأن الحسنات كلها من الله –تعالى- وإذا كان الأمر كذلك وجب أن يُشكر –سبحانه- وأن يستغفره العبد من ذنوبه, وألا يتوكل إلا عليه وحده, فلا يأتي بالحسنات إلا هو, فأوجب ذلك توحيده, والتوكل عليه وحده, والشكر له وحده والاستغفار من الذنوب.

وهذه الأمور كان النبي –صلى الله عليه وسلم- يجمعها في الصلاة, كما ثبت عنه في ((الصحيح)) أنه كان إذا رفع رأسه من الركوع يقول: “ربنا لك الحمد, حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه “[ قلت: هو إقرار من الرسول –صلى الله عليه وسلم- لا فعل منه] “ملء السموات, وملء الأرض, وملء ما شئت من شيء بعد, أهل الثناء والمجد, أحق ما قاله العبد, وكلنا لك عبد” فهذا حمد, وهو شكر لله –تعالى-, وبيان أن حمده أحق ما قاله العبد, ثم يقول بعد ذلك: “لا مانع لما أعطيت, ولا معطي لما منعت, ولا ينفع ذا الجد منك الجد” وهذا تحقيق لوحدانيته, لتوحيد الربوبية, خلقاً وقدَراً, وبداية ونهاية, هو المعطي المانع, ولا مانع لما أعطى, ولا معطي لما منع, ولتوحيد الإلهية, شرعاً وأمراً ونهياً, وإن العباد وإن كانوا يعطَون جَداً, ملكاً وعظمة وبختاً ورياسة, في الظاهر أو في الباطن, فلا ينفع ذا الجد منك الجد: أي لا ينجيه ولا يخلصه؛ ولهذا قال: لا ينفعه منك, ولم يقل: ولا ينفعه عندك؛ لأنه لو قيل ذلك أوهم أنه لا يتقرب به إليك, لكن قد لا يضره, فتضمن هذا الكلام تحقيق التوحيد, أو تحقيق قوله: (إياك نعبد وإياك نستعين)[462], فإنه لو قُدّر أن شيئاً من الأسباب يكون مستقلاً بالمطلوب, وإنما يكون بمشيئة الله وتيسيره, لكان الواجب أن لا يُرجى إلا الله, ولا يُتوكل إلا عليه, ولا يُسأل إلا هو, ولا يُستغاث إلا به, ولا يُستعان إلا هو, فله الحمد وإليه المشتكى, وهو المستعان, وبه المستغاث, ولا حول ولا قوة إلا به, فكيف وليس شيء من الأسباب مستقلاً بمطلوب بل لا بد من انضمام أسباب أخر إليه, ولا بد أيضاً من صرف الموانع والمعارضات عنه, حتى يحصل المقصود, فكل سبب فله شريك وله ضد, فإن لم يعاونه شريكه ولم ينصرف عنه ضده لم يحصل مُسببه, والمطر وحده لا ينبت النبات إلا بما ينضم إليه من الهواء والتراب وغير ذلك, ثم الزرع لا يتم حتى تصرف عنه الآفات المفسدة له, والطعام والشراب لا يغذي إلا بما جعل في البدن من الأعضاء والقوى, ومجموع ذلك لا يفيد إن لم تصرف عنه المفسدات, والمخلوق الذي يعطيك أو ينصرك, فهو مع أن الله يجعل فيه الإرادة والقوة والفعل, فلا يتم ما يفعله إلا بأسباب كثيرة خارجة عن قدرته, تعاونه على مطلوبه, ولو كان ملكاً مطاعاً.

ومن عرف هذا حق المعرفة انفتح له باب توحيد الله وعلم أنه لا يستحق أن يُسأل غيره, فضلاً عن أن يُعبد غيره, ولا يُتوكل على غيره, ولا يُرجى غيره.

قوله.. ونحن مؤمنون بذلك كله, لا نفرق بين أحد من رسله, ونصدقهم كلهم على ما جاؤوا به

قوله.. ونحن مؤمنون بذلك كله, لا نفرق بين أحد من رسله, ونصدقهم كلهم على ما جاؤوا به

الشرح…

الإشارة بذلك إلى ما تقدم, مما يجب الإيمان به تفصيلاً, وقوله: لا نفرق بين أحد من رسله إلى آخر كلامه أي: لا نفرق بينهم بأن نؤمن ببعض ونكفر ببعض, بل نؤمن بهم ونصدقهم كلهم, فإن من آمن ببعض وكفر ببعض, كافر بالكل, قال –تعالى-: (ويقولون نؤمن ببعض ونكفر ببعض ويريدون أن يتخذوا بين ذلك سبيلاً, أولئك هم الكافرون حقاً)[463] فإن المعنى الذي لأجله آمن بمن آمن به منهم, موجود في الذي لم يؤمن به, وذلك الرسول الذي آمن به قد جاء بتصديق بقية المرسلين, فإذا لم يؤمن ببعض المرسلين كان كافراً بمن في زعمه أنه مؤمن به؛ لأن ذلك الرسول قد جاء بتصديق المرسلين كلهم, فكان كافراً حقاً, وهو يظن أنه مؤمن, فكان من الأخسرين أعمالاً, الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا, وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً.

قوله.. وأهل الكبائر من أمة محمد –صلى الله عليه وسلم- في النار لا يخلدون, إذا ماتوا وهم موحدون, وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين, وهم في مشيئته وحكمه إن شاء الله غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر –عز وجل- في كتابه: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) النساء: 48و116, وإن شاء عذبهم في النار بعدله, ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل الطاعة ثم يبعثهم إلى جنته, وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته, ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته, الذين خابوا من هدايته, ولم ينالوا من ولايته –اللهم يا وليّ الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به

قوله.. وأهل الكبائر من أمة محمد –صلى الله عليه وسلم- في النار لا يخلدون, إذا ماتوا وهم موحدون, وإن لم يكونوا تائبين بعد أن لقوا الله عارفين, وهم في مشيئته وحكمه إن شاء الله غفر لهم وعفا عنهم بفضله كما ذكر –عز وجل- في كتابه: (ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء) النساء: 48و116, وإن شاء عذبهم في النار بعدله, ثم يخرجهم منها برحمته وشفاعة الشافعين من أهل الطاعة ثم يبعثهم إلى جنته, وذلك بأن الله تعالى تولى أهل معرفته, ولم يجعلهم في الدارين كأهل نكرته, الذين خابوا من هدايته, ولم ينالوا من ولايته –اللهم يا وليّ الإسلام وأهله ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به

الشرح..

فقوله: وأهل الكبائر من أمة محمد –صلى الله عليه وسلم- في النار لا يخلدون, إذا ماتوا وهم موحدون رد لقول القائلين بتخليد أهل الكبائر في النار, وقوله: وأهل الكبائر من أمة محمد تخصيصه أمة محمد, يفهم منه أن أهل الكبائر من أمة غير محمد –صلى الله عليه وسلم- قبل نسخ تلك الشرائع به, حكمهم مخالف لأهل الكبائر من أمة محمد, وفي ذاك نظر, فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- أخبر أنه : “يخرج من النار من كان في قلبه مثقال ذرة من إيمان” ولم يخص أمته بذلك, بل ذكر الإيمان مطلقاً فتأمله.

واختلف العلماء في الكبائر على أقوال, فقيل: سبعة, وقيل: سبع عشرة, وقيل: ما اتفقت الشرائع على تحريمه, وقيل: ما يسد باب المعرفة بالله, وقيل: ذهاب الأموال والأبدان, وقيل: سميت كبائر بالنسبة والإضافة إلى ما دونها, وقيل: لا تعلم أصلاً أو: أنها أخفيت كليلة القدر, وقيل: إنها إلى السبعين أقرب, وقيل: كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة, وقيل: إنها ما يترتب عليها حد أو تُوُعِّدَ عليها بالنار, أو اللعنة, أو الغضب, وهذا أمثل الأقوال, واختلفت عبارات السلف في تعريف الصغائر: منهم من قال: الصغيرة ما دون الحدين, حد الدنيا وحد الآخرة, ومنهم من قال: كل ذنب لم يختم بلعنة أو غضب, أو نار, ومنهم من قال: الصغيرة ما ليس فيها حد في الدنيا ولا وعيد في الآخرة, والمراد بالوعيد: الوعيد الخاص بالنار أو اللعنة أو الغضب, فإن الوعيد الخاص في الآخرة كالعقوبة الخاصة في الدنيا, أعنى المقدّرة, فالتعزير في الدنيا نظير الوعيد بغير النار أو اللعنة أو الغضب, وهذا الضابط يسلم من القوادح الواردة على غيره, فإنه يدخل فيه كل ما ثبت بالنص أنه كبيرة, كالشرك, والقتل, والزنا, والسحر, وقذف المحصنات الغافلات المؤمنات, ونحو ذلك, كالفرار من الزحف, وأكل مال اليتيم, وأكل الربا, وعقوق الوالدين, واليمين الغموس, وشهادة الزور, وأمثال ذلك.

وترجيح هذا القول من وجوه:

أحدها: أنه هو المأثور عن السلف, كابن عباس, وابن عيينة, وابن حنبل –رضي الله عنهم- وغيرهم.

الثاني: أن الله –تعالى- قال: (إن تجتنبوا كبائر ما تُنهون عنه نكفر عنكم سيئاتكم وندخلكم مدخلاً كريماً)[464], فلا يستحق هذا الوعيد الكريم من أوعِد بغضب الله ولعنته وناره, وكذلك من استحق أن يقام عليه الحد لم تكن سيئاته مكفرة عنه باجتناب الكبائر.

الثالث: أن هذا الضابط مرجعه إلى ما ذكره الله ورسوله من الذنوب, فهو متلقى من خطاب الشارع.

الرابع: أن هذا الضابط يمكن الفرق به بين الكبائر والصغائر, بخلاف تلك الأقوال, فإن من قال: سبعة. أو سبع عشرة أو إلى السبعين أقرب مجرد دعوى, ومن قال: ما اتفقت الشرائع على تحريمه دون ما اختلفت فيه, يقتضي أن شرب الخمر, والفرار من الزحف, والتزوّج ببعض المحارم, والمحرم بالرضاعة والصهرية, ونحو ذلك ليس من الكبائر! وأن الحبة من مال اليتيم, والسرقة لها, والكذبة الواحدة الخفيفة, ونحو ذلك من الكبائر!وهذا فاسد, ومن قال: ما سد باب المعرفة بالله, أو ذهاب الأموال والأبدان: يقتضي أن شرب الخمر, وأكل الخنزير والميتة والدم, وقذف المحصنات ليس من الكبائر! وهذا فاسد, ومن قال: إنها سميت كبائر بالنسبة إلى ما دونها, أو كل ما نهى الله عنه فهو كبيرة: يقتضي أن الذنوب في نفسها لا تنقسم إلى صغائر وكبائر! وهذا فاسد؛ لأنه خلاف النصوص الدالة على تقسيم الذنوب إلى صغائر وكبائر, ومن قال: إنها لا تعلم أصلاً, أو إنها مبهمة: فإنما أخبر عن نفسه أنه لا يعلمها, فلا يمنع أن يكون قد علمها غيره –والله أعلم-.

وقوله: وإن لم يكونوا تائبين؛ لأن التوبة لا خلاف أنها تمحو الذنوب, وإنما الخلاف في غير التائب, وقوله: بعد أن لقوا الله –تعالى- عارفين- لو قال: مؤمنين بدل قوله: عارفين,كان أولى؛ لأن من عرف الله, ولم يؤمن به فهو كافر فإن إبليس عارف بربه: (قال رب فأنظرني إلى يوم يُبعثون)[465], (قال فبعزتك لأغوينهم أجمعين, إلا عبادك منهم المخلَصين)[466], وكذلك فرعون وأكثر الكافرين, قال –تعالى-: (ولئن سألتهم من خلق السموات والأرض ليقولن الله)[467], (قل لمن الأرض ومن فيها إن كنتم تعلمون, سيقولون لله)[468] إلى غير ذلك من الآيات الدالة على هذا المعنى, وكأن الشيخ –رحمه الله- أراد المعرفة الكاملة المستلزمة للاهتداء, التي يشير إليها أهل الطريقة وحاشا أولئك أن يكونوا من أهل الكبائر, بل هم سادة الناس وخاصتهم, وقوله: وهم في مشيئة الله وحكمه, إن شاء غفر لهم وعفا عنهم بفضله إلى آخر كلامه, فَصَل الله –تعالى- بين الشرك وغيره لأن الشرك أكبر الكبائر, كما قال –صلى الله عليه وسلم-: وأخبر الله –تعالى- أن الشرك غير مغفور, وعلق غفران ما دونه بالمشيئة, والجائز يعلق بالمشيئة دون الممتنع, ولو كان الكل سواء لما كان للتفصيل معنى؛ ولأنه علق هذا الغفران بالمشيئة, وغفران الكبائر والصغائر بعد التوبة مقطوع به, غير معلق بالمشيئة, كما قال –تعالى-: (قل يا عبادي الذين أسر فوا على أنفسهم لا تقنطوا من رحمة الله إن الله يغفر الذنوب جميعاً إنه هو الغفور الرحيم)[469]فوجب أن يكون الغفران المعلق بالمشيئة هو غفران الذنوب سوى الشرك بالله قبل التوبة.

وقوله: ذلك أن الله مولى أهل معرفته, فيه مؤاخذة لطيفة –كما تقدم- وقوله: اللهم يا ولي الإسلام وأهله مسّكنا بالإسلام, وفي نسخة: ثبتنا على الإسلام حتى نلقاك به, روى شيخ الإسلام أبو إسماعيل الأنصاري في كتابه ((الفاروق)) بسنده عن أنس –رضي الله عنه- قال: كان من دعاء رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: “يا ولي الإسلام وأهله, مسّكني بالإسلام حتى ألقاك عليه“.

ومناسبة ختم الكلام المتقدم بهذا الدعاء ظاهرة, ويمثل هذا الدعاء دعاء يوسف الصديق –صلوات الله عليه- حيث قال: (رب قد آتيتني من الملك وعلمتني من تأويل الأحاديث فاطر السموات والأرض أنت وليي في الدنيا والآخرة توفّني مسلماً وألحقني بالصالحين)[470], وبه دعا السحرة الذين كانوا أول من آمن بموسى –صلوات الله على نبينا وعليه- حيث قالوا: (ربنا أفرغ علينا صبراً وتوفنا مسلمين)[471], ومن استدل بهاتين الآيتين على جواز تمني الموت فلا دليل له فيه, فإن الدعاء إنما هو بالموت على الإسلام,لا بمطلق الموت, ولا بالموت الآن, والفرق ظاهر.

قوله.. ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة, وعلى من مات منهم

قوله.. ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجر من أهل القبلة, وعلى من مات منهم

الشرح..

عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: “الصلاة واجبة عليكم مع كل مسلم, براً كان أو فاجراً, وإن عمل الكبائر” [حديث ضعيف], وفي ((صحيح البخاري)): أن عبد الله بن عمر –رضي الله عنه- كان يصلي خلف الحجاج بن يوسف الثقفي, وكذا أنس بن مالك, وكان الحجاج فاسقاً ظالماً, وفي ((صحيحه)) أيضاً: أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “يصلون لكم, فإن أصابوا فلكم ولهم, وإن أخطأوا فلكم وعليهم“.

اعلم –رحمك الله وإيانا-: أنه يجوز للرجل أن يصلي خلف من لم يعلم منه بدعة ولا فسقاً –باتفاق الأئمة- وليس من شرط الائتمام اعتقاد إمامه, ولا أن يمتحنه, فيقول: ماذا تعتقد؟ بل يصلي خلف المستور الحال, ولو صلى خلف مبتدع يدعو إلى بدعته, أو فاسق ظاهر الفسق, وهو الإمام الراتب الذي لا يمكنه الصلاة إلا خلفه, كإمام الجمعة والعيدين, والإمام في صلاة الحج بعرفة, ونحو ذلك, فإن المأموم يصلي خلفه عند عامة السلف والخلف, ومن ترك الجمعة والجماعة خلف الإمام الفاجر, فهو مبتدع عند أكثر العلماء, والصحيح أنه يصليها ولا يعيدها, فإن الصحابة –رضي الله عنهم- كانوا يصلون الجمعة والجماعة خلف الأئمة الفجار ولا يعيدون, كما كان عبد الله بن عمر يصلي خلف الحجاج بن يوسف, وكذلك أنس –رضي الله عنه- كما تقدم, وكذلك عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- يصلون خلف الوليد بن عقبة بن أبي معيط, وكان يشرب الخمر, حتى إنه صلى بهم الصبح مرة أربعاً, ثم قال: أزيدكم؟ فقال له ابن مسعود: ما زلنا معك منذ اليوم في زيادة! وفي ((الصحيح)) أن عثمان بن عفان –رضي الله عنه- لما حُصر صلى بالناس شخص فسأل سائل عثمان: إنك إمام عامة, وهذا الذي صلى بالناس إمام فتنة؟ فقال: يا ابن أخي, إن الصلاة من أحسن ما يعمل الناس, فإذا أحسنوا فأحسِن معهم, وإذا أساؤوا فاجتنب إساءتهم.

والفاسق والمبتدع صلاته في نفسها صحيحة, فإذا صلى المأموم خلفه لم تبطل صلاته, لكن إنما كره من كره الصلاة خلفه؛ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر واجب, ومن ذلك: أن من أظهر بدعة وفجوراً لا يرتب إماماً للمسلمين, فإنه يستحق التعزير حتى يتوب, وإذا كان بعض الناس إذا ترك الصلاة خلفه وصلى خلف غيره أثّر ذلك في إنكار المنكر حتى يتوب أو يُعزل أو ينتهي الناس عن مثل ذنبه, فمثل هذا إذا ترك الصلاة خلفه يفوت المأموم الجمعة والجماعة فهنا لا يترك الصلاة خلفه إلا مبتدع مخالف للصحابة –رضي الله عنهم- وكذلك إذا كان الإمام قد رتبه ولاة الأمور, ليس في ترك الصلاة خلفه مصلحة شرعية, فهنا لا يترك الصلاة خلفه, بل الصلاة خلفه أفضل, فإذا أمكن الإنسان أن لا يقدم مظهراً للمنكر في الإمامة, وجب عليك ذلك, لكن إذا ولاه غيره, ولم يمكنه صرفه عن الإمامة, أو كان لا يتمكن من صرفه عن الإمامة إلا بشرّ أعظم ضرراً من ضرر ما أظهر من المنكر, فلا يجوز دفع الفساد القليل بالفساد الكثير, ولا دفع أخف الضررين بحصول أعظمهما, فإن الشرائع جاءت بتحصيل المصالح وتكميلها, وتعطيل المفاسد وتقليلها بحسب الإمكان, فتفويت الجمع والجماعات أعظم فساداً من الاقتداء فيهما بالإمام الفاجر, لا سيما إذا كان التخلف عنها لا يدفع فجوراً, فيبقى تعطيل المصلحة الشرعية بدون دفع تلك المفسدة, وأما إذا أمكن فعل الجمعة والجماعة خلف البر فهذا أولى من فعلها خلف الفاجر, وحينئذ فإذا صلى خلف الفاجر من غير عذر, فهو موضع اجتهاد العلماء: منهم من قال: لا يعيد, ومنهم من قال: يعيد, وموضع بسط ذلك في كتب الفروع.

وأما الإمام إذا نسي أو أخطأ, ولم يعلم المأموم بحاله, فلا إعادة على المأموم, وقد صلى عمر –رضي الله عنه- وغيره وهو جنب ناسياً للجنابة, فأعاد الصلاة, ولم يأمر المأمومين بالإعادة, ولو علم أن إمامه بعد فراغه كان على غير طهارة, أعاد عند أبي حنيفة, خلافاً لمالك والشافعي وأحمد في المشهور عنه, وكذلك لو فعل الإمام ما لا يسوغ عند المأموم, وفيه تفاصيل موضعها كتب الفروع, ولو علم أن إمامه يصلي على غير وضوء, فليس له أن يصلي خلفه؛ لأنه لاعب, وليس بمصلّ.

وقد دلت نصوص الكتاب والسنة وإجماع سلف الأمة أن ولي الأمر وإمام الصلاة والحاكم, وأمير الحرب, وعامل الصدقة: يطاع في مواضع الاجتهاد, وليس عليه أن يطيع أتباعه في موارد الاجتهاد, بل عليهم طاعته في ذلك, وترك رأيهم لرأيه, فإن مصلحة الجماعة والائتلاف, ومفسدة الفرقة والاختلاف, أعظم من أمر المسائل الجزئية؛ ولهذا لم يَجزْ للحكام أن ينقض بعضهم حكم بعض, والصواب المقطوع به صحة صلاة بعض هؤلاء خلف بعض, يروى عن أبي يوسف: أنه لما حج مع هارون الرشيد, فاحتجم الخليفة, وأفتاه مالك بأنه لا يتوضأ, وصلى بالناس, فقيل لأبي يوسف: أصليت خلفه؟ قال: سبحان الله! أمير المؤمنين، يريد بذلك أن ترك الصلاة خلف ولاة الأمور من فعل أهل البدع, وحديث أبي هريرة الذي رواه البخاري, أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “يُصلون لكم, فإن أصابوا فلكم ولهم, وإن أخطأوا فلكم وعليهم” نص صريح في أن الإمام إذا أخطأ فخطؤه عليه, لا على المأموم, والمجتهد غايته أنه أخطأ بترك واجب اعتقد أنه ليس واجباً, أو فعل محظوراً اعتقد أنه ليس محظوراً, ولا يحل لأحد يؤمن بالله واليوم الآخر أن يخالف هذا الحديث الصريح الصحيح بعد أن يبلغه, وهو حجة على من يُطلق من الحنفية والشافعية والحنبلية أن الإمام إذا ترك ما يعتقد المأموم وجوبه لم يصح اقتداؤه به!! فإن الاجتماع والائتلاف مما يجب رعايته وترك الخلاف المفضي إلى الفساد.

وقوله: وعلى من مات منهم أي: ونرى الصلاة على من مات من الأبرار والفجار, وإن كان يُستثنى من هذا العموم البُغاة وقطاع الطريق, وكذا قاتل نفسه, خلافاً لأبي يوسف, لا الشهيد, خلافاً لمالك والشافعي –رحمهما الله- على ما عرف في موضعه, لكن الشيخ إنما ساق هذا لبيان أنا لا نترك الصلاة على من مات من أهل البدع والفجور, ولكن المظهرون للإسلام قسمان: إما مؤمن, وإما منافق, فمن عُلم نفاقه لم تجز الصلاة عليه والاستغفار له, ومن لم يعلم ذلك منه صُلي عليه, فإذا علم شخص نفاق شخص لم يصلّ هو عليه, وصلى عليه من لم يعلم نفاقه, وكان عمر –رضي الله عنه- لا يصلي على من لم يصلّ عليه حُذيفة؛ لأنه كان في غزوة تبوك قد عرف المنافقين, وقد نهى الله –سبحانه وتعالى- رسوله –صلى الله عليه وسلم- عن الصلاة على المنافقين, وأخبر أنه لا يغفر لهم باستغفاره, وعلل ذلك بكفرهم بالله ورسوله, فمن كان مؤمناً بالله ورسوله لم يُنهَ عن الصلاة عليه, ولو كان له من الذنوب الاعتقادية البدعية أو العملية أو الفجورية ما له, بل قد أمره الله –تعالى- بالاستغفار للمؤمنين فقال –تعالى-: (فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمؤمنين والمؤمنات)[472], فأمره –سبحانه- بالتوحيد والاستغفار لنفسه وللمؤمنين والمؤمنات, فالتوحيد أصل الدين, والاستغفار له وللمؤمنين كما له, فالدعاء لهم بالمغفرة والرحمة وسائر الخيرات, إما واجب وإما مستحب, وهو على نوعين: عام وخاص, أما العام فظاهر, كما في هذه الآية, أما الدعاء الخاص, فالصلاة على الميت, فما من مؤمن يموت إلا وقد أمِر المؤمنون أن يصلوا عليه صلاة الجنازة, وهم مأمورون في صلاتهم عليه أن يدعوا له, كما روى أبو داود وابن ماجه عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: “إذا صليتم على الميت فأخلصوا له الدعاء“.

قوله.. ولا ننزل أحداً جنة ولا ناراً

قوله.. ولا ننزل أحداً جنة ولا ناراً

الشرح..

إنه لا بد أن يدخل النار من أهل الكبائر من شاء الله إدخاله النار, ثم يخرج منها بشفاعة الشافعين, ولكننا نقف في الشخص المعين, فلا نشهد له بجنة ولا نار إلا عن علم؛ لأن الحقيقة باطنة, وما مات عليه لا نُحيط به, لكن نرجو للمحسنين, ونخاف على المسيئين, وللسلف في الشهادة بالجنة ثلاثة أقوال:

أحدها: أن لا يُشهد لأحد إلا للأنبياء, وهذا ينقل عن محمد بن الحنفية, والأوزاعي.

الثاني: أنه يُشهد بالجنة لكل مؤمن جاء فيه النص, وهذا قول كثير من العلماء, وأهل الحديث.

الثالث: أنه يُشهد بالجنة لهؤلاء ولمن شهد له المؤمنون, كما في ((الصحيحين)): أنه مر بجنازة, فأثنوا عليها بخير, فقال –صلى الله عليه وسلم-: “وجبت, ومُر بأخرى, فأثني عليها بشر, فقال: وجبت“, وفي رواية كرر: “وجبت” ثلاث مرات, فقال عمر: يا رسول الله, ما وجبت؟ فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “هذا أثنيتم عليه خيراً وجبت له الجنة, وهذا أثنيتم عليه شراً وجبت له النار, أنتم شهداء الله في الأرض“, وقال –صلى الله عليه وسلم-: “توشكون أن تعلموا أهل الجنة من أهل النار“, قالوا: بمَ يا رسول الله؟ قال: “بالثناء الحسن والثناء السيء“, فأخبر أن ذلك مما يُعلم به أهل الجنة وأهل النار.

قوله.. ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق, ما لم يظهر منهم شيء من ذلك, ونذر سرائرهم إلى الله –تعالى-.

قوله.. ولا نشهد عليهم بكفر ولا بشرك ولا بنفاق, ما لم يظهر منهم شيء من ذلك, ونذر سرائرهم إلى الله –تعالى-.

الشرح..

لأنّا قد أمِرنا بالحكم الظاهر, ونُهينا عن الظن واتباع ما ليس لنا به علم, قال –تعالى-: (يا أيها الذين آمنوا لا يسخر قوم من قوم عسى أن يكونوا خيراً منهم)[473] الآية, وقال –تعالى-: (يا أيها الذين آمنوا اجتنبوا كثيرا من الظن إن بعض الظن إثم)[474], وقال –تعالى-: (ولا تَقفُ ما ليس لك به علم إن السمع والبصر والفؤاد كل أولئك كان عنه مسؤولاً)[475].

قوله.. ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد –صلى الله عليه وسلم- إلا من وجب عليه السيف

قوله.. ولا نرى السيف على أحد من أمة محمد –صلى الله عليه وسلم- إلا من وجب عليه السيف

الشرح..

في (( الصحيح)) عن النبي –صلى الله عليه وسلم-, أنه قال: “لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وإني رسول الله, إلا بإحدى ثلاث: الثيّب الزاني, والنفس بالنفس, والتارك لدينه المفارق للجماعة“.

قوله.. ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا, وإن جاروا, ولا ندعوا عليهم, ولا ننزع يدأ من طاعتهم, ونرى طاعتهم من طاعة الله –عز وجل- فريضة, ما لم يأمروا بمعصية, وندعو لهم بالصلاح والمعافاة

قوله.. ولا نرى الخروج على أئمتنا وولاة أمورنا, وإن جاروا, ولا ندعوا عليهم, ولا ننزع يدأ من طاعتهم, ونرى طاعتهم من طاعة الله –عز وجل- فريضة, ما لم يأمروا بمعصية, وندعو لهم بالصلاح والمعافاة

الشرح..

قال –تعالى-: (يا أيها الذين آمنوا أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)[476], وفي ((الصحيح)) عن النبي –صلى الله عليه وسلم-, أنه قال: “من أطاعني فقد أطاع الله, ومن عصاني فقد عصى الله, ومن يطع الأمير فقد أطاعني, ومن يعص الأمير فقد عصاني“, وعن أبي ذر –رضي الله عنه-, قال: “إن خليلي أوصاني أن أسمع وأطيع وإن كان عبداً حبشياً مجدع الأطراف“, وعند البخاري: “ولو لحبشي كأن رأسه زَبيبة“, وفي ((الصحيحين)) أيضاً: “على المرء المسلم السمع والطاعة فيما أحبّ وكره, إلا أن يؤمر بمعصية, فإن أمِر بمعصية فلا سمع ولا طاعة“, وعن حذيفة بن اليمان قال: كان الناس يسألون رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الخير, وكنت أسأله عن الشر, مخافة أن يدركني, فقلت: يا رسول الله, إنا كنا في جاهلية وشرّ, فجاءنا الله بهذا الخير, فهل بعد هذا الخير من شر؟ قال: “نعم“, فقلت: هل بعد ذلك الشر من خير؟ قال: “نعم, وفيه دَخَن“, قال: قلت: وما دَخَنه؟ قال: “قوم يسنون بغير سنتي, ويهدون بغير هديي, تَعرف من هم وتُنكر” قلت: هل بعد ذلك الخير من شرّ؟ قال: “نعم دعاة على أبواب جهنم, من أجابهم إليها قذفوه فيها“, قلت: يا رسول الله, صِفهم لنا؟ قال: “نعم, قوم من جلدتنا, يتكلمون بألسنتنا”, قلت: يا رسول الله, فما ترى إذا أدركني ذلك؟ قال: “تلزم جماعة المسلمين وإمامهم” فقلت: فإن لم يكن جماعة ولا إمام؟ قال: :فاعتزل تلك الفرَق كلها, ولو أن تعضَ على أصل شجرة, حتى يدركك الموت وأنت على ذلك” وعن ابن عباس –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “من رأى من أميره شيئاً يكرهه فليصبر, فإنه من فارق الجماعة شبراً فمات, فميتَتُه جاهلية” وفي رواية: “فقد خلع ربْقة الإسلام من عنقه” وعن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه-, قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إذا بويع لخليفتين فاقتلوا الآخِرَ منهما” وعن عوف بن مالك –رضي الله عنه- عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, قال: “خيار أئمتكم الذين تحبونهم ويحبونكم, وتصلون عليهم ويصلون عليكم, وشرار أئمتكم الذين تبغضونهم ويبغضونكم, وتلعنونهم ويلعنونكم” فقلنا: يا رسول الله, أفلا ننابذهم بالسيف عند ذلك؟ قال: “لا, ما أقاموا فيكم الصلاة إلا من ولي عليه وال, فرآه يأتي شيئاً من معصية الله, فليكره ما يأتي من معصية الله, ولا ينزعن يداً من طاعة“, فقد دل الكتاب والسنة على وجوب طاعة أولي الأمر, ما لم يأمروا بمعصية فتأمل قوله –تعالى-: (أطيعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم)[477], كيف قال: “وأطيعوا الرسول” ولم يقل: وأطيعوا أولي الأمر منكم؟ لأن أولي الأمر لا يفردون بالطاعة, بل يُطاعون فيما هو طاعة لله ورسوله, وأعاد الفعل مع الرسول لأن من يطع الرسول فقد أطاع الله, فإن الرسول لا يأمر بغير طاعة الله, بل هو معصوم في ذلك, وأما ولي الأمر فقد يأمر بغير طاعة الله, فلا يطاع إلا فيما هو طاعة لله ورسوله, وأما لزوم طاعتهم وإن جاروا, فلأنه يترتب على الخروج من طاعتهم من المفاسد أضعاف ما يحصل من جورهم, بل في الصبر على جورهم تكفير السيئات ومضاعفة الأجور, فإن الله –تعالى- ما سلطهم علينا إلا لفساد أعمالنا والجزاء من جنس العمل, فعلينا الاجتهاد في الاستغفار والتوبة, وإصلاح العمل, قال –تعالى-: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)[478], وقال –تعالى-: (أوَلمّا أصابتكم مصيبة قد أصبتم مثليها قلتم أنى هذا قل هو من عند أنفسكم)[479], وقال –تعالى-: (ما أصابك من حسنة فمن الله وما أصابك من سيئة فمن نفسك)[480], وقال –تعالى-: (وكذلك نولّي بعض الظالمين بعضاً بما كانوا يكسبون)[481], فإذا أراد الرعية أن يتخلصوا من ظلم الأمير الظالم, فليتركوا الظلم, وعن مالك بن دينار أنه جاء في بعض كتب الله: “أنا الله مالك الملك, قلوب الملوك بيدي, فمن أطاعني جعلتهم عليه رحمة, ومن عصاني جعلتهم عليه نقمة, فلا تشغلوا أنفسكم بسبب الملوك, لكن توبوا أعطفهم عليكم” [حديث ضعيف].

قوله.. ونتّبع السنة والجماعة, ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة

قوله.. ونتّبع السنة والجماعة, ونجتنب الشذوذ والخلاف والفرقة

الشرح..

السنة: طريقة الرسول –صلى الله عليه وسلم-, والجماعة: جماعة المسلمين, وهم الصحابة والتابعون لهم بإحسان إلى يوم الدين, فاتباعهم هدى, وخلافهم ضلال, قال الله –تعالى- لنبيه –صلى الله عليه وسلم-: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)[482], وقال: (ومن يُشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونُصله جهنم وساءت مصيراً)[483], وقال –تعالى-: (قل أطيعوا الله وأطيعوا الرسول فإن تولوا فإنما عليه ما حُمل وعليكم ما حُملتم وإن تطيعوه تهتدوا وما على الرسول إلا البلاغ المبين)[484], وقال –تعالى-: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله ذلكم وصاكم به لعلكم تتقون)[485], وقال –تعالى-: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم)[486], وقال –تعالى-: (إن الذين فرقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون)[487], وثبت في ((السنن)) الحديث الذي صححه الترمذي عن العِرباض بن سارية, قال: وعظنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- موعظة بليغة, ذرفت منها العيون, ووجلت منها القلوب, فقال قائل: يا رسول الله, كأن هذه موعظة مودّع؟ فماذا تعهد إلينا؟ فقال: “أوصيكم بالسمع والطاعة, فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً, فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, تمسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل بدعة ضلالة” وقال –صلى الله عليه وسلم-: “إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة, وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة, يعني الأهواء, كلها في النار إلا واحدة وهي الجماعة“, وفي رواية: قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: “ما أنا عليه وأصحابي” فبين –صلى الله عليه وسلم- أن عامة المختلفين هالكون من الجانبين, إلا أهل السنة والجماعة.

وما أحسن قول عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه-, حيث قال: من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات, فإن الحي لا تؤمن عليه الفتنة, أولئك أصحاب محمد –صلى الله عليه وسلم-, كانوا أفضل هذه الأمة, أبرّها قلوباً, وأعمقها علماً وأقلها تكلفاً, قوم اختارهم الله لصحبة نبيه وإقامة دينه, فاعرفوا لهم فضلهم, واتبعوهم في آثارهم, وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم ودينهم, فإنهم كانوا على الهدى المستقيم, وسيأتي لهذا المعنى زيادة بيان –إن شاء الله تعالى- عند قول الشيخ: ونرى الجماعة حقاً وصواباً, والفرقة زيغاً وعذاباً.

قوله.. ونحب أهل العدل والأمانة, ونبغض أهل الجور والخيانة

قوله.. ونحب أهل العدل والأمانة, ونبغض أهل الجور والخيانة

الشرح..

