الرئيسية / المقالات / بيان حكم التماثيل الأثرية والرد على داعش

بيان حكم التماثيل الأثرية والرد على داعش

بسم الله الرحمن الرحيم

بيان حكم التماثيل الأثرية والرد على داعش

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، والعاقبة للمتقين ، وبعد:

 

فلا تزال ممارسات داعش، تشين إلى الإسلام والمسلمين، بلا مراعاة لدين ولا لخلق، فيذبحون مرة، ويحرقون البشر أخرى، ويسرقون ويمرقون، ويمزقون جوازات السفر، ويسبون ويكفرون خلق الله بلا ضابط وبلا مراعاة أعراف الإنسانية والدين، فلا الإنسانية مارسوا، ولا الدين راعَوْا، ولا يزالون يبثون همجية الأخلاق بين الناس، حتى يفضحهم الله تعالى، ذلك بما كسبت أيديهم، وما الله بغافل عما يعملون، وما الله بعافٍ عن الظالمين ما لم يتوبوا.

 

وقبل أيام قلائل، قاموا باقتحام متحف تذكاري في العراق، وكسروا وحطموا ما فيه من التماثيل الأثرية بحجة أنها أصنام، ولا يجوز إبقاء صنم قط.

 

فأقول والله المستعان:

 

مما لا شك فيه في دين الله تعالى، أن الأصنام يحرم صنعها، كما يحرم إبقاؤها ما لم يترتب على ذلك مفسدة كبيرة، وقد كان النبي صلى الله عليه وسلم أول الأمر، يطوف وأصحابه حول الكعبة ولا تزال الأصنام داخلها حتى فتح مكة، نعم ولكن لا بد من أمرين:

 

الأول: معرفة معنى الصنم؟

 

الثاني: هل كل تمثال حرام؟

 

فالأول: أن الصنم فيه ملحظ ديني، فأن الذين يتخذون الأصنام للعبادة والدعاء والاستغاثة وغير ذلك، وهي الطواغيت، وهذا النوع لا يلزم أن يكون تمثالاً مشاهداً، بل قد يكون الهوى في النفس – كأهواء داعش – صنماً، كما لا يلزم أن تكون العبادة صلاةً وصياماً وصدقات وذبحاً لهذا الصنم، بل قد تكون تحليل ما حرم الله عن قصد واختيار، وتحريم ما أحل الله، ولذا لما حاكى رسول الله صلى الله عليه وسلم عديّ بن حاتم عن العبادة قال مبيناً أن العبادة لا يلزم أن تكون صلاة:” ألم يحلوا ما حرم الله ويحرموا ما أحل الله، فتلك عبادتهم ” قال ابن تيمية رحمه الله :{ أي أحلوا ما حرم الله، وحرموا ما أحل الله، ونسبوا ذلك إلى الله } وداعش تقتل وتسبي وتسرق، ثم تنسب ذلك إلى دين الله، تعالى عن ذلك علواً كبيراً، مع أننا لا نكفرهم بذلك، ولكنها الأهواء والطواغيت الداعشية.

 

ولما لم يكن كل تمثال صنماً، ذكر الله عزوجل عن نبيه سليمان: أن الجنّ كانوا يعملون له أشياء كثيرة، ومنها التماثيل، قال تعال: ( يعملون له ما يشاء من محاريب وتماثيل وجفان كالجواب وقدور راسيات* اعملوا آل داوود شكراً وقليل من عبادي الشكور )، فأذن الله لسليمان أن يكون من ألوان وأنواع شكره لله تعالى، صناعة التماثيل، التي كانت لوناً – عندهم – من ألوان الحضارة، وألوان الفرح والسعادة، التي هي من جنس شكر الله عزوجل، ما جعل بعض أهل العلم يقول بجواز صناعة التماثيل ما دامت لا تقصد بالعبادة، ولا يراد منها مضاهاة خلق الله عزوجل، وحجتهم أن الممنوع ما كان للعبادة لقوله تعالى: ( قال أتعبدون ما تنحتون ) وقوله عليه الصلاة والسلام:” إن الله ورسوله حرم بيع الخمر والخنزير والأصنام ” إلخ استدلالاتهم، انظر الموسوعة الفقهية الكويتية 12/99 مادة تصوير.

