الرئيسية / المقالات / بغي في الجنة

بغي في الجنة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله ولي التوفيق الرحمن الرحيم، وصلى الله تعالى على المبعوث رحمة للعالمين وبعد:

فيقول  الله تعالى: (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)، ويقول عليه الصلاة والسلام: “إنما أنا رحمة مهداة”.

كنت الجمعة في حديث مع أخ حبيب لي حول معترك الضنك وصعوبة الحياة، يحمل هذا الأمر على مجانبة أصول الأخلاق، فيميل مع التيار الجارف ذات الشمال، في حين أن مكبلين بالضغوط الحياتية، والذنوب القاسية المقسية، لا يحرفهم عن منهج الخلق السوي أمر، لما استقر في نفوسهم وطريقة حياتهم، من أن الثابت لا يتغير.

نتحدث عما يسري في العروق -لأنه فطرة- مما يسعف النفس في الارتقاء للأجود، ذلك الخلق السامي الراقي، الذي إن وُزِّع على المجتمع خلدوا جميعاً للمحبة والرضى والتسامح، وهو خلق ناشيء عن فهم حقيقة رسالة الحياة، المنبثقة من فهم رسالة الإسلام والأنبياء.

في حين ندرك أبعاد هذا الخلق، سيكون حري بنا ممارسته فكراً وواقعاً مشاهداً.

في الصحيحين: “بينما كلب يطيف بركية كاد يقتله العطش، إذ رأته بغي من بغايا بني إسرائيل فنزعت موقها فسقته، فغُفر لها”.

وحين تأمل هذا الحديث نجد:-

  1. أن الإسلام أولى الحقوق رعاية خاصة.

  2. أن الحقوق حال تعارضها ظاهراً، يقدم الأظهر.

ومنازعة الحقوق لا تعني طغيان القوي فيها والمتسلط والمتسلطنين على الضعيف.

  1. ضياع الحقوق سببب لفساد المجتمع، وحفظها حفظ له ورعاية من الله تعالى، ولذا في الصحيح في حديث آخر: “دخلت النار اْمرأة في هرة حبستها، فلا هي أطعمتها ولا تركتها تأكل من خشاش الأرض”.

فبغي بشربة ماء غفر لها ودخلت الجنة، وأخرى بمنع لقمة استحقت عذاب النار.

  1. في الحديث: الحرص على حق الحياة والبقاء، واتخاذ الوسائل لتحقيقه، فالبغي نزعت خفها لتسقي الكلب، فبرحمة من الله تعالى، أدركت البعد الخُلقي والنفسي لمعنى الحياة والبقاء، في حين وجود أدعياء عقل ودين وخُلق يعتدون على أبرياء هم أحوج إلى الحياة والبقاء واتخاذ كل الوسائل لذلك، فيعدمونهم حياتهم إما بسبب لا يلزم منه أكثر من عقاب عادي، وغالبها بلا سبب أبداً، ومن وجه آخر، إذ هناك نوع آخر من القتل:

هو قتل الهوية الشخصية، بطمس معالم الشخص ووجوده الإنساني لأجل مخالفة ما، كمخالفته في الدين، أو الطائفة، أو الحزب والتنظيم، أو الوجهة، أو العرق، أو حتى مجرد الرأي، وكل هذا نابع من الهوى وعدم الإنصاف وعدم نظرة الرحمة، وفات كل هؤلاء أن من مقاصد الدين عمارة الكون الذي ما قلناه من وسائله وأولوياته.

  1. تطبيق خلق الرحمة، سبب لاستجلاب رحمة الله تعالى لنا، لنعيش جميعاً في سلام وأمان.

  2. حين نرى تقرير الإسلام لحق من حقوق الآخرة، -جنة أو نار- بناءً على تقرير وممارسة حق من حقوق الخلق -كلب – هرة- ندرك عظمة هذا الدين المحرم لسفك الدم، وسفح الشخصية، التي هي الأصل في بناء وكينونة المجتمع، مما يدل على أن الإسلام كفل للخلق حق الحياة والعيش الكريم، ودعى إلى المحافظة على كل ما يوفر ويحقق ذلك.

  3. نرى في مجتمعاتنا من صور التناقض الذي هو في نظري -ينبع من خلق ذميم: الغِل أوالحقد أو الكراهية-.

ونرى عدم العدل في الميزان وعدم الاستواء، وما ذلك إلا لما ذكرت من أخلاق ذميمة، ولعدم النضج والحكمة في تقدير الأمور، ولعدم ما ينبني عليها من مصالح ومفاسد في الدارين، فنجد من إذا شاهد أو سمع معصية قد يكون العلماء مختلفين فيها، فتثور ثائرتهم ولا تقعد، خصوصاً إذا تعلقت بالحكم، وخصوصاً إذا تعلقت بالمال، في حين أننا نراهم يصِمُّون عما يرونه من سفك الدماء البريئة هنا وهناك، وما هذا إلا لتغير مفهوم المصطلحات، ومدى تأثير ذلك عليهم، ففي الصورة الأولى يرون الأمر إجراماً لأنه صادر عن حاكم، وفي الأخرى يصفقون له، لأنه في نظرهم جهاد وحق ممارس من أهله، كبرت كلمة.

  1. في حين أن ميزان الله تعالى بشرعه، غير ميزان هؤلاء، إذ لو قلت لأحدهم: هذه بغيٌّ، وهي من ترتزق بالزنا؛ لقامت الدنيا وما قعدت، ولحكموا على أعمالها الصالحة بالرفض وعدم القبول، بل حكموا بذلك على من ليست كذلك ممن هي أو هو أقل بدرجات من ذلك، في حين أن الله تعالى قبل عملها الصالح، بل وغفر لها، ومن غفر الله تعالى له دخل الجنة.

والله تعالى أعلم.

د. سمير مراد

من يوم السبت

24/2/1443-2/10/2021

شاهد أيضاً

عمّان – البيان الختامي والتوصيات خرجت بها الندوة الإقليمية الافتراضية (مكافحة “رفض” التكفير إرادة الأمة) – الجمعة 11/11/2022

الحمد لله تعالى الذي جعل الأمة ميزان حق، من فارقها فقد حاد عن الصواب إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.