وهذا من كمال الإيمان وتمام العبودية, فإن العبادة تتضمن كمال المحبة ونهايتها, وكمال الذل ونهايته, فمحبة رسل الله وأنبيائه وعباده المؤمنين من محبة الله وإن كانت المحبة التي لله لا يستحقها غيره, فغير الله يحب في الله, لا مع الله, فإن المحب يحب ما يحب محبوبه, ويبغض ما يبغض, ويوالي من يواليه, ويعادي من يعاديه, ويرضى لرضائه, ويغضب لغضبه, ويأمر بما يأمر به, وينهى عما ينهى عنه, فهو موافق لمحبوبه في كل حال, والله –تعالى- يحب المحسنين, ويحب المتقين, ويحب التوابين, ويحب المتطهرين, ونحن نحب من أحبه الله, والله لا يحب الخائنين, ولا يحب المفسدين, ولا يحب المستكبرين, ونحن لا نحبهم أيضاً, ونبغضهم, موافقة له –سبحانه وتعالى-.

وفي ((الصحيحين)) عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: “ثلاث من كن فيه وجد حلاوة الإيمان: من كان الله ورسوله أحبّ إليه مما سواهما, ومن كان يحب المرء لا يحبه إلا لله, ومن كان يكره أن يرجع في الكفر بعد أن أنقذه الله منه, كما يكره أن يُلقى في النار” فالمحبة التامة مستلزمة لموافقة المحبوب في محبوبه ومكروهه, وولايته وعداوته, ومن المعلوم أن من أحب الله المحبة الواجبة فلا بد أن يبغض أعداءه, ولا بد أن يحب ما يحبه من جهادهم, كما قال –تعالى-: (إن الله يحب الذين يقاتلون في سبيله صفاً كأنهم بنيان مرصوص)[488], والحب والبغض بحسب ما فيهم من خصال الخير والشر, فإن العبد يجتمع فيه سبب الولاية وسبب العداوة, والحب والبغض, فيكون محبوباً من وجه ومبغوضاً من وجه, والحكم للغالب, وكذلك حكم العبد عند الله, فإن الله قد يحب الشيء من وجه ويكرهه من وجه آخر, كما قال –صلى الله عليه وسلم-, فيما يروي عن ربه –عز وجل-: “ما تردّدت في شيء أنا فاعله ترددي عن قبض نفس عبدي المؤمن, يكره الموت, وأنا أكره مساءَته, ولا بد له منه” فبين أنه يتردد؛ لأن التردد تعارُض إرادتين, كما قال: “وأنا أكره مساءته“, وهو –سبحانه- قضى بالموت فهو يريد كونه, فسمى ذلك تردداً, ثم بين أنه لا بد من وقوع ذلك, إذ هو يفضي إلى ما أحب منه.

قوله..ونقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه

قوله..ونقول الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه

الشرح…

تقدم في كلام الشيخ –رحمه الله- أنه ما سلم في دينه إلا من سلم لله –عز وجل- ولرسوله –صلى الله عليه وسلم-, ورد علم ما اشتبه عليه إلى عالمه, ومن تكلم بغير علم فإنما يتبع هواه, وقد قال –تعالى-: (ومن أضل ممن اتبع هواه بغير هدى من الله)[489], وقال –تعالى-: (ومن الناس من يجادل في الله بغير علم ويتبع كل شيطان مريد, كُتب عليه أنه من تولاه فأنه يضله ويهديه إلى عذاب السعير)[490], وقال –تعالى- (الذين يجادلون في آيات الله بغير سلطان أتاهم كبر مقتاً عند الله وعند الذين آمنوا كذلك يطبع الله على كل قلب متكبر جبار)[491], وقال –تعالى-: (قل إنما حرم ربي الفواحش ما ظهر منها وما بطن والإثم والبغي بغير الحق وأن تشركوا بالله ما لم ينزل به سلطاناً وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون)[492], وقد أمر الله نبيه –صلى الله عليه وسلم- أن يَرد علم ما لم يعلم إليه فقال –تعالى-: (قل الله أعلم بما لبثوا له غيب السموات والأرض)[493], (قل ربي أعلم بعدتهم)[494], وقد قال –صلى الله عليه وسلم-, لما سئل عن أطفال المشركين: “الله أعلم بما كانوا عاملين“, وقال عمر –رضي الله عنه- اتهموا الرأي في الدين, فلو رأيتني يوم أبي جندل, فلقد رأيتني وإني لأرد أمر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- برأيي, فأجتهد ولا آلو, وذلك يوم أبي جندل, والكتاب يُكتب وقال: اكتب (بسم الله الرحمن الرحيم), قال: اكتب باسمك اللهم, فرضي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وكتب وأبَيْت, فقال: “يا عمر تراني قد رضيت وتأبى؟ [قلت: في سنده ضعف], وقال أيضاً –رضي الله عنه- السنة ما سنه الله ورسوله –صلى الله عليه وسلم-, لا تجعلوا خطأ الرأي سنة للأمة, وقال أبو بكر الصديق –رضي الله عنه-: أي أرض تُقلني, وأي سماء تُظلني, إن قلت في آية من كتاب الله برأيي, أو بما لا أعلم, وذكر الحسن بن علي الحُلواني, حدثنا عارم, حدثنا حماد بن زيد, عن سعيد بن أبي صدقة, عن ابن سيرين قال: لم يكن أحد أهيَب لما لا يعلم من أبي بكر, ولم يكن بعد أبي بكر أهيب لما لا يعلم من عمر –رضي الله عنه-, وإن أبا بكر نزلت به قضية, فلم يجد في كتاب الله منها أصلاً, ولا في السنة أثراً, فاجتهد برأيه, ثم قال: هذا رأيي, فإن يكن صواباً فمن الله, وإن يكن خطأ فمني وأستغفر الله.

قوله.. ونرى المسح على الخفين, في السفر والحضر كما جاء في الأثر

قوله.. ونرى المسح على الخفين, في السفر والحضر كما جاء في الأثر

الشرح..

تواترت السنة عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بالمسح على الخفين وبغسل الرجلين, فالسنة المتواترة تقضي على ما يفهمه بعض الناس من ظاهر القرآن, فإن الرسول بيّن للناس لفظ القرآن ومعناه, كما قال أبو عبد الرحمن السلمي: حدثنا الذين كانوا يقرئوننا القرآن: عثمان بن عفان, وعبد الله بن مسعود, وغيرهما: أنهم كانوا إذا تعلموا من النبي –صلى الله عليه وسلم- عشر آيات لم يجاوزوها حتى يتعلموا معناها, وفي ذكر المسح في الرجلين تنبيه على قلة الصبّ في الرجلين, فإن السرف يُعتاد فيهما كثيراً, والمسألة معروفة, والكلام عليها في كتب الفروع.

قوله.. والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين, برّهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما

قوله.. والحج والجهاد ماضيان مع أولي الأمر من المسلمين, برّهم وفاجرهم إلى قيام الساعة لا يبطلهما شيء ولا ينقضهما

الشرح..

قوله: مع أولي الأمر برّهم وفاجرهم –لأن الحج والجهاد فرضان يتعلقان بالسفر, فلا بد من سائس يسوس الناس فيهما, ويُقاوم العدو, وهذا المعنى كما يحصل بالإمام البرّ يحصل بالإمام الفاجر.

قوله.. ونؤمن بالكرام الكاتبين, فإن الله قد جعلهم علينا حافظين

قوله.. ونؤمن بالكرام الكاتبين, فإن الله قد جعلهم علينا حافظين

الشرح..

قال –تعالى-: (وإن عليكم لحافظين, كراماً كاتبين, يعلمون ما تفعلون)[495], وقال –تعالى-: (إذ يتلقى المتلقيان عن اليمين وعن الشمال قعيد, ما يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد)[496]. وقال –تعالى-: (له معقبات من بين يديه ومن خلفه يحفظونه من أمر الله)[497]. وقال –تعالى-: (أم يحسبون أنا لا نسمع سرّهم ونجواهم بلى ورسلنا لديهم يكتبون)[498]. وقال –تعالى-: (هذا كتابنا ينطق عليكم بالحق إنّا كنا نستنسخ ما كنتم تعملون)[499]. وقال –تعالى-: (إن رسلنا يكتبون ما تمكرون)[500]. وفي ((الصحيح)) عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “يتعاقبون فيكم ملائكة بالليل وملائكة بالنهار, ويجتمعون في صلاة الصبح وصلاة العصر, فيصعد إليه الذين كانوا فيكم, فيسألهم, والله أعلم بهم: كيف تركتم عبادي؟ فيقولون: أتيناهم وهم يصلون, وفارقناهم وهم يصلون. جاء في التفسير: اثنان عن اليمين وعن الشمال, يكتبان الأعمال, صاحب اليمين يكتب الحسنات, وصاحب الشمال يكتب السيئات, وملكان آخران يحفظانه ويحرسانه, واحد من ورائه, وواحد من أمامه, فهو بين الأربعة أملاك بالنهار, وأربعة آخرين بالليل, بدلاً, حافظان وكاتبان, وقال عكرمة عن ابن عباس: ( يحفظونه من أمر الله) الرعد: 11, قال: ملائكة يحفظونه من بين يديه ومن خلفه, فإذا جاء قدر الله خلّوا عنه“.

وروى مسلم والإمام أحمد عن عبد الله, قال: قال رسول اله –صلى الله عليه وسلم-: “ما منكم من أحد إلا وقد وُكل به قرينه من الجن, وقرينه من الملائكة, قالوا: وإياك يا رسول الله؟ قال: وإياي, لكن الله أعانني عليه فأسلم, فلا يأمرني إلا بخير. الرواية بفتح الميم من (فأسلمَ) ومن رواه (فأسلمُ) برفع الميم –فقد حرّف لفظه. ومعنى (فأسلم), أي: فاستسلم وانقاد لي, في أصح القولين, ولهذا قال: فلا يأمرني إلا بالخير, ومن قال: إن الشيطان صار مؤمناً –فقد حرّف معناه, فإن الشيطان لا يكون مؤمناً. ومعنى: (يحفظونه من أمر الله)[501]– قيل: حفظهم له من أمر الله, أي الله أمرهم بذلك, يشهد لذلك قراءة من قرأ: يحفظونه بأمر الله.

ثم قد ثبت بالنصوص المذكورة أن الملائكة تكتب القول والفعل. وكذلك النية, لأنها فعل القلب, فدخلت في عموم (يعلمون ما تفعلون)[502]. ويشهد لذلك قوله –صلى الله عليه وسلم-: قال الله عز وجل: إذا همّ عبدي بسيئة فلا تكتبوها عليه, فإن عملها فاكتبوها عليه سيئة, وإذا همّ عبدي بحسنة فلم يعملها فاكتبوها له حسنة, فإن عملها فاكتبوها عشراً. وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: قالت الملائكة: ذاك عبد يريد أن يعمل سيئة, وهو أبصر به, فقال: ارقُبوه, فإن عملها فاكتبوها بمثلها, وإن تركها فاكتبوها له حسنة, إنما تركها من جرّائي, خرّجاهما في (الصحيحين) واللفظ لمسلم.

قوله.. ونؤمن بملك الموت, الموكل بقبض أرواح العالمين

قوله.. ونؤمن بملك الموت, الموكل بقبض أرواح العالمين

الشرح..

قال –تعالى-: (قل يتوفاكم ملك الموت الذي وُكل بكم ثم إلى ربكم تُرجعون)[503], ولا تعارض هذه الآية قوله: (حتى إذا جاء أحدكم الموت توفته رسلنا وهم لا يُفرّطون)[504], وقوله –تعالى-: (الله يتوفى الأنفس حين موتها والتي لم تمت في منامها فيمسك التي قضى عليها الموت ويرسل الأخرى إلى أجل مسمّى)[505] لأن ملك الموت يتولى قبضها واستخراجها, ثم يأخذها منه ملائكة الرحمة أو ملائكة العذاب, ويتولونها بعده, كل ذلك بإذن الله وقضائه وقدره, وحُكمه وأمره, فصحّت إضافة التوفي إلى كل بحسبه.

قوله.. وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً, وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, وعن الصحابة –رضوان الله عليهم-, والقبر روضة من رياض الجنة, أو حفرة من حفر النيران

قوله.. وبعذاب القبر لمن كان له أهلاً, وسؤال منكر ونكير في قبره عن ربه ودينه ونبيه على ما جاءت به الأخبار عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, وعن الصحابة –رضوان الله عليهم-, والقبر روضة من رياض الجنة, أو حفرة من حفر النيران

الشرح..

قال –تعالى-: (وحاق بآل فرعون سوء العذاب, النار يُعرضون عليها غدواً وعشياً ويوم تقوم الساعة أدخِلوا آل فرعون أشد العذاب)[506], وقال –تعالى-: (فذرهم حتى يلاقوا يومهم الذي فيه يُصعقون, يوم لا يُغني عنهم كيدهم شيئاً ولا هم ينصرون, وإن للذين ظلموا عذاباً دون ذلك ولكن أكثرهم لا يعلمون)[507], وهذا يحتمل أن يُراد به عذابهم بالقتل وغيره في الدنيا, وأن يُراد به عذابهم في البرزخ, وهو أظهر؛ لأن كثيراً منهم مات ولم يُعذب في الدنيا, أو المراد أعم من ذلك, وعن البراء بن عازب –رضي الله عنه- قال: كنا في جنازة في بقيع الغرقد, فأتانا النبي –صلى الله عليه وسلم-, فقعد وقعدنا حوله, كأن على رؤوسنا الطير وهو يُلحَد له, فقال:”أعوذ بالله من عذاب القبر” ثلاث مرات, ثم قال:” إن العبد المؤمن إذا كان في إقبال من الآخرة وانقطاع من الدنيا, نزلت إليه الملائكة, كأن على وجوههم الشمس, معهم كفن من أكفان الجنة, وحنوط من حنوط الجنة, فجلسوا منه مدّ البصر, ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه, فيقول: يا أيتها النفس الطيبة, اخرجي إلى مغفرة من الله ورضوان, قال: “فتخرج تسيل كما تسيل القطرة من فيّ السقاء, فيأخذها, فإذا أخذها لم يَدَعوها في يده طرفة عين, حتى يأخذوها فيجعلوها في ذلك الكفن وذلك الحنوط, ويخرج منها كأطيب نفحة مسك وُجدت على وجه الأرض, قال: فيصعدون بها, فلا يمرون بها, على ملأ من الملائكة, إلا قالوا: ما هذه الروح الطيبة؟ فيقولون: فلان ابن فلان, بأحسن أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا, حتى ينتهوا بها إلى السماء, فيستفتحون له, فيُفتح له, فيشيعه من كل سماء مقربوها, إلى السماء التي تليها, حتى ينتهي بها إلى السماء التي فيها الله, فيقول الله –عز وجل-: اكتبوا كتاب عبدي في عليين, وأعيدوه إلى الأرض, فإني منها خلقتهم, وفيها أعيدهم, ومنها أخرجهم تارة أخرى, قال: فتعاد روحه في جسده, فيأتيه ملكان, فيجلسانه, فيقولان له: من ربك؟ فيقول ربي الله, فيقولان له: ما دينك؟ فيقول: ديني الإسلام, فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بعث فيكم؟ فيقول: هو رسول الله, فيقولان له: ما علمك؟ فيقول قرأت كتاب الله فآمنت به وصدقت, فينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي, فافرشوه من الجنة, وافتحوا له باباً إلى الجنة, قال: فيأتيه من رَوحها وطيبها, ويُفسح له في قبره مدّ بصره, قال: ويأتيه رجل حسن الوجه, حسن الثياب طيب الريح, فيقول: أبشر بالذي يسرك هذا يومك الذي كنت تُوعد, فيقول له: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالخير, فيقول أنا عملك الصالح, فيقول: يا رب, أقم الساعة حتى أرجع إلى أهلي ومالي, قال: وإن العبد الكافر إذا كان في انقطاع من الدنيا وإقبال من الآخرة, نزل إليه من السماء ملائكة سود الوجوه, معهم المسوح, فيجلسون منه مد البصر, ثم يجيء ملك الموت حتى يجلس عند رأسه, فيقول: أيتها النفس الخبيثة, اخرجي إلى سخط من الله وغضب, قال: فتتفرق في جسده, فينتزعها كما ينتزع السّفود من الصوف المبلول فيأخذها, فإذا أخذها لم يدعوها في يده طرفة عين, حتى يجعلوها في تلك المسوح, ويخرج منها كأنتن ريح خبيثة وجدت على وجه الأرض, فيصعدون بها, فلا يمرون بها على ملأ من الملائكة إلا قالوا: ما هذا الروح الخبيث؟ فيقولون: فلان ابن فلان, بأقبح أسمائه التي كانوا يسمونه بها في الدنيا حتى ينتهي بها إلى السماء الدنيا, فيستفتح له, فلا يُفتح له, ثم قرأ رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: (لا تُفَتّح لهم أبواب السماء ولا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سمّ الخياط) الأعراف: 40, فيقول الله –عز وجل-: اكتبوا كتابه في سجّين, في الأرض السفلى فتطرح روحه طرحاً, ثم قرأ: (ومن يُشرك بالله فكأنما خر من السماء فتخطفه الطير أو تهوي به الريح في مكان سحيق)[508], فتعاد روحه في جسده, ويأتيه ملكان فيجلسانه, فيقولان له: من ربك؟ فيقول: هاه هاه, لا أدري, فيقولان له: ما هذا الرجل الذي بُعث فيكم: فيقول: هاه هاه, لا أدري, فينادي منادٍ من السماء: أن كذب, فافرشوه من النار, وافتحوا له باباً إلى النار, فيأتيه من حرّها وسمومها, ويضيق عليه قبره, حتى تختلف أضلاعه, ويأتيه رجل قبيح الوجه, قبيح الثياب منتن الريح, فيقول: أبشر بالذي يسوؤك هذا يومك الذي كنت توعد, فيقول: من أنت؟ فوجهك الوجه الذي يجيء بالشر, فيقول: أنا عملك الخبيث, فيقول: ربّ لا تُقم الساعة” رواه الإمام أحمد وأبو داود, وروى النسائي وابن ماجه أوّله, ورواه الحاكم وأبو عَوانة الإسفرائيني في ((صحيحيهما)) وابن حبان.

وذهب إلى موجب هذا الحديث جميع أهل السنة والحديث, وله شواهد من الصحيح, فذكر البخاري –رحمه الله- عن سعيد عن قتادة عن أنس, أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “إن العبد إذا وضع في قبره وتولى عنه أصحابه, إنه ليسمع قرع نعالهم, فيأتيه ملكان, فيُقعِدانه, فيقولان له: ما كنت تقول في هذا الرجل, محمد –صلى الله عليه وسلم-؟ فأما المؤمن فيقول: أشهد أنه عبد الله ورسوله, فيقولان له: انظر إلى مقعدك من النار أبدلك الله به مقعداً من الجنة, فيراهما جميعاً” قال قتادة: ورُوي لنا أنه يُفسح له في قبره, وذكر الحديث, وفي ((الصحيحين)) عن ابن عباس –رضي الله عنهما-: أن النبي –صلى الله عليه وسلم- مر بقبرين, فقال: “إنهما ليعذبان, وما يعذبان في كبير, أما أحدهما فكان لا يستبرئ من البول, وأما الآخر فكان يمشي بالنميمة, فدعا بجريدة رطبة, فشقها نصفين, وقال: “لعله يخفف عنهما ما لم ييبسا“, وفي ((صحيح أبي حاتم)) عن أبي هريرة, قال: قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “إذا قبر أحدكم, أو الإنسان أتاه ملكان أسودان أزرقان, يقال لأحدهما المنكر وللآخر: النكير” وذكر الحديث.. إلخ.

وقد تواترت الأخبار عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في ثبوت عذاب القبر ونعيمه لمن كان لذلك أهلاً, وسؤال الملكين, فيجب اعتقاد ثبوت ذلك والإيمان به, ولا نتكلم في كيفيته, إذ ليس للعقل وقوف على كيفيته, لكونه لا عهد له به في هذه الدار, والشرع لا يأتي بما تُحيله العقول, ولكنه قد يأتي بما تحار فيه العقول, فإن عود الروح إلى الجسد ليس على الوجه المعهود في الدنيا, بل تعاد الروح إليه إعادة غير الإعادة المألوفة في الدنيا, فالروح لها بالبدن خمسة أنواع من التعلق, متغايرة الأحكام:

أحدها: تعلقها به في بطن الأم جنيناً.

الثاني: تعلقها به بعد خروجه إلى وجه الأرض.

الثالث: تعلقها به في حال النوم, فلها به تعلق من وجه, ومفارقة من وجه.

الرابع: تعلقها به في البرزخ, فإنها وإن فارقته وتجردت عنه, فإنها لم تفارقه فراقاً كلياً بحيث لا يبقى لها إليه التفات البتة, فإنه ورد ردها إليه وقت سلام المسلم, وورد أنه ليسمع خفق نعالهم حين يولون عنه, وهذا الرد إعادة خاصة لا يوجب حياة البدن قبل يوم القيامة.

الخامس: تعلقها به يوم بعث الأجساد, وهو أكمل أنواع تعلقها بالبدن, ولا نسبة لما قبله من أنواع التعلق إليه, إذ هو تعلق لا يقبل البدن معه موتاً ولا نوماً ولا فساداً, فالنوم أخو الموت, فتأمل هذا, يُزحْ عنك إشكالات كثيرة.

وليس السؤال في القبر للروح وحدها, وكذلك عذاب القبر يكون للنفس والبدن جميعاً, باتفاق أهل السنة والجماعة, تنعم النفس وتعذب مفردةً عن البدن ومتصلة به.

واعلم أن عذاب القبر هو عذاب البرزخ, فكل من مات ومهو مستحق للعذاب ناله نصيبه منه, قُبر أو لم يُقبر, أكلته السباع أو احترق حتى صار رماداً, ونسف في الهواء, أو صُلب أو غرق في البحر, وصل إلى روحه وبدنه من العذاب ما يصل إلى المقبور, وما ورد من إجلاسه واختلاف أضلاعه ونحو ذلك, فيجب أن يُفهم عن الرسول –صلى الله عليه وسلم- مراده من غير غلوّ ولا تقصير, فلا يُحمّل كلامه ما لا يحتمله, ولا يقصر به عن مراده وما قصده من الهدى والبيان, فكم حصل بإهمال ذلك والعدول عنه من الضلال والعدول عن الصواب ما لا يعلمه إلا الله, بل سوء الفهم عن الله ورسله أصل كل بدعة وضلالة نشأت في الإسلام, وهو أصل كل خطأ في الفروع والأصول, ولا سيما إن أضيف إليه سوء القصد –والله المستعان-.

فالحاصل أن الدور ثلاث: دار الدنيا, ودار البرزخ, ودار القَرار, وقد جعل الله لكل دار أحكاماً تخصها, وركّب هذا الإنسان من بدن ونفس, وجعل أحكام الدنيا على الأبدان, والأرواح تبعٌ لها, وجعل أحكام البرزخ على الأرواح, والأبدان تبع لها, فإذا جاء يوم حشر الأجساد وقيام الناس من قبورهم, صار الحكم والنعيم والعذاب على الأرواح والأجساد جميعاً, فإذا تأملت هذا المعنى حق التأمل, ظهر لك أن كون القبر روضة من رياض الجنة أو حفرة من حفر النار مطابق للعقل, وأنه حق لا مرية فيه, وبذلك يتميز المؤمنون بالغيب من غيرهم, ويجب أن يُعلم أن النار التي في القبر والنعيم, ليس من جنس نار الدنيا ولا نعيمها, وإن كان الله –تعالى- يحمي عليه التراب والحجارة التي فوقه وتحته حتى يكون أعظم حراً من جمر الدنيا, ولو مسها أهل الدنيا لم يحسُوا بها, بل أعجب من هذا أن الرجلين يُدفن أحدُهما إلى جنب صاحبه, هذا في حفرة من النار, وهذا في روضة من رياض الجنة, لا يصل من هذا إلى جاره شيء من حر ناره, ولا من هذا إلى جاره شيء من نعيمه, وقدرة الله أوسع من ذلك وأعجب, ولكن النفوس مولعة بالتكذيب بما لم تحط به علماً, وقد أرانا الله في هذه الدار من عجائب قدرته ما هو أبلغ من هذا بكثير, وإذا شاء الله أن يطلع على ذلك بعض عباده أطلعه وغيّبه عن غيره, ولو أطلع الله على ذلك العباد كلهم لزالت حكمة التكليف والإيمان بالغيب, ولما تدافن الناس, كما في ((الصحيح)) عنه –صلى الله عليه وسلم-: “لولا أن لا تدافنوا لدَعَوت الله أن يُسمعكم من عذاب القبر ما أسمع“, ولمّا كانت هذه الحكمة منتفية في حق البهائم سمعته وأدركته, وقد اختلف في مستقرّ الأرواح ما بين الموت إلى قيام الساعة.

ويتلخص من أدلتها: أن الأرواح في البرزخ متفاوتة أعظم تفاوت, فمنها: أرواح في أعلى عليين, في الملأ الأعلى, وهي أرواح الأنبياء –صلوات الله عليهم وسلامه-, وهم متفاوتون في منازلهم, ومنها أرواح في حواصل طير خُضر, تسرح في الجنة حيث شاءت, وهي أرواح بعض الشهداء, لا كلهم, بل من الشهداء من تحبس روحه عن دخول الجنة لدَين عليه, كما في ((المسند)) عن عبد الله بن جحش: أن رجلاً جاء إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-, فقال: يا رسول الله: مالي إن قتلت في سبيل الله؟ قال: “الجنة“, فلما ولى, قال: “إلا الدّين, سارني به جبرائيل آنفاً“, ومن الأرواح من يكون محبوساً على باب الجنة, كما في الحديث الذي قال فيه رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “رأيت صاحبكم محبوساً على باب الجنة“, ومنهم من يكون محبوساً في قبره, ومنهم من يكون في الأرض, ومنها أرواح في تنّور الزناة والزواني, وأرواح في نهر الدم تسبح فيه وتُلقم الحجارة, كل ذلك تشهد له السّنة, -والله أعلم-, وأما الحياة التي اختص بها الشهيد وامتاز بها عن غيره, في قوله –تعالى-: (ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتاً بل أحياء عند ربهم يرزقون)[509], وقوله –تعالى-: (ولا تقولوا لمن يُقتل في سبيل الله أمواتاً بل أحياء ولكن لا تشعرون)[510], فهي: أن الله –تعالى- جعل أرواحهم في أجواف طير خضر, كما في حديث عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما-, أنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “لما أصيب إخوانكم, يعني يوم أحد, جعل الله أرواحهم في أجواف طير خضر, ترد أنهار الجنة, وتأكل من ثمارها, وتأوي إلى قناديل من ذهب مظلّة في ظل العرش“, الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود, وبمعناه في حديث ابن مسعود, رواه مسلم, فإنهم لما بذلوا أبدانهم لله –عز وجل- حتى أتلفها أعداؤه فيه, أعاضهم منها في البرزخ أبداناً خيراً منها, تكون فيها إلى يوم القيامة, ويكون تنعمها بواسطة تلك الأبدان, أكمل من تنعّم الأرواح المجردة عنها, ولهذا كانت نسمة المؤمن في صورة طير, أو كطير, ونسمة الشهيد في جوف طير, وتأمل لفظ الحديثين, ففي الموطأ أن كعب بن مالك كان يحدث أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, قال: “إن نسمة المؤمن طائر يعلق في شجر الجنة حتى يرجعه الله إلى جسده يوم يبعثه“, فقوله: “نسمة المؤمن” تعم الشهيد وغيره, ثم خص الشهيد بأن قال: “هي في جوف طير خضر” ومعلوم أنها إذا كانت في جوف طير صدق عليها أنها طير, فتدخل في عموم الحديث الآخر بهذا الاعتبار, فنصيبهم من النعيم في البرزخ أكمل من نصيب غيرهم من الأموات على فُرُشهم, وإن كان الميت أعلى درجة من كثير منهم, فلهم نعيم يختص به لا يشاركه فيه من هو دونه –والله أعلم-, وحرم الله على الأرض أن تأكل أجساد الأنبياء, كما روي في ((السنن)), وأما الشهداء فقد شوهد منهم بعد مدد من دفنه كما هو لم يتغير, فيحتمل بقاؤه كذلك في تربته إلى يوم محشره, ويحتمل أنه يَبلى مع طول المدة –والله أعلم- وكأنه –والله أعلم- كلما كانت الشهادة أكمل, والشهيد أفضل, كان بقاء جسده أطول.

قوله.. ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة, والعرض والحساب, وقراءة الكتاب, والثواب والعقاب, والصراط والميزان.

قوله.. ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال يوم القيامة, والعرض والحساب, وقراءة الكتاب, والثواب والعقاب, والصراط والميزان.

الشرح..

الإيمان بالمعاد مما دل عليه الكتاب والسنة, والعقل والفطرة السليمة, فأخبر الله –سبحانه- عنه في كتابه العزيز, وأقام الدليل عليه, ورد كل منكريه في غالب سور القرآن, وذلك: أن الأنبياء –عليهم السلام- كلهم متفقون على الإيمان بالله, فإن الإقرار بالرب عام في بني آدم, وهو فطري, كلهم يقر بالرب إلا من عاند, كفرعون, بخلاف الإيمان باليوم الآخر, فإن منكريه كثيرون, ومحمد –صلى الله عليه وسلم- لما كان خاتم الأنبياء, وكان قد بعث هو والساعة كهاتين, وكان هو الحاشر المقفي ،بين تفصيل الآخرة بياناً لا يوجد في شيء من كتب الأنبياء, والقرآن بين معاد النفس عند الموت, ومعاد البدن عند القيامة الكبرى في غير موضع, فقال –تعالى-: (قال اهبطوا بعضكم لبعض عدو ولكم في الأرض مستقر ومتاع إلى حين)[511], (قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون)[512], ولما قال إبليس اللعين: (رب فأنظرني إلى يوم يبعثون, قال فإنك من المنظرين, إلى يوم الوقت المعلوم)[513], وأما نوح –عليه السلام- فقال: (والله أنبتكم من الأرض نباتاً, ثم يعيدكم فيها ويخرجكم إخراجاً)[514]وقال إبراهيم –عليه السلام-: (والذي أطمع أن يغفر لي خطيئتي يوم الدين)[515], إلى آخر القصة, وقال: (ربنا اغفر لي ولوالديّ وللمؤمنين يوم يقوم الحساب)[516], وقال: (رب أرني كيف تحيي الموتى)الآية[517], وأما موسى –عليه السلام-, فقال الله –تعالى- لما ناجاه: (إن الساعة آتية أكاد أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى, فلا يصدنك عنها من لا يؤمن بها واتبع هواه فتردى)[518], بل مؤمن آل فرعون كان يعلم المعاد, وإنما آمن بموسى, قال –تعالى- حكاية عنه: (ويا قوم إني أخاف عليكم يوم التناد يوم تولون مدبرين ما لكم من الله من عاصم, ومن يضلل الله فما له من هاد)[519] إلى قوله –تعالى-: (يا قوم إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار)[520], إلى قوله: (أدخلوا آل فرعون أشد العذاب)[521], وقال موسى: (واكتب لنا في هذه الدنيا حسنة وفي الآخرة إنا هدنا إليك)[522], وقد أخبر الله في قصة البقرة: (فقلنا اضربوه ببعضها كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته لعلكم تعقلون)[523], وقد أخبر الله أنه أرسل الرسل مبشرين ومنذرين, وفي آيات من القرآن, وأخبر عن أهل النار أنهم إذا قال لهم خزنتها: (ألم يأتكم رسل منكم يتلون عليكم آيات ربكم وينذرونكم لقاء يومكم هذا قالوا بلى ولكن حقت كلمة العذاب على الكافرين)[524], وهذا اعتراف من أصناف الكفار الداخلين جهنم أن الرسل أنذرتهم لقاء يومهم هذا, فجميع الرسل أنذروا بما أنذر به خاتمهم من عقوبات المذنبين في الدنيا والآخرة, فعامة سور القرآن التي فيها ذكر الوعد والوعيد يذكر ذلك فيها, في الدنيا والآخرة, وأمر نبيه أن يقسم به على المعاد فقال: (وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة قل بلى وربي لتأتينكم عالم الغيب)[525]الآيات.

وقال –تعالى-: (ويستنبؤونك أحق هو قل إي وربي إنه لحق وما أنتم بمعجزين)[526] وقال –تعالى-: (زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا قل بلى وربي لتبعثن ثم لتنبؤن بما عملتم وذلك على الله يسير)[527], وأخبر عن اقترابها فقال: (اقتربت الساعة وانشق القمر)[528], (اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون)[529], (سأل سائل بعذاب واقع, للكافرين ليس له دافع)[530], إلى أن قال: (إنهم يرونه بعيداً ونراه قريباً)[531], وذم المكذبين بالمعاد فقال: (قد خسر الذين كذبوا بلقاء الله وما كانوا مهتدين)[532], (حتى إذا جاءتهم الساعة بغتة قالوا يا حسرتنا على ما فرطنا فيها)[533], (ألا إن الذين يمارون في الساعة لفي ضلال بعيد)[534], (بل ادّارك علمهم في الآخرة بل هم في شك منها بل هم منها عمون)[535], (وأقسموا بالله جهد أيمانهم لا يبعث الله من يموت بلى وعداً عليه حقاً)[536], إلى أن قال: (وليعلم الذين كفروا أنهم كانوا كاذبين)[537], (إن الساعة لآتية لا ريب فيها ولكن أكثر الناس لا يؤمنون)[538], (ونحشرهم يوم القيامة على وجوههم عمياً وبكماً وصماً مأواهم جهنم كلما خبت زدناهم سعيراً)[539], (ذلك جزاؤهم بأنهم كفروا بآياتنا وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً)[540], (أوَلم يروا أن الله الذي خلق السموات والأرض قادر على أن يخلق مثلهم وجعل لهم أجلاً لا ريب فيه فأبى الظالمون إلا كفوراً)[541], (وقالوا أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً, قل كونوا حجارة أو حديداً, أو خلقاً مما يكبر في صدوركم فسيقولون من يعيدنا قل الذي فطركم أول مرة فسينغضون إليك رؤوسهم ويقولون متى هو قل عسى أن يكون قريباً, يوم يدعوكم فتستجيبون بحمده وتظنون إن لبثتم إلا قليلاً)[542].

فتأمل ما أجيبوا به عن كل سؤال بالتفصيل: فإنهم قالوا أولاً: (أئذا كنا عظاماً ورفاتاً أئنا لمبعوثون خلقاً جديداً)؟![543], فقيل لهم في جواب هذا السؤال: إن كنتم تزعمون أنه لا خالق لكم ولا رب لكم, فهلا كنتم خلقاً لا يفنيه الموت, كالحجارة والحديد, وما هو أكبر في صدوركم من ذلك؟ فإن قلتم: كنا خلقاً على هذه الصفة التي لا تقبل البقاء, فما الذي يحول بين خالقكم ومنشئكم وبين إعادتكم خلقاً جديداً؟! وللحجة تقدير آخر, وهو: لو كنتم من حجارة أو حديد, أو خلق أكبر منهما, فإنه قادر على أن يفنيكم ويحيل ذواتكم, وينقلها من حال إلى حال, ومن يقدر على التصرف في هذه الأجسام, مع شدتها وصلابتها بالإفناء والإحالة فما الذي يعجزه فيما دونها؟ ثم أخبر أنهم يسألون آخراً بقولهم: من يعيدنا إذا استحالت جسومنا وفنيت؟ فأجابهم بقوله: (قل الذي فطركم أول مرة)[544], فلما أخذتهم الحجة, ولزمهم حكمها, انتقلوا إلى سؤال آخر يتعللون به بعلل المنقطع, وهو قولهم: متى هو؟ فأجيبوا بقوله: (عسى أن يكون قريباً), (وضرب لنا مثلاً ونسي خلقه قال من يحيي العظام وهي رميم)[545], إلى آخر السورة, فلو رام أعلم البشر وأفصحهم وأقدرهم على البيان, أن يأتي بأحسن من هذه الحجة, أو بمثلها بألفاظ تشابه هذه الألفاظ في الإيجاز, ووضح الأدلة وصحة البرهان لما قدر, فإنه –سبحانه- افتتح هذه الحجة بسؤال أورده ملحد اقتضى جواباً.