 

قلت: ومذهب الجمهور تحريم صناعة التماثيل وهو الصحيح والله أعلم، لكن؛ لا بد من ملاحظة أمر مهم أو أمرين:

 

الأول: النظر إلى أن من التماثيل ما يباح وذلك لأجل المقصد والباعث عليه.

 

الثاني: التفريق بين الإنشاء والإبقاء.

 

فالأول: فأن الشريعة أذنت بتجاوز بعض الأحكام، لتحقيق مصالح مقصودة للعباد، لا بد من مراعاتها، ومن ذلك:

 

التربية، التعليم، الاعتبار …. الخ.

 

وكذلك أجازت اللعب التي للتسلية، فقد ثبت في البخاري وغيره، أن عائشة رضي الله عنها، كان عندها تماثيل خيل، وكانت تضعها على الرف، في بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم وفي مرأى منه، وما علمناه أنكر ذلك، بل كان يداعبها إذ كانت هذه التماثيل لها أجنحة، قيقول ما معناه: خيل لها جناحان!

 

مع أنه القائل: ” لا تدخل الملائكة بيتاً فيه كلب أو صورة، وهذه صورة بلا شك أي تمثال، والصورة ما له رقم سواء أكان منصوباً كالتماثيل المعروفة، أم مسطحاً كالصورة في ثوب، كما كانت سهوة عائشة رضي الله عنها مغطاة بقرام فيه تصاوير، ولم نره أمرها بإخراج التماثيل، مما يدل على أن النص لا يشملها، ومن احتج بأمره إياها بهتك القرام، فذلك لا لأجل الصور التي فيه، وإنما لأن القرام والتصاوير شغلته في صلاته.

 

وأما الثاني: فالفرق بين الإنشاء والإبقاء مشهور عند أهل العلم، فمثلاً صناعة التمثال لا تجوز، لكن وإن وكان القصد منه التعليم، جاز إبقاؤه، ولذا فأن من المشايخ – كالشيخ الألباني رحمه الله تعالى – يرى حرمة الصور الفوتوغرافية، لكنه أجاز إبقاءها لمن كان لديه من هذه الصور، وعلى ذلك جرى الفقهاء، أعني: من التفريق بين الإنشاء والإبقاء، قلت: وعليه فأن التماثيل التي توجد في متاحف المسلمين، ليست أصناماً، بل تحمل معنى تاريخياً وهو مقصود للشارع، لأن الهدف ليس العبادة، ولكن إثبات حضارة أو نحوها، أو الانتفاع بثمنها – وهي جائز بيعها على الراجح، لأن البيع للمعنى التاريخي لا للتمثال – وهذه أمور معتبرة شرعاً، وقد اتفق الفقهاء، على أن من تعدى على ما يباح لدى الطرف الآخر مما فيه خلاف، وكان للشيء المتعدى عليه قيمة مالية، فأن المتعدي يضمن هذه القيمة.

 

وعليه: فأن داعش قد ارتكبت ثلاثة محاذير:

 

الأول: نسبة فعلها قطعاً إلى الشرع.

 

الثاني: التعدي على مال محترم.

 

الثالث: يلزمها ضمان التعويض عن قيمة هذا المال.

 

وأخيراً أقول:

 

إلى الله المشتكى من هذه الفئة الضالة، التي تخرج علينا كل يوم بقضية، فشغلتنا وشغلت الدنيا عن القيام بالواجبات الأساس، ولكن ( وكان أمر الله قدراً مقدراً ).

 

والحمد لله رب العالمين.

 

 

د. سمير مراد

الإثنين 11/5/1436

2/3/2015

شاهد أيضاً

سلسلة في أحكام الإيمان – فضيلة الشيخ الدكتور سمير مراد – المجلس التاسع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.