فكان في قوله: (ونسي خلقه)[546], ما وفى بالجواب, وأقام الحجة وأزال الشبهة لما أراد سبحانه من تأكيد الحجة وزيادة تقريرها فقال: (قل يحييها الذي أنشأها أول مرة)[547], فاحتج بالإبداء على الإعادة, وبالنشأة الأولى على النشأة الأخرى, إذ كل عاقل يعلم ضرورياً أن من قدر على هذه قدر على هذه, وأنه لو كان عاجزاً عن الثانية لكان عن الأولى أعجز وأعجز, ولما كان الخلق يستلزم قدرة الخالق على المخلوق, وعلمه بتفاصيل خلقه أتبع ذلك بقوله: (وهو بكل شيء عليم)[548], فهو عليم بتفاصيل الخلق الأول وجزئياته, ومواده وصورته, فكذلك الثاني, فإذا كان تام العلم, كامل القدرة, كيف يتعذر عليه أن يحيي العظام وهي رميم؟ ثم أكد الأمر بحجة قاهرة, وبرهان ظاهر, يتضمن جواباً عن سؤال ملحد آخر يقول: العظام إذا صارت رميماً عادت طبيعتها باردة يابسة, والحياة لا بد أن تكون مادتها وحاملها طبيعة حارة رطبة بما يدل على أمر البعث, ففيه الدليل والجواب معاً, فقال: (الذي جعل لكم من الشجر الأخضر ناراً فإذا أنتم منه توقدون)[549]فأخبر –سبحانه- بإخراج هذا العنصر الذي هو في غاية الحرارة واليبوسة, من الشجر الأخضر الممتلئ بالرطوبة والبرودة, فالذي يخرج الشيء من ضده, وتنقاد له مواد المخلوقات وعناصرها, ولا تستعصي عليه هو الذي يفعل ما أنكره الملحد ودفعه من إحياء العظام وهي رميم, ثم أكد هذا بأخذ الدلالة من الشيء الأجلّ الأعظم على الأيسر الأصغر فإن كان عاقل يعلم أن من قدر على العظيم الجليل فهو على ما دونه بكثير أقدر وأقدر, فمن قدر على حمل قنطار فهو على حمل أوقية أشد اقتداراً, فقال: (أوَليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم)[550], فأخبر أن الذي أبدع السموات والأرض على جلالتهما, وعظم شأنهما, وكبر أجسامهما, وسعتهما, وعجيب خلقهما, أقدر على أن يحيي عظاماً قد صارت رميماً, فيردها إلى حالتها الأولى, كما قال في موضع آخر: (لخلق السموات والأرض أكبر من خلق الناس ولكن أكثر الناس لا يعلمون)[551], وقال: (أوَليس الذي خلق السموات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى وهو الخلاق العليم)[552], ثم أكد –سبحانه- ذلك وبينه ببيان آخر, وهو أنه ليس فعله بمنزلة غيره الذي يفعل بالآلات والكلفة, والنصب والمشقة, ولا يمكنه الاستقلال بالفعل, بل لا بد معه من آلة ومعين, بل يكفي في خلقه لما يريد أن يخلقه ويكونه نفس إرادته, وقوله للمكوًّن: كن, فإذا هو كائن كما شاءه وأراده, ثم ختم هذه الحجة بإخباره أن ملكوت كل شيء بيده, فيتصرف فيه بفعله وقوله: (وإليه ترجعون)[553], ومن هذا قوله –سبحانه-: (أيحسب الإنسان أن يترك سدى, ألم يك نطفة من مني يمنى, ثم كان علقة فخلق فسوى, فجعل منه الزوجين الذكر والأنثى, أليس ذلك بقادر على أن يحيي الموتى)[554], فاحتج –سبحانه- على أنه لا يتركه مهملاً عن الأمر والنهي, والثواب والعقاب, وأن حكمته وقدرته تأبى ذلك أشد الإباء, كما قال –تعالى-: (أفحسبتم أنما خلقناكم عبثاً وأنكم إلينا لا ترجعون)[555] إلى آخر السورة, فإن من نقله من النطفة إلى العلقة, ثم إلى المضغة, ثم شق سمعه وبصره, وركب فيه الحواس والقوى, والعظام والمنافع, والأعصاب والرباطات التي هي أشده, وأحكم خلقه غاية الإحكام, وأخرجه على هذا الشكل والصورة, التي هي أتمّ الصور وأحسن الأشكال كيف يعجز على إعادته وإنشائه مرة ثانية؟ أم كيف تقتضي حكمته وعنايته أن يتركه سدى؟ فلا يليق ذلك بحكمته, ولا تعجز عنه قدرته, فانظر إلى هذا الاحتجاج العجيب بالقول الوجيز, الذي لا يكون أوجز منه, والبيان الجليل, الذي لا يُتوهم أوضح منه, ومأخذه القريب الذي لا تقع الظنون على أقرب منه.

وكم في القرآن من مثل هذا الاحتجاج, كما في قوله: تعالى-: (يا أيها الناس إن كنتم في ريب من البعث فإنا خلقناكم من تراب ثم من نطفة)[556], إلى أن قال: (وأن الله يبعث من في القبور)[557], وقوله –تعالى-: (ولقد خلقنا الإنسان من سلالة من طين)[558], إلى أن قال: (ثم إنكم يوم القيامة تبعثون)[559], وذكر قصة أصحاب الكهف, وكيف أبقاهم موتى ثلاثمائة سنة شمسية, وهي ثلاثمائة وتسع سنين قمرية, وقال فيها: (وكذلك أعثرنا عليهم ليعلموا أن وعد الله حق وأن الساعة لا ريب فيها)[560].

وقوله: وجزاء الأعمال, قال –تعالى-: (مالك يوم الدين)[561], (يؤمئذ يوفيهم الله دينهم الحق ويعلمون أن الله هو الحق المبين)[562], والدين: الجزاء, يقال: كما تدين تدان, أي كما تجازي تجازى, وقال –تعالى-: (جزاءً بما كانوا يعملون)[563], (جزاءً وفاقاً)[564] (من جاء بالحسنة فله عشر أمثالها ومن جاء بالسيئة فلا يُجزى إلا مثلها وهم لا يظلمون)[565], (من جاء بالحسنة فله خير منها وهم من فزع يومئذ آمنون, ومن جاء بالسيئة فكُبت وجوههم في النار هل تجزون إلا ما كنتم تعملون)[566] (من جاء بالحسنة فله خير منها ومن جاء بالسيئة فلا يجزى الذين عملوا السيئات إلا ما كانوا يعملون)[567], وأمثال ذلك, وقال –صلى الله عليه وسلم- فيما يرويه عن ربه –عز وجل- من حديث أبي ذر الغفاري –رضي الله عنه-: “يا عبادي, إنما هي أعمالكم أحصيها لكم, ثم أوفيكم إياها, فمن وجد خيراً فليحمد الله, ومن وجد غير ذلك فلا يلومنّ إلا نفسه“, وقوله: والعرض والحساب, وقراءة الكتاب, والثواب والعقاب, قال –تعالى: (فيومئذ وقعت الواقعة, وانشقت السماء فهي يومئذ واهية, والملك على أرجائها ويحمل عرش ربك فوقهم يومئذ ثمانية, يومئذ تعرضون لا تخفى منكم خافية)[568], إلى آخر السورة, (يا أيها الإنسان إنك كادح إلى ربك كدحاً فملاقيه, فأما من أوتي كتابه بيمينه, فسوف يحاسب حساباً يسيراً, وينقلب إلى أهله مسروراً, وأما من أوتي كتابه وراء ظهره, فسوف يدعو ثبوراً, ويصلى سعيراً, إنه كان في أهله مسروراً, إنه ظن أن لن يحور, بلى إن ربه كان به بصيراً)[569], (وعرضوا على ربك صفاً لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة)[570], (ووضع الكتاب فترى المجرمين مشفقين مما فيه ويقولون يا ويلتنا ما لهذا الكتاب لا يغادر صغيرة ولا كبيرة إلا أحصاها ووجدوا ما عملوا حاضراً ولا يظلم ربك أحداً)[571], (يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات وبرزوا لله الواحد القهار)[572], إلى آخر السورة, (رفيع الدرجات ذو العرش يلقي الروح من أمره على من يشاء من عباده)[573], إلى قوله: (إن الله سريع الحساب)[574], (واتقوا يوماً ترجعون فيه إلى الله ثم توفى كل نفس ما كسبت وهم لا يظلمون)[575], وروى البخاري –رحمه الله- في ((صحيحه)), عن عائشة, أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “ليس أحد يحاسب يوم القيامة إلا هلك, فقلت: يا رسول الله أليس قد قال الله –تعالى- (فأما من أوتي كتابه بيمينه, فسوف يحاسب حساباً يسيراً) الانشقاق: (7-8) فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- “إنما ذلك العرض, وليس أحد يناقش الحساب يوم القيامة إلا عذب“, يعني أنه لو ناقش في حسابه لعبيده لعذبهم وهو غير ظالم لهم, ولكنه –تعالى- يعفو ويصفح, وفي ((الصحيح)) عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “إن الناس يصعقون يوم القيامة, فأكون أول من يفيق, فإذا موسى آخذ بقائمة العرش, فلا أدري أفاق قبلي أم جوزي بصعقة يوم الطور؟” وهذا صعق في موقف القيامة, إذا جاء الله لفصل القضاء, وأشرقت الأرض بنوره, فحينئذ يصعق الخلائق كلهم, فإن قيل: كيف تصنعون بقوله في الحديث: “إن الناس يصعقون يوم القيامة, فأكون أول من تنشق عنه الأرض, فأجد موسى باطشاً بقائمة العرش“؟ قيل: لا ريب أن هذا اللفظ قد ورد هكذا, ومنه نشأ الإشكال, ولكنه دخل فيه على الراوي حديث في حديث, فركب بين اللفظين, فجاء هذان الحديثان هكذا: أحدهما: “أن الناس يصعقون يوم القيامة فأكون أول من يفيق“, كما تقدم, والثاني: “أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة“, فدخل على الراوي هذا الحديث الآخر, وممن نبه على هذا أبو الحجاج المزّي, وبعده الشيخ شمس الدين بن القيّم, وشيخنا الشيخ عماد بن كثير –رحمهم الله- وكذلك اشتبه على بعض الرواة فقال: “لا أدري أفاق قبلي أم كان ممن استثنى الله –عز وجل-” والمحفوظ الذي تواطأت عليه الروايات الصحيحة هو الأول, وعليه المعنى الصحيح, فإن الصعق يوم القيامة لتجلي الله لعباده إذا جاء لفصل القضاء, فموسى –عليه السلام- إن كان لم يصعق معهم, فيكون قد جوزي بصعقة يوم تجلى ربه للجبل فجعله دكاً, فجعلت صعقة هذا التجلي عوضاً عن صعقة الخلائق لتجلي ربه يوم القيامة, فتأمل هذا المعنى العظيم ولا تهمله, وقد روى ابن أبي الدنيا عن ابن المبارك: أنه أنشد شعراً:

وطارت الصحف في الأيدي منشّرة       فيهـا السرائر والأخبــار تطّلع

فكيف سهوك والأنبـاء واقعــة       عمـا قليل, ولا تدري بمــا تقع

أفي الجنان وفوز لا انقطـاع لـه       أم الجحيم فـــلا تبقي ولا تدع

تهوي بساكنهـا طوراً وترفعهم         إذا رجوا مخرجاً من غمها قمعوا

طـال البكاء فلم يرحم تضرعهم         فيهـا, ولا رقية تغني ولا جزع

لينفع العلم قبـل الموت عالمـه         قد سال قوم بها الرجعى فما رجعوا

قوله: والصراط, أي: ونؤمن بالصراط, وهو جسر على جهنم, إذا انتهى الناس بعد مفارقتهم مكان الموقف إلى الظلمة التي دون الصراط, كما قالت عائشة –رضي الله عنها-: إن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- سئل: أين الناس يوم تبدل الأرض غير الأرض والسموات؟ فقال: “هم في الظلمة دون الجسر” وفي هذا الموضع يفترق المنافقون عن المؤمنين, ويتخلفون عنهم, ويسبقهم المؤمنون, ويحال بينهم بسور يمنعهم من الوصول إليهم, وروى البيهقي بسنده, عن مسروق, عن عبد الله, قال: “يجمع الله الناس يوم القيامة, إلى أن قال: “فيعطون نورهم على قدر أعمالهم, وقال: فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل بين يديه, ومنهم من يعطى نوره فوق ذلك, ومنهم من يعطى نوره مثل النخلة بيمينه, ومنهم من يعطي دون ذلك بيمينه, حتى يكون آخر من يعطى نوره على إبهام قدمه يضيء مرة, ويطفئ مرة, إذا أضاء قدّم قدمه, وإذا أطفئ قام, قال: فيمر ويمرون على الصراط, والصراط كحد السيف, دحض, مزلة, فيقال لهم: امضوا على قدر نوركم, فمنهم من يمر كانقضاض الكوكب, ومنهم من يمر كالريح, ومنهم من يمر كالطرف, ومنهم من يمر كشد الرجل, يَرمل رملاً, فيمرون على قدر أعمالهم حتى يمر الذي نوره على إبهام قدمه, تخرّ يد, وتعلق يد, وتخر رجل, وتعلق رجل, وتصيب جوانبه النار, فيخلصون فإذا خلصوا قالوا: الحمد لله الذي نجانا منك بعد أن أراناك, لقد أعطانا الله ما لم يعط أحد” الحديث.

واختلف المفسرون في المراد بالورود المذكور في قوله –تعالى-: (وإن منكم إلا واردها)[576], ما هو؟ والأظهر والأقوى أنه المرور على الصراط, قال –تعالى-: (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً)[577], وفي ((الصحيح)) أنه –صلى الله عليه وسلم- قال: “والذي نفسي بيده, لا يلج النار أحد بايع تحت الشجرة, قالت حفصة: فقلت: يا رسول الله, أليس الله يقول: (وإن منكم إلا واردها) مريم: 71, فقال: “ألم تسمعيه قال: (ثم ننجي الذين اتقوا ونذر الظالمين فيها جثياً) مريم: 72 أشار النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى أن ورود النار لا يستلزم دخولها, وأن النجاة من الشر لا تستلزم حصوله, بل تستلزم انعقاد سببه, فمن طلبه عدوه ليهلكوه, ولم يتمكنوا منه, يقال: نجاه الله منهم؛ ولهذا قال –تعالى-: (ولما جاء أمرنا نجينا هوداً)[578], (فلما جاء أمرنا نجينا صالحاً)[579] (ولما جاء أمرنا نجينا شعيباً)[580], ولم يكن العذاب أصابهم, ولكن أصاب غيرهم, ولولا ما خصهم به من أسباب النجاة لأصابهم ما أصاب أولئك, وكذلك حال الوارد في النار يمرون فوقها على الصراط, ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين فيها جثياً, فقد بين –صلى الله عليه وسلم- في حديث جابر المذكور: أن الورود هو الورود على الصراط.

وقوله: والميزان, أي: ونؤمن بالميزان, قال –تعالى-: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة فلا تظلم نفس شيئاً وإن كان مثقال حبة من خردل أتينا بها وكفى بنا حاسبين)[581], وقال –تعالى-: (فمن ثقلت موازينه فأولئك هم المفلحون, ومن خفت موازينه فأولئك الذين خسروا أنفسهم في جهنم خالدون)[582]قال القرطبي: قال العلماء: إذا انقضى الحساب كان بعده وزن الأعمال؛ لأن الوزن للجزاء, فينبغي أن يكون بعد المحاسبة, فإن المحاسبة لتقرير الأعمال, والوزن لإظهار مقاديرها ليكون الجزاء بحسبها قال: وقوله –تعالى-: (ونضع الموازين القسط ليوم القيامة)[583], يحتمل أن يكون ثمّ موازين متعددة توزن فيها الأعمال, ويحتمل أن يكون المراد الموزونات فجمع باعتبار تنوع الأعمال الموزونة –والله أعلم-.

والذي دلت عليه السنة: أن ميزان الأعمال له كفتان حسيتان مشاهدتان, روى الإمام أحمد, من حديث أبي عبد الرحمن الحُبلي, قال: سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إن الله سيُخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة, فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً كل سجل مدّ البصر, ثم يقول له: أتنكر من هذا شيئاً أظلمتك كتبتي الحافظون؟ قال: لا يا رب, فيقول: ألك عذر أو حسنة؟ فيبهت الرجل. فيقول: لا يا رب, فيقول: بلى, إن لك عندنا حسنة واحدة, لا ظلم اليوم عليك, فتخرج له بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله, وأن محمداً عبده ورسوله, فيقول: أحضروه, فيقول: يا رب, وما هذه البطاقة مع هذه السجلات؟ فيقال: إنك لا تظلم, قال: فتوضع السجلات في كفة, والبطاقة في كفة, قال: فطاشت السجلات, وثقلت البطاقة, ولا يثقل شيء بسم الله الرحمن الرحيم” وهكذا روى الترمذي, وابن ماجه, وابن أبي الدنيا, من حديث الليث, زاد الترمذي: “ولا يثقل مع اسم الله شيء” وفي سياق آخر: “توضع الموازين يوم القيامة, فيؤتى بالرجل, فيوضع في كفة,[ قلت: إسناده لا يصح]، وفي هذا السياق فائدة جليلة, وهي أن العامل يوزن مع عمله, ويشهد له ما روى البخاري عن أبي هريرة: عن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “إنه ليأتي الرجل العظيم السمين يوم القيامة, لا يزن عند الله جناح بعوضة, وقال: اقرؤوا إن شئتم: (فلا نقيم لهم يوم القيامة وزناً) الكهف: 106, وروى الإمام أحمد عن ابن مسعود: “أنه كان يجني سواكاً من الأراك, وكان دقيق الساقين, فجعلت الريح تكفؤه, فضحك القوم منه, فقال رسول –صلى الله عليه وسلم-: “مم تضحكون؟ قالوا: يا نبي الله, من دقة ساقيه, فقال: “والذي نفسي بيده لهما أثقل في الميزان من أحُد” وقد وردت الأحاديث أيضاً بوزن الأعمال أنفسها, كما في ((صحيح مسلم)) عن أبي مالك الأشعري: قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “الطهور شطر الإيمان, والحمد لله تملأ الميزان“, وفي ((الصحيح)) وهو خاتمة كتاب البخاري, قوله –صلى الله عليه وسلم- “كلمتان خفيفتان على اللسان, حبيبتان إلى الرحمن, ثقيلتان في الميزان: سبحان الله وبحمده, سبحان الله العظيم“, وروى الإمام أحمد عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “يؤتى بالموت كبشاً أغر, فيوقف بين الجنة والنار, فيقال: يا أهل الجنة, فيشرئبون وينظرون, ويقال: يا أهل النار, فيشرئبون وينظرون, ويرون أن قد جاء الفرج, فيذبح, ويقال: خلود لا موت“, ورواه البخاري بمعناه فنثبت وزن الأعمال والعامل وصحائف الأعمال, وثبت أن الميزان له كِفتان –والله تعالى أعلم بما وراء ذلك من الكيفيات-.

قوله.. والجنة والنار مخلوقتان, لا تفنيان أبداً ولا تبيدان, فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق, وخلق لهما أهلاً فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه, ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه, وكل يعمل لما قد فرغ له, وصائر إلى ما خلق له, والخير والشر مقدران على العباد.

قوله.. والجنة والنار مخلوقتان, لا تفنيان أبداً ولا تبيدان, فإن الله تعالى خلق الجنة والنار قبل الخلق, وخلق لهما أهلاً فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه, ومن شاء منهم إلى النار عدلاً منه, وكل يعمل لما قد فرغ له, وصائر إلى ما خلق له, والخير والشر مقدران على العباد.

الشرح…

أما قوله: إن الجنة والنار مخلوقتان, فاتفق أهل السنة على أن الجنة والنار مخلوقتان موجودتان الآن, فمن نصوص الكتاب: قوله –تعالى- عن الجنة: (أعدت للمتقين)[584], (أعدت للذين آمنوا بالله ورسله)[585], وعن النار: (أعدت للكافرين)[586], (إن جهنم كانت مرصاداً, للطاغين مآباً)[587] وقال –تعالى-: (ولقد رآه نزلة أخرى, عند سدرة المنتهى, عندها جنة المأوى)[588], وقد رأى النبي –صلى الله عليه وسلم- سدرة المنتهى, ورأى عندها جنة المأوى كما في ((الصحيحين)) من حديث أنس –رضي الله عنه- في قصة الإسراء, وفي آخره: “ثم انطلق بي جبرائيل, حتى أتى سدرة المنتهى, فغشيها ألوان لا أدري ما هي, قال: ثم دخلت الجنة, فإذا هي جنابذ اللؤلؤ, وإذا ترابها المسك” وفي ((الصحيحين)) من حديث عبد الله بن عمر –رضي الله عنهما- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “إن أحدكم إذا مات عرض عليه مقعده بالغداة والعشي, إن كان من أهل الجنة فمن أهل الجنة, وإن كان من أهل النار فمن أهل النار, يقال: هذا مقعدك حتى يبعثك الله يوم القيامة” وتقدم حديث البراء بن عازب, وفيه: “ينادي منادٍ من السماء: أن صدق عبدي, فافرشوه من الجنة, وافتحوا له باباً إلى الجنة, قال: فيأتيه من رَوحها وطيبها“, وتقدم حديث أنس بمعنى حديث البراء, وفي ((صحيح مسلم)) عن عائشة –رضي الله عنها- قالت: خسفت الشمس على عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فذكرت الحديث, وفيه: وقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “رأيت في مقامي هذا كل شيء وعدتم به, حتى لقد رأيتني آخذ قطفاً من الجنة حين رأيتموني تقدمت, ولقد رأيت النار يحطم بعضها بعضاً حين رأيتموني تأخرت“, وفي ((الصحيحين)) واللفظ للبخاري عن عبد الله ابن عباس قال: انخسفت الشمس على عهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فذكر الحديث, وفيه: فقالوا: يا رسول الله رأيناك تناولت شيئاً في مقامك, ثم رأيناك تكعكعت؟ فقال: “إني رأيت الجنة, وتناولت عنقوداً ولو أصبته لأكلتم منه ما بقيت الدنيا, ورأيت النار, فلم أرَ منظراً كاليوم قط أفظع, ورأيت أكثر أهلها النساء, قالوا: بم يا رسول الله؟ قال: “بكفرهن” قيل: أيكفرن بالله؟ قال: “يكفرن العشير, ويكفرن الإحسان, ولو أحسنت إلى إحداهن الدهر كله, ثم رأت منك شيئاً, قالت: ما رأيت خيراً قط” وفي ((صحيح مسلم)) من حديث أنس: “وأيم الذي نفسي بيده, لو رأيتم ما رأيت, لضحكتم قليلاً وبكيتم كثيراً, قالوا: وما رأيت يا رسول الله؟ قال: “رأيت الجنة والنار“, وفي ((الموطأ والسنن)) من حديث كعب ابن مالك, قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إنما نسمة المؤمن طير, تعلق في شجر الجنة, حتى يرجعها الله إلى جسده يوم القيامة” وهذا صريح في دخول الروح الجنة قبل يوم القيامة, وفي ((صحيح مسلم)) و((السنن)) و((المسند)) من حديث أبي هريرة –رضي الله عنه- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “لما خلق الله الجنة والنار, أرسل جبرائيل إلى الجنة, فقال: اذهب فانظر إليها وإلى ما أعددت, فرجع فقال: وعزتك, لا يسمع بها أحد إلا دخلها, فأمر بالجنة, فحُفت بالمكاره, فقال: ارجع فانظر إليها, وما أعددت لأهلها فيها, قال: فنظر إليها, ثم رجع فقال: وعزتك, لقد خشيت أن لا يدخلها أحد, قال: ثم أرسله إلى النار, قال: اذهب فانظر إليها, وإلى ما أعددت لأهلها فيها, قال: فنظر إليها, فإذا هي يركب بعضها بعضاً, ثم رجع فقال: وعزتك, لا يدخلها أحد سمع بها, فأمر بها, فحفت بالشهوات, ثم قال: اذهب فانظر إلى ما أعددت لأهلها فيها, فذهب فنظر إليها, فرجع فقال: وعزتك, لقد خشيت أن لا ينجو منها أحد إلا دخلها” ونظائر ذلك في السنة كثيرة.

وقوله: لا تفنيان أبداً ولا تبيدان, هذا قول جمهور الأئمة من السلف والخلف, فأما أبَدية الجنة, وأنها لا تفنى ولا تبيد, فهذا مما يعلم بالضرورة أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أخبر به: قال –تعالى- (وأما الذين سُعدوا ففي الجنة خالدين فيها ما دامت السموات والأرض إلا ما شاء ربك عطاء غير مجذوذ)[589], أي: غير منقطع, وكذلك قوله –تعالى- (إن هذا لرزقنا ما له من نفاد)[590], وقوله: (أكُلها دائم وظلها)[591], وقوله: (وما هم منها بمخرجين)[592], وقد أكد الله خلود أهل الجنة بالتأييد في عدة مواضع من القرآن وأخبر أنهم (لا يذوقون فيها الموت إلا الموتة الأولى)[593], والأدلة من السنة على أبدية الجنة ودوامها كثيرة, كقوله –صلى الله عليه وسلم-: “من يدخل الجنة ينعم ولا يبأس ويخلد ولا يموت“, وقوله: “ينادي منادٍ: يا أهل الجنة, إن لكم أن تصحوا فلا تسقموا أبداً, وأن تشبوا ولا تهرموا أبداً, وأن تحيوا فلا تموتوا أبداً”, وتقدم ذكر ذبح الموت بين الجنة والنار, ويقال: “يا أهل الجنة, خلود فلا موت, ويا أهل النار, خلود فلا موت“, وأما أبدية النار ودوامها, فمن أدلة القائلين ببقائها وعدم فناءها: قوله –تعالى-: (ولهم عذاب مقيم)[594], (لا يُفتر عنهم وهم فيه مبلسون)[595], (فلن نزيدكم إلا عذاباً)[596], (خالدين فيها أبداً)[597], (وما هم منها بمخرجين)[598], قلت: هذه في أهل الجنة وفي أهل النار قال –تعالى-: (وما هم بخارجين منها), (وما هم بخارجين من النار)[599], (لا يدخلون الجنة حتى يلج الجمل في سم الخياط)[600], (لا يقضى عليهم فيموتوا ولا يخفف عنهم من عذابها)[601], (إن عذابها كان غراماً)[602], أي مقيماً لازماً, وقد دلت السنة المستفيضة أنه يخرج من النار من قال: لا إله إلا الله, وأحاديث الشفاعة صريحة في خروج عصاة الموحدين من النار, وأن هذا حكم مختص بهم, فلو خرج الكفار منها لكانوا بمنزلتهم, ولم يختص الخروج بأهل الإيمان, وبقاء الجنة والنار ليس لذاتهما, بل بإبقاء الله لهما, وقوله: وخلق لهما أهلاً, قال –تعالى-: (ولقد ذرأنا كثيراً لجهنم من الجن والإنس)[603], الآية, وعن عائشة –رضي الله عنها- قالت: دُعي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- إلى جنازة صبي من الأنصار, فقلت: يا رسول الله, طوبى لهذا, عصفور من عصافير الجنة, لم يعمل سوءاً ولم يدركه, فقال: أو غير ذلك يا عائشة, إن الله خلق للجنة أهلاً خلقهم لها وهم في أصلاب آبائهم, وخلق للنار أهلاً خلقهم لها, وهم في أصلاب آبائهم” رواه مسلم, وأبو داود, والنسائي, وقال –تعالى-: (إنا خلقنا الإنسان من نطفة أمشاج نبتليه فجعلناه سميعاً بصيرا, إنا هديناه السبيل إما شاكراً وإما كفوراً)[604], والمراد الهداية العامة وأعم منها الهداية المذكورة في قوله –تعالى-: (الذي أعطى كل شيء خلقه ثم هدى)[605], وقوله: فمن شاء منهم إلى الجنة فضلاً منه, ومن شاء إلى النار عدلاً منه… إلخ, مما يجب أن يُعلم: أن الله –تعالى- لا يمنع الثواب إلا إذا منع سببه, وهو العمل الصالح, فإنه (من يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً ولا هضماً)[606].

وكذلك لا يعاقب أحداً إلا بعد حصول سبب العقاب, فإن الله –تعالى- يقول: (وما أصابكم من مصيبة فبما كسبت أيديكم ويعفو عن كثير)[607], وهو –سبحانه- المعطي المانع, لا مانع لما أعطى, ولا معطي لما منع, لكن إذا منّ على الإنسان بالإيمان والعمل الصالح, فلا يمنعه موجب ذلك أصلاً, بل يعطيه من الثواب والقرب ما لا عين رأت, ولا أذن سمعت, ولا خطر على قلب بشر, وحيث منعه ذلك فلانتفاء سببه, وهو العمل الصالح, ولا ريب أنه يهدي من يشاء, ويضل من يشاء, لكن ذلك كله حكمة منه وعدل, فمنعه للأسباب التي هي الأعمال الصالحة من حكمته وعدله, وأما المسببات بعد وجود أسبابها, فلا يمنعها بحال, إذا لم تكن أسباباً غير صالحة, إما لفساد في العمل, وإما لسبب يعارض موجبه ومقتضاه, فيكون ذلك لعدم المقتضي, أو لوجود المانع, وإن كان منعه وعقوبته من عدم الإيمان والعمل الصالح, وهو لم يعط ذلك ابتلاءً وابتداءً إلا حكمة منه وعدلاً, فله الحمد في الحالين, وهو المحمود على كل حال, كل عطاء منه فضل, وكل عقوبة منه عدل, فإن الله –تعالى- حكيم يضع الأشياء في مواضعها التي تصلح لها, كما قال –تعالى-: (وإذا جاءتهم آية قالوا لن نؤمن حتى نؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته)[608], وكما قال –تعالى-: (وكذلك فتنا بعضهم ببعض ليقولوا أهؤلاء منّ الله عليهم من بيننا أليس الله بأعلمَ بالشاكرين)[609], ونحو ذلك.

قوله.. والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به, تكون مع الفعل, وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات, فهي قبل الفعل, وبها يتعلق الخطاب وهو كما قال –تعالى- (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) البقرة: 286.

قوله.. والاستطاعة التي يجب بها الفعل من نحو التوفيق الذي لا يجوز أن يوصف المخلوق به, تكون مع الفعل, وأما الاستطاعة من جهة الصحة والوسع والتمكن وسلامة الآلات, فهي قبل الفعل, وبها يتعلق الخطاب وهو كما قال –تعالى- (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها) البقرة: 286.

الشرح..

الاستطاعة والطاقة والقدرة والوسع, ألفاظ متقاربة, وتنقسم الاستطاعة إلى قسمين كما ذكره الشيخ –رحمه الله- وهو قول عامة أهل السنة, وهو: أن للعبد قدرة هي مناط الأمر والنهي, وهذه قد تكون قبله, لا يجب أن تكون معه, والقدرة التي بها الفعل لا بد أن تكون مع الفعل, لا يجوز أن يوجد الفعل بقدرة معدومة, وأما القدرة التي من جهة الصحة والوسع, والتمكن وسلامة الآلات, فقد تتقدم الأفعال وهذه القدرة المذكورة في قوله –تعالى-: (ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبيلاً)[610], فأوجب الحج على المستطيع, فلو لم يستطع إلا من حج لم يكن الحج قد وجب إلا على من حج, ولم يعاقب أحداً على ترك الحج, وهذا خلاف المعلوم من الضرورة من دين الإسلام, وكذلك قوله –تعالى-: (فاتقوا الله ما استطعتم)[611], فأوجب التقوى بحسب الاستطاعة, فلو كان من لم يتق الله لم يستطع التقوى, لم يكن قد أوجب التقوى إلا على من اتقى, ولم يعاقب من لم يتق! وهذا معلوم الفساد, وكذا قوله –تعالى-: (فإن لم يستطع فإطعام ستين مسكيناً)[612], والمراد منه استطاعة الأسباب والآلات وكذا ما حكاه –سبحانه – من قول المنافقين: (لو استطعنا لخرجنا معكم)[613], وكذبهم في ذلك القول, ولو كانوا أرادوا الاستطاعة التي هي حقيقة قدرة الفعل, ما كانوا بنفيهم عن أنفسهم كاذبين, وحيث كذبهم دل على أنهم أرادوا بذلك المرض أو فقد المال على ما بين –تعالى- بقوله: (ليس على الضعفاء ولا على المرضى)[614], إلى أن قال: (إنما السبيل على الذين يستأذنونك وهم أغنياء)[615], وكذلك قوله: (ومن لم يستطع منكم طولاً أن ينكح المحصنات المؤمنات فمما ملكت أيمانكم)[616], والمراد: استطاعة الآلات والأسباب, ومن ذلك قوله –صلى الله عليه وسلم- لعمران بن حصين: “صل قائماً فإن لم تستطع فقاعداً, فإن لم تستطع فعلى جنب” إنما نفى استطاعة الفعل معها, وأما ثبوت الاستطاعة التي هي حقيقة القدرة , فقد ذكروا فيها قوله –تعالى-: (ما كانوا يستطيعون السمع وما كانوا يبصرون)[617], والمراد نفي حقيقة القدرة, لا نفي الأسباب و الآلات؛ لأنها كانت ثابتة, وكذا قول صاحب موسى: (إنك لن تستطيع معي صبراً)[618], وقوله: (ألم أقل لك إنك لن تستطيع معي صبراً)[619], والمراد منه حقيقة قدرة الصبر, لا أسباب الصبر وآلاته, فإن تلك كانت ثابته له, ألا ترى أنه عاتبه على ذلك؟ ولا يلام من عَدِم آلات الفعل وأسبابه على عدم الفعل, وإنما يلام من امتنع من الفعل لتضييع قدرة الفعل؛ لاشتغاله بغير ما أمر به, أو لعد شغله إيّاها بفعل ما أمر به, وأهل السنة والجماعة المثبتين للقدر, فإنهم متفقون على أن لله على عبده المطيع نعمة دينية, خصه بها دون الكافر, وأنه أعانه على الطاعة إعانة لم يعن بها الكافر, كما قال –تعالى-: (ولكن الله حبّب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم وكرّه إليكم الكفر والفسوق والعصيان أولئك هم الراشدون)[620], والآية تقتضي أن هذا خاص بالمؤمن, ولهذا قال: (أولئك هم الراشدون) والكفار ليسوا راشدين, وقال –تعالى-: (فمن يرد الله أن يهديه يشرح صدره للإسلام ومن يرد أن يضله يجعل صدره ضيقاً حرجاً كأنّما يصّعّد في السماء كذلك يجعل الله الرجس على الذين لا يؤمنون)[621], وأمثال هذه الآية في القرآن كثير, يبين أنه –سبحانه- هدى هذا وأضل هذا, قال –تعالى-: (من يهد الله فهو المهتد ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً)[622].

قوله.. وأفعال العباد هي خلق الله وكسب من العباد

قوله.. وأفعال العباد هي خلق الله وكسب من العباد

الشرح..

قال أهل الحق: أفعال العباد بها صاروا مطيعين وعصاة, وهي مخلوقة لله –تعالى-, والحق –سبحانه وتعالى- منفرد بخلق المخلوقات, لا خالق لها سواه, وهدى الله المؤمنين أهل السنة لما اختلفوا فيه من الحق بإذنه, والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم, فكل دليل صحيح فإنما يدل على أن الله خالق كل شيء, وأنه على كل شيء قدير, وأن أفعال العباد من جملة مخلوقاته, وأنه ما شاء كان وما لم يشأ لم يكن, ولا يدل على أن العبد ليس بفاعل في الحقيقة ولا مريد ولا مختار, وأن حركاته الاخيارية بمنزلة حركة المرتعش وهبوب الرياح وحركات الأشجار وكل دليل صحيح, يدل على أن العبد فاعل لفعله حقيقة, وأنه مريد له مختار حقيقة, وأن إضافته ونسبته إليه إضافة حق, ولا يدل على أنه غير مقدور لله –تعالى, وأنه واقع بغير مشيئته وقدرته, فإنه لا منافاة بين كون العبد محدثاً لفعله وكون هذا الإحداث وجب وجوده بمشيئة الله –تعالى-, كما قال –تعالى-: (ونفس وما سوّاها, فألهمها فجورها وتقواها)[623], فقوله: (فألهمها فجورها وتقواها)[624], إثبات للقدر بقوله: (فألهمها), وإثبات لفعل العبد بإضافة الفجور والتقوى إلى نفسه؛ ليعلم أنها هي الفاجرة والمتقية, وقوله بعد ذلك: (قد أفلح من زكّاها, وقد خاب من دسّاها)[625], إثبات أيضاً لفعل العبد, ونظائر ذلك كثيرة, وهذه شبهة وهي: كيف يستقيم الحكم على أن الله يعذب المكلفين على ذنوبهم وهو خلقها فيهم؟ فأين العدل في تعذيبهم على ما هو خالقه وفاعله فيهم؟ وهذا السؤال لم يزل مطروقاً في العالم على ألسنة الناس, وكل منهم يتكلم في جوابه بحسب علمه ومعرفته.

والجواب الصحيح عنه, أن يقال: إن ما يُبتلى به العبد من الذنوب, وإن كانت خلقاً لله –تعالى-, فهي عقوبة له على ذنوب قبلها, فالذنب يكسب الذنب, ومن عقاب السيئة بعدها, فالذنوب كالأمراض التي يورث بعضها بعضاً, يبقى أن يقال: فالكلام في الذنب الأول الجالب لما بعده من الذنوب؟ يقال: هو عقوبة أيضاً على عدم فعل ما خُلق له وفطر عليه, فإن الله سبحانه خلقه لعبادته وحده لا شريك له, وفطره على محبته وتأليهه والإنابة إليه, كما قال –تعالى-: (فأقم وجهك للدين حنيفاً فطرة الله التي فطر الناس عليها)[626], فلما لم يفعل ما خُلق وفطر عليه, من محبة الله وعبوديته, والإنابة إليه, عوقب على ذلك بأن زين له الشيطان ما يفعله من الشرك والمعاصي, فإنه صادف قلباً خالياً قابلاً للخير والشر, ولو كان فيه الخير الذي يمنع ضده لم يتمكن منه الشر, كما قال –تعالى-: (كذلك لنصرف عنه السوء والفحشاء إنه من عبادنا المخلَصين)[627], وقال إبليس: (فبعزتك لأغوينهم أجمعين, إلا عبادك منهم المخلَصين)[628], وقال الله –عز وجل-: (هذا صراط علي مستقيم, إن عبادي ليس لك عليهم سلطان)[629], والإخلاص: خلوص القلب من تأليه ما سوى الله –تعالى- وإرادته ومحبته, فخلص لله, فلم يتمكن منه الشيطان, وأما إذا صادفه فارغاً من ذلك, تمكن منه بحسب فراغه, فيكون جعله مذنباً مسيئاً في هذه الحال عقوبة له على عدم هذا الإخلاص, وهي محض العدل, فالحاصل: أن فعل العبد فعل له حقيقة, ولكنه مخلوق لله –تعالى-, ومفعول لله –تعالى-, ليس هو نفس فعل الله, ففرق بين الفعل والمفعول, والخلق والمخلوق, وإلى هذا المعنى أشار الشيخ –رحمه الله- بقوله: وأفعال العباد خلق الله وكسب من العباد, أثبت للعباد فعلاً وكسباً, وأضاف الخلق لله –تعالى-, والكسب: هو الفعل الذي يعود على فاعله منه نفع أو ضرر, كما قال –تعالى-: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)[630].

الشرح..

فقوله: لم يكلفهم الله –تعالى- إلا ما يطيقون, قال –تعالى-: (لا يكلف الله نفساً إلا وسعها)[631], (لا تكلف نفسٌ إلا وسعها)[632].

وقوله: ولا يطيقون إلا ما كلفهم به, إلى آخر كلامه, أي: ولا يطيقون إلا ما أقدرهم عليه, وهذه الطاقة هي التي من نحو التوفيق, لا التي من جهة الصحة, والوسع والتمكن وسلامة الآلات, و” لا حول ولا قوة إلا بالله”, دليل على إثبات القدَر, وقد فسرها الشيخ بعدها, ولكن في كلام الشيخ إشكال: فإن التكليف لا يستعمل بمعنى الإقدار, وإنما يستعمل بمعنى الأمر والنهي, وهو قد قال: لا يكلفهم إلا ما يطيقون, ولا يطيقون إلا ما كلفهم, وظاهره أنه يرجع إلى معنى واحد, ولا يصح ذلك؛ لأنهم يطيقون فوق ما كلفهم به, لكنه –سبحانه- يريد بعباده اليسر والتخفيف, كما قال –تعالى-: (يريد الله بكم اليسر ولا يريد بكم العسر)[633], وقال –تعالى-: (يريد الله أن يخفف عنكم)[634], وقال –تعالى-: (وما جعل عليكم في الدّين من حَرَج)[635], فلو زاد فيما كلفنا به لأطقناه, ولكنه تفضّل علينا ورحمنا, وخفّف عنا, ولم يجعل علينا في الدين من حرج, ويجاب عن هذا الإشكال بما تقدم: أن المراد الطاقة التي من نحو التوفيق, لا من جهة التمكن وسلامة الآلات, ففي العبارة قلق, فتأمله.

وقوله: وكل شيء يجري بمشيئة الله وعلمه وقضائه وقدره, يريد بقضائه القضاء الكوني لا الشرعي, فإن القضاء يكون كونياً وشرعياً, وكذلك الإرادة والأمر والإذن والكتاب والحكم والتحريم والكلمات, ونحو ذلك, أما القضاء الكوني, ففي قوله –تعالى-: (فقضاهنّ سبع سموات في يومين)[636], والقضاء الديني الشرعي, في قوله –تعالى-: (وقضى ربك ألا تعبدوا إلا إياه)[637], وأما الإرادة الكونية والدينية, فقد تقدم ذكرها عند قول الشيخ: ولا يكون إلا ما يريد, وأما الأمر الكوني, ففي قوله –تعالى-: (إنما أمره إذا أراد شيئاً أن يقول له كن فيكون)[638], وكذا قوله –تعالى-: (وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمّرناها تدميراً)[639], في أحد الأقوال, وهو أقواها, والأمر الشرعي, في قوله –تعالى-: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان)[640], الآية, وقوله: (إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها)[641], وأما الإذن الكوني, ففي قوله –تعالى-: (وما هم بضارّين به من أحد إلا بإذن الله)[642], والإذن الشرعي, في قوله –تعالى-: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله)[643], وأما الكتاب الكوني, ففي قوله –تعالى-: (وما يُعَمّر من مُعَمّر ولا يُنقص من عُمُره إلا في كتاب إن ذلك على الله يسير)[644], وقوله –تعالى-: (ولقد كتبنا في الزبور من بعد الذكر أن الأرض يرثها عبادي الصالحون)[645], والكتاب الشرعي الديني, في قوله –تعالى-: (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس)[646], (يا أيها الذين آمنوا كُتب عليكم الصيام)[647], وأما الحكم الكوني, ففي قوله –تعالى- عن ابن يعقوب –عليه السلام-: (فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الله لي وهو خير الحاكمين)[648], وقوله –تعالى-: (قال رب احكم بالحق وربنا الرحمن المستعان على ما تصفون)[649], والحكم الشرعي, في قوله –تعالى-: (أحلت لكم بهيمة الأنعام إلا ما يتلى عليكم غير محلي الصيد وأنتم حرم إن الله يحكم ما يريد)[650], وقال –تعالى-: (ذلكم حكم الله يحكم بينكم)[651], وأما التحريم الكوني, ففي قوله –تعالى-: (قال فإنها محرّمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض)[652], (وحرام على قرية أهلكناها أنهم لا يرجعون)[653] والتحريم الشرعي, في قوله –تعالى-: (حُرّمت عليكم الميتة والدم ولحم الخنزير)[654], و(حُرّمت عليكم أمهاتكم)[655] الآية, وأما الكلمات الكونية, ففي قوله –تعالى-: (وتمت كلمة ربك الحسنى على بني إسرائيل بما صبروا)[656], وفي قوله –صلى الله عليه وسلم- “أعوذ بكلمات الله التامات التي لا يجاوزهن بر ولا فاجر“, والكلمات الشرعية الدينية, في قوله –تعالى-: (وإذ ابتلى إبراهيمَ ربُه بكلمات فأتمهن)[657].

وقوله: يفعل ما يشاء, وهو غير ظالم أبداً الذي دل عليه القرآن من تنزيه الله نفسه عن ظلم العباد, يقتضي قولاً وسطاً, فليس ما كان من بني آدم ظلماً وقبيحاً, فإن ذلك تمثيل لله بخلقه! وقياس له عليهم! هو الرب الغني القادر, وهم العباد الفقراء المقهورون, وأيضاً: فإن قوله: (فلا يخاف ظلماً ولا هضماً)[658], قد فسره السلف, بأن الظلم: أن توضع عليه سيئات غيره, والهضم: أن ينقص من حسناته, كما قال –تعالى-: (ولا تزر وازرة وزر أخرى)[659].

قوله.. وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم للأموات

قوله.. وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم للأموات

الشرح..

اتفق أهل السنة أن الأموات ينتفعون من سعي الأحياء بأمرين:

أحدهما: ما تسبب إليه الميت في حياته.

والثاني: دعاء المسلمين واستغفارهم له, والصدقة والحج, على نزاع فيما يصل إليه من ثواب الحج: فعن محمد بن الحسن: أنه إنما يصل إلى الميت ثواب النفقة, والحجّ للحاجّ, وعند عامة العلماء: ثواب الحج للمحجوج عنه, وهو الصحيح, واختلف في العبادات البدنية, كالصوم والصلاة وقراءة القرآن والذكر: فذهب أبو حنيفة وأحمد وجمهور السلف إلى وصولها, والمشهور من مذهب الشافعي ومالك عدم وصولها, وذهب بعض أهل البدع من أهل الكلام إلى عدم وصول شيء البتة, لا الدعاء ولا غيره, وقولهم مردود بالكتاب والسنة, لكنهم استدلوا بالمتشابه من قوله –تعالى-: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)[660], وقوله: (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون)[661], وقوله: (لها ما كسبت وعليها ما اكتسبت)[662], وقد ثبت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله إلا من ثلاث: صدقة جارية, أو ولد صالح يدعو له, أو علم ينتفع به من بعده“, فأخبر أنه إنما ينتفع بما كان تسبب فيه, الكتاب والسنة والإجماع والقياس الصحيح, أما الكتاب, فقال –تعالى-: (والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان)[663], فأثنى عليهم باستغفارهم للمؤمنين قبلهم, فدل على انتفاعهم باستغفار الأحياء, وقد دل على انتفاع الميت بالدعاء إجماع الأمة على الدعاء له في صلاة الجنازة, والأدعية التي وردت بها السنة في صلاة الجنازة مستفيضة, وكذا الدعاء له بعد الدفن, ففي ((سنن أبي داود)), من حديث عثمان بن عفان –رضي الله عنه- قال: كان النبي –صلى الله عليه وسلم- إذا فرغ من دفن الميت وقف عليه فقال: “استغفروا لأخيكم, واسألوا له التثبيت, فإنه الآن يسأل“, وكذلك الدعاء لهم عند زيارة قبورهم, كما في ((صحيح مسلم)), من حديث بُريدة بن الحصيب, قال: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يعلمهم إذا خرجوا إلى المقابر أن يقولوا: “السلام عليكم أهل الديار من المؤمنين والمسلمين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون, نسأل الله لنا ولكم العافية“, وفي ((صحيح مسلم)) أيضاً, عن عائشة –رضي الله عنها-: سألت النبي –صلى الله عليه وسلم-: كيف تقول إذا استغفرت لأهل القبور؟ قال: “قولي: السلام على أهل الديار من المؤمنين والمسلمين, ويرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين, وإنا إن شاء الله بكم لاحقون” وأما وصول ثواب الصدقة, ففي ((الصحيحين)), عن عائشة –رضي الله عنها-: أن رجلاً أتى النبي –صلى الله عليه وسلم-, فقال: يا رسول الله, إن أمي افتلتت نفسها, ولم توص, وأظنها لو تكلمت تصدقت, أفلها أجر إن تصدقتُ عنها؟ قال: “نعم“, وفي((صحيح البخاري)),عن عبد الله بن عباس –رضي الله عنهما-: أن سعد بن عبادة توفيت أمه وهو غائب عنها فأتى النبي –صلى الله عليه وسلم-, فقال: يا رسول الله, إن أمي توفيت وأنا غائب عنها, فهل ينفعها إن تصدقت؟ قال: “نعم“, قال: فإني أشهدك أن حائطي المخراف صدقة عنها, وأمثال ذلك كثيرة من السنة.

وأما وصول ثواب الصوم, ففي ((الصحيحين)), عن عائشة –رضي الله عنها-, أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “من مات وعليه صيام صام عنه وليّه“, وله نظائر في ((الصحيح)), ولكن أبو حنيفة –رحمه الله- قال بالإطعام عن الميت دون الصيام عنه, لحديث ابن عباس المتقدم, [قلت: وهو موقوف لا مرفوع], والكلام ذلك معروف في كتب الفروع.

وأما وصول ثواب الحج, ففي ((صحيح البخاري)), عن ابن عباس –رضي الله عنهما-: أن امرأة من جُهينة جاءت إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-, فقالت: إن أمي نذرت أن تحجّ فلم تحج حتى ماتت, أفأحج عنها؟ قال: “حجي عنها, أرأيتِ لو كان على أمك دين, أكنت قاضيته؟ اقضوا الله, فالله أحق بالوفاء“, ونظائره أيضاً كثيرة, واجتمع المسلمون على أن قضاء الدين يسقطه من ذمة الميت, ولو كان من أجنبي, ومن غير تركته, وقد دل على ذلك حديث أبي قتادة, حيث ضَمِن الدينارين عن الميت, فلما قضاهما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “الآن بردت عليه جلدته“, وكل ذلك جار على قواعد الشرع, وهو محض القياس, فإن الثواب حق العامل, فإذا وهبه لأخيه المسلم لم يُمنع من ذلك, كما لم يمنع من هبة ماله في حياته, وإبرائه له منه بعد وفاته, وقد نبه الشارع بوصول ثواب الصوم على وصول ثواب القراءة ونحوها من العبادات البدنية, يوضحه: أن الصوم كفّ النفس عن المفطرات بالنية, وقد نص الشارع على وصول ثوابه إلى الميت, فكيف بالقراءة التي هي عمل ونية؟!

والجواب عما استدلوا به من قوله –تعالى-: (وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)[664], قد أجاب العلماء بأجوبة, أصحها جوابان:

أحدهما: أن الإنسان بسعيه وحسن عشرته اكتسب الأصدقاء, وأولد الأولاد, ونكح الأزواج, وأسدى الخير وتودد إلى الناس, فترحموا عليه, ودعوا له, وأهدوا له ثواب الطاعات, فكان ذلك أثر سعيه, بل دخول المسلم مع جملة المسلمين في عَقد الإسلام من أعظم الأسباب في وصول نفع كلّ من المسلمين إلى صاحبه, في حياته وبعد مماته, ودعوة المسلمين تحيط من ورائهم, يوضحه: أن الله –تعالى- جعل الإيمان سبباً لانتفاع صاحبه بدعاء إخوانه من المؤمنين وسعيهم, فإذا أتى به فقد سعى في السبب الذي يوصل إليه ذلك.

الثاني, وهو أقوى منه: أن القرآن لم ينف انتفاع الرجل بسعي غيره وإنما نفى مِلكه لغير سعيه, وبين الأمرين فرق لا يخفى, فأخبر –تعالى- أنه لا يملك إلا سعيه, وأما سعي غيره فهو ملك لساعيه, فإن شاء أن يبذله لغيره, وإن شاء أن يبقيه لنفسه.

وقوله –سبحانه-: (ألاّ تزو وازرة وزر أخرى, وأن ليس للإنسان إلا ما سعى)[665], آيتان محكمتان, مقتضيتان عدل الرب –تعالى-: فالأولى تقتضي أنه لا يعاقب أحداً بجرم غيره, ولا يؤاخذه بجريمة غيره, كما يفعله ملوك الدنيا, والثانية تقتضي أنه لا يفلح إلا بعمله, لينقطع طمعه من نجاته بعمل آبائه وسلفه ومشايخه, كما عليه أصحاب الطمع الكاذب, وهو –سبحانه- لم يقل لا ينتفع إلا بما سعى, وكذلك قوله –تعالى- (لها ما كسبت)[666], وقوله: (ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون)[667], على أن سياق هذه الآية يدل على أن المنفي عقوبة العبد بعمل غيره, فإنه –تعالى- قال: (فاليوم لا تظلم نفس شيئاً ولا تجزون إلا ما كنتم تعملون)[668], وأما استدلالهم بقوله –صلى الله عليه وسلم-: “إذا مات ابن آدم انقطع عمله” , فاستدلال ساقط, فإنه لم يقل انقطاع انتفاعه, وإنما أخبر عن انقطاع عمله, وأما عمل غيره فهو لعامله, فإن وهبه له وصل إليه ثواب عمل العامل, لا ثواب عمله هو, وهذا كالدين يوفيه الإنسان عن غيره, فتبرأ ذمته, ولكن ليس له ما وفى به الدين, وأما تفريق من فرق بين العبادات المالية والبدنية فقد شرع النبي –صلى الله عليه وسلم- الصوم عن الميت, كما تقدم, مع أن الصوم لا تجزئ فيه النيابة وكذلك حديث جابر –رضي الله عنه- قال: صليت مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عيد الأضحى, فلما انصرف أتى بكبش فذبحه, فقال: “بسم الله, والله أكبر, اللهم هذا عني وعمن لم يضحّ من أمتي” وفي الآخر: “اللهم هذا عن محمد, وآل محمد” رواه أحمد, والقربة في الأضحية إراقة الدم, وقد جعلها لغيره, وكذلك عبادة الحج البدنية, وليس المال ركناً فيه, وإنما هو وسيلة, ألا ترى أن المكي يجب عليه الحج إذا قدر على المشي إلى عرفات, من غير شرط المال, وهذا هو الأظهر, أعني أن الحج غير مركب من مال وبدن, بل بدني محض, كما نص عليه جماعة من أصحاب أبي حنيفة المتأخرين, وانظر إلى فروض الكفايات: كيف قام فيها البعض عن الباقين؟ ولأن هذاإهداء ثواب وليس من باب النيابة, كما أن الأجير الخاص ليس له أن يستنيب عنه, وله أن يعطي أجرته لمن شاء.

وأما استئجار قوم يقرؤون القرآن ويهدونه للميت!! فهذا لم يفعله أحد من السلف, ولا أمر به أحد من أئمة الدين, ولا رخص فيه, والاستئجار على نفس التلاوة غير جائز بلا خلاف, وإنما اختلفوا في جواز الاستئجار على التعليم ونحوه, مما فيه منفعة تصل إلى الغير, والثواب لا يصل إلى الميت إلا إذا كان العمل لله, وهذا لم يقع عبادة خالصة, فلا يكون له من ثوابه ما يهدى إلى الموتى؛ ولهذا لم يقل أحد أنه يكتري من يصوم ويصلي, ويهدي ثواب ذلك إلى الميت, لكن إذا أعطى لمن يقرأ القرآن ويعلمه, ويتعلمه معونة لأهل القرآن على ذلك, كان هذا من جنس الصدقة عنه, فيجوز, وفي الاختيار: لو أوصى بأن يعطى شيء من ماله لمن يقرأ القرآن على قبره, فالوصية باطلة؛ لأنه في معنى الأجرة.انتهى.

وذكر الزاهدي في ((الغنية)) أنه لو وقف على من يقرأ عند قبره فالتعيين باطل, وأما قراءة القرآن وإهداؤها له تطوعاً بغير أجرة, فهذا يصل إليه, كما يصل ثواب الحج والصوم, فإن قيل: هذا لم يكن معروفاً في السلف, ولا أرشدهم إليه النبي –صلى الله عليه وسلم-؟ فالجواب: إن كان مورد هذا السؤال معترفاً بوصول ثواب الحج والصيام والدعاء, قيل له: ما الفرق بين ذلك وبين وصول ثواب قراءة القرآن؟ وليس كون السلف لم يفعلوه حجة في عدم الوصول, ومن أين لنا هذا النفي العام؟ فإن قال: فرسول الله –صلى الله عليه وسلم- أرشدهم إلى الصوم والحج والصدقة دون القراءة؟ قيل: هو –صلى الله عليه وسلم- لم يبتدئهم بذلك, بل خرج ذلك منه مخرج الجواب لهم, فهذا سأله عن الحج عن ميته فأذن فيه, وهذا سأله عن الصوم عنه, فأذن له فيه, ولم يمنعهم مما سوى ذلك, وأي فرق بين وصول ثواب الصوم –الذي هو مجرد نية وإمساك- وبين وصول ثواب القراءة والذكر؟ فإن قيل: ما تقولون في الإهداء إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-؟ قيل: من المتأخرين من استحبه, ومنهم من رآه بدعة؛ لأن الصحابة لم يكونوا يفعلونه, ولأن النبي –صلى الله عليه وسلم- له مثل أجر كل من عمل خيراً من أمته, من غير أن ينقص من أجر العامل شيء؛ لأنه هو الذي دل أمته على كل خير, وأرشدهم إليه, ومن قال: إن الميت ينتفع بقراءة القرآن عنده, باعتبار سماعه كلام الله, فهذا لم يصح عن أحد من الأئمة المشهورين, ولا شك في سماعه, ولكن انتفاعه بالسماع لا يصح, فإن ثواب الاستماع مشروط بالحياة, فإنه عمل اختياري, وقد انقطع بموته, بل ربما يتضرر ويتألم لكونه لم يمتثل أوامر الله ونواهيه, أو لكونه لم يزدد من الخير.

واختلف العلماء في قراءة القرآن عند القبور, على ثلاثة أقوال: هل تكره أم لا بأس بها وقت الدفن, وتكره بعده؟ فمن قال بكراهتها, كأبي حنيفة ومالك وأحمد في رواية قالوا: لأنه محدث, لم ترد به السنة, والقراءة تشبه الصلاة, والصلاة عند القبور منهي عنها, فكذلك القراءة, ومن قال: لا بأس بها, كمحمد بن الحسن وأحمد في رواية, استدلوا بما نقل عن ابن عمر –رضي الله عنه- أنه أوصى أن يُقرأ على قبره وقت الدفن بفواتح سورة البقرة وخواتمها, ونقل أيضاً عن بعض المهاجرين, قراءة سورة البقرة, ومن قال: لا بأس بها وقت الدفن فقط, وهو رواية عن أحمد أخذ بما نقل عن عمر وبعض المهاجرين [قلت: هو بلفظ الأنصار وفي ثبوته نظر], وأما بعد ذلك, كالذين يتناوبون القبر للقراءة عنده, فهذا مكروه, فإنه لم تأت به السنة, ولم ينقل عن أحد من السلف مثل ذلك أصلاً, وهذا القول لعله أقوى من غيره لما فيه من التوفيق بين الدليلين.

قوله.. والله تعالى يستجيب الدعوات, ويقضي الحاجات

قوله.. والله تعالى يستجيب الدعوات, ويقضي الحاجات

الشرح..

قال –تعالى-: (وقال ربكم ادعوني استجب لكم)[669], (وإذا سألك عبادي عني فإني قريب أجيب دعوة الداعي إذا دعان)[670], والذي عليه أكثر الخلق من المسلمين وسائر أهل الملل وغيرهم: أن الدعاء من أقوى الأسباب في جلب المنافع, ودفع المضار وقد أخبر –تعالى- عن الكفار أنهم إذا مسهم الضر في البحر دعوا الله مخلصين له الدين, وأن الإنسان إذا مسه الضر دعاه لجنبه أو قاعداً أو قائماً, وإجابة الله لدعاء العبد مسلماً كان أو كافراً, وإعطاؤه سؤله من جنس رزقه لهم, ونصره لهم, وهو مما توجبه الربوبية للعبد مطلقاً, ثم قد يكون ذلك فتنة في حقه ومضرة عليه, إذ كان كفره وفسوقه يقتضي ذلك, وقد نظم بعضهم فقال:

الرب يغضب إن تركت سؤاله     وبُني آدم حين يُسأل يغضب

قال ابن عقيل: قد ندب الله –تعالى- إلى الدعاء وفي ذلك معان:

أحدها: الوجود: فإن ليس بموجود لا يُدعى.

الثاني: الغنى: فإن الفقير لا يدعى.

الثالث: السمع: فإن الأصم لا يدعى.

الرابع: الكرم: فإن البخيل لا يدعى.

الخامس: الرحمة: فإن القاسي لا يدعى.

السادس: القدرة: فإن العاجز لا يدعى.

وذهب قوم إلى أن الدعاء لا فائدة فيه, قالوا: لأن المشيئة الإلهية إن اقتضت وجود المطلوب, فلا حاجة إلى الدعاء, وإن لم تقتضه فلا فائدة في الدعاء, وهذا من غلطات بعض الشيوخ, فكما أنه معلوم الفساد بالاضطرار من دين الإسلام, فهو معلوم الفساد بالضرورة العقلية, فإن منفعة الدعاء أمر أنشئت عليه تجارب الأمم, ومما ينبغي أن يعلم, ما قاله طائفة من العلماء, وهو: أن الالتفات إلى الأسباب شرك في التوحيد! ومحو الأسباب أن تكون أسباباً نقص في العمل, والإعراض عن الأسباب بالكلية قدح في الشرع, ومعنى التوكل والرجاء, يتألف من وجوب التوحيد والعقل والشرع, وبيان ذلك: أن الالتفات إلى السبب هو اعتماد القلب عليه ورجاؤه, والاستناد إليه, وليس في المخلوقات ما يستحق هذا؛ لأنه ليس بمستقل, ولا بد له من شركاء وأضداد مع هذا كله, فإن لم يسخره مسبب الأسباب لم يسخر, وهنا سؤال معروف, وهو: أن من الناس من قد يسأل الله فلا يعطى شيئاً أو قد يعطى غير ما سأل؟ وقد أجيب عنه بأجوبة, فيها ثلاثة أجوبة محققة:

أحدها: أن الآية لم تتضمن عطية السؤال مطلقاً, وإنما تضمنت إجابة الداعي, والداعي أعم من السائل, وإجابة الداعي أعم من إعطاء السائل؛ ولهذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “ينزل ربنا كل ليلة إلى السماء الدنيا, فيقول: من يدعوني فأستجيب له, من يسألني فأعطيه؟ من يستغفرني فأغفر له؟”.

الجواب الثاني: أن إجابة دعاء السؤال أعم من إعطاء عين السؤال, كما فسره النبي –صلى الله عليه وسلم- فيما رواه مسلم في ((صحيحه)), أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “ما من رجل يدعو الله بدعوة ليس فيها إثم ولا قطيعة رحم إلا أعطاه بها إحدى ثلاث خصال: إما أن يعجل له دعوته, أو يدّخر له من الخير مثلها, أو يصرف عنه من الشر مثلها” قالوا: يا رسول الله, إذاً نكثر, قال: “الله أكثر” [قلت: صحيح, وليس في مسلم, بل في ((المسند)) وغيره], فقد أخبر الصادق المصدوق أنه لا بد في الدعوة الخالية عن العدوان, من إعطاء السؤال معجلاً أو مثله من الخير مؤجلاً, أو يصرف عنه من السوء مثله.

الجواب الثالث: أن الدعاء سبب مقتض لنيل المطلوب, والسبب له شروط وموانع, فإذا حصلت شروطه, وانتفت موانعه, حصل المطلوب, وإلا فلا يحصل ذلك المطلوب بل قد يحصل غيره, وهكذا سائر الكلمات الطيبات من الأذكار المأثورة المعلق عليها جلب منافع أو دفع مضار, فإن الكلمات بمنزلة الآلة بيد الفاعل, تختلف باختلاف قوته, وما يعنيها, وقد يعارضها مانع من الموانع, ونصوص الوعد والوعيد المتعارضة في الظاهر من هذا الباب, وكثيراً ما تجد أدعية دعا بها قوم فاستجيب لهم, ويكون قد اقترن بالدعاء ضرورة صاحبه, وإقباله على الله, أو حسنة تقدمت منه, جعل الله سبحانه- إجابه دعوته شكر الحسنة, أو صادف وقت إجابة ونحو ذلك, فأجيبت دعوته, فيظن أن السر في ذلك الدعاء, فيأخذه مجرداً عن تلك الأمور التي قارنته من ذلك الداعي, وهذا كما إذا استعمل رجل دواءً نافعاً في الوقت الذي ينبغي فانتفع به, فظن آخر أن استعمال هذا الدواء بمجرده كافٍ في حصول المطلوب, وكان غالطاً وكذا قد يدعو باضطرار عند قبر فيجاب, فيظن أن السر للقبر, ولم يدر أن السر للاضطرار وصدق اللجوء إلى الله –تعالى- فإذا حصل ذلك في بيت من بيوت الله –تعالى- كان أفضل وأحب إلى الله –تعالى- فالأدعية والتعوذات والرُقي بمنزلة السلاح, والسلاح بضاربه لا بحده فقط, فمتى كان السلاح سلاحاً تاماً, والساعد ساعداً قوياً, والمحل قابلاً, والمانع مفقوداً حصلت به النّكاية في العدو, ومتى تخلف واحد من هذه الثلاثة, تخلف التأثير, فإذا كان الدعاء في نفسه غير صالح أو الداعي لم يجمع بين قلبه ولسانه في الدعاء, أو كان ثمّ مانع من الإجابة لم يحصل الأثر.

قوله.. ويملك كل شيء ولا يملكه شيء, ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين, فمن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين

قوله.. ويملك كل شيء ولا يملكه شيء, ولا غنى عن الله تعالى طرفة عين, فمن استغنى عن الله طرفة عين فقد كفر وصار من أهل الحين

الشرح..

كلام حق ظاهر لا خفاء فيه, والحين بالفتح: الهلاك.

قوله .. والله يغضب ويرضى, لا كأحد من الوَرَى.

قوله .. والله يغضب ويرضى, لا كأحد من الوَرَى.

الشرح..

قال –تعالى-: (رضي الله عنهم)[671], (لقد رضي الله عن المؤمنين إذ يبايعونك تحت الشجرة)[672], وقال –تعالى-: (من لعنه الله وغضب عليه)[673], (وغضب الله عليه ولعنه)[674], (وباؤوا بغضب من الله)[675], ونظائر ذلك كثيرة ومذهب السلف وسائر الأئمة إثبات صفة الغضب والرضى, والعداوة, والولاية, والحب, والبغض, ونحو ذلك من الصفات التي ورد بها الكتاب والسنة, ومنع التأويل الذي يصرفها عن حقائقها اللائقة بالله –تعالى-, كما يقولون مثل ذلك في السمع والبصر والكلام وسائر الصفات, كما أشار إليه الشيخ فيما تقدم بقوله: إذا كان تأويل الرؤية, وتأويل كل معنى يضاف إلى الربوبية, ترك التأويل, ولزوم التسليم وعليه دين المسلمين, وانظر إلى جواب الإمام مالك –رضي الله عنه- في صفة الاستواء كيف قال: الاستواء معلوم, والكيف مجهول, وروي أيضاً عن أم سلمة –رضي الله عنهما- موقوفاً عليها, وكذلك قال الشيخ –رحمه الله- فيما تقدم: “من لم يتوق النفي والتشبيه, زل ولم يصب التنزيه“, ويأتي في كلامه: “أن الإسلام بين الغلو والتقصير, وبين التشبيه والتعطيل” فقول الشيخ –رحمه الله- لا كأحد من الورى, نفى التشبيه, ولا يقال: إن الرضى إرادة الإحسان, والغضب إرادة الانتقام, فإن هذا نفي للصفة, وقد اتفق أهل السنة على أن الله يأمر بما يحبه ويرضاه, وإن كان لا يريده ولا يشاؤه, وينهى عما يسخطه ويكرهه, وببغضه ويغضب على فاعله, وإن كان قد شاءه وأراده , فقد يحب عندهم ويرضى ما لا يريده, ويكره ويسخط لما أراده, ويقال لمن تأول الغضب والرضى بإرادة الإحسان: لم تأولت ذلك؟ فلا بد أن يقول: إن الغضب غليان دم القلب, والرضى: الميل والشهوة, وذلك لا يليق بالله تعالى! فيقال له: غليان دم القلب في الآدمي أمر ينشأ عن صفة الغضب, لا أنه الغضب, ويقال لهأيضاً: وكذلك الإرادة والمشيئة فينا, فهي ميل الحي إلى الشيء أو إلى ما يلائمه ويناسبه, فإن الحي منا لا يريد إلا ما يجلب له منفعة أو يدفع عنه مضرة, وهو محتاج إلى ما يريده ومفتقر إليه, ويزداد بوجوده, وينتقص بعدمه, فالمعنى الذي صرفتَ إليه اللفظ كالمعنى الذي صرفته عنه سواء, فإن جاز هذا جاز ذاك وإن امتنع هذا امتنع ذاك, فإن قال: الإرادة التي يوصف الله بها مخالفة للإرادة التي يوصف بها العبد, وإن كان كل منهما حقيقة؟ قيل له: فقل: إن الغضب والرضى الذي يوصف الله به مخالف لما يوصف به العبد, وإن كان كل منهما حقيقة, فإن كان ما يقوله في الإرادة يمكن أن يقال في هذه الصفات لم يتعين التأويل, بل يجب تركه, لأنك تسلم من التناقض, وتسلم أيضاً من تعطيل معنى أسماء الله تعالى وصفاته بلا موجب, فإن صرف القرآن عن ظاهره وحقيقته بغير موجب حرام, ولا يكون الموجب للصرف ما دل عليه عقله, إذ العقول مختلفة, فكل يقول إن عقله دله على خلاف ما يقوله الآخر! وهذا الكلام يقال لكل من نفى صفة من صفات الله تعالى؛ لامتناع مسمى ذلك المخلوق, فإنه لا بد أن يثبت شيئاً لله تعالى على خلاف ما يعهده حتى في صفة الوجود, فإن وجود العبد كما يليق به, ووجود الباري –تعالى- كما يليق به, فوجوده –تعالى- يستحيل عليه العدم, ووجود المخلوق لا يستحيل عليه العدم, وما سمى به الرب نفسه وسمى به مخلوقاته, مثل الحي والعليم والقدير, أو سمى به بعض صفاته, كالغضب والرضى, وسمى به بعض صفات عباده: فنحن نعقل بقلوبنا معاني هذه الأسماء في حق الله –تعالى- وأنه حق ثابت موجود, ونعقل أيضاً معاني هذه الأسماء في حق المخلوق, ونعقل أن بين المعنيين قدراً مشتركاً, فيثبت في كل منهما كما يليق به, كما في حديث الشفاعة: “إن ربي قد غضب اليوم غضباً لم يغضب قبله مثله, ولن يغضب بعده مثله“.

وفي ((الصحيحين)) عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: “إن الله –تعالى- يقول لأهل الجنة: يا أهل الجنة, فيقولون: لبيك ربنا وسعديك والخير في يديك, فيقول: هل رضيتم؟ فيقولون: وما لنا لا نرضى يا رب؟ وقد أعطيتنا ما لم تعط أحداً من خلقك, فيقول: ألا أعطيكم أفضل من ذلك؟ فيقولون: يا رب, وأي شيء أفضل من ذلك؟ فيقول: أحل عليكم رضواني, فلا أسخط عليكم بعده أبداً” فيستدل به على أنه يحل رضوانه في وقت دون وقت, وأنه قد يحل رضوانه ثم يسخط, كما يحل السخط ثم يرضى, لكن هؤلاء أحل عليهم رضواناً لا يتعقبه سخط.

قوله.. ونحب أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, ولا نفرط في حب أحد منهم, ولا نتبرأ من أحد منهم, ونبغض من يبغضهم, وبغير الخير يذكرهم, ولا نذكرهم إلا بخير, وحبهم دين وإيمان وإحسان, وبغضهم كفر ونفاق وطغيان

قوله.. ونحب أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, ولا نفرط في حب أحد منهم, ولا نتبرأ من أحد منهم, ونبغض من يبغضهم, وبغير الخير يذكرهم, ولا نذكرهم إلا بخير, وحبهم دين وإيمان وإحسان, وبغضهم كفر ونفاق وطغيان

الشرح..

قد أثنى –تعالى- على الصحابة هو ورسوله, ورضي عنهم, ووعدهم الحسنى, كما قال –تعالى-: (والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان رضي الله عنهم ورضوا عنه وأعد لهم جنات تجري تحتها الأنهار خالدين فيها أبداً ذلك الفوز العظيم)[676], وقال –تعالى-: (محمد رسول الله والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم تراهم ركّعاً سجداً)[677], إلى آخر السورة, وقال –تعالى-: (إن الذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا بأموالهم وأنفسهم في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك بعضهم أولياء بعض)[678], إلى آخر السورة, وقال –تعالى-: (لا يستوي منكم من أنفق من قبل الفتح وقاتل أولئك أعظم درجة من الذين أنفقوا من بعدُ وقاتلوا وكلاً وعد الله الحسنى والله بما تعملون خبير)[679], وقال –تعالى-: (للفقراء الذين أخرِجوا من ديارهم وأموالهم يبتغون فضلاً من الله ورضواناً وينصرون الله ورسوله أولئك هم الصادقون, والذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلهم يحبون من هاجر إليهم ولا يجدون في صدورهم حاجة مما أوتوا ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة ومن يوق شح نفسه فأولئك هم المفلحون, والذين جاؤوا من بعدهم يقولون ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)[680] وهذه الآيات تتضمن الثناء على المهاجرين والأنصار, وعلى الذين جاؤوا من بعدهم, يستغفرون لهم, ويسألون الله أن لا يجعل في قلوبهم غلاً لهم, وتتضمن أن هؤلاء هم المستحقون للفيء فمن كان في قلبه غل للذين آمنوا ولم يستغفر لهم, لا يستحق في الفيء نصيباً بنص القرآن, وفي ((الصحيحين)) عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- قال: كان بين خالد بن الوليد وبين عبد الرحمن بن عوف شيء, فسبه خالد, فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “لا تسبوا أحداً من أصحابي, فإن أحدكم لو أنفق مثل أحد ذهباً, ما أدرك مُد أحدهم ولا نصيفه” انفرد مسلم بذكر سب خالد لعبد الرحمن, دون البخاري, فالنبي –صلى الله عليه وسلم- يقول لخالد ونحوه: “لا تسبوا أصحابي” يعني عبد الرحمن وأمثاله؛ لأن عبد الرحمن ونحوه هم السابقون الأولون, وهم الذين أسلموا من قبل الفتح وقاتلوا, وهم أهل بيعة الرضوان, فهم أفضل وأخص بصحبته ممن أسلم بعد بيعة الرضوان, وهم الذين أسلموا بعد الحديبية, وبعد مصالحة النبي –صلى الله عليه وسلم- أهل مكة, ومنهم خالد بن الوليد وهؤلاء أسبق ممن تأخر إسلامهم إلى فتح مكة.

منهم أبو سفيان وابْناه يزيد ومعاوية, والمقصود أنه نهى من له صحبة آخراً أن يسب من له صحبة أولاً لامتيازهم عنهم من الصحبة بما لا يمكن أن يشركوهم فيه, حتى لو أنفق أحدهم مثل أحد ذهباً ما بلغ مُد أحدهم ولا نصيفه, فإذا كان هذا حال الذين أسلموا بعد الحديبية, وإن كانوا قبل فتح مكة, فكيف حال من ليس من الصحابة بحال مع الصحابة؟ -رضي الله عنهم أجمعين-, والسابقون الأولون من المهاجرين والأنصار هم الذين أنفقوا من قبل الفتح وقاتلوا, وأهل بيعة الرضوان كلهم منهم, وكانة أكثر من ألف وأربعمائة.

وروى ابن بطة بإسناد صحيح, عن ابن عباس, أنه قال: لا تسبوا أصحاب محمد –صلى الله عليه وسلم-, فلمَقام أحدكم ساعة يعني مع النبي –صلى الله عليه وسلم-, خير من عمل أحدكم أربعين سنة, وفي رواية وكيع: خير من عبادة أحدكم عمره, وفي ((الصحيحين)) من حديث عمران بن حصين وغيره, أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “خير الناس قرني, ثم الذين يلونهم, ثم الذين يلونهم” قال عمران: فلا أدري, أذكر بعد قرنه قرنين أو ثلاثة, الحديث, وقد ثبت في ((صحيح مسلم)) عن جابر, أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “لا يدخل النار أحد بايع تحت الشجرة” وقال –تعالى-: (لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة)[681], الآيات, ولقد صدق عبد الله بن مسعود –رضي الله عنه- في وصفهم, حيث قال: إن الله نظر في قلوب العباد, فوجد قلب محمد خير قلوب العباد, فاصطفاه لنفسه, وابتعثه برسالته, ثم نظر في قلوب العباد بعد قلب محمد –صلى الله عليه وسلم- فوجد قلوب أصحابه خير قلوب العباد, فجعلهم وزراء نبيه, يقاتلون على دينه, فما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن وما رأوه سيئاً فهو عند الله سيء, [قلت: لم يثبت مرفوعاً], وفي رواية, وقد رأى أصحاب محمد جميعاً أن يستخلفوا أبا بكر, وتقدم قول ابن مسعود: من كان منكم مستناً فليستن بمن قد مات.. الخ عند قول الشيخ: ونتبع السنة والجماعة, وقوله: ولا نفرط في حب أحد منهم أي: لا نتجاوز الحد في حب أحد منهم, فنكون من المعتدين, قال –تعالى-: (يا أهل الكتاب لا تغلوا في دينكم)[682], وقوله: لا نتبرأ من أحد منهم, فأهل السنة يوالونهم كلهم, وينزلونهم منازلهم التي يستحقونها, بالعدل والإنصاف لا بالهوى والتعصب, فإن ذلك كله من البغي الذي هو مجاوزة الحد, كما قال –تعالى-: (فما اختلفوا إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم)[683], وهذا معنى قول من قال من السلف: الشهادة بدعة, والبراءة بدعة, يروى ذلك عن جماعة من السلف, من الصحابة والتابعين منهم: أبو سعيد الخدري, والحسن البصري, وإبراهيم النخعي, والضحاك, وغيرهم, ومعنى الشهادة: أن يشهد على معين من المسلمين أنه من أهل النار, أو أنه كافر بدون العلم بما ختم الله له به, وقوله: وحبهم دين وإيمان وإحسان؛ لأنه امتثال لأمر الله فيما تقدم من النصوص, وقوله: وبغضهم كفر ونفاق وطغيان, تقدم الكلام في تكفير أهل البدع, وهذا الكفر نظير الكفر المذكور في قوله: (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك هم الكافرون)[684].

قوله.. ونثبت الخلافة بعد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أولاً لأبي بكر الصديق –رضي الله عنه- تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة.

قوله.. ونثبت الخلافة بعد رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أولاً لأبي بكر الصديق –رضي الله عنه- تفضيلاً له وتقديماً على جميع الأمة.

الشرح..

اختلف أهل السنة في خلافة الصديق –رضي الله عنه- هل كان بالنص أو بالاختيار؟ فذهب الحسن البصري وجماعة من أهل الحديث إلى أنها تثبت بالنص الخفي والإشارة, ومنهم من قال بالنص الجلي, وذهب جماعة من أهل الحديث إلى أنها ثبتت بالاختيار, والدليل على إثباها بالنص أخبار: من ذلك ما أسنده البخاري عن جُبير بن مُطعم, قال: أتت امرأة النبي –صلى الله عليه وسلم- فأمرها أن ترجع إليه, قالت: أرأيت إن جتت فلم أجدك؟ كأنها تريد الموت, قال: “إن لم تجديني فأتي أبا بكر” وذكر له سياق آخر, وأحاديث أخر, وذلك نص على إمامته, وحديث حذيفة بن اليمان, قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر” رواه أهل السنن, وفي ((الصحيحين)) عن عائشة –رضي الله عنها- وعن أبيها, قالت: دخل علي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في اليوم الذي بُدئ فيه, فقال: “ادعي لي أباك وأخاك, حتى أكتب لأبي بكر كتاباً, ثم قال: يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر” وفي رواية: “فلا يطمع في هذا الأمر طامع” وفي رواية قال: “ادعي لي عبد الرحمن بن أبي بكر, لأكتب لأبي بكر كتاباً لا يختلف عليه, ثم قال: معاذ الله أن يختلف المؤمنون في أبي بكر” وأحاديث تقديمه في الصلاة مشهورة معروفة, وهو يقول: “مروا أبا بكر فليصلّ بالناس” وقد رجع في ذلك مرة بعد مرة, فصلى بهم مدة مرض النبي –صلى الله عليه وسلم-, وفي ((الصحيحين)) عن أبي هريرة, قال: سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: “بينا أنا نائم رأيتُني على قليب, عليها دلو, فنزعت منها ما شاء الله, ثم أخذها ابن أبي قحافة, فنزع منها ذنوباً أو ذَنوبين, وفي نزعه ضعف, والله يغفر له, ثم استحالت غرباً, فأخذها ابن الخطاب, فلم أرَ عبقرياً من الناس يَفري فريه, حتى ضرب الناس بعَطن“, وفي ((الصحيح)) أنه –صلى الله عليه وسلم- قال على منبره: “لو كنت متخذاً من أهل الأرض خليلاً لاتخذت أبا بكر خليلاً لا يبقين في المسجد خوخة إلا سدت, إلا خوخة أبي بكر” وفي ((سنن أبي داود)) وغيره, من حديث الأشعث عن الحسن عن أبي بكرة, أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال ذات يوم: “من رأى منكم رؤيا؟ فقال رجل: أنا, رأيت ميزاناً أنزل من السماء, فوزنت أنت وأبو بكر, فرجحت أنت بأبي بكر, ثم وُزن عمر وأبو بكر, فرجح أبو بكر, ووزن عمر وعثمان, فرجح عمر, ثم رفع, فرأيت الكراهة في وجه النبي –صلى الله عليه وسلم- فقال: ” خلافة نبوة, ثم يؤتي الله الملك من يشاء“, فبين رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن ولاية هؤلاء خلافة نبوة, ثم بعد ذلك ملك, وليس فيه ذكر علي –رضي الله عنه-؛ لأنه لم يجتمع الناس في زمانه, بل كانوا مختلفين, لم ينتظم فيه خلافة النبوة ولا الملك, وعن سعيد بن جُهمان عن سفينة قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “خلافة النبوة ثلاثون سنة, ثم يؤتي الله ملكه من يشاء” أو الملك.

واحتج من قال لم يستخلف, بالخبر المأثور, عن عبد الله بن عمر, عن عمر –رضي الله عنهما- أنه قال: “إن أستخلف فقد استخلف من هو خيرمني, يعني أبا بكر, وإن لا أستخلف, فلم يستخلف من هو خير مني, يعني رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, قال عبد الله: فعرفت أنه حين ذكر رسول الله –صلى الله عليه وسلم- غير مستخلف”, وبما روي عن عائشة –رضي الله عنها- أنها سئلت من كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مستخلفاً لو استخلف, والظاهر –والله أعلم- أن المراد أنه لم يستخلف بعهد مكتوب, ولو كتب عهداً لكتبه لأبي بكر, بل قد أراد كتابته ثم تركه وقال: “يأبى الله والمسلمون إلا أبا بكر” فكان هذا أبلغ من مجرد العهد, فإن النبي –صلى الله عليه وسلم- دل المسلمين على استخلاف أبي بكر, وأرشدهم إليه بأمور متعددة, من أقواله وأفعاله, وأخبر بخلافته إخبار راضٍ بذلك, حامد له, وعزم أن يكتب بذلك عهداً, ثم علم أن المسلمين يجتمعون عليه, فترك الكتاب اكتفاءً بذلك, ثم عزم على ذلك في مرضه يوم الخميس, ثم لما حصل لبعضهم شك: هل ذلك القول من جهة المرض؟ أو هو قول يجب اتباعه؟ ترك الكتابة اكتفاءً بما علم أن الله يختاره والمؤمنون من خلافة أبي بكر, فلو كان التعيين مما يشتبه على الأمة لبينه بياناً قاطعاً للعذر, لكن لما دلهم دلالات متعددة على أن أبا بكر المتعين, وفهموا ذلك, حصل المقصود؛ ولهذا قال عمر –رضي الله عنه- في خطبته التي خطبها بمحضر من المهاجرين والأنصار: أنت خيرنا وسيدنا وأحبنا إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, ولم ينكر ذلك منهم أحد, ولا قال أحد من الصحابة إن غير أبي بكر من المهاجرين أحق بالخلافة منه, ولم ينازع أحد في خلافته إلى بعض الأنصار, طمعاً في أن يكون من الأنصار أمير, ومن المهاجرين أمير ،وهذا مما ثبت بالنصوص المتواترة عن النبي –صلى الله عليه وسلم- بطلانه، ثم الأنصار كلهم بايعوا أبا بكر, إلا سعد بن عبادة لكونه هو الذي يطلب الولاية, ولم يقل أحد من الصحابة قط أن النبي –صلى الله عليه وسلم- نصّ على غير أبي بكر, لا علي, ولا العباس, ولا غيرهما, كما قد قال أهل البدع! وروى ابن بطة بإسناده أن عمر بن عبد العزيز بعث محمد بن الزبير الحنظلي إلى الحسن, فقال: هل كان النبي –صلى الله عليه وسلم- استخلف أبا بكر؟ فقال: أو في شك صاحبك؟ نعم, والله الذي لا إله إلا هو استخلفه, لهو كان أتقى لله من أن يتوثب عليها.

وفي الجملة: فجميع من نقل عنه أنه طلب تولية غير أبي بكر, لم يذكر حجة شرعية, ولا ذكر أن غير أبي بكر أفضل منه, أو أحق منه, وإنما نشأ من حب قبيلته وقومه فقط, وهم كانوا يعلمون فضل أبي بكر –رضي الله عنه- وحب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- له, ففي ((الصحيحين)) عن عمرو بن العاص: أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بعثه على جيش ذات السلاسل, فأتيته فقلت: أي الناس أحب إليك؟ قال: عائشة, قلت: من الرجال؟ قال: أبوها, قلت: ثم من؟ قال: عمر, وعدّ رجالاً” وفيهما أيضاً, عن أبي الدرداء, قال: كنت جالساً عند النبي –صلى الله عليه وسلم-إذ أقبل أبو بكر آخذاً بطرف ثوبه ،حتى ركبتيه ،فقال النبي –صلى الله عليه وسلم- : “أما صاحبكم فقد غامر” فسلم, وقال: يا رسول الله إنه كان بيني وبين ابن الخطاب شيء فأسرعت إليه, ثم ندمت, فسألته أن يغفر لي, فأبى علي, فأقبلت إليك, فقال: يغفر الله لك يا أبا بكر ثلاثاً, ثم إن عمر ندم, فأتى منزل أبي بكر, فسأل, أثمّ أبو بكر؟ فقالوا: لا, فأتى إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- فسلم عليه, فجعل وجه النبي –صلى الله عليه وسلم- يتمعّر, حتى أشفق أبو بكر فجثا على ركبتيه فقال: يا رسول الله, والله أنا كنت أظلم, مرتين, فقال النبي –صلى الله عليه وسلم- إن الله بعثني إليكم, فقلتم: كذبت, وقال أبو بكر: صدق, وواساني بنفسه وماله, فهل أنتم تاركوا لي صاحبي؟ مرتين, فما أوذي بعدها” ومعنى: غامر: غاضب وخاصم, ويضيق هذا المختصر عن ذكر فضائله.

وفي ((الصحيحين)) أيضاً عن عائشة –رضي الله عنها- أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مات وأبو بكر بالسنح” فذكرت الحديث إلى أن قالت: واجتمعت الأنصار إلى سعد بن عبادة, في سقيفة بني ساعدة, فقالوا: منا أمير, ومنكم أمير! فذهب إليهم أبو بكر الصديق, وعمر بن الخطاب, وأبو عبيدة بن الجراح, فذهب عمر يتكلم فأسكته أبو بكر, وكان عمر يقول: والله ما أردت بذلك إلا أني قد هيأت في نفسي كلاماً قد أعجلني, خشيت أن لا يبلغه أبو بكر! ثم تكلم أبو بكر, فتكلم أبلغ الناس, فقال في كلامه: نحن الأمراء, وأنتم الوزراء, فقال حباب ابن المنذر: لا والله لا نفعل, منا أمير ومنكم أمير, فقال أبو بكر: لا ولكنا الأمراء وأنتم الوزراء, هم أوسط العرب, وأعزهم أحساباً, فبايعوا عمر بن الخطاب, أو أبا عبيدة بن الجراح, فقال عمر: بل نبايعك, فأنت سيدنا, وخيرنا, وأحبنا إلى رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, فأخذ عمر بيده, فبايعه, وبايعه الناس, فقال قائل: قتلتم سعداً, فقال عمر: قتله الله, والسُّنح: العالية, وهي حديقة بالمدينة معروفة بها.

قوله.. ثم لعمر بن الخطاب –رضي الله عنه-.

قوله.. ثم لعمر بن الخطاب –رضي الله عنه-.

الشرح..

أي ونثبت الخلافة بعد أبي بكر –رضي الله عنه-, لعمر –رضي الله عنه-, وذلك بتفويض أبي بكر الخلافة إليه, واتفاق الأمة بعده عليه, وفضائله –رضي الله عنه- أشهر من أن تنكر, وأكثر من أن تذكر, فقد روي عن محمد بن الحنفية أنه قال: قلت لأبي: فقلت يا أبت, من خير الناس بعد رسول الله –صلى الله عليه وسلم-؟ فقال: يا بني, أوَ ما تعرف؟ فقلت: لا, قال: أبو بكر, قلت: ثم من؟ قال: عمر, وخشيت أن يقول: ثم عثمان! فقلت: ثم أنت؟ فقال: ما أنا إلا رجل من المسلمين, وتقدم قوله –صلى الله عليه وسلم-: “اقتدوا باللذين من بعدي: أبو بكر وعمر” وفي ((صحيح مسلم)) عن ابن عباس –رضي الله عنهما- قال: وضع عمر على سريره, فتكنّفه الناس يدعون ويُثنون ويصلون عليه, قبل أن يُرفع, وأنا فيهم, فلم يَرُعني إلا برجل قد أخذ بمنكبي من ورائي, فالتفت إليه, فإذا هو علي, فترحم على عمر, وقال: ما خلفت أحداً أحب إليّ أن ألقى الله بمثل عمله منك, وأيم الله, إن كنتُ لأظنّ أن يجعلك الله مع صاحبيك, وذلك أني كنت كثيراً ما أسمع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: جئت أنا وأبو بكر وعمر, ودخلت أنا وأبو بكر وعمر, وخرجت أنا وأبو بكر وعمر, فإن كنت لأرجو, أو لأظنّ أن يجعلك الله معهما, وتقدم حديث أبي هريرة –رضي الله عنه-, في رؤيا رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, ونزعه من القليب, ثم نزع أبي بكر, ثم استحالت الدلو غرباً, فأخذها ابن الخطاب, فلم أرَ عبقرياً من الناس ينزع نزع عمر, حتى ضرب الناس بعطن, وفي ((الصحيحين)), من حديث سعد بن أبي وقاص, قال: استأذن عمر بن الخطاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, وعنده نساء من قريش, يكلمنه, عليت أصواتهن, الحديث, وفيه فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إيه يا ابن الخطاب! والذي نفسي بيده, ما لقيك الشيطان سالكاً فجّاً إلا سلك فجاً غيرَ فجك” وفي ((الصحيحين)) أيضاً, عن النبي –صلى الله عليه وسلم-, أنه كان يقول: “قد كان في الأمم قبلكم محدّثون, فإن يكن في أمتي منهم أحد, فإن عمر بن الخطاب منهم“, قال ابن وهب: تفسير”محدّثون” ملهمون.

قوله.. ثم لعثمان –رضي الله عنه-.

قوله.. ثم لعثمان –رضي الله عنه-.

الشرح..

أي وثبتت الخلافة بعد عمر لعثمان –رضي الله عنهما-, وقد ساق البخاري –رحمه الله- قصة قتل عمر –رضي الله عنه-, وأمر الشورى والمبايعة لعثمان, في ((صحيحه)), فأحببت أن أسردها, كما رواه بسنده: عن عمرو بن ميمون, قال: “رأيت عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- قبل أن يصاب بأيام بالمدينة, وقف على حذيفة بن اليمان وعثمان بن حُنيف, فقال: كيف فعلتما؟ أتخافان أن تكونا قد حملتما الأرض ما لا تطيق؟ قالا: لا, فقال عمر: لئن سلمني الله لأدَعنّ أرامل أهل العراق لا يحتجن إلى رجل بعدي أبداً, قال: فما أتت عليه إلا أربعة حتى أصيب, قال: إني لقائم ما بيني وبينه إلا عبد الله بن عباس غداة أصيب, وكان إذا مرّ بين الصفين قال: استووا, حتى إذا لم ير فيهنّ خللاً تقدم فكبر, وربما قرأ سورة يوسف, أو النحل, أو نحو ذلك في الركعة الأولى, حتى يجتمع الناس, فما هو إلا أن كبّر, فسمعته يقول: قتلني, أو أكلني الكلب, حين طعنه, فطار العلج, بسكين ذات طرفين, لا يمر على أحد يميناً وشملاً إلا طعنه, حتى طعن ثلاثة عشر رجلاً, مات منهم سبعة, فلما رأى ذلك رجل من المسلمين, طرح عليه بُرنساً, فلما ظن العلج أنه مأخوذ, نحر نفسه, وتناول عمر يد عبد الرحمن بن عوف, فقدّمه, فمن يلي عمر فقد رأى الذي أرى, وأما نواحي المسجد, فإنهم لا يدرون غير أنهم قد فقدوا صوت عمر, وهم يقولون: سبحان الله, سبحان الله, فصلى بهم عبد الرحمن صلاة خفيفة, فلما انصرفوا, قال: يا ابن عباس انظر من قتلني؟ فجال ساعة, ثم جاء فقال: غلام المغيرة, قال: الصَّنَع؟ قال: نعم, قال: قاتله! لقد أمرت به معروفاً! الحمد لله الذي لم يجعل منيتي على يد رجل يدّعي الإسلام, قد كنت أنت وأبوك تحبان أن تكثر العلوج بالمدينة, وكان العباس أكثرهم رقيقاً, فقال: إن شئت فعلت؟ أي: إن شئت قتلنا؟ قال: كذبت! بعد ما تكلموا بلسانكم, وصلوا قبلتكم, وحجوا حجكم؟ فاحتُمل إلى بيته, فانطلقنا معه, وكأن الناس لم تصبهم مصيبة قبل يومئذ, فقائل يقول: لا بأس عليه, وقائل يقول: أخاف عليه, فأتي بنبيذ فشربه, فخرج من جوفه, ثم أتى بلبن فشربه, فخرج من جوفه, فعرفوا أنه ميت, فدخلنا عليه, وجاء الناس يُثنون عليه, وجاء رجل شاب, فقال: أبشر يا أمير المؤمنين ببشرى الله لك, من صحبة رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وقدم في الإسلام ما قد علمت, ثم وليت فعدلت, ثم شهادة, قال: وددت أن ذلك كَفاف, لا علي ولا لي, فلما أدبر إذا إزاره يمس الأرض, قال: ردو علي الغلام, قال: يا ابن أخي “ارفع ثوبك, فإنه أنقى لثوبك, وأتقى لربك” يا عبد الله بن عمر, انظر ما عليّ من الدين؟ فحسبوه, فوجدوه ستة وثمانون ألفاً أو نحوه, قال: إن وفى له مال آل عمر فأدّه من أموالهم, وإلا فسل في بني عدي بن كعب, فإن لم تف أموالهم, فسل في قريش, ولا تعدهم إلى غيرهم, فأدّ عني هذا المال, انطلق إلى عائشة أم المؤمنين, فقل: يقرأ عليك عمر السلام, ولا تقل: أمير المؤمنين, فإني لست اليوم للمؤمنين أميراً, وقل: يستأذن عمر بن الخطاب أن يدفن مع صاحبيه, فسلّم واستأذن, ثم دخل عليها, فوجدها قاعدة تبكي, فقال: يقرأ عليك عمر بن الخطاب السلام, ويستأذن أن يدفن مع صاحبيه, فقالت: كنت أريده لنفسي, ولأوثرنّ به اليوم على نفسي, فلما أقبل, قيل: هذا عبد الله بن عمر قد جاء, قال: ارفعوني, فأسنده رجل إليه, قال: ما لديك؟ قال: الذي تحب يا أمير المؤمنين أذِنَت, قال: الحمد لله, ما كان شيء أهم إلي من ذلك, فإذا أنا قضيت فاحملوني, ثم سلّم فقل: يستأذن عمر بن الخطاب, فإن أذِنَت لي فأدخلوني, وإن ردتني فردوني إلى مقابر المسلمين, وجاءت أم المؤمنين حفصة والنساء يسرن معها:[ قلت: في البخاري “تسير معها”], فلما رأيناها قمنا فولجت عليه, فبكت عنده ساعة, واستأذن الرجال, فولجت داخلاً لهم, فسمعنا بكاءها من الداخل, فقالوا: أوص يا أمير المؤمنين, استخلف؟ قال: ما أجد أحق بهذا الأمر من هؤلاء النفر أو الرهط, الذين توفي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وهو عنهم راض, فسمى علياً, وعثمان والزبير, وطلحة, وسعداً, وعبد الرحمن, وقال: يشهدكم عبد الله بن عمر, وليس له من الأمر شيء, كهيئة التعزية له, فإن أصابت الإمارة سعداً فهو ذاك, وإلا فليستعن به أيكم ما أمّر, فإني لم أعزله من عجز ولا خيانة, وقال: أوصي الخليفة من بعدي بالمهاجرين الأولين, أن يعرف لهم حقهم, ويحفظ لهم حرمتهم, وأوصيه بالأنصار خيراً, الذين تبوؤا الدار والإيمان من قبلهم, أن يُقبَل من محسنهم, ويتجاوز عن مسيئهم, وأوصيه بأهل الأمصار خيراً, فإنهم ردء الإسلام, وجباة الأموال, وغيظ العدو, وأن لا يأخذ منهم إلا فضلهم, عن رضاهم, وأوصيه بالأعراب خيراً, فإنهم أصل العرب, ومادة الإسلام, أن يأخذ من حواشي أموالهم, وأن ترد على فقرائهم, وأوصيه بذمة الله وذمة رسوله, أن يوفى لهم بعهدهم, وأن يقاتل من ورائهم, ولا يكلّفوا إلا طاقتهم, فلما قبض خرجنا به, فانطلقنا نمشي, فسلم عبد الله بن عمر, قال: يستأذن عمر بن الخطاب؟ قالت: أدخلوه, فأدخِل, فوُضع هنالك مع صاحبيه, فلما فرغ من دفنه اجتمع هؤلاء الرهط, فقال عبد الرحمن: اجعلوا أمركم إلى ثلاثة منكم, قال الزبير: قد جعلتُ أمري إلى علي, فقال طلحة: قد جعلت أمري إلى عثمان, وقال سعد: قد جعلت أمري إلى عبد الرحمن بن عوف, فقال عبد الرحمن: أيكما تبرأ من هذا الأمر فنجعله إليه؟ والله عليه والإسلام لينظرن أفضلهم في نفسه, فأسكِت الشيخان, فقال عبد الرحمن: أفتجعلونه إليّ؟ والله عليّ أن لا آلو عن أفضلكم؟ قالا: نعم, فأخذ بيد أحدهما, فقال: لك قرابة من رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, والقدَم في الإسلام ما قد علمت, فالله عليك, لئن أمّرتك لتعدلن؟ ولئن أمرت عثمان لتسمعنّ ولتطيعنّ؟ ثم خلا بالآخر, فقال له مثل ذلك, فلما أخذ الميثاق, قال: ارفع يدك يا عثمان, فبايعه, فبايع له علي, وولج أهل الدار فبايعوه“.

وعن حميد بن عبد الرحمن: أن المِسْوَر بن مَخرمة أخبره: “أن الرهط الذين ولاهم عمر اجتمعوا فتشاوروا, قال لهم عبد الرحمن: لست بالذي أنافسكم عن هذا الأمر, ولكنكم إن شئتم اخترت لكم منكم؟ فجعلوا ذلك إلى عبد الرحمن, فلما ولّوا عبد الرحمن أمرهم, فمال الناس على عبد الرحمن, حتى ما أرى أحداً من الناس يتبع أولئك الرهط ولا يطأ عقبه, ومال الناس على عبد الرحمن يشاورونه تلك الليالي, حتى إذا كانت تلك الليلة التي أصبحنا فيها فبايعنا عثمان, قال المسور بن مخرمة: طرقني عبد الرحمن بعد هَجْع من الليل, فضرب الباب حتى استيقظت, فقال: أراك نائماً؟! فوالله ما اكتحلتُ هذه الثلاث بكبير نوم, انطلق فادع لي الزبير وسعداً, فدعوتهما له, فشاورهما ثم دعاني, فقال: ادع لي علياً, فدعوته, فناجاه حتى ابهارّ الليل, ثم قام علي من عنده وهو على طمع, وقد كان عبد الرحمن يخشى من علي شيئاً, ثم قال: ادع لي عثمان, فدعوته, فناجاه حتى فرق بينهما المؤذن بالصبح, فلما صلى للناس الصبح, واجتمع أولئك الرهط عند المنبر, فأرسل إلى من كان حاضراً من المهاجرين والأنصار, وأرسل إلى أمراء الأجناد, وكانوا وافوا تلك الحجة مع عمر, فلما اجتمعوا تشهد عبد الرحمن, ثم قال: أما بعد, يا علي, إني قد نظرت في أمر الناس, فلم أرهم يعدلون بعثمان فلا تجعلنّ على نفسك سبيلاً, فقال لعثمان: أبايعك على سنة الله ورسوله –صلى الله عليه وسلم- والخليفتين من بعده, فبايعه عبد الرحمن, وبايعه الناس والمهاجرون والأنصار وأمراء الأجناد والمسلمون“.

ومن فضائل عثمان –رضي الله عنه- الخاصة: كونه خَتَنُ رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على ابنتيه, وفي ((صحيح مسلم)), عن عائشة, قالت: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- مضطجعاً في بيته, كاشفاً عن فخذيه أو ساقيه, فاستأذن أبو بكر, فأذن له وهو على تلك الحال, فتحدّث, ثم استأذن عمر, فأذن له وهو كذلك, فتحدّث, ثم استأذن عثمان, فجلس رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وسوّى ثيابه, فدخل فتحدّث, فلما خرج, قالت عائشة: دخل أبو بكر فلم تهتش له ولم تباله, ثم دخل عمر فلم تهتش ولم تباله, ثم دخل عثمان فجلست وسوّيت ثيابك؟ فقال: “ألا أستحي من رجل تستحي منه الملائكة“, وفي ((الصحيح)): لما كان يوم بيعة الرضوان, وأن عثمان –رضي الله عنه- كان قد بعثه النبي –صلى الله عليه وسلم- إلى مكة, وكانت بيعة الرضوان بعد ما ذهب عثمان إلى مكة, فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بيده اليمنى: “هذه يد عثمان, فضرب بها على يده, فقال: هذه لعثمان“.

قوله.. ثم لعلي بن أبي طالب –رضي الله عنه-.

قوله.. ثم لعلي بن أبي طالب –رضي الله عنه-.

الشرح..

أي: ونثبت الخلافة بعد عثمان لعلي –رضي الله عنهما-, لما قتل عثمان وبايع الناس علياً صار إماماً حقاً واجب الطاعة, وهو الخليفة في زمانه خلافة نبوة, كما دل عليه حديث سفينة المقدّم ذكره, أنه قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “خلافة النبوة ثلاثون سنة, ثم يؤتي الله ملكه من يشاء“.

وكانت خلافة أبي بكر الصديق سنتين وثلاثة أشهر, وخلافة عمر عشر سنين ونصفاً, وخلافة عثمان اثنتي عشرة سنة, وخلافة علي أربع سنين وتسعة أشهر, وخلافة الحسن ستة أشهر, وأول ملوك المسلمين معاوية –رضي الله عنه-, وهو خير ملوك المسلمين, لكنه إنما صار إماماً حقاً لما فوّض إليه الحسن بن علي –رضي الله عنهم- الخلافة, فإن الحسن –رضي الله عنه- بايعه أهل العراق بعد موت أبيه, ثم بعد ستة أشهر فوّض الأمر إلى معاوية, فظهر صدق قول النبي –صلى الله عليه وسلم-: “إن ابني هذا سيد, وسيصلح الله به بين فئتين عظيمتين من المسلمين“, والقصة معروفة في موضعها.

فالخلافة ثبتت لأمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه- بعد عثمان –رضي الله عنه- بمبايعة الصحابة, سوى معاوية مع أهل الشام, والحقّ مع علي –رضي الله عنه-.

ومن فضائل أمير المؤمنين علي بن أبي طالب –رضي الله عنه-: ما في ((الصحيحين)), عن سعد بن أبي وقاص –رضي الله عنه-, قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم- لعلي: “أنت مني بمنزلة هارون من موسى, إلا أنه لا نبي بعدي“, وقال –صلى الله عليه وسلم- يوم خيبر: “لأعطينّ الراية غداً رجلاً يحب الله ورسوله, ويحبه الله ورسوله“, قال: فتطاولنا لها, فقال: “ادعوا لي علياً, فأتي به أرمد, فبصق في عينيه, ودفع الراية إليه, ففتح الله عليه“, ولما نزلت هذه الآية: (فقل تعالوا ندع أبناءنا وأبناءكم ونساءنا ونساءكم وأنفسنا وأنفسكم)[685], دعا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- علياً وفاطمة وحسناً وحسيناً, فقال: “اللهم هؤلاء أهلي“.

قوله.. وهم الخلفاء الراشدون, والأئمة المهديون

قوله.. وهم الخلفاء الراشدون, والأئمة المهديون

الشرح..

تقدم الحديث الثابت في ((السنن)), وصححه الترمذي, عن العِرباض ابن سارية, قال: وعظنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- موعظة بليغة, ذرفت منها العيون, ووجلت منها القلوب, فقال قائل: يا رسول الله, كأن هذه موعظة مودع, فماذا تعهد إلينا؟ فقال: “أوصيكم بالسمع والطاعة, فإنه من يعش منكم بعدي فسيرى اختلافاً كثيراً, فعليكم بسنتي وسنة الخلفاء الراشدين المهديين من بعدي, تمسكوا بها, وعضوا عليها بالنواجذ, وإياكم ومحدثات الأمور, فإن كل بدعة ضلالة“, وترتيب الخلفاء الراشدين –رضي الله عنهم أجمعين- في الفضل, كترتيبهم في الخلافة, ولأبي بكر وعمر –رضي الله عنهما- من المزية: أن النبي –صلى الله عليه وسلم- أمرنا باتباع سنة الخلفاء الراشدين, ولم يأمرنا في الاقتداء في الأفعال إلا بأبي بكر وعمر, فقال: “اقتدوا باللذين من بعدي: أبي بكر وعمر“, وفرق بين اتباع سنتهم والاقتداء بهم, فحال أبي بكر وعمر فوق حال عثمان وعلي –رضي الله عنهم أجمعين-, وقد تقدم قول عبد الرحمن بن عوف لعلي –رضي الله عنهما-: إني نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان, وقال أيوب السختياني من لم يقدّم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار, وفي ((الصحيحين)) عن ابن عمر, قال: كنا نقول ورسول الله –صلى الله عليه وسلم- حيّ: أفضل أمة النبي –صلى الله عليه وسلم- بعده أبو بكر, ثم عمر, ثم عثمان.

قوله.. وأن العشرة الذين سماهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وبشرهم بالجنة, نشهد لهم بالجنة, على ما شهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, وقوله الحق, وهم: أبو بكر, وعمر, وعثمان, وعلي, والزبير, وسعد, وسعيد, وعبد الرحمن بن عوف, وأبو عبيدة ابن الجراح, وهو أمين الأمة, -رضي الله عنهم أجمعين-.

قوله.. وأن العشرة الذين سماهم رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وبشرهم بالجنة, نشهد لهم بالجنة, على ما شهد رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, وقوله الحق, وهم: أبو بكر, وعمر, وعثمان, وعلي, والزبير, وسعد, وسعيد, وعبد الرحمن بن عوف, وأبو عبيدة ابن الجراح, وهو أمين الأمة, -رضي الله عنهم أجمعين-.

الشرح..

تقدم ذكر بعض فضائل الخلفاء الأربعة, ومن فضائل الستة الباقين من العشرة –رضي الله عنهم أجمعين-, ما رواه مسلم, عن عائشة –رضي الله عنها- : أرق رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ذات ليلة فقال: ليت رجلاً صالحاً من أصحابي يحرسني الليلة, قالت: وسمعنا صوت السلاح, فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “من هذا؟ ” فقال: سعد ابن أبي وقاص: يا رسول الله, جئت أحرسك, وفي لفظ آخر: وقع في نفسي خوف على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- فجئت أحرسه, فدعا له رسول الله –صلى الله عليه وسلم- ثم نام, وفي ((الصحيحين)): أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- جمع لسعد بن أبي وقاص أبويه يوم أحد, فقال: ارم, فداك أبي وأمي, وفي ((صحيح مسلم)), عن قيس بن أبي حازم, قال: رأيت يد طلحة التي وقى بها النبي –صلى الله عليه وسلم- يوم أحد قد شلّت, وفيه أيضاً عن أبي عثمان النهدي, قال: لم يبق مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم- في بعض الأيام التي قاتل فيها النبي –صلى الله عليه وسلم- غير طلحة وسعد, وفي ((الصحيحين)), واللفظ لمسلم, عن جابر بن عبد الله قال: ندب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- الناس يوم الخندق فانتدب الزبير, ثم ندبهم, فانتدب الزبير, فقال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “لكل نبيّ حواريّ, وحواريي الزبير“, وفيهما أيضاً عن الزبير –رضي الله عنه-, أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “من يأتي بني قريظة فيأتيني بخبرهم؟” فانطلقت, فلما رجعت جمع لي رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أبويه, فقال “فداك أبي وأمي“, وفي ((صحيح مسلم)), عن أنس بن مالك, قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “إن لكل أمة أميناً, وإن أميننا أيتها الأمة: أبو عبيدة بن الجراح“, وفي ((الصحيحين)) عن حذيفة بن اليمان, قال: جاء أهل نجران إلى النبي –صلى الله عليه وسلم-, فقالوا: يا رسول الله, ابعث إلينا رجلاً أميناً, فقال: “لأبعثنّ إليكم رجلاً أميناً حقّ أمين” قال: فاستشرف لها الناس, قال: فبعث أبا عبيدة بن الجراح, وعن سعيد بن زيد –رضي الله عنه- قال: أشهد على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أني سمعته يقول: “عشرة في الجنة: النبي في الجنة, وأبو بكر في الجنة, وطلحة في الجنة, وعمر في الجنة, وعثمان في الجنة, وسعد بن مالك في الجنة, وعبد الرحمن بن عوف في الجنة“, ولو شئت لسمّيت العاشر, قال: فقالوا: من هو؟ قال: “سعيد بن زيد” وقال: “لمشهد رجل منهم مع رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, يَغبَرُ منه وجهه, خير من عمل أحدكم, ولو عمّر عُمُر نوح“, رواه أبو داود, وابن ماجه, والترمذي وصححه, ورواه الترمذي عن عبد الرحمن بن عوف, وعن عبد الرحمن بن عوف –رضي الله عنه-, أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “أبو بكر في الجنة, وعمر في الجنة, وعلي في الجنة, وعثمان في الجنة, وطلحة في الجنة, والزبير بن العوام في الجنة, وعبد الرحمن بن عوف في الجنة, وسعيد بن زيد بن عمرو ابن نفيل في الجنة, وأبو عبيدة بن الجراح في الجنة” رواه الإمام أحمد في ((مسنده)), ورواه أبو بكر بن أبي خيثمة, وقدم فيه عثمان على علي –ضي الله عنهما-, وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: كان رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على حِراء, هو وأبو بكر وعمر وعثمان وعلي وطلحة والزبير, فتحركت الصخرة فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “اهدأ, فما عليك إلا نبي أو صدّيق أو شهيد” رواه مسلم والترمذي وغيرهما, ورُوي من طرق, وقد اتفق أهل السنة على تعظيم هؤلاء العشرة وتقديمهم, لما اشتهر من فضائلهم ومناقبهم.

قوله.. ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأزواجه الطاهرات من كل دنس, وذرياته المقدسين من كل رجس, فقد برئ من النفاق

قوله.. ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- وأزواجه الطاهرات من كل دنس, وذرياته المقدسين من كل رجس, فقد برئ من النفاق

الشرح..

تقدم بعض ما ورد في الكتاب والسنة من فضائل الصحابة –رضي الله عنهم- وفي ((صحيح مسلم)), عن زيد بن الأرقم, قال: قام فينا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- خطيباً بما يدعى خمّاً بين مكة والمدينة, فقال: “أما بعد, ألا أيها الناس, فإنما أنا بشر, يوشك أن يأتي رسول ربي, فأجيب, وأنا تارك فيكم ثقلين: أولهما, كتاب الله, فيه الهدى والنور, فخذوا بكتاب الله واستمسكوا به, فحث على كتاب الله ورغّب فيه, ثم قال: وأهل بيتي, أذكركم الله في أهل بيتي, ثلاثاً” وخرج البخاري عن أبي بكر الصديق –رضي الله عنه-, قال: “ارقبوا محمداً في أهل بيته“.

قوله.. وعلماء السلف من السابقين, ومن بعدهم من التابعين, أهل الخير والأثر, وأهل الفقه والنظر, لا يُذكرون إلا بالجميل, ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل

قوله.. وعلماء السلف من السابقين, ومن بعدهم من التابعين, أهل الخير والأثر, وأهل الفقه والنظر, لا يُذكرون إلا بالجميل, ومن ذكرهم بسوء فهو على غير السبيل

الشرح..

قال –تعالى-: (ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونُصله جهنم وساءت مصيراً)[686], فيجب على كل مسلم بعد موالاة الله ورسوله, موالاة المؤمنين, كما نطق به القرآن خصوصاً الذين هم ورثة الأنبياء, الذين جعلهم الله بمنزله النجوم يهتدى بها في ظلمات البر والبحر, وقد أجمع المسلمون على هدايتهم ودرايتهم, إذ كل أمة قبل مبعث محمد –صلى الله عليه وسلم- علماؤها شرارها, إلا المسلمين, فإن علماءهم خيارهم, فإنهم خلفاء الرسول من أمته, والمحيون لما مات من سنته, فبهم قام الكتاب وبه قاموا, وبهم نطق الكتاب, وبه نطقوا, وكلهم متفقون اتفاقاً يقيناً على وجوب اتباع الرسول –صلى الله عليه وسلم-, ولكن إذا وجد لواحد منهم قول قد جاء حديث صحيح بخلافه, فلا بد له في تركه من عذر, وجماع الأعذار ثلاثة أصناف:

أحدها: عدم اعتقاده أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قاله.

الثاني: عدم اعتقاده أنه أراد تلك المسألة بذلك القول.

الثالث: اعتقاده أن ذلك الحكم منسوخ, فلهم الفضل علينا والمنة بالسبق, وتبليغ ما أرسل به الرسول –صلى الله عليه وسلم- إلينا, وإيضاح ما كان منه يخفى علينا, فرضي الله عنهم وأرضاهم, (ربنا اغفر لنا ولإخواننا الذين سبقونا بالإيمان ولا تجعل في قلوبنا غلاً للذين آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)[687].

قوله.. ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء –عليهم السلام- ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء

قوله.. ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء –عليهم السلام- ونقول: نبي واحد أفضل من جميع الأولياء

الشرح..

أوجب الله على الخلق كلهم متابعة الرسل, قال –تعالى-: (وما أرسلنا من رسول إلا ليطاع بإذن الله ولو أنهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك)[688], إلى أن قال: (ويسلموا تسليماً)[689], وقال –تعالى-: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ويغفر لكم ذنوبكم والله غفور رحيم)[690], قال أبو عثمان النيسابوري: من أمّر السنة على نفسه قولاً وفعلاً, نطق بالحكمة, ومن أمّر الهوى على نفسه نطق بالبدعة, وقال بعضهم: ما ترك بعضهم شيئاً من السنة إلا لكبر في نفسه, والأمر كما قال, فإنه إذا لم يكن متبعاً للأمر الذي جاء به الرسول, كان يعمل بإرادة نفسه, فيكون متبعاً لهواه, بغير هدى من الله, وهذا غش النفس, وهو من الكبر, فإنه شبيه بقول الذين قالوا: (لن نؤمن حتى نُؤتى مثل ما أوتي رسل الله الله أعلم حيث يجعل رسالته)[691], وكثير من هؤلاء يظن أنه يصل برياسته واجتهاده في العبادة, وتصفية نفسه, إلى ما وصلت إليه الأنبياء من غير اتباع لطريقتهم! ومنهم من يظن أنه قد صار أفضل من الأنبياء!! ومنهم من يقول إن الأنبياء والرسل إنما يأخذون العلم بالله من مشكاة خاتم الأولياء!! ويدّعي لنفسه أنه خاتم الأولياء! ويكون ذلك العلم هو حقيقة قول فرعون, وهذا قلب للشريعة, فإن الولاية ثابتة للمؤمنين المتقين, كما قال –تعالى-: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون, الذين آمنوا وكانوا يتقون)[692], والنبوة أخص من الولاية, والرسالة أخص من النبوة.

قوله.. ونؤمن بما جاء من كراماتهم, وصح عن الثقات من رواياتهم.

قوله.. ونؤمن بما جاء من كراماتهم, وصح عن الثقات من رواياتهم.

الشرح..

المعجزة في اللغة تعم كل خارق للعادة, وكذلك الكرامة في عرف أئمة أهل العلم المتقدمين, ولكن كثيراً من المتأخرين يفرقون في اللفظ بينهما, فيجعلون المعجزة للنبي, والكرامة للولي, وجماعها: الأمر الخارق للعادة, فصفات الكمال ترجع إلى ثلاثة: العلم, والقدرة, والغنى, وهذه الثلاثة لا تصلح على الكمال إلا لله وحده, فإنه الذي أحاط بكل شيء علماً, وهو على كل شيء قدير, وهو غني عن العالمين؛ ولهذا أمر النبي –صلى الله عليه وسلم- أن يتبرأ من دعوى هذه الثلاثة بقوله: (قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إليّ)[693], وكذلك قال نوح –عليه السلام- فهذا أول أولي العزم, وأول رسول الله بعثه الله إلى أهل الأرض, وهذا خاتم الرسل, وخاتم أولي العزم, وكلاهما تبرأ من ذلك, وهذا لأنهم يطالبونهم تارة بعلم الغيب, كقوله –تعالى-: (يسألونك عن الساعة أيان مرساها)[694], وتارة بالتأثير, كقوله –تعالى-: (وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعاً)[695]الآيات, وتارة يعيبون عليهم الحاجة البشرية, كقوله –تعالى-: (وقالوا مالهذا الرسول يأكل الطعام ويمشي في الأسواق)[696]الآية, فأمر الرسول أن يخبرهم بأنه لا يملك ذلك, وإنما ينال من تلك الثلاثة بقدر ما يعطيه الله, فيعلم ما علمه الله إياه, ويستغني عما أغناه عنه, ويقدر على ما أقدر عليه من الأمور المخالفة للعادة المطردة, أو لعادة أغلب الناس, فالخارق ثلاثة أنواع: محمود في الدين, ومذموم, ومباح, فإن كان المباح فيه منفعة كان نعمة, وإلا فهو كسائر المباحات التي لا منفعة فيها, قال أبو علي الجوزجاني: كن طالباً للاستقامة, لا طالباً للكرامة, فإن نفسك متحركة في طلب الكرامة, وربك يطلب منك الاستقامة.

قال الشيخ السهروردي في ((عوارفه)): وهذا أصل كبير في الباب, فإن كثيراً من المجتهدين المتعبدين سمعوا بالسلف الصالحين المتقدمين, وما منحوا به من الكرامات وخوارق العادات, فنفوسهم لا تزال تتطلع إلى شيء من ذلك, ويحبون أن يرزقوا شيئاً منه, ولعل أحدهم يبقى منكسر القلب, متهماً لنفسه في صحة عمله, حيث لم يحصل له خارق, ولو علموا بسر ذلك لهان عليهم الأمر, فيعلم أن الله يفتح على بعض المجاهدين الصادقين من ذلك باباً, والحكمة فيه أن يزداد بما يرى من خوارق العادات وآثار القدرة يقيناً فيقوى عزمه على الزهد في الدنيا, والخروج من دواعي الهوى, فسبيل الصادق مطالبة النفس بالاستقامة فهي كل الكرامة, ولا ريب أن للقلوب من التأثير أعظم مما للأبدان, لكن إن كانت صالحة كان تأثيرها صالحاً, وإن كانت فاسدة كان تأثيرها فاسداً, فالأحوال يكون تأثيرها محجوباً لله تعالى تارة, ومكروهاً لله أخرى, وأما ما يبتلي الله به عبده, من السراء بخرق العادة أو بغيرها أو بالضراء, فليس ذلك لأجل كرامة العبد على ربه, ولا هوانه عليه, بل قد سعد بها قوم إذا أطاعوه, وشقي بها قوم إذا عصوه, كما قال –تعالى-: (فأما الإنسان إذا ما ابتلاه ربه فأكرمه ونعمه فيقول ربي أكرمن, وأما إذا ما ابتلاه فقدر عليه رزقه فيقول ربي أهانن, كلا)[697], ولهذا كان الناس في هذه الأمور ثلاثة أقسام:

قسم ترتفع درجتهم بخرق العادة.

قسم يتعرضون بها لعذاب الله.

وقسم يكون في حقهم بمنزلة المباحات.

ثم إن الدين إذا صح علماً وعملاً فلا بد أن يوجب خرق العادة, إذا احتاج إلى ذلك صاحبه, قال –تعالى-: (ومن يتق الله يجعل له مخرجاً, ويرزقه من حيث لا يحتسب)[698], وقال –تعالى-: (إن تتقوا الله يجعل لكم فرقاناً)[699], وقال –تعالى-: (ولو أنهم فعلوا ما يوعظون به لكان خيراً لهم وأشد تثبيتاً, وإذاً لآتيناهم من لدنا أجراً عظيماً, ولهديناهم صراطاً مستقيماً)[700], وقال –تعالى-: (ألا إن أولياء الله لا خوف عليهم ولا هم يحزنون, الذين آمنوا وكانوا يتقون, لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة)[701], قال –تعالى- فيما يرويه عنه رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “من عادى لي ولياً فقد بارزني بالمحاربة, وما تقرب إلي عبدي بمثل أداء ما افترضت عليه, ولا يزال عبد يتقرب إلي بالنوافل, حتى أحبه, فإذا أحببته كنت سمعه الذي يسمع به, وبصره الذي يبصر به, ويده التي يبطش بها, ورجله التي يمشي بها, ولئن سألني لأعطينه, ولئن استعاذني لأعيذنه, وما ترددت في شيء أنا فاعله ترددي في قبض نفس عبدي المؤمن, يكره الموت, وأكره مساءته, ولا بد له منه“, فظهر أن الاستقامة حظ الرب, وطلب الكرامة حظ النفس, -وبالله التوفيق-, وقول المعتزلة في إنكار الكرامة, ظاهر البطلان, فإنه بمنزلة إنكار المحسوسات, ومما ينبغي التنبيه عليه ههنا: أن الفراسة ثلاثة أنواع:

إيمانية: وسببها نور يقذفه الله في قلب عبده, وحقيقتها أنها خاطر يهجم على القلب, يثب عليه كوثوب الأسد على الفريسة, ومنها اشتقاقها, وهذه الفراسة على حسب قوة الإيمان, فمن كان أقوى إيماناً فهو أحدّ فراسة.

فراسة رياضية: وهي التي تحصل بالجوع والسهر والتخلي, فإن النفس إذا تجردت عن العوائق صار لها من الفراسة بحسب تجردها, وهذه فراسة مشتركة بين المؤمن والكافر ولا تدل على إيمان ولا على ولاية.

وفراسة خلقية: وهي التي صنف فيها الأطباء وغيرهم, واستدلوا بالخلق على الخُلق, لما بينهما من الارتباط الذي اقتضته حكمة الله, كالاستدلال بصغر الرأس الخارج عن العادة على صغر العقل, وبكبره على كبره, وسعة الصدر على سعة الخلق, وبضيقه على ضيقه, وبجمود العينين, وكلال نظرهما على بلادة صاحبهما, وضعف حرارة قلبه, ونحو ذلك.

قوله.. ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال, ونزول عيسى ابن مريم –عليه السلام- من السماء, ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها, وخروج دابة الأرض من موضعها.

قوله.. ونؤمن بأشراط الساعة: من خروج الدجال, ونزول عيسى ابن مريم –عليه السلام- من السماء, ونؤمن بطلوع الشمس من مغربها, وخروج دابة الأرض من موضعها.

الشرح..

عن عوف بن مالك الأشجعي, قال: أتيت النبي –صلى الله عليه وسلم- في غزوة تبوك, وهو في قبة من أدَم فقال: “اعدد ستاً بين يدي الساعة: موتي, ثم فتح بيت المقدس, ثم موتان يأخذ فيكم كقعاص الغنم, ثم استفاضة المال حتى يعطى الرجل مائة دينار فيظل ساخطاً, ثم فتنة لا يبقى بيت من العرب إلا دخلته, ثم هدنة تكون بينكم وبين بني الأصفر, فيغدرون, فيأتونكم تحت ثمانين غاية, تحت كل غاية اثنا عشر ألفاً“, وروي “راية” بالراء والغين, وهما بمعنى, رواه البخاري وأبو داود وابن ماجه, والطبراني, وعن حذيفة بن أسيد, قال: اطلع النبي –صلى الله عليه وسلم- علينا ونحن نتذاكر الساعة, فقال: “ما تذاكرون؟ قالوا: نذكر الساعة, فقال: “إنها لن تقوم حتى ترون قبلها عشر آيات, فذكر: الدخان, والدجال, والدابة, وطلوع الشمس من مغربها, ونزول عيسى بن مريم, ويأجوج ومأجوج, وثلاثة خسوف: خسف بالمشرق, وخسف بالمغرب, وخسف بجزيرة العرب, وآخر ذلك نار من اليمن تطرد الناس إلى محشرهم” رواه مسلم, وفي ((الصحيحين)), واللفظ للبخاري, عن ابن عمر –رضي الله عنهما- قال: ذكر الدجال عند النبي –صلى الله عليه وسلم- فقال: “إن الله لا يخفى عليكم, إن الله ليس بأعور, وأشار بيده إلى عينه, وإن المسيح الدجال أعور عين اليمنى, كأن عينه عنبة طافية”, وعن أنس بن مالك –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “ما من نبي إلا وأنذر قومه الأعور الدجال, ألا إنه أعور, وإن ربكم ليس بأعور, ومكتوب بين عينيه ك ف ر“, فسره في رواية: “أي كافر” وروى البخاري وغيره, عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “والذي نفسي بيده ليوشِكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً, فيكسر الصليب, ويقتل الخنزير, ويضع الجزية, ويفيض المال, حتى لا يقبله أحد, حتى تكون السجدة خيراً من الدنيا وما فيها” ثم يقول أبو هريرة: اقرؤوا إن شئتم” (وإن من أهل الكتاب إلا ليؤمنن به قبل موته ويوم القيامة يكون عليهم شهيداً)[702], وأحاديث الدجال, وعيسى ابن مريم –عليه السلام- ينزل من السماء ويقتله, ويخرج يأجوج ومأجوج في أيامه بعد قتله من الدجال, فيهلكهم الله أجمعين في ليلة واحدة ببركة دعائه عليهم, ويضيق هذا المختصر عن بسطها, وأما خروج الدابة وطلوع الشمس من المغرب, فقال –تعالى-: (وإذا وقع القول عليهم أخرجنا لهم دابة من الأرض تكلمهم أن الناس كانوا بآياتنا لا يوقنون)[703], وقال –تعالى-: (هل ينظرون إلا أن تأتيهم الملائكة أو يأتي ربك أو يأتي بعض آيات ربك يوم يأتي بعض آيات ربك لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل أو كسبت في إيمانها خيراً قل انتظروا إنا منتظرون)[704], وروى البخاري عند تفسير الآية, عن أبي هريرة –رضي الله عنه- قال: قال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “لا تقوم الساعة حتى تطلع الشمس من مغربها, فإذا رآها الناس آمن مَن آمن عليها, فذلك حين لا ينفع نفساً إيمانها لم تكن آمنت من قبل“.

وروى مسلم عن عبد الله بن عمرو, قال: حفظت من رسول الله –صلى الله عليه وسلم- حديثاً لم أنسه بعد, سمعت رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يقول: “إن أول الآيات خروجاً طلوع الشمس من مغربها, وخروج الدابة على الناس ضحى, وأيهما ما كانت قبل صاحبتها فالأخرى على إثرها قريباً” أي: أول الآيات التي ليست مألوفة, وإن كان الدجال, ونزول عيسى –عليه السلام- من السماء قبل ذلك, وكذلك خروج يأجوج ومأجوج, كل ذلك أمور مألوفة, لأنهم بشر, مشاهدة مثلهم مألوفة, وأما خروج الدابة بشكل غريب غير مألوف, ثم مخاطبتها الناس ووسمها إياهم بالإيمان أو الكفر, فأمر خارج عن مجاري العادات, وذلك أول الآيات الأرضية, كما أن طلوع الشمس من مغربها على خلاف عادتها المألوفة, أول الآيات السماوية, وقد أفرد الناس في أحاديث أشراط الساعة مصنفات مشهورة, يضيق على بسطها هذا المختصر.

قوله.. ولا نصدق كاهناً ولا عرّافاً, ولا من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة

قوله.. ولا نصدق كاهناً ولا عرّافاً, ولا من يدعي شيئاً يخالف الكتاب والسنة وإجماع الأمة

الشرح..

روى مسلم والإمام أحمد عن صفية بنت أبي عُبيد, عن بعض أزواج النبي –صلى الله عليه وسلم- عن النبي –صلى الله عليه وسلم-, قال: “من أتى عرّافاً فسأله عن شيء لم يقبل منه صلاة أربعين ليلة” وروى الإمام أحمد في ((مسنده)), عن أبي هريرة, أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “من أتى عرافاً أو كاهناً, فصدقه بما يقول, فقد كفر بما أنزل على محمد”, والمنجم يدخل في اسم “العراف” عند بعض العلماء, وعند بعضهم هو في معناه, فإذا كانت هذه حال السائل, فكيف بالمسؤول؟ وفي ((الصحيحين))

و ((مسند الإمام أحمد)) عن عائشة –رضي الله عنها- قالت: سئل رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن الكهان؟ فقال: “ليسوا بشيء” فقالوا: يا رسول الله, إنهم يحدثون أحياناً بالشيء يكون حقاً؟ فقال رسول الله –صلى الله عليه وسلم-: “تلك الكلمة من الحق يخطفها الجني فيقرها في أذن وليه, فيخلطون فيها أكثر من مائة كذبة” وفي ((الصحيح)) عنه –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “ثمن الكلب خبيث, ومهر البغي خبيث, وحلوان الكاهن خبيث” وحلوانه: الذي تسميه العامة حلاوته, ويدخل في هذا المعنى ما تعاطاه المنجم وصاحب الأزلام التي يستقسم بها, مثل الخشبة المكتوب عليها (أ ب ج د) والضارب بالحصى, والذي يخط بالرمل, وما تعاطاه هؤلاء حرام, وقد حكى الإجماع على تحريمه غير واحد من العلماء كالبغوي والقاضي عياض وغيرهما.

وفي ((الصحيحين)) عن زيد بن خالد, قال: خطبنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- بالحديبية, على إثر سماء كانت من الليل, فقال: “أتدرون ماذا قال ربكم الليلة؟ قلنا: الله ورسوله أعلم, قال: قال: أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر, فأما من قال: مُطرنا بفضل الله ورحمته, فذلك مؤمن بي, كافر بالكوكب, وأما من قال: مطرنا بنوء كذا وكذا, فذلك كافر بي, مؤمن بالكوكب“, وفي ((صحيح مسلم ومسند الإمام أحمد)) عن أبي مالك الأشعري أن النبي –صلى الله عليه وسلم- قال: “أربع في أمتي من أمر الجاهلية, لا يتركونهن: الفخر في الأحساب, والطعن في الأنساب, والاستسقاء بالنجوم, والنياحة” والنصوص عن النبي –صلى الله عليه وسلم- وأصحابه وسائر الأئمة بالنهي عن ذلك أكثر من أن يتسع هذا الموضع لذكرها, وصناعة التنجيم صناعة محرمة بالكتاب والسنة, بل هي محرمة على لسان جميع المرسلين, قال –تعالى-: (ولا يفلح الساحر حيث أتى)[705], وقال –تعالى-: (ألم تر إلى الذين أوتوا نصيباً من الكتاب يؤمنون بالجبت والطاغوت)[706], قال عمر بن الخطاب –رضي الله عنه- وغيره: الجبت: السحر, وفي ((صحيح البخاري)) عن عائشة –رضي الله عنها- قالت: كان لأبي بكر غلام يأكل من خراجه, فجاء يوماً بشيء , فأكل منه أبو بكر, فقال له الغلام: تدري مم هذا؟ قال: وما هو؟ قال: كنت تكهنت لإنسان في الجاهلية, وما أحسِن الكهانة, إلا أني خدعته, فلقيني, فأعطاني بذلك, فهذا الذي أكلت منه, فأدخل أبو بكر يده فقاء كل شيء في بطنه“.

والواجب على ولي الأمر وكل قادر أن يسعى في إزالة هؤلاء المنجمين والكهان, والعرافين وأصحاب الضرب بالرمل والحصى والقرع والقالات, ومنعهم من الجلوس في الحوانيت والطرقات, أو يدخلوا على الناس في منازلهم لذلك, ويكفي من يعلم تحريم ذلك ولا يسعى في إزالته, مع قدرته على ذلك, قوله –تعالى-: (كانوا لا يتناهون عن منكر فعلوه لبئس ما كانوا يفعلون)[707], وهؤلاء الملاعين يقولون الإثم ويأكلون السحت, بإجماع المسلمين, وثبت في ((السنن)) عن النبي –صلى الله عليه وسلم- برواية الصديق –رضي الله عنه- أنه قال: “إن الناس إذا رأوا المنكر فلم يغيروه أوشك أن يعمهم الله بعقاب منه“, وهؤلاء الذين يفعلون هذه الأفعال الخارجة عن الكتاب والسنة أنواع: نوع منهم أهل تلبيس وكذب وخداع الذين يظهر أحدهم طاعة الجن له, أو يدعي الحال من أهل المحال, من المشايخ النصابين والفقراء الكاذبين, والطرقية المكارين, فهؤلاء يستحقون العقوبة البليغة التي تردعهم وأمثالهم عن الكذب والتلبيس, وقد يكون في هؤلاء من يستحق القتل كمن يدعي النبوة بمثل هذه الخزعبلات, أو يطلب تغيير شيء من الشريعة ونحو ذلك, ونوع يتكلم في هذه الأمور على سبيل الجد والحقيقة بأنواع السحر, وجمهور العلماء يوجبون قتل الساحر كما هو مذهب أبي حنيفة ومالك وأحمد في المنصوص عنه, وهذا هو المأثور عن الصحابة, كعمر وابنه وعثمان وغيرهم, ثم اختلف هؤلاء: هل يستتاب أم لا؟ وهل يكفر بالسحر؟ أم يقتل لسعيه في الأرض بالفساد؟ وقال طائفة: إن قتل بالسحر يقتل, وإلا عوقب بدون القتل, إذا لم يكن في قوله وعمله كفر, وهذا هو المنقول عن الشافعي, وهو قول في مذهب أحمد.

وقد تنازع العلماء في حقيقة السحر وأنواعه, والأكثرون يقولون: إنه قد يؤثر في موت المسحور ومرضه من غير وصول شيء ظاهر إليه, وزعم بعضهم أنه مجرد تخييل, واتفقوا كلهم على أن ما كان من جنس دعوة الكواكب السبعة أو غيرها, أو خطابها, أو السجود لها, والتقرب إليها بما يناسبها من اللباس والخواتم والبخور, ونحو ذلك, فإنه كفر, وهو من أعظم أبواب الشرك, فيجب غلقه, بل سده, وهو من جنس فعل قوم إبراهيم –عليه السلام-؛ ولهذا قال ما حكى الله عنه بقوله: (فنظر نظرة في النجوم, فقال إني سقيم)[708], وقال –تعالى-: (فلما جن عليه الليل رأى كوكباً)[709] الآيات إلى قوله –تعالى-: (الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الأمن وهم مهتدون)[710], واتفقوا كلهم أيضاً على أن كل رقية وتعزيم أو قسم, فيه شرك بالله, فإنه لا يجوز التكلم به, وإن أطاعته به الجن أو غيرهم, وكذلك كل كلام فيه كفر لا يجوز التكلم به, وكذلك الكلام الذي لا يعرف معناه لا يتكلم به؛ لإمكان أن يكون فيه شرك لا يعرف, ولهذا قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “لا بأس بالرقى ما لم تكن شركاً“, ولا يجوز الاستعاذة بالجن, فقد ذم الله الكافرين على ذلك, فقال –تعالى-: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً)[711], قالوا كان الإنسي إذا نزل بالوادي يقول: أعوذ بعظيم هذا الوادي من سفهائه, فيبيت في أمن وجوار حتى يصبح (فزادوهم رهقاً) يعني: الإنس للجن باستعاذتهم بهم، رهقاً أي: إثماً وطغياناً وجراءة وشراً, وذلك أنهم قالوا: قد سُدنا الجن والإنس! فالجن تعاظم في أنفسها وتزداد كفراً إذا عاملتها الإنس بهذه المعاملة, وقد قال –تعالى-: (ويوم يحشرهم جميعاً ثم يقول للملائكة أهؤلاء إياكم كانوا يعبدون, قالوا سبحانك أنت ولينا من دونهم بل كانوا يعبدون الجن أكثرهم بهم مؤمنون)[712], فهؤلاء الذين يزعمون أنهم يدعون الملائكة ويخاطبونهم بهذه العزائم، وأنها تنزل عليهم, ضالون, وإنما نتنزل عليهم الشياطين.

وقد قال –تعالى-: (ويوم يحشرهم جميعاً يا معشر الجن قد استكثرتم من الإنس وقال أولياؤهم من الإنس ربنا استمتع بعضنا ببعض وبلغنا أجلنا الذي أجّلت لنا قال النار مثواكم خالدين فيها إلا ما شاء الله إن ربك حكيم عليم)[713], فاستمتاع الإنسي بالجني في قضاء حوائجه, وامتثال أوامره, وإخباره بشيء من المغيبات, ونحو ذلك, واستمتاع الجن بالإنس تعظيمه إياه, واستعانته به, واستغاثته وخضوعه له.

ونوع منهم بالأحوال الشيطانية, والكشوف ومخاطبته رجال الغيب, وأن لهم خوارق تقتضي أنهم أولياء لله! وكان من هؤلاء من يعين المشركين على المسلمين! ويقول: إن الرسول أمره بقتال المسلمين مع المشركين, لكون المسلمين قد عصوا, وهؤلاء في الحقيقة إخوان المشركين, والناس من أهل العلم فيهم على ثلاثة أحزاب:

حزب يكذبون بوجود رجال الغيب, ولكن قد عاينهم الناس, وثبت عمن عاينهم أو حدثه الثقات بما رأوه, وهؤلاء إذا رأوهم وتيقنوا وجودهم خضعوا لهم.

وحزب عرفوهم, ورجعوا إلى القدر, واعتقدوا أن ثم في الباطن طريقاً إلى الله غير طريقة الأنبياء!.

وحزب ما أمكنهم أن يجعلوا ولياً خارجاً عن دائرة الرسول, فقالوا: يكون الرسول هو ممداً للطائفتين, فهؤلاء معظمون للرسول جاهلون بدينه وشرعه, والحق أن هؤلاء من أتباع الشياطين, وأن رجال الغيب هم الجن, ويسمون رجالاً كما قال –تعالى-: (وأنه كان رجال من الإنس يعوذون برجال من الجن فزادوهم رهقاً)[714], وإلا فالإنس يؤنسون: أي يشهدون ويرون, وإنما يحتجب الإنسي أحياناً, لا يكون دائماً محتجباً عن أبصار الإنس, ومن ظنهم أنهم من الإنس, فمن غلطه وجهله, وسبب الضلال فيهم, وافتراق هذه الأحزاب الثلاثة, عدم الفرقان بين أولياء الشيطان, وأولياء الرحمن, ويقول بعض الناس: الفقراء يسلم إليهم حالهم! وهذا كلام باطل, بل الواجب عرض أفعالهم وأحوالهم على الشريعة المحمدية, فما وافقها قُبل, وما خالفها رُدّ, كما قال النبي –صلى الله عليه وسلم- : “من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد“, وفي رواية: “من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد” فلا طريقة إلا طريقة الرسول –صلى الله عليه وسلم-, ولا حقيقة إلا حقيقته, ولا شريعة إلا شريعته, ولا عقيدة إلا عقيدته, ولا يصل أحد من الخلق بعده إلى الله وإلى رضوانه وجنته وكرامته إلا بمتابعته باطناً وظاهراً ومن لم يكن له مصدقاً فيما أخبر, ملتزماً لطاعته فيما أمر في الأمور الباطنة التي في القلوب, والأعمال الظاهرة التي على الأبدان: لم يكن مؤمناً, فضلاً عن أن يكون ولياً لله –تعالى-, ولو طار في الهواء, ومشى على الماء, وأنفق من الغيب, وأخرج الذهب من الخشب, ولو حصل له من الخوارق ماذا عسى أن يحصل!! فإنه لا يكون مع تركه الفعل المأمور وعزل المحظور إلا من أهل الأحوال الشيطانية, المبعدة عن الله –تعالى- المقربة إلى سخطه وعذابه, لكن من ليس يكلف من الأطفال والمجانين, قد رُفع عنهم القلم, فلا يعاقبون, وليس لهم من الإيمان بالله –تعالى- والإقرار باطناً وظاهراً ما يكونون به من أولياء الله المقربين, وحزبه المفلحين, وجنده الغالبين, لكن يدخلون في الإسلام تبعاً لآبائهم كما قال –تعالى-: (والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم بإيمان ألحقنا بهم ذريتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء كل امرئ بما كسب رهين)[715], فمن اعتقد في بعض البُله أو المولعين مع تركه لمتابعة الرسول في أقواله وأفعاله وأحواله, أنه من أولياء الله, ويفضله على متبعي طريقة الرسول –صلى الله عليه وسلم- فهو ضال مبتدع, مخطئ في اعتقاده, فإن ذاك الأبله, إما أن يكون شيطاناً زنديقاً, أو زوكاريّاً متحيلاً, أو مجنوناً معذوراً! كيف يفضل على من هو من أولياء الله المتبعين لرسوله؟! أو يساوى به! ولا يقال: يمكن أن يكون هذا متبعاً في الباطن, وإن كان تاركاً للاتباع في الظاهر؟ فإن هذا خطأ أيضاً, بل الواجب متابعة الرسول –صلى الله عليه وسلم- ظاهراً وباطناً, قال يونس بن عبد الأعلى الصّدفي: قلت للشافعي: إن صاحبنا الليث كان يقول: إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء, فلا تغتروا به, حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة؟ فقال الشافعي: قصّر الليث –رحمه الله- بل إذا رأيتم الرجل يمشي على الماء, ويطير في الهواء, فلا تغتروا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب, وأما ما يقوله بعض الناس عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها البُله“, فهذا لا يصح عن رسول الله –صلى الله عليه وسلم-, ولا ينبغي نسبته إليه, فإن الجنة إنما خلقت لأولي الألباب, الذين أرشدتهم عقولهم وألبابهم إلى الإيمان بالله –تعالى- وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر, وقد ذكر الله –تعالى- أهل الجنة بأوصافهم في كتابه, فلم يذكر في أوصافهم البَله, الذي هو ضعف العقل, وإنما قال النبي –صلى الله عليه وسلم-: “اطلعت على أهل الجنة فرأيت أكثر أهلها الفقراء“, ولم يقل البُله.

وما يحصل لبعضهم عند سماع الأنغام المطربة, من الهذيان, والتكلم لبعض اللغات المخالفة للسانه المعروف منه!! فذلك شيطان يتكلم على لسانه, كما يتكلم على لسان المصروع, وذلك كله من الأحوال الشيطانية! وكيف يكون زوال العقل سبباً أو شرطاً أو تقرباً إلى ولاية الله, كما يظنه كثير من أهل الضلال؟! حتى قال قائلهم:

هم معشر حلوا النظام وخرقوا ال         سياج فلا فرض لديهم ولا نفل

مجـانيـن, إلا أن سرّ جنونـهم         عزيز على أبوابه يسجد العقل

وهذا كلام ضال, بل كافر, يظن أن في الجنون سراً يسجد العقل على بابه!! لما رآه من بعض المجانين من نوع مكاشفة, أو تصرف عجيب خارق للعادة, ويكون ذلك سبب ما اقترن به من الشياطين, كما يكون للسحرة والكهان! فيظن هذا الضال أن كل من خُبل أو خرق عادة كان ولياً لله!! ومن اعتقد هذا فهو كافر, فقد قال –تعالى-: (هل أنبئكم على من تنزّل الشياطين, تنزّل على كل أفّاك أثيم)[716], فكل من تنزل عليه الشياطين لا بد أن يكون عنده كذب وفجور.

وأما الذين يتعبدون بالرياضات والخلوات, ويتركون الجمع والجماعات, فهم الذين ضل سعيهم في الحياة الدنيا, وهم يحسبون أنهم يُحسنون صُنعاً, قد طبع الله على قلوبهم, كما قد ثبت في ((الصحيح)), [قلت: هو في غير ((الصحيحين))], عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “من ترك ثلاث جمع تهاوناً من غير عذر, طبع الله على قلبه“, وكل من عدل عن اتباع سنة الرسول, إن كان عالماً بها فهو مغضوب عليه, وإلا فهو ضال, ولهذا شرع الله لنا أن نسأله في كل صلاة أن يهدينا الصراط المستقيم, صراط الذين أنعم عليهم, من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين, وحسن أولئك رفيقاً, غير المغضوب عليهم ولا الضالين.

وأما من يتعلق بقصة موسى مع الخضر –عليه السلام-, في تجويز الاستغناء عن الوحي بالعلم اللدُني الذي يدعيه بعض من عدم التوفيق: فهو ملحد زنديق, فإن موسى –عليه السلام- لم يكن مبعوثاً إلى الخضر, ولم يكن الخضر مأموراً بمتابعته, ولهذا قال له: أنت موسى بني إسرائيل؟ قال: نعم, ومحمد –صلى الله عليه وسلم- مبعوث إلى جميع الثقلين, ولو كان موسى وعيسى, [قلت: صحيح دون ذكر عيسى] فيه حيّين لكانا من أتباعه, وإذا نزل عيسى –عليه السلام- إلى الأرض, إنما يحكم بشريعة محمد, فمن ادعى أنه مع محمد –صلى الله عليه وسلم- كالخضر مع موسى, أو جوّز ذلك لأحد من الأمة: فليجدد إسلامه, وليشهد شهادة الحق, فإنه مفارق لدين الإسلام بالكلية, فضلاً عن أن يكون من أولياء الله, وإنما هو من أولياء الشيطان, وهذا الموضع مفرق بين زنادقة القوم وأهل الاستقامة, وحرك تر, وكذا من يقول بأن الكعبة تطوف برجال منهم حيث كانوا!! فهلا خرجت الكعبة إلى الحديبية فطافت برسول الله –صلى الله عليه وسلم- حين أحصِر عنها, وهو يَوَدّ منها نظرة؟! وهؤلاء لهم شبه بالذين وصفهم الله –تعالى- حيث يقول: (بل يود كل امرئ منهم أن يؤتي صحفاً منشّرة)[717] إلى آخر السورة.

قوله.. ونرى الجماعة حقاً وصواباً, والفُرقة زيغاً وعذاباً

قوله.. ونرى الجماعة حقاً وصواباً, والفُرقة زيغاً وعذاباً

الشرح..

قال الله –تعالى-: (واعتصموا بحبل الله جميعاً ولا تفرقوا)[718], وقال –تعالى-: (ولا تكونوا كالذين تفرقوا واختلفوا من بعد ما جاءهم البينات وأولئك لهم عذاب عظيم)[719], وقال –تعالى-: (إن الذين فرّقوا دينهم وكانوا شيعاً لست منهم في شيء إنما أمرهم إلى الله ثم ينبئهم بما كانوا يفعلون)[720], وقال –تعالى-: (ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك)[721], فجعل أهل الرحمة مستثنين من الاختلاف, وقال –تعالى-: (ذلك بأن الله نزّل الكتاب بالحق وإن الذين اختلفوا في الكتاب لفي شقاق بعيد)[722], وقد تقدم قوله –صلى الله عليه وسلم-: “إن أهل الكتابين افترقوا في دينهم على ثنتين وسبعين ملة, وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين ملة, يعني الأهواء, كلها في النار إلا واحدة, وهي الجماعة“, وفي رواية, [قلت: فيها ضعيف], قالوا: من هي يا رسول الله؟ قال: “ما أنا عليه وأصحابي“, فبين أن عامة المختلفين هالكون إلا أهل السنة والجماعة, وأن الاختلاف واقع لا محالة, وفي ((الصحيحين)), [قلت: هو من إفراد البخاري], عن النبي –صلى الله عليه وسلم-: أنه قال لما نزل قوله –تعالى-: (قل هو القادر على أن يبعث عليكم عذاباً من فوقكم أو من تحت أرجلكم)[723], قال: “أعوذ بوجهك” (أو يلبسكم شيعاً ويذيق بعضكم بأس بعض)[724], قال: “هاتان أهون“, فدل على أنه لا بد أن يلبسهم شيعاً ويذيق بعضهم بأس بعض, مع براءة الرسول من هذه الحال, وهم فيها في جاهلية, ولهذا قال الزهري: وقعت الفتنة وأصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- متوافرون, فأجمعوا على أن كل دم أو مال أو قرح أصيب بتأويل القرآن: فهو هدر, أنزلوهم منزلة الجاهلية, وقد روى مالك بإسناده الثابت عن عائشة –رضي الله عنها-, أنها كانت تقول: ترك الناس العمل بهذه الآية, يعني قوله –تعالى-: (وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما فإن بغت إحداهما على الأخرى فقاتلوا التي تبغي حتى تفيء إلى أمر الله)[725], فإن المسلمين لما اقتتلوا كان الواجب الإصلاح بينهم كما أمر الله –تعالى-, فلما لم يعمل بذلك صارت فتنة وجاهلية, وهكذا تسلسل النزاع.

والأمور التي تتنازع فيها الأمة, في الأصول والفروع إذا لم ترد إلى الله والرسول, لم يتبين فيها الحق, بل يصدر فيها المتنازعون على غير بيّنة من أمرهم, فإن رحمهم الله أقرّ بعضهم بعضاً, ولم يبغ بعضهم على بعض, كما كان الصحابة في خلافة عمر وعثمان يتنازعون في بعض مسائل الجهاد, فيقر بعضهم بعضاً, ولا يَعتدي ولا يُعتدى عليه, وإن لم يرحموا وقع بينهم الاختلاف المذموم, فبغى بعضهم على بعض, إما بالقول, مثل تكفيره وتفسيقه, وإما بالفعل, مثل حبسه وضربه وقتله, والذين امتحنوا الناس بخلق القرآن, كانوا من هؤلاء, ابتدعوا بدعة, وكفّروا من خالفهم فيها, واستحلوا منع حقه وعقوبته.

فالناس إذا خفي عليهم بعض ما بعث الله به الرسول: إما عادلون وإما ظالمون, فالعادل فيهم: الذي يعمل بما وصل إليه من آثار الأنبياء, ولا يظلم غيره, والظالم: الذي يعتدي على غيره, وأكثرهم إنما يظلمون مع علمهم بأنهم يظلمون, كما قال –تعالى-: (وما اختلف الذين أوتوا الكتاب إلا من بعد ما جاءهم العلم بغياً بينهم)[726], وإلا فلو سلكوا ما علموه من العدل, أقرّ بعضهم بعضاً, كالمقلدين لأئمة العلم, الذين يعرفون من أنفسهم أنهم عاجزون عن معرفة حكم الله ورسوله في تلك المسائل, فجعلوا أئمتهم نواباً عن الرسول, وقالوا: هذا غاية ما قدرنا عليه, فالعادل منهم لا يظلم الآخر, ولا يعتدي عليه بقول ولا فعل, مثل أن يدعي أن قول مقلده هو الصحيح بلا حجة يبديها, ويذم من خالفه, مع أنه معذور, ثم إن أنواع الافتراق والاختلاف في الأصل قسمان: اختلاف تنوع, واختلاف تضاد, واختلاف التنوع على وجوه: منه ما يكون كل واحد من القولين أو الفعلين حقاً مشروعاً, كما في القراءات التي اختلف فيها الصحابة –رضي الله عنهم-, حتى زجرهم النبي –صلى الله عليه وسلم-, وقال “كلاكما محسن“, ومثله اختلاف الأنواع في صفة الأذان, والإقامة والاستفتاح, ومحل سجود السهو, والتشهد, وصلاة الخوف, وتكبيرات العيد, ونحو ذلك, مما قد شُرع جميعه, وإن كان بعض أنواعه أرجح أو أفضل, ثم تجد لكثير من الأمة في ذلك من الاختلاف ما أوجب اقتتال طوائف منهم على شفع الإقامة وإيتارها ونحو ذلك! وهذا عين المحرم, وكذا تجد كثيراً منهم في قلبه من الهوى لأحد هذه الأنواع, والإعراض عن الآخر والنهي عنه: ما دخل به فيما نهى عنه النبي –صلى الله عليه وسلم-.

وأما اختلاف التضادّ, فهو القولان المتنافيان, إما في الأصول, وإما في الفروع, عند الجمهور الذين يقولون: المصيب واحد, والخطب في هذا أشدّ؛ لأن القولين يتنافيان, لكن نجد كثيراً من هؤلاء قد يكون القول الباطل الذي مع منازعه فيه حق ما, أو معه دليل يقتضي حقاً ما, فيردّ الحق مع الباطل, حتى يبقى هذا مبطلاً في الأصل, وهذا يجري كثيراً لأهل السنة.

وأما أهل البدعة فالأمر فيهم ظاهر, ومن جعل الله له هداية ونوراً رأى من هذا ما تبين له منفعة ما جاء في الكتاب والسنة من النهي عن هذا وأشباهه وإن كانت القلوب الصحيحة تنكر هذا, لكن نور على نور.

والاختلاف الأول, الذي هو اختلاف التنوع, الذم فيه واقع على من بغى على الآخر فيه, وقد دلّ القرآن على حمد كل واحدة من الطائفتين في مثل ذلك, إذا لم يحصل بغي, كما في قوله –تعالى-: (ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله)[727], وقد كانوا اختلفوا في قطع الأشجار, فقطع قوم, وترك آخرون, وكما في قوله –تعالى-: (وداود وسليمان إذ يحكمان في الحرث إذ نفشت فيه غنم القوم وكنا لحكمهم شاهدين, ففهمناها سليمان وكلاً آتينا حكماً وعلماً)[728], فخص سليمان بالفهم وأثنى عليهما بالحكم والعلم, وكما في إقرار النبي –صلى الله عليه وسلم- يوم بني قريظة لمن صلى العصر في وقتها, ولمن أخّرها إلى أن وصل إلى بني قريظة, وكما في قوله: “إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران, وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر“.

والاختلاف الثاني: هو ما حُمد فيه إحدى الطائفتين, وذُمّت الأخرى, كما في قوله –تعالى-: (ولو شاء الله ما اقتتل الذين من بعدهم من بعد ما جاءتهم البينات ولكن اختلفوا فمنهم من آمن ومنهم من كفر)[729], وقوله –تعالى-: (هذان خصمان اختصموا في ربهم فالذين كفروا قُطّعت لهم ثياب من نار)[730]الآيات.

وأكثر الاختلاف الذي يؤول إلى الأهواء بين الأمة, من القسم الأول, وكذلك إلى سفك الدماء واستباحة الأموال والعداوة والبغضاء؛ لأن إحدى الطائفتين لا تعترف للأخرى بما معها من الحق, ولا تنصفها, بل تزيد على ما مع نفسها من الحق زيادات من الباطل, والأخرى كذلك, ولذلك جعل الله مصدره البغي في قوله: (وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغياً بينهم)[731]؛ لأن البغي مجاوزة الحد, وذكر هذا في غير موضع من القرآن ليكون عبرة لهذه الأمة, وقريب من هذا الباب ما خرجاه في ((الصحيحين)), عن أبي الزناد, عن الأعرج, عن أبي هريرة –رضي الله عنه-, أن رسول الله –صلى الله عليه وسلم- قال: “ذروني ما تركتكم, فإنما هلك من كان قبلكم بكثرة سؤالهم واختلافهم على أنبيائهم, فإذا نهيتكم عن شيء فاجتنبوه, وإذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم“, فأمرهم بالإمساك عما لم يؤمروا به, معللاً بأن سبب هلاك الأولين إنما كان كثرة السؤال ثم الاختلاف على الرسل بالمعصية, ثم الاختلاف في الكتاب من الذين يُقِرّون به على نوعين:

أحدهما: اختلاف في تنزيله.

والثاني: اختلاف في تأويله.

وكلاهما فيه إيمان ببعض دون بعض: فالأول: كاختلافهم في تكلم الله بالقرآن وتنزيله, فطائفة قالت: هذا الكلام حصل بقدرته ومشيئته لكونه مخلوقاً في غيره لم يقم به, وطائفة قالت: بل هو صفة له قائم بذاته ليس بمخلوق, لكنه لا يتكلم بمشيئته وقدرته, وكل من الطائفتين جمعت في كلامها بين حق وباطل, فآمنت ببعض الحق, وكذّبت بما تقوله الأخرى من الحق, وقد تقدمت الإشارة إلى ذلك.

وأما الاختلاف في تأويله, الذي يتضمن الإيمان ببعضه دون بعض, فكثير, كما في حديث عمرو بن شعيب, عن أبيه عن جده, قال: خرج رسول الله –صلى الله عليه وسلم- على أصحابه ذات يوم وهم يختصمون في القدر, هذا ينزع بآية وهذا ينزع بآية, فكأنما فقئ في وجهه حبّ الرمان, فقال: “أبهذا أمِرتكم؟ أم بهذا وكلتم؟ أن تضربوا كتاب الله بعضه ببعض؟ انظروا ما أمرتم به فاتّبعوه, وما نُهيتم عنه فانتهوا“, وفي رواية: “يا قوم بهذا ضلت الأمم قبلكم, باختلافهم على أنبيائهم وضربهم الكتاب بعضه ببعض, وإن القرآن لم ينزل لتضربوا بعضه ببعض, ولكن نزل القرآن يصدق بعضه بعضاً, ما عرفتم منه فاعملوا به, وما تشابه فآمنوا به“, وفي رواية: “فإن الأمم قبلكم لم يلعنوا حتى اختلفوا, وإن المراء في القرآن كفر“, وهو حديث مشهور, مخرج في ((المسانيد والسنن)), وقد روى أصل الحديث مسلم في ((صحيحه)), من حديث عبد الله بن رباح الأنصاري, أن عبد الله بن عمرو قال: هجّرت إلى النبي –صلى الله عليه وسلم- يوماً, فسمع أصوات رجلين اختلفا في آية, فخرج علينا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- يُعرف في وجهه الغضب, فقال: “إنما هلك من كان قبلكم باختلافهم في الكتاب“.

وجميع أهل البدع مختلفون في تأويله, مؤمنون ببعضه دون بعض, يقرون بما يوافق رأيهم من الآيات, وما يخالفه: إما أن يتأولوه تأويلاً يحرّفون فيه الكلم عن مواضعه, وإما أن يقولوا: هذا متشابه لا يعلم أحد معناه, فيجحدوا ما أنزله من معانيه! وهو في معنى الكفر بذلك؛ لأن الإيمان باللفظ بلا معنى هو من جنس إيمان أهل الكتاب, كما قال –تعالى-: (مثل الذين حُمّلوا التوراة ثم لم يحملوها كمثل الحمار يحمل أسفاراً)[732], وقال –تعالى-: (ومنهم أميون لا يعلمون الكتاب إلا أمانيّ)[733], أي: إلا تلاوة من غير فهم معناه, وليس هذا كالمؤمن الذي فهم ما فهم من القرآن فعمل به, واشتبه عليه بعضه فوكل علمه إلى الله, كما أمره النبي –صلى الله عليه وسلم- بقوله: “فما عرفتم منه فاعملوا به, وما جهلتم منه فردوه إلى عالمه“, فامتثل ما أمر به –صلى الله عليه وسلم-.

قوله.. ودين الله في الأرض والسماء واحد, وهو دين الإسلام, قال الله –تعالى-: (إن الدين عند الله الإسلام) آل عمران: 19, وقال –تعالى-: (ورضيت لكم الإسلام ديناً) المائدة: 3, وهو بين الغلو والتقصير, وبين الجبر والقدر, وبين الأمن والإياس.

قوله.. ودين الله في الأرض والسماء واحد, وهو دين الإسلام, قال الله –تعالى-: (إن الدين عند الله الإسلام) آل عمران: 19, وقال –تعالى-: (ورضيت لكم الإسلام ديناً) المائدة: 3, وهو بين الغلو والتقصير, وبين الجبر والقدر, وبين الأمن والإياس.

الشرح..

ثبت في ((الصحيح)) عن أبي هريرة –رضي الله عنه-, عن النبي –صلى الله عليه وسلم-, أنه قال: “إنا معاشر الأنبياء ديننا واحد“, وقوله –تعالى-: (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه)[734], عامّ في كل زمان, ولكن الشرائع تتنوع, كما قال –تعالى-: (لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجاً)[735], فدين الإسلام هو ما شرعه الله –سبحانه وتعالى- لعباده على ألسنة رسله, وأصل هذا الدين وفروعه وروايته عن الرسل, وهو ظاهر غاية الظهور, يمكن كل مميز من صغير وكبير, وفصيح وأعجم, وذكي وبليد: أن يدخل فيه بأقصر زمان, وإنه يقع الخروج منه بأسرع من ذلك, من إنكار كلمة, أو تكذيب, أو معارضة, أو كذب على الله, أو ارتياب في قول الله –تعالى-, أو رد لما أنزل, أو شك فيما نفى الله عنه الشك, أو غير ذلك مما في معناه, فقد دلّ الكتاب والسنة على ظهور دين الإسلام, وسهولة تعلمه, وأنه يتعلمه الوافد ثم يولي في وقته, واختلاف تعليم النبي –صلى الله عليه وسلم- في بعض الألفاظ بحسب من يتعلم, فإن كان بعيد الوطن, كضمام بن ثعلبة النجدي, ووفد عبد القيس, علمهم ما لم يسعهم جهله, مع علمه أن دينه سينشر في الآفاق, ويرسل إليهم من يفقههم في سائر ما يحتاجون إليه, ومن كان قريب الوطن يمكنه الإتيان كل وقت, بحيث يتعلم على التدريج, أو كان قد علم فيه أنه قد عرف ما لا بد منه, أجابه بحسب حاله وحاجته, على ما تدل قرينة حال السائل, كقوله: “قل آمنت بالله ثم استقم“, وأما من شرع ديناً لم يأذن به الله, فمعلوم أن أصوله المستلزمة له لا يجوز أن تكون منقولة عن النبي –صلى الله عليه وسلم- ولا عن غيره من المرسلين, إذ هو باطل, وملزوم الباطل باطل, كما أن لازم الحق حق.

وقوله: بين الغلو والتقصير, قال –تعالى-: (قل يا أهل الكتاب لا تغلو في دينكم غير الحق)[736], وقال –تعالى-: (يا أيها الذين آمنوا لا تحرّموا طيبات ما أحل الله لكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين, وكلوا مما رزقكم الله حلالاً طيباً واتقوا الله الذي أنتم به مؤمنون)[737], وفي ((الصحيحين)), عن عائشة –رضي الله عنها-, [قلت: فيهما عن أنس]: أن ناساً من أصحاب رسول الله –صلى الله عليه وسلم- سألوا أزواج رسول الله –صلى الله عليه وسلم- عن عمله في السر؟ فقال بعضهم: لا آكل اللحم, وقال بعضهم: لا أتزوج النساء, وقال بعضهم: لا أنام على فراش, فبلغ ذلك النبي –صلى الله عليه وسلم-, فقال: “ما بال أقوام يقول أحدهم كذا وكذا؟! لكني أصوم وأفطر, وأنام وأقوم, وآكل اللحم, وأتزوج النساء, فمن رغب عن سنتي فليس مني“, وفي غير ((الصحيحين)),[ قلت: هو في البخري أول النكاح]: “سألوا عن عبادته في السر, فكأنهم تقالّوها“, وقوله: وبين التشبيه والتعطيل تقدم أن الله –سبحانه وتعالى- يحب أن يوصف بما وصف به نفسه, وبما وصفه به رسوله, من غير تشبيه, فلا يقال: سمع كسمعنا, ولا بصر كبصرنا, ونحوه, ومن غير تعطيل, فلا ينفي عنه ما وصف به نفسه, أو وصفه به أعرف الناس به: رسوله –صلى الله عليه وسلم-, فإن ذلك تعطيل, وقد تقدم الكلام في هذا المعنى, ونظير هذا القول قوله: ومن لم يتوقّ النفي والتشبيه, زل ولم يصب التنزيه, وهذا المعنى مستفاد من قوله –تعالى-: (ليس كمثله شيء وهو السميع البصير)[738].

وقوله: وبين الجبر والقدر, تقدم الكلام أيضاً على هذا المعنى, وأن العبد غير مجبور على أفعاله وأقواله, وأنها ليست بمنزلة حركات المرتعش, وحركات الأشجار بالرياح وغيرها, وليست مخلوقة للعباد, بل هي فعل العبد وكسبه وخلق الله –تعالى-.

وقوله: وبين الأمن والإياس, تقدم الكلام أيضاً على هذا المعنى, وأنه يجب أن يكون العبد خائفاً من عذاب ربه, راجياً رحمته, وأن الخوف والرجاء بمنزلة الجناحين للعبد, في سيره إلى الله –تعالى- والدار الآخرة.

قوله..فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً, ونحن براء إلى الله –تعالى- من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه, ونسأل الله –تعالى- أن يثبتنا على الإيمان, ويختم لنا به, ويعصمنا من الأهواء المختلفة, والآراء المتفرقة, والمذاهب الرديّة, مثل المشبهة, والمعتزلة, والجهمية, والجبرية, والقدرية, وغيرهم, من الذين خالفوا السنة والجماعة, وحالفوا الضلالة, ونحن منهم براء, وهم عندنا ضلال وأردياء, وبالله العصمة والتوفيق.

قوله..فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً, ونحن براء إلى الله –تعالى- من كل من خالف الذي ذكرناه وبيناه, ونسأل الله –تعالى- أن يثبتنا على الإيمان, ويختم لنا به, ويعصمنا من الأهواء المختلفة, والآراء المتفرقة, والمذاهب الرديّة, مثل المشبهة, والمعتزلة, والجهمية, والجبرية, والقدرية, وغيرهم, من الذين خالفوا السنة والجماعة, وحالفوا الضلالة, ونحن منهم براء, وهم عندنا ضلال وأردياء, وبالله العصمة والتوفيق.

الشرح..

الإشارة بقوله: فهذا: كال ما تقدم من أول الكتاب إلى هنا.

والمشبهة: هم الذين شبهوا الله –سبحانه- بالخلق في صفاته, وقولهم عكس قول النصارى, شبهوا المخلوق وهو عيسى –عليه السلام- بالخالق وجعلوه إلهاً, وهؤلاء شبهوا الخالق بالمخلوق, كداود الجواربي وأشباهه.

والمعتزلة: هم عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء الغَزّال وأصحابهما, سموا بذلك لما اعتزلوا الجماعة بعد موت الحسن البصري –رحمه الله- في أوائل المائة الثانية, وكانوا يجلسون معتزلين, فيقول قتادة وغيره: أولئك المعتزلة, وقيل: إن واصل بن عطاء هو الذي وضع أصول مذهب المعتزلة, وتابعه عمرو بن عبيد تلميذ الحسن البصري, فلما كان زمن هارون الرشيد, صنّف لهم أبو الهذيل كتابين وبيّن مذهبهم على الأصول الخمسة, التي سموها: العدل, والتوحيد, وإنفاذ الوعيد, والمنزلة بين المنزلتين, والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر! ولبّسوا فيها الحق بالباطل, إنّ شأن البدع هذا اشتمالها على حق وباطل وهم مشبهة الأفعال؛ لأنهم قاسوا أفعال الله –تعالى- على أفعال عباده, وجعلوا ما يحسن من العباد, يحسن منه, وما يقبح من العباد يقبح منه! وقالوا: يجب عليه أن يفعل كذا, ولا يجوز له أن يفعل كذا, بمقتضى ذلك القياس الفاسد! فإن السيد من بني آدم لو رأى عبيده تزني بإمائه, ولا يمنعهم من ذلك لعُدّ إما مستحسناً للقبيح, وإما عاجزاً, فكيف يصح قياس أفعاله –سبحانه وتعالى- على أفعال عباده؟! والكلام على هذا المعنى مبسوط في موضعه, فأما العدل فستروا تحته نفي القدَر وقالوا إن الله لا يخلق الشر ولا يقضي به, إذ لو خلقه ثم يعذبهم عليه يكون ذلك جوراً! والله –تعالى- عادل لا يجور, ولازمه وصفه بالعجز! تعالى الله عن ذلك, وأما التوحيد فستروا تحته القول بخلق القرآن, وأما الوعيد فقالوا: إذا أوعد بعض عبيده وعيداً فلا يجوز أن لا يعذبهم, ويخلف وعيده؛ لأنه لا يخلف الميعاد, فلا يعفو عمن يشاء, ولا يغفر لمن يريد عندهم, وأما المنزلة بين المنزلتين, فعندهم, أن من ارتكب كبيرة خرج من الإيمان, ولا يدخل في الكفر! وأما الأمر بالمعروف, فهو أنهم قالوا: علينا أن نأمر غيرنا بما أمرنا به, وأن نُلزمه بما يلزمنا, وذلك هو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر, وضمنوه أنه يجوز الخروج على الأئمة بالقتال إذا جاروا.

والجهميّة: هم المنتسبون إلى جهم بن صفوان السمرقندي, وهو الذي أظهر نفي الصفات والتعطيل, وهو أخذ ذلك عن الجعد بن درهم, الذي ضحى به خالد بن عبد الله القَسري بواسط, فإنه خطب الناس في يوم عيد الأضحى, وقال: أيها الناس ضحوا, تقبل الله ضحاياكم, فإني مضح بالجعد بن درهم, إنه زعم أن الله لم يتخذ إبراهيم خليلاً, ولم يكلم موسى تكليماً, تعالى الله عما يقول الجعد, علواً كبيراً, ثم نزل فذبحه, وكان ذلك بعد استفتاء علماء زمانه, وهم السلف الصالح, -رحمهم الله تعالى-, وكان جهم بعده بخراسان, فأظهر مقالته هناك وتبعه عليها ناس, بعد أن ترك الصلاة أربعين يوماً شكاً في ربه! وكان ذلك لمناظرته قوماً من المشركين, يقال لهم السمنية, من فلاسفة الهند, الذين ينكرون من العلم ما سوى الحسيات, قالوا له: هذا ربك الذي تعبده, هل يُرى أو يُشم أو يُذاق أو يُلمس؟ فقال: لا, فقالوا: هو معدوم!!! فبقي أربعين يوماً لا يعبد شيئاً, ثم لما خلا قلبه من معبود يؤلهه, نقش الشيطان اعتقاداً نحته فكره, فقال: إنه الوجود المطلق!! ونفى جمنيع الصفات, واتصل بالجعد وقد قيل إن جعداً كان قد اتصل بالصابئة الفلاسفة, من أهل حرّان, وأنه أيضاً أخذ شيئاً عن بعض اليهود المحرفين لدينهم, المتصلين بلبيد بن الأعصم, الساحر الذي سحر النبي –صلى الله عليه وسلم- فقتل جهم بخراسان, قتله سَلْم بن أحْوز, ولكن كانت قد فشت مقالته في الناس, وتقلدها بعده المعتزلة, ولكن كان جهم أدخل في التعطيل منهم؛ لأنه ينكر الأسماء حقيقة, وهم لا ينكرون الأسماء, بل الصفات, وقد تنازع العلماء في الجهمية: هل هم من الثنتين وسبعين فرقة, أم لا؟. ولهم في ذلك قولان, وممن قال إنهم ليسوا من الثنتين وسبعين فرقة, عبد الله بن المبارك, ويوسف بن أسباط, وإنما اشتهرت مقالة الجهمية من حين محنة الإمام أحمد بن حنبل, وغيره من علماء السنة, فإنه من إمارة المأمون قووُا وكثروا, فإنه قد أقام بخراسان مدة واجتمع بهم, ثم كتب بالمحنة من طرسوس سنة ثمان عشرة ومائتين وفيها مات, وردوا الإمام أحمد إلى الحبس ببغداد إلى سنة عشرين, وفيها كانت محنته مع المعتصم, ومناظرته لهم بالكلام, فلما ردّ عليهم, ما احتجوا به عليه, وبيّن أنه لا حجة لهم في شيء من ذلك, وأن طلبهم من الناس لا يوافقوهم, وامتحانهم إياهم: جهل وظلم, وأراد المعتصم إطلاقه, أشار عليه من أشار بأن المصلحة ضربه, لئلا تنكسر حرمة الخلافة من بعدُ مرة! فلما ضربوه قامت الشناعة في العامة, وخافوا, فأطلقوه, وقصته مذكورة في كتب التاريخ, ومما انفرد به جهم: أن الجنة والنار تفنيان, وأن الإيمان هو المعرفة فقط, والكفر هو الجهل فقط, وأنه لا فعل لأحد في الحقيقة إلا لله وحده, وأن الناس إنما تنسب إليهم أفعالهم على سبيل المجاز, كما يقال تحركت الشجرة, ودار الفلك, وزالت الشمس! ولقد أحسن القائل:

عجبت لشيطان دعا الناس جهرة       إلى النار واشتُق اسمه من جهنم

وقد نقل أن أبا حنيفة –رحمه الله-, لما سئل عن الكلام في الأعراض والأجسام؟ فقال: لعن الله عمرو بن عبيد, هو فتح على الناس الكلام في هذا.

والجبرية: أصل قولهم من جهم بن صفوان, كما تقدم, وأن فعل العبد بمنزلة طوله ولونه! وهم عكس القَدَرية نفاة القدر, فإن القدرية إنما نسبوا إلى القدر لنفيهم إياه, كما سميت المرجئة لنفيهم الإرجاء, وأنه لا أحد مرجأ لأمر الله إما يعذبهم وإما يتوب عليهم, وقد تسمى الجبرية قدرية؛ لأنهم غلوا في إثبات القدر, وكما يسمى الذين لا يجزمون بشيء من الوعد والوعيد, بل يغلون في إرجاء كل أمر حتى الأنواع, فلا يجزمون بثواب من تاب, كما لا يجزمون بعقوبة من لم يتب, وكما لا يجزم لمعين, وكانت المرجئة الأولى يرجئون عثمان وعلياً, ولا يشهدون بإيمان ولا كفر!!

وقد ورد في ذم القدرية أحاديث في ((السنن)): منها ما روى أبو داود في ((سننه)), من حديث عبد العزيز بن أبي حازم, عن أبيه, عن ابن عمر, عن النبي –صلى الله عليه وسلم-, قال: “القدرية مجوس هذه الأمة, إن مرضوا فلا تعودوهم, وإن ماتوا فلا تشهدوهم“, وروي في ذم القدرية أحاديث أخر كثيرة, تكلم أهل الحديث في صحة رفعها, والصحيح أنها موقوفة, بخلاف الأحاديث الواردة في ذم الخوارج, فإن فيهم في ((الصحيح)) وحده عشرة أحاديث, أخرج البخاري منها ثلاثة, وأخرج مسلم سائرها, ولكن مشابهتهم للمجوس ظاهرة, بل قولهم أرادأ من قول المجوس, فإن المجوس اعتقدوا خالِقين!!

وهذه البدع المتقابلة حدثت من الفتن المفرقة بين الأمة, كما ذكر البخاري في ((صحيحه)), عن سعيد بن المسيب, قال: وقعت الفتنة الأولى, يعني مقتل عثمان, فلم تُبق من أصحابه أحداً, ثم وقعت الفتنة الثانية, فلم تبق من أصحاب الحديبية أحداً, ثم وقعت الثالثة, فلم ترتفع وللناس طَباخ, أي: عقل وقوة, فالخوارج والشيعة حدثوا في الفتنة الأولى, والقدرية والمرجئة في الفتنة الثانية, والجهمية ونحوهم بعد الفتنة الثالثة, فصار هؤلاء (الذين فرقوا دينهم وكا نوا شيعاً)[739] يقابلون البدعة بالبدعة أولئك غلوا في علي, وأولئك كفّروه! وأولئك غلوا في الوعيد, حتى خلدوا بعض المؤمنين وأولئك غلوا في الوعد حتى نفوا بعض الوعيد أعني المرجئة, وأولئك غلوا في التنزيه حتى نفوا الصفات وهؤلاء غلوا في الإثبات حتى وقعوا في التشبيه, وصاروا يبتدعون من الدلائل والمسائل ما ليس بمشروع, ويعرضون عن الأمر المشروع, وفيهم من استعان على ذلك بشيء من كتب الأوائل: اليهود والنصارى والمجوس والصابئين, فكأنهم قرؤوا كتبهم, فصارعندهم من ضلالتهم ما أدخلوه في مسائلهم ودلائلهم, وغيّروه في اللفظ تارة, وفي المعنى أخرى! فلبسوا الحق بالباطل, وكتموا حقّاً جاء به نبيهم, فتفرقوا واختلفوا وتكلموا حينئذ في الجسم والعرض والتجسيم, نفياً وإثباتاً.

وسبب ضلال هذه الفرق وأمثالهم, عدولهم عن الصراط المستقيم, الذي أمرنا الله باتباعه, فقال –تعالى-: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله)[740], وقال –تعالى-: (قل هذه سبيلي أدعو إلى الله على بصيرة أنا ومن اتبعني)[741], فوحّد لفظ صراطه وسبيله وجمع السبل المخالفة له, وقال ابن مسعود –رضي الله عنه-: خط لنا رسول الله –صلى الله عليه وسلم- خطّاً وقال: “هذا سبيل الله, ثمّ خطّ خطوطاً عن يمينه وعن يساره, وقال: هذه سبل, على كل سبيل شيطان يدعو إليه, ثم قرأ: (وأن هذا صراطي مستقيماً فاتبعوه ولا تتبعوا السبل فتفرق بكم عن سبيله), ومن ههنا يعلم أن اضطرار العبد إلى سؤال هداية الصراط المستقيم فوق كل ضرورة, ولهذا شرع الله –تعالى- في الصلاة قراءة أمّ القرآن في كل ركعة, إمّا فرضاً أو إيجاباً, على حسب اختلاف العلماء في ذلك, لاحتياج العبد إلى هذا الدعاء العظيم القدر, المشتمل على أشرف المطالب وأجلها, فقد أمرنا الله –تعالى- أن نقول: (اهدنا الصراط المستقيم, صراط الذين أنعمت عليهم, غير المغضوب عليهم ولا الضالين)[742], وقد ثبت عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “اليهود مغضوب عليهم, والنصارى ضالون“, وثبت في ((الصحيح)) عن النبي –صلى الله عليه وسلم- أنه قال: “لتتبعُنّ سُنَن من كان قبلكم حذو القذة بالقُقذة, حتى لو دخلوا جحر ضب لدخلتموه“, قالوا: يا رسول الله: اليهود والنصارى؟ قال: “فمن؟!”.

قال طائفة من السلف: من انحرف من العلماء ففيه شبه من اليهود, ومن انحرف من العباد ففيه شبه من النصارى, فلهذا تجد أكثر المنحرفين من أهل الكلام, من المعتزلة ونحوهم فيه شبه من اليهود, حتى أن علماء اليهود يقرؤون كتب شيوخ المعتزلة, ويستحسنون طريقتهم, وكذا شيوخ المعتزلة يميلون إلى اليهود ويرجحونهم على النصارى, وأكثر المنحرفين من العُبّاد, من المتصوفة ونحوهم فيهم شبه من النصارى, ولهذا يميلون إلى نوع من الرهبانية والحلول والاتحاد ونحو ذلك, وشيوخ هؤلاء يذمون الكلام وأهله, وشيوخ أولئك يعيبون طريقة هؤلاء ويصنفون في ذم السماع والوَجْد وكثير من الزهد والعبادة التي أحدثها هؤلاء.

 

ولفرق الضُلّال في الوحي: طريقتان: طريقة التبديل, وطريقة التجهيل, أما أهل التبديل فهم نوعان: أهل الوهم والتخييل, وأهل التحريف والتأويل.

فأهل الوهم والتخيييل هم الذين يقولون: إن الأنبياء أخبروا عن الله واليوم الآخر, والجنة والنار بأمور غير مطابقة للأمر في نفسه! لكنهم خاطبوهم بما يتخيلون به ويتوهمون به أن الله شيء عظيم كبير, وأن الأبدان تعاد, وأن لهم نعيماً محسوساً, وإن كان الأمر ليس كذلك؛ لأن مصلحة الجمهور في ذلك, وإن كان كذباً, فهو كذب لمصلحة الجمهور! وقد وضع ابن سينا وأمثاله قانونهم على هذا الأصل, وأما أهل التحريف والتأويل فهم الذين يقولون: إن الأنبياء لم يقصدوا بهذه الأقوال ما هو الحق في نفس الأمر, وأن الحق في نفس الأمر هو ما علمناه بعقولنا! ثم يجتهدون في تأويل هذه الأقوال إلى ما يوافق رأيهم بأنواع التأويلات!ولهذا كان أكثرهم, لا يجزمون بالتأويل, بل يقولون: يجوز أن يراد كذا, وغاية ما معهم إمكان احتمال اللفظ.

وأما أهل التجهيل والتضليل الذين حقيقة قولهم: إن الأنبياء وأتباع الأنبياء, جاهلون ضالون, لا يعرفون ما أراد الله بما وصف به نفسه من الآيات وأقوال الأنبياء! ويقولون: يجوز أن يكون للنص تأويل لا يعلمه إلا الله, لا يعلمه جبرائيل ولا محمد ولا غيره من الأنبياء, فضلاً عن الصحابة والتابعين لهم بإحسان, وأن محمداً –صلى الله عليه وسلم- كان يقرأ: (الرحمن على العرش استوى)[743], (إليه يصعد الكلم الطيب)[744], (ما منعك أن تسجد لما خلقت بيديّ)[745], وهو لا يعرف معاني هذه الآيات بل معناها الذي دلت عليه لا يعرفه إلا الله –تعالى-! ويظنون أن هذه طريقة السلف! ثم منهم من يقول: إن المراد بهذا خلاف مدلولها الظاهر المفهوم, ولا يعرفه أحد, كما يُعلم وقت الساعة! ومنهم من يقول: بل تجرى على ظاهرها! وهؤلاء يشتركون في القول بأن الرسول لم يُبيّن المراد بالنصوص التي يجعلونها مشكلة أو متشابهة, ولهذا يجعل كل فريق المشكل من نصوصه غير ما يجعله الفريق الآخر مشكلاً! ثم منهم من يقول: لم يعلم معانيها أيضاً, ومنهم من يقول: علمها ولم يبينها بل أحال في بيانها على الأدلة العقلية, وعلى من يجتهد في العلم بتأويل تلك النصوص! فهم مشتركون في أن الرسول لم يَعلم أو لم يُعلم, بل نحن عرفنا الحق بعقولنا, ثم اجتهدنا في حمل كلام الرسول على ما يوافق عقولنا, وأن الأنبياء وأتباعهم لا يعرفون العقليات ولا يفهمون السمعيات! وكل ذلك ضلال وتضليل عن سواء السبيل.

نسأل الله السلامة والعافية من هذه الأقوال الواهية المفضية بقائلها إلى الهاوية.

سبحان ربك رب العزة

عما يصفون وسلام

على المرسلين

والحمد لله رب

العالمين

تم اختصاره بحمد الله –تعالى- وتوفيقه في صبيحة يوم الأربعاء العاشر من شهر جمادى الآخرة من عام إحدى عشرة وأربعمائة وألف من الهجرة الشريفة27/12/1990م, وكتبه أبو حمزة

“سمير مراد”

 

الفهرس

الفهرس

 

مقدمة ابن أبي العز………………………………………………………. 2

بداية عقيدة الطحاوي……………………………………………………. 7

التوحيد أول دعوة الرسل…………………………………………………. 7

أنواع التوحيد الذي دعت إليه الرسل………………………………………. 9

شرح قول الطحاوي:(( ولا شيء مثله ))…………………………………. 10

شرح:(( ولا شيء يعجزه ))…………………………………………….. 12

شرح:(( ولا إله غيره…قديم بلا ابتلاء…لا يفنى ولا يبيد…))………………. 13

شرح:(( ولا يكون إلا ما يريد )) (( لا تبلغه الأوهام ))……………………… 14 شرح:(( ولا يشبهه الأنام )) (( حي لا يموت ))……………………………. 15

شرح:(( خالق بلا حاجة ))……………………………………………… 16

شرح:(( مميت بلا مخافة ))…………………………………………….. 17

شرح:(( ما زال بصفاته ))………………………………………………. 17

شرح:(( ليس بعد خلق الخلق….))………………………………………. 18

شرح:(( ذلك بأنه على كل شيء قدير…))………………………………… 18

شرح:(( خلق الخلق بعلمه ،وقدر لهم أقداراً، وضرب لهم آجالاً ))…………… 20

شرح:(( وكل شيء يجري بتقديره…))…………………………………… 21

شرح:(( يهدي من يشاء…))……………………………………………. 24

شرح:(( وأن محمداً عبده المصطفى ))…………………………………… 25

شرح:(( وإنه خاتم الأنبياء…))…………………………………………. 27

ثبوت الخلة للنبي……………………………………………………… 29

شرح:(( وهو المبعوث إلى عامة الجنة وكافة الورى))……………………… 30

شرح:(( وإن القرآن كلام الله ….))……………………………………… 31

شرح:(( من وصف الله بمعنى من معاني البشر فقد كفر))………………….. 33

شرح:(( والرؤية حق لأهل الجنة…))……………………………………. 33

 شرح:(( ولا تثبت قدم الإسلام إلا على ظهر التسليم …))…………………… 37

خطر عدم التسليم:(( يتذبذب بين الكفر والإيمان))…………………………. 39

شرح:(( ومن لم يتوق النفي والتشبيه زل…)) وكلام في الرؤية…………….. 40

شرح:(( وتعالى عن الحدود والغايات…)) وفيه الكلام على الجهة……………. 44

شرح:(( والمعراج حق…))……………………………………………… 45

شرح:(( والحوض…. حق ))……………………………………………. 47

شرح:(( والشفاعة ….حق…)) وفيه الاستشفاع بالنبي…………………….. 48

شرح:(( والميثاق الذي أخذه الله من آدم حق))……………………………. 53

شرح:(( وكل ميسر لما خلق له… ))…………………………………….. 55

شرح:(( وأصل القدر سر الله في خلقه…))……………………………….. 56

شرح:(( ونؤمن باللوح والقلم…))……………………………………….. 59

شرح:(( فلو اجتمع الخلق كلهم على شيء…جف القلم ))…………………… 59

شرح:(( وذلك من عقد الإيمان…)) وفيه علم الله بالجزئيات والكليات………… 62

شرح:(( فويل لمن صار لله في القدر خصيما …))…………………………. 63

شرح:(( والعرش والكرسي حق))………………………………………… 65

شرح:(( ….، محيط بكل شيء وفوقه…))……………………………….. 66

شرح:(( إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً…))…………………………………… 71

شرح:(( ونؤمن بالملائكة والنبيين والكتب…))……………………………. 72

شرح:(( ونسمي أهل قبلتنا مسلمين…))………………………………….. 75

شرح:(( ولا نجادل في القرآن ونشهد أنه كلام رب العالمين…))………………76

شرح:(( ولا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ما لم يستحله…))………………. 77

شرح:(( ونرجو للمحسنين…أن يعفو عنهم…))وفيه زيادة الإيمان ونقصه……. 83

دخول الجنة بلا عذاب مطلق على اسم الإيمان ……………………………. 87

الاستثناء في الإيمان ………………………………………………….. 88

 شرح:(( وجميع ما صح عن رسول الله … حق))………………………….. 90

شرح:(( والمؤمنون كلهم أولياء الرحمن))………………………………… 92

شرح:(( وأكرمهم … أطوعهم…))………………………………………. 94

شرح:(( شرح والإيمان هو الإيمان بالله…))………………………………. 94

الكلام على السيئة والحسنة وأن الشر لا يضاف إلى الله ……………………..95

شرح:(( وأهل الكبائر من أمة محمد في النار لا يخلدون …))………………. 98

حد الكبيرة……………………………………………………………. 99

شرح:(( ونرى الصلاة خلف كل بر وفاجرمن أهل القبلة…))………………. 101

شرح: (( ولا ننزل أحداً جنة ولا ناراً ))…………………………………. 103

شرح:(( ولا نرى الخروج على أئمتنا….))……………………………… 104

شرح:(( ونتبع السنة والجماعة ))……………………………………… 106

شرح:(( ونحب العدل والأمانة…))……………………………………… 107

شرح:(( ونقول:الله أعلم فيما اشتبه علينا علمه))………………………… 107 شرح:(( ونرى المسح على الخفين ))………………………………….108
شرح:(( ونؤمن بالكرام الكاتبين))………………………………………. 109

شرح:(( ونؤمن بملك الموت ))………………………………………… 110

شرح:(( وبعذاب القبر…))…………………………………………….. 110

شرح:(( ونؤمن بالبعث وجزاء الأعمال…)) وفيه عن الصراط والميزان…….. 114

تفسير:(( وإن منكم إلا واردها…))……………………………………… 121

شرح:(( والجنة والنار مخلوقتان لا تفنيان ….))………………………… 123

شرح:(( والاستطاعة…من نحو التوفيق…))…………………………….. 126

شرح:(( وأفعال العباد هي خلق الله))……………………………………. 127

شرح:(( ولم يكلفهم الله تعالى إلا ما يطيقون…))………………………… 128

القضاء والقدر والكلمات كوني وشرعي ………………………………… 129

 شرح:(( وفي دعاء الأحياء وصدقاتهم للأموات )) وفيه قراءة القرآن للميت وعنده……………………………………………………………….131

شرح:(( والله تعالى يستجيب الدعوات …))…………………………….. 135

صور إجابة الدعاء …………………………………………………… 135

شرح:(( والله يغضب …))…………………………………………….. 137

شرح:(( ونحب أصحاب رسول الله…))…………………………………. 138

شرح:(( ونثبت الخلافة بعد رسول الله أولاً لأبي بكر الصديق ……………… 140

شرح:(( ثم لعمر ثم لعثمان ….))………………………………………. 143

شرح:(( وإن العشرة، ….، نشهد لهم بالجنة))……………………………147

شرح:(( ومن أحسن القول في أصحاب رسول الله، …،وأزواجه الطاهرات…)).148

شرح:(( وعلماء السلف …لا يذكرون إلا بالجميل ))……………………… 149

شرح:(( ولا نفضل أحداً من الأولياء على أحد من الأنبياء…))…………….. 149

شرح:(( ونؤمن بما جاء من كراماتهم ….)) وفيه علم الفراسة……………. 150

شرح:(( ونؤمن بأشراط الساعة…))……………………………………. 152

شرح:(( ولا نصدق كاهناً ولا عرافاً …))…………………………………154

شرح:(( ونرى الجماعة حقاً وصواباً ….))……………………………… 159

شرح:(( ودين الله … واحد …))………………………………………. 162

شرح:(( فهذا ديننا واعتقادنا ظاهراً وباطناً ….))………………………… 164

الفهرس ……………………………………………………………..168

 

[1] المؤمنون: 15.

[2] الشورى: (52-53).

[3] فصلت: 44.

[4] طه: (123-126).

[5] الصافات: (180-182).

[6] يوسف: 108.

[7] الأنعام: 68.

[8] البقرة:42.

[9] النساء: 69.

[10] هود: 88.

[11] الأعراف: 59.

[12] الأعراف: 65.

[13] الأعراف: 73.

[14] الأعراف 85.

[15] النحل: 36.

[16] الأنبياء: 25.

[17] الروم: 30.

[18] الروم: (31-36).

[19] إبراهيم: 10.

[20] النمل: 59.

[21] المؤمنون: 91.

[22] الأعراف: 191.

[23] النحل: 17.

[24] الإسراء: 24.

[25] آ عمران: 64.

[26] آل عمران: (18-19).

[27] الأنعام: 90.

[28] البقرة: (130-131).

[29] الشورى: 11.

[30] الأنعام:95, والروم: 19.

[31] الذاريات: 28.

[32] الصافات: 101.

[33] التوبة: 128.

[34] يوسف:51.

[35] الكهف:79.

[36] السجدة: 18.

[37] المؤمنون: 35.

[38] البقرة: 255.

[39] النساء: 166.

[40] فاطر: 11.

[41] الذاريات: 58.

[42] الروم: 54.

[43] يوسف: 68.

[44] البقرة: 20.

[45] الكهف: 45 .

[46] فاطر: 44.

[47] البقرة :255.

[48] الكهف: 49.

[49] سبأ: 3.

[50] ق: 38.

[51] الأنعام: 103.

[52] فاطر: 44.

[53] البقرة: 163 .

[54] الحديد: 3.

[55] يس: 39.

[56] الأحقاف: 11.

[57] الشعراء: 76.

[58] هود: 98.

[59] الرحمن: (26-27).

[60] الأنعام: 125.

[61] هود: 34.

[62] البقرة: 253.

[63] البقرة: 185.

[64] النساء: 26.

[65] النساء: (27-27).

[66] المائدة: 6.

[67] الأحزاب: 33.

[68] طه: 110.

[69] البقرة 225.

[70] الحشر: 23-24.

[71] الشورى: 11.

[72] البقرة: 255.

[73] آل عمران: (1-3).

[74] طه: 111.

[75] غافر: 65.

[76] البقرة: 255.

[77] الذاريات: (56-58).

[78] فاطر: 15.

[79] محمد: 38.

[80] الأنعام: 14.

[81] الملك: 2.

[82] الأعراف: 54.

[83] الأنبياء: 105.

[84] البقرة: 284.

[85] الشورى: 11.

[86] النحل: 60.

[87] الروم: 27.

[88] الروم: 26.

[89] الروم:27.

[90] الشورى: 11.

[91] الشورى: 11.

[92] الملك: 14.

[93] الأنعام: (59-60).

[94] القمر: 49.

[95] الأحزاب: 38.

[96] الأعلى: (2-3).

[97] النحل: 61.

[98] آل عمران: 145.

[99] فاطر: 11.

[100] الرعد: (38-39).

[101] الرعد: 39.

[102] الأنعام: 28.

[103] الأنفال: 23.

[104] الذاريات: 56.

[105] الملك: 2.

[106] الدهر: 3.

[107] التكوير: 29.

[108] الأنعام: 111.

[109] الأنعام: 112.

[110] يونس: 99.

[111] الأنعام: 125.

[112] هود: 34.

[113] الأنعام: 39.

[114] الأنعام: 148.

[115] النحل: 35.

[116] الزخرف: 20.

[117] الحجر: 39.

[118] الأنعام: 148.

[119] المؤمنون: 55.

[120] آل عمران: 120.

[121] هود: 34.

[122] القصص: 56.

[123] السجدة: 13.

[124] المدثر: 31.

[125] الصافات: 57.

[126] الأنعام: 39.

[127] التغابن: 2.

[128] الإخلاص: 4.

[129] الأنبياء: 26.

[130] الإسراء: 1.

[131] الجن: 19.

[132] النجم: 10.

[133] البقرة: 23.

[134] الشعراء: (221-226).

[135] آل عمران: 164.

[136] الأنبياء: 107.

[137] الأحزاب: 40.

[138] آل عمران: 31.

[139] الإسراء: 55.

[140] البقرة: 253.

[141] الأنبياء: 87.

[142] الأعراف: 23.

[143] القصص: 16.

[144] يونس: 48.

[145] الأحقاف: 35.

[146] آل عمران: 134.

[147] آل عمران: 76.

[148] البقرة: 222.

[149] الأحقاف: 31.

[150] الأنعام: 130.

[151] الأحقاف: 30.

[152] سبأ: 28.

[153] الأعراف: 158.

[154] الأنعام: 19.

[155] النساء: 79.

[156] يونس: 2.

[157] الفرقان: 1.

[158] آل عمران: 20.

[159] يونس: 5.

[160] الأعراف: 148.

[161] يس: 58.

[162] الإسراء: 78.

[163] النحل: 98.

[164] الأعراف: 204.

[165] الإسراء: 106.

[166] الشعراء: (193-195).

[167] النساء: 87.

[168] الإسراء: 88.

[169] يونس: 38.

[170] البقرة: (1-2).

[171] آل عمران: (1-3).

[172] الأعراف: (1-2).

[173] يونس: (1-2).

[174] القيامة: (22-23).

[175] ق: 35.

[176] يونس: 26.

[177] يونس: 26.

[178] المطففين: 15.

[179] الأعراف: 143.

[180] الأنعام: 8.

[181] الأحزاب: 44.

[182] الأنعام: 103.

[183] طه: 110.

[184] الأعراف: 33.

[185] الإسراء: 36.

[186] الإسراء: 36.

[187] الحج: (3-4).

[188] الحج: (8-9).

[189] القصص: 50.

[190] النجم: 23.

[191] الزخرف: 58.

[192] الفرقان: 43.

[193] الأعراف: 12.

[194] النساء: 80.

[195] آل عمران: 31.

[196] النساء: 65.

[197] فاطر: 10.

[198] الشورى: 11.

[199] طه: 110.

[200] الفيل: 1.

[201] الأنعام: 112.

[202] النحل: 125.

[203] الأعراف: 53.

[204] يوسف: 100.

[205] يوسف: 6.

[206] النساء: 59.

[207] الكهف: 78.

[208] الكهف: 82.

[209] آل عمران:7.

[210] آل عمران: 7.

[211] الأحزاب: 32.

[212] البقرة: 10.

[213] التوبة: 125.

[214] الشورى: 11.

[215] الشورى: 11.

[216] الإخلاص: (1-2).

[217] الإخلاص: (2-3).

[218] الإخلاص: 4.

[219] النجم: 11.

[220] النجم: 13.

[221] النجم: (5-8).

[222] الإسراء: 1.

[223] المدثر: 48.

[224] الروم: 47.

[225] الأعراف: 55.

[226] آل عمران: 154.

[227] آل عمران: 128.

[228] الأعراف: 54.

[229] الأعراف: 172.

[230] الأنفال: 75.

[231] الأحزاب: 40.

[232] الليل: (5-10).

[233] القمر: 49.

[234] الفرقان: 2.

[235] السجدة: 13.

[236] يونس: 99.

[237] التكوير: 29.

[238] الدهر:30.

[239] الأنعام: 39.

[240] الأنعام: 125.

[241] البقرة: 205.

[242] الزمر: 7.

[243] الإسراء: 38.

[244] التوبة: 69.

[245] البقرة: 200.

[246] الجن: (26-27).

[247] لقمان: 34.

[248] البروج: (21-22).

[249] المائدة: 44.

[250] البقرة: 40.

[251] البقرة: 41.

[252] النور: 52.

[253] المدثر: 56.

[254] الطلاق: (2-3).

[255] الطلاق: (2-3).

[256] الفرقان: 7.

[257] الرعد: 39.

[258] الرحمن: 29.

[259] الفرقان: 2.

[260] الأنعام: 122.

[261] النساء: 69.

[262] فصلت: 44.

[263] الإسراء: 82.

[264] يونس: 57.

[265] الجن: (26-27).

[266] البروج: (15-16).

[267] غافر: 15.

[268] الأعراف: 54.

[269] طه: 5.

[270] المؤمنون: 116.

[271] النمل: 26.

[272] غافر: 7.

[273] الحاقة: 17.

[274] الزمر: 75.

[275] النمل: 23.

[276] الحاقة: 17.

[277] هود: 7.

[278] البقرة: 255.

[279] العنكبوت: 6.

[280] فاطر: 15.

[281] الأعراف: 53.

[282] البروج: 2.

[283] حم السجدة: 5.

[284] النساء: 126.

[285] الحديد: 3.

[286] الأعراف: 17.

[287] النحل: 50.

[288] الأنعام: (18 و61).

[289] المعارج: 4.

[290] فاطر: 10.

[291] النساء: 158.

[292] آل عمران: 55.

[293] البقرة: 255.

[294] سبأ: 23.

[295] الشورى: 51.

[296] غافر: 2.

[297] الزمر: 1.

[298] فصلت: 2.

[299] فصلت: 42.

[300] النحل: 102.

[301] الدخان: (1-5).

[302] الأعراف: 206.

[303] الأنبياء: 19.

[304] المؤمنون: 36.

[305] طه: 5.

[306] النساء: 125.

[307] النساء: 164.

[308] البقرة: (285- الآيات).

[309] البقرة: (1777-الآية).

[310] النساء: 136.

[311] النازعات: 5.

[312] الذاريات: 4.

[313] المرسلات: 1.

[314] المرسلات: 3.

[315] المرسلات: 4.

[316] المرسلات: 5.

[317] النازعات: 1.

[318] النازعات: 2.

[319] النازعات: 3.

[320] النازعات: 4.

[321] الصافات: (1-3).

[322] الأنبياء: 27.

[323] البقرة: 255.

[324] الأنبياء: 28.

[325] النحل: 50.

[326] الأنبياء: (19-20).

[327] البقرة: 285.

[328] آل عمران: 18.

[329] الأحزاب: 43.

[330] غافر: 7.

[331] الزمر: 75.

[332] الأنبياء: 26.

[333] الأعراف: 206.

[334] فصلت: 38.

[335] الانفطار: 11.

[336] عبس: 16.

[337] المطففين: 21.

[338] الصافات: 8.

[339] النساء: 164.

[340] غافر: 78.

[341] النحل: 35.

[342] النحل: 82.

[343] النور: 54.

[344] التغابن: 12.

[345] الأحزاب: 7.

[346] الشورى: 13.

[347] البقرة: 136.

10 البقرة: 136.

[349] آ ل عمران: (1-2).

12آل عمران:4 .

[351] البقرة: 285.

[352] النساء: 82.

[353] البقرة: 213.

[354] فصلت: 42.

[355] سبأ: 6.

[356] يونس: 57.

[357] فصلت: 44.

[358] التغابن: 8.

[359] النجم: 23.

[360] الشعراء: 193.

[361] الشعراء: (193-195).

[362] التكوير: (19-21).

[363] الحاقة: (40-41).

[364] الأنعام: 68.

[365] المائدة: 44.

[366] البقرة: 178.

[367] البقرة: 178.

[368] الحجرات: 9.

[369] الحجرات: 10.

[370] هود: 115.

[371] البقرة: 143.

[372] المائدة: 8.

[373] المائدة: 93.

[374] غافر: (1-3).

[375] الإسراء: 57.

[376] آل عمران: 175.

[377] البقرة: 41.

[378] البقرة: 40.

[379] البقرة: 150.

[380] المؤمنون: (57-58).

[381] المؤمنون: 61.

[382] المؤمنون: 60.

[383] البقرة: 218.

[384] النساء: 48,116.

[385] مريم: 60, الفرقان: 70.

[386] البقرة: 160.

[387] الزمر: 53.

[388] الزمر: 54.

[389] الأنفال: 33.

[390] المائدة: 89.

[391] المجادلة: 4.

[392] البقرة: 271.

[393] التوبة: 60.

[394] هود: 114.

[395] النساء: 40.

[396] البقرة: 260.

[397] الأعراف: 201.

[398] الأعراف: 202.

[399] الأنفال: 2.

[400] مريم: 76.

[401] المدثر: 31.

[402] الفتح: 4.

[403] آل عمران: 173.

[404] آل عمران: 173.

[405] آل عمران: 167.

[406] التوبة: (124-125).

[407] يونس: (62-63).

[408] الحديد: 21.

[409] آل عمران: 85.

[410] المائدة: 5.

[411] الحجرات: 14.

[412] الحجرات: 14.

[413] الحجرات: 14.

[414] الحجرات: 15.

[415] المنافقون: 1.

[416] آل عمران: 31.

[417] الفتح: 27.

[418] الفتح: 27.

[419] المثر: 25.

[420] الأنفال: (2-4).

[421] الحجرات: 15.

[422] النور: (39-40).

[423] الأحزاب: 36.

[424] التوبة: 33.

[425] الشورى: 11.

[426] البقرة: 75.

[427] البقرة: 78.

[428] البقرة: 79.

[429] يونس: (62-63).

[430] الأنفال: 72.

[431] البقرة: 257.

[432] محمد: 11.

[433] التوبة: 71.

[434] الأنفال: 72.

[435] المائدة: (55-56).

[436] الإسراء: 111.

[437] يونس: 62.

[438] يوسف: 106.

[439] الحجرات: 14.

[440] يونس: (62-64).

[441] البقرة: 177.

[442] الطلاق: (2-3).

[443] الحجرات: 13.

[444] الكافرون: 1.

[445] الإخلاص: 1.

[446] البقرة: 136.

[447] آل عمران: 64.

[448] الأنفال: 2.

[449] الحجرات: 15.

[450] النساء: 65.

[451] التوبة: 51.

[452] النساء: 78.

[453] النساء: 79.

[454] النساء: 78.

[455] النساء: 79.

[456] الشورى: 30.

[457] الرعد: 18.

[458] النساء: 78.

[459] الفلق: 2.

[460] الجن: 10.

[461] الحاقة: (44-46).

[462] الفاتحة: 4.

[463] النساء: (150-151).

[464] النساء: 13.

[465] الحجر: 36.

[466] ص: (82-83).

[467] لقمان: 25.

[468] المؤمنون: (84-85).

[469] الزمر: 53.

[470] يوسف: 101.

[471] الأعراف: 126.

[472] محمد: 19.

[473] الحجرات: 11.

[474] الحجرات:12.

[475] الإسراء: 36.

[476] النساء: 59.

[477] النساء: 59.

[478] الشورى: 30.

[479] آل عمران: 165.

[480] النساء: 79.

[481] الأنعام: 129.

[482] آل عمران: 31.

[483] النساء: 115.

[484] النور: 54.

[485] الأنعام: 153.

[486] آل عمران: 105.

[487] الأنعام: 159.

[488] الصف: 4.

[489] القصص: 50.

[490] الحج: (3-4).

[491] غافر: 35.

[492] الأعراف: 33.

[493] الكهف: 26.

[494] الكهف: 22.

[495] الانفطار: (10-12).

[496] ق: (17-18).

[497] الرعد: 11.

[498] الزخرف: 80.

[499] الجاثية: 28.

[500] يونس: 21.

[501] الرعد: 11.

[502] الانفطار: 12.

[503] ألم: السجدة: 11.

[504] الأنعام: 61.

[505] الزمر: 42.

[506] غافر: (45-46).

[507] الطور: (45-47).

[508] الحج: 31.

[509] آل عمران: 169.

[510] البقرة: 154.

[511] الأعراف: 24.

[512] الأعراف: 25.

[513] ص: (79-81).

[514] نوح: (17-18).

[515] الشعراء: 82.

[516] إبراهيم: 41.

[517] البقرة: 260.

[518] طه: (15-16).

[519] غافر: (32-33).

[520] غافر: 39.

[521] غافر: 46.

[522] الأعراف: 156.

[523] البقرة: 73.

[524] الزمر: 71.

[525] سبأ: 3.

[526] يونس: 53.

[527] التغابن: 7.

[528] القمر: 1.

[529] الأنبياء: 1.

[530] المعارج: (1-2).

[531] المعارج: (6-7).

[532] يونس: 45.

[533] الأنعام: 31.

[534] الشورى: 18.

[535] النمل: 66.

[536] النحل: 38.

[537] النحل: 39.

[538] غافر: 59.

[539] الإسراء: 97.

[540] الإسراء: 98.

[541] الإسراء: 99.

[542] الإسراء: (94-52).

[543] الإسراء: 49.

[544] الإسراء: 51.

[545] يس: 78.

[546] يس: 78.

[547] يس: 79.

[548] يس: 79.

[549] يس: 80.

[550] يس: 81.

[551] غافر: 57.

[552] يس: 81.

[553] يس: 83.

[554] القيامة: (36-40).

[555] المؤمنون: 115.

[556] الحج: 5.

[557] الحج: 7.

[558] المؤمنون: 12.

[559] المؤمنون: 16.

[560] الكهف: 21.

[561] الفاتحة: 3.

[562] النور: 25.

[563] السجدة: 17و الأحقاف:14. والواقعة : 24.

[564] النبأ: 26.

[565] الأنعام: 160.

[566] النمل: (89-90).

[567] القصص: 84.

[568] الحاقة: (15-18).

[569] الانشقاق: (6-15).

[570] الكهف: 48.

[571] الكهف: 49.

[572] إبراهيم: 48.

[573] غافر: 15.

[574] غافر: 17.

[575] البقرة: 218.

[576] مريم: 71.

[577] مريم: 72.

[578] هود: 58.

[579] هود: 66.

[580] هود: 94.

[581] الأنبياء: 47.

[582] المؤمنون: (102-103).

[583] الأنبياء: 47.

[584] آل عمران: 33.

[585] الحديد: 21.

[586] آل عمران: 131.

[587] النبأ: (21-22).

[588] النجم: (13-15).

[589] هود: 108.

[590] ص: 54.

[591] الرعد: 35.

[592] الحجر: 48.

[593] الدخان: 56.

[594] المائدة: 37.

[595] الزخرف: 75.

[596] النبأ: 30.

[597] البينة: 8.

[598] الحجر: 48.

[599] البقرة: 167.

[600] الأعراف: 40.

[601] فاطر: 36.

[602] الفرقان: 65.

[603] الأعراف: 179.

[604] الدهر: (2-3).

[605] طه: 50.

[606] طه: 112.

[607] الشورى: 30.

[608] الأنعام: 124.

[609] الأنعام: 53.

[610] آل عمران: 97.

[611] التغابن: 16.

[612] المجادلة: 4.

[613] التوبة: 43.

[614] التوبة: 91.

[615] التوبة: 93.

[616] النساء: 25.

[617] هود: 20.

[618] الكهف: 67.

[619] الكهف: 75.

[620] الحجرات: 7.

[621] الأنعام: 125.

[622] الكهف: 17.

[623] الشمس: (7-8).

[624] الشمس: 8.

[625] الشمس: (9-10).

[626] الروم: 30.

[627] يوسف: 24.

[628] ص: (82-83).

[629] الحجر: (41-42).

[630] البقرة: 286.

[631] البقرة: 286.

[632] الأنعام: 152, والأعراف: 42, والمؤمنون: 62.

[633] البقرة: 185.

[634] النساء: 28.

[635] الحج: 78.

[636] حم السجدة: 12.

[637] الإسراء: 23.

[638] يس: 82.

[639] الإسراء: 16.

[640] النحل: 90.

[641] النساء: 58.

[642] البقرة: 102.

[643] الحشر: 5.

[644] فاطر: 11.

[645] الأنبياء: 105.

[646] المائدة: 45.

[647] البقرة: 183.

[648] يوسف: 80.

[649] الأنبياء: 112.

[650] المائدة: 1.

[651] الممتحنة: 10.

[652] المائدة: 26.

[653] الأنبياء: 95.

[654] المائدة: 3.

[655] النساء: 23.

[656] الأعراف: 137.

[657] البقرة: 124.

[658] طه: 112.

[659] الإسراء: 15.

[660] النجم: 39.

[661] يس: 54.

[662] البقرة: 286.

[663] الحشر: 10.

[664] النجم: 39.

[665] النجم: (38-39).

[666] البقرة: 286.

[667] يس: 54.

[668] يس: 54.

[669] غافر: 60.

[670] البقرة: 186.

[671] المائدة: 119, والتوبة: 100, والمجادلة: 22, والبينة: 8.

[672] الفتح: 18.

[673] المائدة: 60.

[674] النساء: 93.

[675] البقرة: 61.

[676] التوبة: 100.

[677] الفتح: 29.

[678] الأنفال: 72.

[679] الحديد: 10.

[680] الحشر: (8-10).

[681] التوبة: 117.

[682] النساء: 171.

[683] الجاثية: 17.

[684] المائدة: 44.

[685] آل عمران: 61.

[686] النساء: 115.

[687] الحشر: 10.

[688] النساء: 64.

[689] النساء: 65.

[690] آل عمران: 31.

[691] الأنعام: 124.

[692] يونس: (62-63).

[693] الأنعام: 50.

[694] النازعات: 42.

[695] الإسراء: 90.

[696] الفرقان: 7.

[697] الفجر: (15-17).

[698] الطلاق: (2-3).

[699] الأنفال: 29.

[700] النساء: (66-68).

[701] يونس: (62-64).

[702] النساء: 159.

[703] النمل: 82.

[704] الأنعام: 158.

[705] طه: 69.

[706] النساء: 51.

[707] المائدة: 79.

[708] الصافات: (88-89).

[709] الأنعام: 76.

[710] الأنعام: 82.

[711] الجن: 6.

[712] سبأ: (40-41).

[713] الأنعام: 128.

[714] الجن: 6.

[715] الطور: 21.

[716] الشعراء: (221-222).

[717] المدثر: 52.

[718] آل عمران: 103.

[719] آل عمران: 105.

[720] الأنعام: 159.

[721] هود: 119.

[722] البقرة: 176.

[723] الأنعام: 65.

[724] الأنعام: 65.

[725] الحجرات: 9.

[726] آل عمران: 19.

[727] الحشر: 5.

[728] الأنبياء: (78-79).

[729] البقرة: 253.

[730] الحج: 19.

[731] البقرة: 213.

[732] الجمعة: 5.

[733] البقرة: 78.

[734] آل عمران: 85.

[735] المائدة: 48.

[736] المائدة: 77.

[737] المائدة: (87-88).

[738] الشورى: 11.

[739] الأنعام: 159.

[740] الأنعام: 153.

[741] يوسف: 108.

[742] الفاتحة: (5-7).

[743] طه: 5.

[744] فاطر: 10.

[745] ص: 75.

شاهد أيضاً

كتاب درج الوصول لورثة الرسول صلى الله عليه وسلم

تحميل الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *