الرئيسية / الكتب / النص والاجتهاد

النص والاجتهاد

بسم الله الرحمن الرحيم

 

المقدمة

الحمد لله الذي صور عباده في أحسن صوره ،وجعل لهم هداية تسوقهم إلى ما  ينفعهم في شؤون حياتهم,وغرز فيهم من الفطر,وأرسل أليهم من الرسل ‘ما يأخذ بأيديهم إلى طريق الفلاح والنجاح،فبلغ من بلغ بتوفيق الله تعالى،ونكص من نكص بكده والشيطان والعياذ بالله تعالى .

وكان من الصفوة من سلك مسالك العقلاء النجباء ‘فحاد عن الضلال والزيغ والبدع ,وكان منهم من ناصب المنهل العذب ضربا من التعنت فغارفي الزيغ والبدع حتى هجم على أهل الحق هجمة عدولا يرحم فيها‘ فكان ذلك زيادة في الانحراف .

ولاشك أن الله عز وجل لما كلف عباده‘ جعل لذلك مناطا وقدرة من الهمة والعلم ‘وذلك درجات ‘والعقل ارفع ذلك ‘إذ بدونه لا تكليف، وبضعفه حين يسهو أو ينسى فكذلك‘مع تفاوت إسقاط التكاليف من كونها تترتب عليها الحقوق أو لا.

فصار كثير من المسلمين مع العقل على ثلاث درجات: من مهمل له تماما كأهل التصوف ومن شاكلهم ‘ومنهم من أطلق له العنان كالمعتزلة ومن تبعهم ‘وصارت فرقة الحق إلى الجمع بين النقيضين‘فأخذت بشرع الله مقدمة له على العقل ‘ولم تغفل كذلك جانب العقل حيث كان له ميدان ومجال‘لأنها تعرف:إن النقل الصحيح لا يخالف العقل الصريح ‘وهذا ميزان الله ‘فان الله تعالى لم يمتدح العقل إلا حيث وافق

الفطرة و الشرع ‘لذا عاب على أقوام فقال : {أَفَلَمْ يَسِيرُوا فِي الأرْضِ فَتَكُونَ لَهُمْ قُلُوبٌ يَعْقِلُونَ بِهَا أَوْ آذَانٌ يَسْمَعُونَ بِهَا فَإِنَّهَا لا تَعْمَى الأبْصَارُ وَلَكِنْ تَعْمَى الْقُلُوبُ الَّتِي فِي الصُّدُورِ}وقال : {أَمْ عَلَى قُلُوبٍ أَقْفَالُهَا}وكم لفت القران نظر العقلاء لكي يعقلوا فقال  تعالى { أَفَلا تَعْقِلُونَ } و {لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ }.

ووصف الذين لا يستخدمون ما أودع الله فيهم من عقول بما يوافق الفطرة و الشرع بأنهم {كَالأنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ}وقال{ أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَفَلَا تَعْقِلُونَ }.

فمن خرج بالعقل عن حده‘أوقعه الله تعالى فيما يكره لا فيما يحب‘ والمسألة كبيرة مجالها واسع يمكن ظهوره في مسألة التحسين والتقبيح في أصول الفقه.

هذا وقد اطلعت على أبحاث بين مطولة ومصغرة‘ وبين كونها عنوانا ضمن بحث كبير‘ فكتب فيها بعض من له توجه عقلاني في هذه النواحي وهو د.  محمد عمارة رسالة صغيرة بعنوان(النص الإسلامي )‘ وكان مما كتب في مقدمته سبة على السلفيين أنهم مجسمة ، وهو في هذه ليس أكثر من مجتر للكلام ، إذ هو ليس من أهل هذا الفن-أعني العقائد-وعجباً للدكتور كيف يرضى لنفسه –وهو القائد في ميدانه –أن يكون تابعا لا حول له ولا قوة في ميدان آخر‘فخير له أن يسكت و لا يفضح نفسه‘علما أن من قرأ رسالته غلب على ظنه أنها مأخوذة من بحث من رسالة القياس للدكتور شلبي ، الذي رد عليه ردا موسعا وقويا د.عابد السفياني في بحث ضمن كتابه الثبات والشمول.

وفي الطرف الآخر قام رافضي فكتب في هذا بحثا ضخمه بذكر حوادث تاريخية ليشنع على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم وعلى أهل السنة، زعم فيه أن  الصحابة خالفوا نصوصا قطعية، مع أن الواقع يشهد بكذبه‘وقد ذكرت نموذجا لذلك في بحثي هذا ‘مع العلم أن عليا رضي الله عنه والحسن رضي الله عنه، قد خالفا- على طريقة الرافضة -نصوصا قطعية الثبوت والدلالة، ألا وهي نصوص الولاية التي تركها علي برهة من الزمن، وتنازل عنها الحسن لمعاوية رضي الله عنهم أجمعين، فعلوا هذا-بطريقة الرافضة –بمحض الاجتهاد، فمن الذي يكيل بمكيالين أو يزن بميزانين، ولكنها فارسية القوم وشعوبيتهم رد الله كيدهم في نحورهم .

ولعلي في هذا البحث، قد وضعت اليد على الداء بإذن الله تعالى، ودافعت عن أهل السنة في ميدان من ميادين الجهاد،ضد من ناصب أهل السنة العداء،الذين لو سكتت أقلام السنة عنهم لملأوا الأرض فساداً، فاللهم عفوك وتأييدك، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى أزواجه وآله وأصحابه أجمعين.

كتبه سمير مراد، عمان – الأردن                         10/شوال/1424

13/12/2003

 
تحميل الكتاب

معنى النص لغة واصطلاحا:

أما معناه لغة:فقد قال ابن فارس يرحمه الله تعالى ((النون والصاد أصل صحيح يدل على رفع وارتفاع وانتهاء في الشيء، منه قولهم : نص الحديث إلى فلان ، رفعه إليه، والنص في السير : أرفعه،يقال : نصنصت ، ناقتي :وسير نص ونصيص ،ومنصة العروس :منه أيضا ..)) الخ انظر معجم مقاييس اللغة 5/356 .

ومن كلام ابن منظور يرحمه الله في اللسان :

((ووضع على المنصة: أي غاية الفضيحة والشهرة والظهور. و المنصة: ما تظهر عليه العروس لترى ،…..نصصت المتاع : إذا جعلت بعضه على بعض ‘وكل شيء أظهرته فقد نصصته.

قال:والنص والتنصيص:السير الشديد والحث،…

وأصل النص :أقصى الشيء وغايته،…. الخ انظر اللسان 7/97 وقد أجمل الفيروز يرحمه الله المعاني فيما ملخصه:

رفع الشيء،وتحريكه،وأظهره‘والإسناد إلى الرئيس الأكبر .

انظر القاموس ص816.

قلت:ظهر لنا مما كتبناه أن أصل معنى النص أنه:الشيء الظاهر البارز المرتفع الغاية والمنتهى.

وأما معناه في الاصطلاح فهو:

قال الجو يني يرحمه الله تعالى ))اختلفت عبارات الأصحاب في حقيقته‘فقال بعضهم: هو لفظ مفيد لا يتطرق إليه تأويل، وقال بعض المتأخرين:هو لفظ مفيد استوى ظاهره وباطنه))1.من البرهان 1/413فقرة 314.

وقال القرافي يرحمه الله تعالى: ))والنص فيه ثلاثة اصطلاحات ، قيل: ما دل على معنى قطعا ولا يحتمل غيره قطعا كأسماء الأعداد،وقيل:ما دل على معنى قطعا و إن احتمل معنى غيره كصيغ الجموع في العموم ، فإنها تدل على أقل الجميع قطعا وتحتمل الاستغراق، وقيل :ما دل على معنى كيف ما كان، وهو غالب استعمال الفقهاء ….الخ)) من شرح تنقيح الفصول ص 36.

((قال الشيخ عبد الله بن بيه:قال سيدي عبد لله بن الحاج إبراهيم في نشر البنود في حد النص:هو اللفظ الدال في محل النطق…))وذكر الشيخ ابن بيه بحثا يراجع انظر أمالي الدلالات ص 89 ملخصه:أن النص يراد به أربعة معان:

1- ما دل على المعنى في محل النطق دون احتمال غيره

2- يطلق على هذا وعلى ما احتمل غيره احتمالا مرجوحا وهو الظاهر.

3- يطلق على أي معنى كان، وهو غالب استعمال الفقهاء‘كقولهم :وهو نص مالك ‘أو نص عليه الشافعي يرحمهما الله .

4- يطلق على الأدلة من الوحيين والقياس والإجماع.

ا.ه بتصريف وزيادة من أمالي الدلالات ص 89-90.

قلت:ومن أهل العلم من فرق بين النص والظاهر ومنهم من لم يفرق ‘انظر أمالي الدلالات ص93 وبعدها.

قلت:وقال ابن تيمية يرحمه الله تعالى))ولفظ النص يراد به تارة لفظ الكتاب والسنة ‘سواء كان اللفظ دلالته قطعية أو ظاهرة‘وهذا هو المراد من قول القائل :النصوص تتناول أحكام أفعال المكلفين ‘ويراد بالنص ما دلالته قطعية لا تحتمل النقيض كقوله (تلك عشرة كاملة )و(الله الذي أنزل الكتاب بالحق والميزان)فالكتاب:هو النص‘ والميزان:هو العدل))ا.ه .مجموع الفتاوى 19-288 قلت:والمعاني التي نحتاج إليها لدوران بحثنا عليها هما الأول: ما دلالته قطعية غير محتملة‘والثاني:ما دلالته ظنية محتملة.

لأن موضوع البحث في الأصل والغالب موضوع دلالات‘لا موضوع أدلة‘ وعليه قول البزدوي يرحمه الله تعالى ((وأما النص فما ازداد وضوحا على الظاهر بمعنى من المتكلم، لا في نفس الصيغة ‘مأخوذ من قولهم :نصصت الدابة إذا استخرجت بتكلفك منها سيراً فوق سيرها المعتاد وسمي مجلس العروس منصة، لأنه ازداد ظهورا على سائر المجالس بفضل تكلف اتصل به‘ ومثاله قوله تعالى : {فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ مَثْنَى وَثُلاثَ وَرُبَاعَ} فان هذا ظاهر في الإطلاق‘ نص في بيان العدد لأنه سيق الكلام للعدد وقصد به فازداد ظهورا على الأول بأن قصد به وسيق له))ا.ه.  من كشف الأسرار1-73-74.

أما الاجتهاد فهو لغة:من الجهد‘بفتح الجيم وضمها: الطاقة‘وقيل:بالفتح:المشقة‘وبالضم :الطاقة،وقيل: هما لغتان في الوسع والطاقة‘فأما في المشقة والغاية فالفتح لا غير والاجتهاد والتجاهد:بذل الوسع والمجهود .ا.ه .انظر اللسان 3/133و135.

وعن معجم مقاييس اللغة: ))الجيم والهاء ولدال أصله المشقة ‘ثم يحمل عليه ما يقاربه‘يقال:جهدت نفسي وأجهدت‘والجهد:الطاقة‘قال الله تعالى:{ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ}ويقال:إن المجهود اللبن الذي أخرج زبده. ولا يكاد ذلك يكون إلا بمشقة ونصب‘ قال الشماخ: تفح وقد ضمنت ضراتها غرقا- من طيب الطعم حلو غير مجهود     ا.ه.1/486

وأما في الاصطلاح فهو:((استفراغ الوسع في النظر فيما لا يلحقه فيه لوم‘ مع استفراغ الوسع فيه )) من المحصول 6/6.

وقال الزركشي يرحمه الله تعالى))وهو لغة:افتعال من الجهد وهو المشقة‘وهو الطاقة‘ويلزم من ذلك أن يختص هذا الاسم بما فيه مشقة‘لتخرج عنه الأمور الضرورية التي تدرك ضرورة من الشرع ‘إذ لا مشقة في تحصيلها ولا شك أن ذلك من الأحكام الشرعية . وفي الاصطلاح:بذل الوسع في نيل حكم عملي بطريق الاستنباط)) ا.ه.من البحر المحبط 1/197

قلت دلالة النصوص إما قطعية‘وإما ظنية كما سبق بيانه‘وما كان قطعي الدلالة‘فهذا لا يمكن معه اجتهاد مطلقا في ذاته بخلاف ما إذا عرض عارض أوجب التعارض بينه وبين نص أخر‘أو مع مقصد من مقاصد التشريع‘كما في قصة عمر رضي الله عنه في منع المؤلفة قلوبهم من سهمهم ‘ ومثل قوله تعالى {تِلْكَ عَشَرَةٌ كَامِلَةٌ} ومثل قوله تعالى {فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً}ومثل قوله  تعالى:{ وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا}نص في نفي التماثل بين البيع والربا.

وأما الدلالة الظنية‘أو الظاهر لاحتماله معنيين هو في أحدهما أرجح من الأخر‘فهذا يجوز الاجتهاد معه-أعني فيه-مثل قوله تعالى  :(والمطلقات يتربصن بأنفسهن ثلاثة قروء)عند من رأى أن القرء من الظاهر‘ فأهل العلم قد اجتهدوا في هذا الدليل‘ ذلك أن لفظه محتمل أحد معنيين‘لا مزية لأحدهما على الآخر إلا بمرجح من خارج النص‘أو منه إن أمكن ووجد‘فمن قائل هو الطهر‘ومن قائل هو الحيض‘لأن هذه اللفظة‘من الأضداد.

ومثل قوله تعالى:{ وامسحوا بِرُؤُوسِكُمْ}فالفظ هنا: يحتمل كله ويحتمل بعضه‘للاختلاف في حكم الباء الداخلة على اللفظ‘فقال قوم بوجوب مسح كل الرأس‘ وبعضهم ببعضه‘ ومثل حديث رسول الله صلى عليه وسلم لما قال((لا يصلين العصر أحدكم إلا في بني قريظة)) فهذا لفظ محتمل ‘ففهم بعض الصحابة التعجيل‘ وبعضهم التأخير.

قلت:وهذا كله دليل على أن النصوص منها ما يمكن  الاجتهاد معه أو فيه، كما مثلنا ،ومنها ما لا يمكن كما سبق أيضا، وعلى هذا يحمل كلام أهل العلم:*لا اجتهاد مع النص*

ومعنى العبارة:أن النص لا يجوز أن يقابل حكمه الذي يتضمنه‘بحكم عالم مهما كان‘ما لم يكن العالم يجهل هذا النص‘كما حصل مع أبي بكر رضي الله عنه وقد سئل عن ميراث الجدة ‘فلم يفرض لها شيئا‘ حتى أخبر بأن لها السدس فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم .

**فرع مهم:حكم الاجتهاد في إعمال النصوص وتقديم بعضها على بعض:

بحث بعض أهل العلم من المعاصرين‘ مسألة مهمة اضطربت فيها أقوالهم ‘وحملوا الصحابة مأثمة فهمهم هم‘ذلك أنه ثبت عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم اجتهادات في مقابل بعض النصوص‘فظن هؤلاء القوم‘غير الواقع فظن البعض أن اجتهاد الصحابة مطلق‘يصح أن يكون في مقابلة النص‘أعني:جوزوا اجتهاد العالم في مقابل النص من غير أن يكون معه دليل آخر من الشرع يقدمه على هذا الدليل‘وقال آخرون-وهم الروافض-إن الصحابة تجرءوا فخالفوا نصوصا مقطوعا بها‘ونحن-إن شاء الله تعالى-سنأتي على بعض أمثلة الفريقين:من العلمانيين (المتوسعين)‘ والرافضة فنفندها ونردها عليهم‘وحتى يتضح هذا الأمر‘ويكون الرد والتفنيد صحيحا وواضحا لا بد من هذا التوضيح فأقول:

أولا: الصحابة عدول ثقات‘لا يتجرءون على مقارعة النص باجتهاد أو رد‘حاشاهم وأضرب على هذا تمثيلا له:

* ما ثبت عن أبي موسى الأشعري رضي الله عنه‘أنه طرق باب  عمر ثلاثا فلم يفتح له‘فقفل راجعا‘ثم خرج عمر فناداه وسأله عن سبب فعلته هذه‘فقال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول:إذا استأذن أحدكم ثلاثا فلم يؤذن له فليرجع فقال له عمر:البينة ‘فشهد له غيره من الصحابة كابن مسلمة رضي الله عنهم جميعا فقال عمر رضي الله عنه:أما إني ما كذبتك‘ولكن خشيت أن يتقول على رسوا الله صلى الله عليه وسلم.

*ما مضى ذكره من قصة أبي بكر رضي الله عنه.

ثانيا :الصحابة يجلون ويعظمون رسول الله صلى الله عليه وسلم فلا يتجرءون على رد أو اجتهاد مع نصوصه عليه الصلاة والسلام‘ولذلك نزل فيهم {مُحَمَّدٌ رَسُولُ اللَّهِ وَالَّذِينَ مَعَهُ…}الخ الآية.

ثالثا:وهو محل الشاهد:أنه يجب التفريق بين أمرين اثنين:

بين الاجتهاد المحض في مقابل النصوص‘وبين الاجتهاد في إعمال النصوص‘ وأيها يقدم على الآخر في بعض  الظروف لاعتبار شرعي‘وهذا فرق جوهري‘فلا هو توسع في الاجتهاد‘ ولا هو تجرؤ على مخالفة النصوص من أتقى وأنقى الناس بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم .

صورته إجمالا:أن نصا ما يدل على إباحة أمر معين‘كوضع أصلي للحكم الشرعي‘بيد أن ظرفا ما طرأ جعل نصا أو نصوصا أخرى ليس هذا محلها لولا الظرف الذي تمر به الأحكام الشرعية الآن مثلا  جعلنا نقدم هذا النص على الذي يجب العمل به مطلقا‘ وذلك من باب رعاية المصالح‘ولست أقول أن المصلحة المرعية هي مصلحة مرسلة فحسب ‘بل هي معتبرة شرعا‘إما بعموم النصوص‘أو الإجماع من الصحابة رضي الله عنهم.

ولو كان الإجماع متأخرا شيئا ما‘إذ لا حرج في ذلك‘وإما لمقصد شرعي أولى.

وهذا يقودنا إلى الحديث عن المصالح والمفاسد‘ حيث إنها أصل عظيم من أصول الشرع‘بل مآل التكاليف كلها إليهما. بل لو قيل-كما قال العز ابن عبد السلام في قواعده- لو قيل إن الإسلام بتكاليفه جاء لتحصيل المصالح لما كان ذلك بعيدا‘لأن الضرر لا يقصد منه إلا جلب المصلحة بدفعه.

والمصالح ليست درجة ‘واحدة‘بل ثلاث درجات‘ فمنها المعتبرة‘ومنها الملغاة‘ومنها المرسلة.

قال العز بن عبد السلام رحمه الله تعالى ))ويعبر عن المصالح والمفاسد بالخير والشر‘والنفع والضر‘والحسنات والسيئات‘لأن المصالح كلها خيور نافعات حسنات‘والمفاسد بأسرها شرور مضرات سيئات‘ وقد غلب في القرآن استعمال الحسنات في المصالح‘والسيئات في المفاسد)) أ.ه من قواعد الأحكام ص 6.

وحديثنا سيتركز –ولو باختصار-على الأولى والثالثة‘فأقول والله جل وعلا المستعان:

قال الشيخ عبد الكريم النملة يحفظه الله :تعالى ))المصالح المعتبرة‘هي التي اعتبرها الشارع وشهد لها بذلك‘وقام دليل منه على رعايتها‘فهذه المصالح حجة‘لا إشكال في صحتها‘ولا خلاف في إعمالها‘ويرجع حاصلها إلى القياس‘حيث إن الشارع إذا نص على حكم في واقعة‘ودل على المصلحة التي قصدها بهذا الحكم‘وأرشد بمسلك من المسالك إلى العلة الظاهرة التي ربط بها حكمه-لما في هذا الربط من تحقيق المصلحة –فإن كل واقعة غير الواقعة التي نص عليها تتحقق فيها هذا العلة‘ويحكم فيها بحكم الشارع في واقعة النص‘ وهذا حكم النص‘مثاله من الكتاب:قوله تعالى:{ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ}فالفظ هنا يدل على أن المسلم منهي عن البيع بعد النداء الثاني من يوم الجمعة‘ والعلة لهذا النهي هي:أن البيع في هذا الوقت مشغل عن ذكر الله وعن الصلاة‘فيقاس

على ذلك كل ما يشغل عن ذكر الله والصلاة …..‘والمصلحة المقصود بهذا القياس تسمى: المصلحة المعتبرة من الشارع.

مثاله من السنة:قوله عليه الصلاة والسلام ((القاتل لا يرث)) فإن اللفظ هنا دل على أن الذي قتل مورثه يحرم  من حقه من الميراث‘والعلة هنا هي انه استعجل أمرا قبل أوانه.

فيقاس عليه الموصى له الذي قتل الموصي‘فأنه يحرم من استحقاقه من الوصية ،لأنه استعجل أمرا قبل أوانه، فيعاقب بحرمانه،فهنا الجامع واحد‘فصار الموصى له الذي قتل الموصي كالوارث الذي قتل مورثه من غير فرق.

والمصلحة المقصودة بهذا القياس تسمى:

المصلحة المعتبرة من الشارع.

مثاله من الإجماع:أن العلماء قد أجمعوا على أن القاضي يمنع من القضاء وهو:غضبان‘والعلة في ذلك اشتغال قلبه عن الفكر والنظر في الدليل والحكم ‘وتغير طبعه عن السكون والتلبث للاجتهاد.

فيقاس على ذلك:كل ما يشغله عن النظر في الدليل والحكم ‘وكل ما يغير طبعه‘فإن من شأنه أنه يمنع من القضاء.

والمصلحة المقصودة بهذا القياس تسمى:المصلحة المعتبرة شرعا))ا.ه . من ((إتحاف ذوي البصائر بشرح روضة الناظر))3/1374.

وأما المصالح المرسلة ‘ فهي التي لم يقم دليل على اعتبارها ولا إلغائها ‘ولذا سميت مرسلة ‘وهي من الأدلة المختلف فيها بين أهل العلم‘والجمهور على قبولها‘والمسألة راجعة إلى:هل الأحكام معللة أم لا‘وهل هي تشتمل على أوصاف ثبت لأجلها الحكم أم لا‘والصحيح أنها معللة مشتملة على أوصاف‘تدل على ثبوت الحكم.

شروط العمل بها:

والمصلحة المرسلة وإن قيل بالعمل بها ‘إلا أن لها ضوابط لابد من توفرها ليصح العمل بها،نجملها فيما يلي:

1-أن تكون ملائمة لمقاصد الشريعة’بحيث تكون مصلحة حقيقية يحصل ببناء الحكم عليها جلب نفع أو دفع مفسدة ‘كلاهما مقصود للشارع.

2-أن تكون مصلحة عامة ‘يحصل النفع بها لأكثر الناس‘سواء كان بجلب مصلحة أو بدفع مفسد.

3-ألا تعارض نصا من كتاب أو سنة أو إجماع.

4-أن لا يكون العمل بها في الأمور التعبدية‘بل فيما يعقل معناه. ينظر للتوسع ((مقاصد الشريعة)) د.محمد اليوبي ص 528.

**مقاصد التشريع وارتباطها بالفتوى:

المقصد لغة:استقامة الطريق اللسان3/343‘وذكر من معناها أيضا:العدل،ولاتجاه وغيره‘

والشريعة لغة:الدين والملة ،المنهاج‘ والطريقة‘ والسنة) ا-ه  من ((مقاصد الشريعة)) لليوبي ص29.

وفي الاصطلاح يقول شيخ الإسلام يرحمه الله تعالى))اسم الشريعة والشرع والشرعة‘ فإنه ينتظم كل ما شرعه الله من العقائد والأعمال)) وقال))الشريعة هي:طاعة الله ورسوله وأولي الأمر منا ))من اليوبي ص 30.

وأما مقاصد الشريعة كلقب فقال اليوبي مختارا ((المقاصد:هي المعاني والحكم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عموما وخصوصا‘من أجل تحقيق مصالح العباد))-ا-ه  من ((مقاصد الشريعة))ص 37.

ومقاصد التشريع ثلاثة أقسام:

ضروريات‘حاجيات‘تحسينيات ‘ولكل وظيفته في الحياة‘وهي على درجات‘إذا تعارض شيء منها‘ قدم الأعلى‘فإذا تعارض الضروري والحاجي‘قدم الضروري‘وإذا تعارض الحاجي والتحسيني قدم الحاجي.

وكتعريف محمل لكل واحد منها نقول:

أما الضروري:((فهي المصالح التي تتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة وهي:حفظ الدين‘والنفس ‘والعقل‘والمال‘والنسب ))اليوبي ص 182.

أما الحاجيات:فهي ما كان مفتقرا إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب‘فإذا لم تراع دخل على المكلفين-على الجملة-الحرج والمشقة‘ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة))اليوبي ص 318.

وأما التحسينيات:

((فهي ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة‘ولكن يقع موقع التحسين والتزيين‘والتيسير للمزايا والمزائد ورعاية أحسن المناهج ))اليوبي ص 329 .قلت ومن الحاجيات والتحسينيات ما شرع على خلاف الأصل رفقا بالناس ورحمة بهم‘كعقد السلم من الحاجيات‘ وكالمكاتبة من التحسينات.

مما سبق أن ذكرته‘ومما نقلته  قبل قليل ‘يتبين لنا أن النصوص الشرعية أصول الدين ‘وأن المقاصد مبنية عليها‘لا فراق بينهما ‘وما بني على صحيح فهو صحيح‘غير مرفوض ‘وأن اعتبر الفقيه ما بين يديه من نصوص ومقاصد تشريع‘استطاع أن يقيم الحكم بدون تلكؤ أو تضجر‘منساقا سليما لا مخالفة فيه ولا موارية‘ ذلك أن المقاصد بجملتها لا تخالف النصوص أبدا ‘ولكن تحتاج إلى رسوخ دين وعلم‘ يستطيع الفقيه به أن يقيم حكم الله تعالى مع رعاية المصلحة التي يريدها الله عز وجل منا‘إما بجلب لها‘أو بدفع ضرر‘وبهذا نستطيع أن نضبط المسائل التي وردت عن الصحابة رضوان الله عليهم وهي تخالف بعض النصوص‘فنرى:هل هي مصلحة منصوص عليها معتبرة‘فتكون المعارضة بين نص ونص في محل مخصوص معتر شرعا‘أم هي  مقصد أسمى في مقابل مقصد أقل مرتبة فيكون من باب((دفع المفسدة الكبرى بالصغرى))أم هي من المصالح غير المعتبرة أو الملغاة‘إذا عرفنا هذا‘هان وسهل علينا توجيه اجتهاد الصحابة من غير توسع العلمانيين‘ومن غير طعن الرافضة‘وأما إن كانت المصلحة غير معتبرة فإن الصحابة يردونها وان قال بها بعضهم ‘مثل مسألة مقاتلة مانعي الزكاة ‘كيف قال عمر بعدم قتالهم لمصلحة ظنها راجحة وهي مرجوحة‘فرد ذلك أبو بكر.انظر لهذا((الثبات والشمول))للسفياني ص 476.

مسألة أخرى:

الأحكام التي شرعها الله تعالى قسمان:

أحكام تعبدية محضة كالصلوات‘والحج ‘والزكاة‘ والصوم من حيث أوصافها وكيفيتها ‘وكذلك عدد الطلقات‘وغيرها‘فهذا لا يدخلها اجتهاد أبدا‘ذلك أن فيها نصوصا قطعية-أعني ما هو قطعي منها-.

وأحكام تعبدية-كما سبق-معقولة النص‘مرتبطة بعلة هي السبب في ثبوت حكمها‘فهذه يمكن إثبات أحكام مثلها إذا توفرت الشروط السامحة لإثبات الحكم كما هو معلوم في الأصول في باب القياس‘والأحكام الأصلية هذه لا تتغير كذلك إلا إذا عارضها ما هو أقوى منها من مقاصد التشريع الإسلامي كما سيأتي في ضرب الأمثلة.

ومن هذه الأحكام المعقولة النص‘ما يسمى بالعقود فهذه فيها أمران:

الأول:أن أصل العقد ثابت بالشرع لا يمكن تغيره أبدا‘فركنها مثلا-جملة-الإيجاب والقبول‘فلا يمكن أن يقال:إن المصلحة تقتضي إلغاء أحد الركنين أو كليهما.

الثاني:ما يعرف بصورة العقد وكيف يتم‘فالإيجاب والقبول ركن‘ولكن كيف يكون الإيجاب والقبول .

أقول :ولا ينتقض هذا ببيع المعطاة لأنهم أقاموا الحال مقام المقال.

هذا الذي يمكن تغيره‘وهو ما يعرف بالعرف ،فالعرف معرف لصورة العقد كاشف لها‘ولذلك فهو يتغير بتغير الزمن والأعراف‘فقد يكون الإيجاب والقبول دهرا  من الزمن بالكلام‘ ثم يتحول إلى الإشارة فتنتفي الصورة الأولى‘وتثبت مكانها الصورة الثانية.

فمحصل الكلام:

1-الأحكام التعبدية المحضة لا تتغير أبدا إلا عند عدم القدرة‘فالركوع هو الركوع‘لا يتحول إلى الإيماء إلا بعدم القدرة‘وهكذا:

2-الأحكام التعبدية معقولة المعنى لا تتغير في الأصل فالخمر خمر‘ولكن ما حمل عليها لا يثبت حكمه إلا إذا ثبتت علته ووجدت فيه‘أو ناقضها مقصد أعلى منها كترك القطع في المجاعة.

3-وأما العقود:فأصولها ثابتة لا تتغير‘ولكن صورها تتغير بتغير الأعراف‘فالمهر كان يدفع كاملا مقدما‘ثم صار عرفا يدفع شطرين‘فيكون العمل على الثاني غير مخالف للشرع لأن العادة محكمة في مثل هذه الصور‘والله أعلم.

سد الذرائع وتغير الفتوى:

سد الذريعة:هي المنع مما هو مباح لكنه قد يكون وسيلة تفضي إلى محرم‘سواء كان ذلك بقصد أم بدون قصد‘وعمل الأئمة على هذا من بين متوسع في إثباته كأصل أو مضيق‘ومنه ما هو متفق على منعه كحفر الآبار في طرقات الناس‘وما هو متفق على جوازه كزراعة العنب وإن وجد من يعصره خمرا‘وأما ما وراء ذلك فهو مختلف فيه كبيوع الآجال.

ويمكن الإشارة إلى ذلك بما جاء عند عائشة رضي الله عنها‘حين رأت منع النساء من الخروج إلى المساجد‘في حين أذن النبي صلى الله عليه وسلم بذلك لهن‘مما رأت من فساد أحلاق الناس‘ فبالنظر لمنع عائشة رضي الله عنها‘نجدها تمنع الأمر معتبر شرعا‘وهو حفظ عورات المسلمين‘ فالأمر المباح‘ وهو الخروج إلى المسجد أصبح وسيلة إلى مفسدة‘ وهي عدم حفظ العورات‘والوسائل لها حكم المقاصد‘فمنعت المباح لذلك وعلى هذا قياس الفقهاء في مثل هذه الحادثة.

علاقة سد الذرائع بمقاصد الشريعة:

((إن من أكثر الأدلة التصاقا وارتباطا بالمقاصد سد الذرائع ‘وبيان ذلك من وجوه:

1-أن سد الذرائع في نسفه مقصد من مقاصد الشريعة الإسلامية‘قد دلت النصوص الكثيرة على اعتباره ومراعاته‘من ذلك قولة تعالى: {وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ}قال ابن القيم))وهذا كالتصريح على

المنع من الجائر لئلا يكون سببا في فعل ما لا يجوز)).

2-أن في سد الذرائع حماية لمقاصد الشريعة‘وتوثيقا للأصل العام الذي كانت عليه الشريعة من جلب المصالح ودرء المفاسد‘ولله در القيم إذ يقول:

((فإذا حرم الرب تعالى شيئا وله طرق ووسائل تفضي إليه‘فإنه يحرمها ويمنع منها‘تحقيقا لتحريمه وتثبيتا له‘ومنعا من أن يقرب حماه‘ولو أباح الوسائل والذرائع المفضية إليه لكان ذلك نقضا للتحريم وإغراء للنفوس به‘وحكمته تعالى وعلمه يأبى ذلك كل الإباء‘بل سياسة ملوك الدنيا تأبى ذلك‘فإن أهدهم إذا منع جنده أو رعيته أو أهل بيته من شيء‘ثم أباح لهم الطرق والأسباب والذرائع الموصلة إليه يعد متناقضا‘ولحصل مع رعيته وجنده ضد مقصودة.

وكذلك الأطباء إذا أرادوا حسما الداء منعوا صاحبه من الطرق والذرائع الموصلة إليه‘وإلا فسد عليهم ما يرومون إصلاحه.

فما الظن بهذه الشريعة الكاملة التي هي في أعلى درجات الحكمة والمصلحة والكمال‘ومن تأمل مصادرها ومواردها علم أن الله تعالى ورسوله سد الذرائع المفضية إلى المحارم بأن حرمها ونهى عنها….)).

3-أن سد الذرائع يرجع إلى المال‘واعتبار مآل الأفعال من المقاصد المهمة في الشريعة.

ومما يدل على اعتبار المآل قوله تعالى:{ يَاأَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ وَالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}وقوله عليه الصلاة والسلام لما أشير عليه بقتل من ظهر نفاقه من المنافقين((أخاف أن يتحدث الناس أن محمدا يفتل أصحابه…)) وبيان ارتباط سد الذرائع بهذا المقصد أن المجتهد ينظر إلى الأفعال‘وما تنتهي في جملتها إليه‘فإن كانت تنمو نمو المصالح التي هي المقاصد والغايات‘كانت مطلوبة بمقدار يناسب طلب هذه المقاصد وإن كانت مآلاتها تنمو نمو المفاسد‘فإنها تكون  محرمة‘بما يتناسب مع تحريم هذه المقاصد‘ وهذا الأخير هو سد الذرائع‘فالمجتهد لا يستطيع أن يسد الذريعة حتى يعرف مآلها وثمرتها‘فحينئذ يحكم عليها بما يناسبها.))أ.ه. من مقاصد الشريعة لليوبي ص 577-582 باختصار.

بعد هذا التقديم الضروري والمهم لمثل هذا المبحث‘ ليضع مبتغي الحق يده على عين الحقيقة من غير التواء‘ومن غير غلو ولا تقصير‘آن لنا الشروع في ضرب الأمثلة وبيان حقيقتها إن شاء الله تعالى‘وأبدأ بضرب أمثلة الرافضي لخبثها وشد ضررها‘ثم أثني بأمثلة شلبي وعمارة‘سائلا ربي عز وجل العلم والفهم والهدى والسداد فأقول وبالله تعالى التوفيق:

قال الرافضي ))المورد -7-توريث الأنبياء:

المنصوص عليه بعموم قوله عز من قائل{ لِلرِّجَالِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوَالِدَانِ وَالأَقْرَبُونَ وَلِلنِّسَاءِ نَصِيبٌ مِمَّا تَرَكَ الْوِلْدَانِ وَالأَقْرَبُونَ مِمَّا قَلَّ مِنْهُ أَوْ كَثُرَ نَصِيبًا مَفْرُوضًا}..الخ كلامه في ذكر الآيات إلى أن قال))احتجت الزهراء والأئمة من بنيها بهذه الآية ، على أن الأنبياء يورثون المال – قلت: يقصد قوله تعالى {يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}قال الرافضي: وإن الإرث المذكور فيها إنما هو المال لا العلم ولا النبوة)).ا.ه.ص55و57.

قلت:قال شيخ الإسلام رحمه الله:

((ليس في عموم لفظ الآية [ما يقتضي] أن النبي صلى الله عليه وسلم يورث‘فإن الله تعالى قال: {يُوصِيكُمُ اللّهُ فِي أَوْلاَدِكُمْ لِلذَّكَرِ مِثْلُ حَظِّ الأُنثَيَيْنِ فَإِن كُنَّ نِسَاء فَوْقَ اثْنَتَيْنِ فَلَهُنَّ ثُلُثَا مَا تَرَكَ وَإِن كَانَتْ وَاحِدَةً فَلَهَا النِّصْفُ وَلأَبَوَيْهِ لِكُلِّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا السُّدُسُ مِمَّا تَرَكَ إِن كَانَ لَهُ وَلَدٌ فَإِن لَّمْ يَكُن لَّهُ وَلَدٌ وَوَرِثَهُ أَبَوَاهُ فَلأُمِّهِ الثُّلُثُ فَإِن كَانَ لَهُ إِخْوَةٌ فَلأُمِّهِ السُّدُسُ}سورة النساء(11)وفي الآية الأخرى {وَلَكُمْ نِصْفُ مَا تَرَكَ أَزْوَاجُكُمْ إِن لَّمْ يَكُن لَّهُنَّ وَلَدٌ فَإِن كَانَ لَهُنَّ وَلَدٌ فَلَكُمُ الرُّبُعُ مِمَّا تَرَكْنَ}إلى قوله {مِن بَعْدِ وَصِيَّةٍ يُوصَى بِهَا أَوْ دَيْنٍ غَيْرَ مُضَآرٍّ}النساء(21)وهذا خطاب شامل للمقصودين بالخطاب وليس فيه ما يوجب أن النبي صلى الله عليه وسلم مخاطبا بها))ا.ه.من منهاج السنة4/199.

وقال الشيخ الشنقيطي رحمه الله تعالى:

((قوله تعالى:{ وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}ومعلوم أن آل يعقوب انقرضوا من زمان‘فلا يورث عنهم إلا العلم والنبوة والذين:

والأمر الثاني-ما جاء من الأدلة على أن الأنبياء صلوات الله عليهم لا يورث عنهم المال‘وإنما يورث عنهم العلم والدين‘فمن ذلك ما أخرجه الشيخان في صحيحيهما عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه‘ عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال))لا نورث.ما تركنا وصدقة)) ومن ذلك أيضا ما رواه الشيخان أيضا عن عمر رضي الله عنه أنه قال لعثمان‘وعبد الرحمن بن عوف‘والزبير وسعد وعلي وعباس رضي الله عنهم أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض‘أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:((لا نورث ما تركنا صدقة))قالوا:نعم‘ ومن ذلك ما أخرجه الشيخان أيضا عن عائشة رضي الله عنها أن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم حين توفي أردن أن يبعثن عثمان إلى أبي بكر يسألن ميراثهن.فقالت عائشة:أليس قال النبي صلى الله عليه وسلم ))ما تركنا صدقة))ومن ذلك ما رواه الشيخان أيضا عن أبي هريرة قال:قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((لا تقسم  ورثتي دينارا‘ما تركت نفقة نسائي ومئونة عاملي فهو صدقة))وفي لفظ عند أحمد((لا تقتسم ورثتي دينارا ولا درهما)) ومن ذلك أيضا ما رواه الأمام أحمد والترمذي وصححه عن أبي هريرة:أن فاطمة رضي الله عنها قالت لأبي بكر رضي الله عنه‘من يرثك إذا مت؟ قال:ولدي وأهلي:سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول))إن النبي لا يورث))ولكن أعول من كان رسول الله صلى الله عليه مسلم يعوله‘

وأنفق على من كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ينفق.

فهذه الأحاديث وأمثالها ظاهرة في أن الأنبياء لا يورث عنهم المال بل العلم والدين فإن قيل:هذا مختص به صلى الله عليه وسلم لأنه قوله ((لا يورث)) يعني به نفسه:كما قال عمر رضي الله عنه في الحديث الصحيح المشار إليه عنه آنفا.أنشدكم الله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض‘هل تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال)لا نورث ما تركنا صدقة) يريد رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال الرهط:قد كان ذلك الحديث ففي هذا الحديث الصحيح أن عمر قال:إن مراد النبي صلى الله عليه وسلم ‘صدقة الجماعة المذكورين في ذلك‘وهذا دليل بقوله لا نورث عنه.

على المخصوص فلا مانع إذن مع كون الموروث عن زكريا في الآية التي نحن بصددها هو المال ؟ فالجواب من أوجه:

الأول:أن الظاهر من صيغة الجمع شمول جميع الأنبياء‘فلا يجوز العدول عن هذا الظاهر إلا بدليل من كتاب أو سنة وقول عمر لا يصح تخصيص نص بنص من السنة به‘لأن النصوص لا يصح تخصيصها بأقوال الصحابة على التحقيق كما هو مقرر في الأصول.

الثاني:أن قول عمر((يريد صلى الله عليه وسلم نفسه))لا ينافي شمول الحكم لغيره من الأنبياء لاحتمال أن يكون قصده يريد أنه هو صلى الله عليه وسلم يعني نفسه فإنه لا يورث‘ولم يقل عمر أن اللفظ لم يشمل غيره وكونه يعني نفسه لا ينافي أن غيره من الأنبياء لا يورث أيضا.

الثالث:ما جاء من الأحاديث صريحا في عموم عدم لإرث المال في جميع الأنبياء‘وسنذكر طرفا من ذلك هنا إن شاء الله تعالى.

قال ابن حجر في الباري ما نصه:وأما ما اشتهر في كتب أهل الأصول وغيرهم بلفظ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث))فقد أنكره من الأئمة.وهو كذلك بالنسبة لخصوص لفظ((نحن))لكن أخرجه النسائي من طريق ابن عيينة عن أبي الزناد بلفظ((إنا معاشر الأنبياء لا نورث….))الحديث وأخرجه عن محمد بن منصور عن ابن عيينة عنه‘وهو كذلك في مسند ألحميدي عن ابن عيينة‘وهو من أتقن أصحاب ابن عيينة فيه‘وأورده الهيثم بن كليب في مسنده من حديث أبن بكر الصديق باللفظ المذكور.وأخرجه الطبراني في الأوسط بنحو اللفظ المذكور‘وأخرجه الدارقطني في العلل من رواية أم هانيء عن فاطمة رضي الله عنها‘عن أبي بكر الصديق بلفظ ((إن الأنبياء لا يورثون ))انتهى محل الغرض من كلام ابن حجر. وقد رأيت فيه هذه الطرق التي فيها التصريح بعموم الأنبياء‘وقد قال ابن حجر :إن إنكار الحديث المذكور غير مسلم ألا بالنسبة لخصوص لفظ ((نحن))هذه الروايات التي أشار لها يشد بعضها‘وقد تقرر في الأصول أن البيان يصح بكل ما يزيل الإشكال ولو قرينة أو غيرها كما قدمناه موضحا في ترجمة هذا الكتاب المبارك‘وعليه-فهذه الأحاديث التي ذكرنا تبين أن المقصود من قوله في الحديث المتفق عليه ((لا نورث))أنه يعني نفسه‘كما قال عمر وجميع الأنبياء كما دلت عليه الروايات المذكورة.والبيان إرشاد ودلالة يصح بكل شيء يزيل اللبس عن النص من نص أو فعل أو قرينة أو غير ذلك.

قال في مراقي السعود في تعريف البيان وما به البيان:

 

تصيير مشكل من الجلى                  وهو واجب على النبي

 

إذا أريد فهمه وهو بما                     من الدليل مطلقا يجلو العما.

 

وبهذا الذي قررنا تعلم:أن قولة تعالى هنا{يَرِثُنِي وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ }يعني وراثة العلم والذين لا المال‘وكذلك قوله تعالى{وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ} النمل(16)فتلك الوراثة أيضا وراثة علم ودين. لاوالوراثة قد تطلق في الكتاب السنة على وراثة العلم والذين كقوله تعالى{ثُمَّ أَوْرَثْنَا الْكِتَابَ الَّذِينَ اصْطَفَيْنَا مِنْ عِبَادِنَا}فاطر(32)الآية. وقوله تعالى:{ وَإِنَّ الَّذِينَ أُورِثُوا الْكِتَابَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مُرِيبٍ}الشورى (21)الآية وقوله تعالى {فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ} الأعراف (169)الآية.إلى غير ذلك من الآيات.

ومن السنة الوردة في ذلك ما رواه أبو الدرداء رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال))العلماء ورثة الأنبياء))وهو في المسند والسنن‘قال صاحب((تمييز الطيب من الخبيث‘ فيما يدور على ألسنة الناس من الحديث))رواه أحمد‘ أبو داود‘والترمذي ‘وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعا بزيادة((إن الأنبياء لم يورثوا دينارا ولا درهما‘وإنما ورثوا العلم))وصححه ابن حبان والحاكم وغيرهما-انتهى منه بلفظه.وقال صاحب (كشف الخفاء ومزيل الإلباس عما اشتهر من الأحاديث على ألسنة الناس): ((العلماء ورثة الأنبياء))رواه أحمد والأربعة وآخرون عن أبي الدرداء مرفوعا بزيادة ((إن الأنبياء لو يورثوا دينارا ولا درهما وإنما ورثوا العلم))الحديث‘صححه ابن حبان والحاكم وغيرهما.وحسنه حمزة الكناني وضعفه غيرهم لاضطراب سنده لكن له شواهد.ولذا قال الحافظ:له طرق يعرف بها أن للحديث أصلا‘ورواه الديلمي عن البراء بن عازب بلفظ الترجمة ا.ه. محل الغرض منه.والظاهر صلاحية هذا الحديث للاحتجاج لاعتداد بعض طرقه ببعض‘فإذا علمت ما ذكرنا من دلالة هذه الأدلة على أن الوراثة المذكورة في الآية وراثة علم ودين لا وراثة مال فاعلم أن للعلماء في ذلك ثلاثة أقوال:

الأول:هو ما ذكرنا. والثاني:أنها وراثة مال. والثلث: أنها وبالنسبة لآل يعقوب في قوله{وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}وراثة علم ودين, وهذا اختيار ابن جرير الطبري.وقد ذكر من قال:إن وراثته لزكريا وراثة مال حديثا عن النبي صلى الله عليه سلم في ذلك أنه قال( (رحم الله زكريا ما كان عليه من ورثته))أي ما يضره إرث ورثته لماله ومعلوم أن هذا لم يثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم .والأرجح فيما يظهر لنا هو ما ذكرنا أنها وراثة علم ودين‘للأدلة التي ذكرنا وغيرها مما يدل على ذلك‘وقد ذكرابن كثير في تفسيره هنا ما يؤيد ذلك من أوجه‘قال رحمه الله تعالى في تفسيره قوله تعالى:{ وَإِنِّي خِفْتُ الْمَوَالِيَ مِنْ وَرَائِي}وجه خوفه أنه خشي أن يتصرفوا من بعده في الناس تصرفا سيئا فسأل الله ولدا يكون نبيا من بعده‘ليسوسهم بنبوته بما يوحي إليه فأجيب في  ذلك‘لا أنه خشي من وراثتهم له ماله‘فإن النبي أعظم منزلة‘وأجل قدرا من أن يشفق على ماله إلى ما هذا حده‘وأن يأنف من وراثة عصابته له.ويسأل أن يكون له ولد ليحوز ميراثه دونهم-وهذا وجه.

الثاني :أنه لم يذكر أنه كان ذا مال‘بل كان نجارا يأكل من كسب يديه‘ومثل هذا لا يجمع مالا‘ولاسيما الأنبياء ‘فإنهم كانوا أزهد شيء في الدنيا.

الثالث:أنه قد ثبت في الصحيحين من غير وجه:أن رسول الله صلى عليه وسلم قال))لا نورث ما تركنا صدقة))وفي رواية عند الترمذي بإسناد صحيح ((نحن معشر الأنبياء لا نورث))وعلى هذا فتعين حمل قوله {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِيًّا * يَرِثُنِي}على ميراث النبوة ‘إذ لو كان في المال لما خصه من بين إخوته بذلك‘ولما كان في الأخبار بذلك كبير فائدة.إذ من المعلوم المستقر في جميع الشرائع والملل:أن الولد يرث أباه.

فلولا أنها وراثة خاصة لما أخبر بها.وكل هذا يقرره ويثبته ما صح في الحديث ((نحن معاشر الأنبياء لا نورث‘ما تركنا فهو صدقة))ا.ه.محل الغرض من كلام ابن كثير‘ثم ساق بعد هذا طرق الحديث الذي أشرنا له((يرحم الله زكريا وما كان عليه من ورثة ماله))الحديث ثم قال في أسانيده:وهذه مرسلات لا تعارض الصحاح واعلم أن لفظ((نحن معاشر الأنبياء ))ولفظ ((إنا معاشر الأنبياء ))مؤداهما واحد ‘إلا أن إن دخلت على نحن فأبدلت لفظة نحن التي هي المبتدأ بلفظة نا الصالحة للنصب والجملة هي هي إلا أنها في أحد اللفظين أكدت‘إن كما لايخفى.))اه.تفسير سورة مريم آية(6)4/158.

قلت:فبعد هذا الكلام أين النص الذي خالفه أبو بكر رضي الله عنه في زعم الرافضي‘ورضي الله عن أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ما أعدلهم‘ فما علمنا أبو بكر قد طالب أو طالبت ابنته بميراث الزوج بل ليس لذلك أثر أبدا وليخسأ الرافضة.

قال الرافضي)(المورد-(10)-:

يوم أمر النبي صلى الله عليه وسلم الشيخين أبا بكر وعمر كليهما بقتل ذي الثدية لأول مرة صدر منه الأمر بذلك فلم يقتلاه))ا.ه.ص 93.

وقال ((المورد-(11)-:

يوم أمر النبي صلى الله عليه وسلم كلا من الشيخين في المرة الثانية بقتل هذا المارق فكان حالهما في هذه المرة كما كانت في المرة الأولى))اه.ص 95.

وقال ((فقال عمر:((ائذن لي فأضرب عنقه))قال في الحاشية 13 ((ليته ضرب عنقه حين أمر بذاك)) اه.ص 103‘قلت وذكر في ثنايا صفحاته هذه أن عليا استأذن النبي صلى الله عليه وسلم في قتله فقال له النبي صلى الله عليه وسلم))أنت إن قدرت عليه))قلت:والراية الصحيحة وذكر سببها يبين ضعف الروايات التي ذكرها الرافضي ويبين كذبه وتلفيقه والرواية هي كالتالي:في صحيح البخاري عن أبي سعيد الخدري قال))بعث علي بن أبي طالب رضي الله عنه إلى رسول الله  صلى الله عليه وسلم من اليمن بذهيبة في أديم….قال خالد بن الوليد يا رسول الله ألا أضرب عنقه))قلت:وفي رواية أخرى للبخاري فيها ))فقال عمريا رسول الله ائذن لي فيه فأضرب عنقه)).الرواية الأولى برقم 4351والثانية برقم 3610 مع فتح الباري.

قلت:فأين مخالفة الأطهار لنص النبي   صلى الله عليه وسلم الذي لا يوجد أصلا‘فضلا عن كونه خولف‘ولا أدري كيف جاء علي من اليمن ليأمره النبي عليه الصلاة والسلام بقتل الرجل  مع كونه في نفس الوقت في اليمن وهذا ضرب من المستحيل إلا عند الرافضة فقد يكون ممكنا‘فكيف يبني الرافضي حكما على وهم ولكنه الطعن في أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم المورد-(20)- ((تبشيره صلى الله عليه وسلم بالجنة لكل من لقي الله عز وجل بالتوحيد‘مطمئنا به قلبه‘وذلك حيث اقتضت حكمة الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم أن يؤذن في الناس بهذه البشرى‘تبيانا للحقيقة من عاقبة الموحدين‘وكشفا عن الواقع من أمرهم‘وتنشيطا لأهل الإيمان وترغيبا فيه.وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم أبا هريرة بذلك فقال له:اذهب فمن لقيته يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه فبشره بالجنة. فكان أول من لقيه عمر فسأل عن شأنه‘فأخبره بما أمره به رسول الله  صلى الله عليه وسلم قال أبو هريرة-فيما أخرجه بالإسناد إليه مسلم في صحيحة-فضرب عمر بيده بين ثديي فخررت لإستي‘فقال:ارجع يا أبا هريرة‘فرجعت إلى رسول الله:مالك يا أبا هريرة؟ فقلت:لقيت عمر فأخبرته بالذي بعثتني به فضرب بين ثديي ضربة فخررت لإستي فقال ارجع‘فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم:يا عمر ما حملك إلى ما فعلت؟قال يا رسول الله أبعثت أبا هريرة بأن من لقي الله يشهد أن لا إله إلا الله مستيقنا بها قلبه يبشره بالجنة؟قال رسول الله:نعم.قال لا تفعل فإني أخشى أن يتكل الناس عليها فخلهم يعملون قال رسول الله فخلهم))اه.ص191.

قلت:والرد عليه من وجهين:

الأول:أن عمر رضي الله عنه لم يرد الاعتراض ولا رد قول رسول الله صلى الله عليه وسلم وإنما خاف على الناس –حفاظا على دين الله-إهمال الفرائض والركون على الشهادة وهذا الكلام إنما هو من باب العرض على الإمام ‘فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم صواب قول عمر أيده فيما قال وأقره عليه‘فلم يعتبر قول عمر إلا بإقرار رسول الله عليه الصلاة والسلام وإقرار النبي صلى الله عليه وسلم سنة.

الثاني:ما ثبت نصا عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ما يوافق ما قال عمر رضي الله عنه وذلك في حديث معاذ بن جبل أيضا عن التوحيد وفيه قول معاذ ))قلت يا رسول الله أفلا أبشر الناس‘قال:لا تبشرهم فيتكلوا)).

قلت:فبعد هذا فأين مخالفة الفاروق الملهم المؤيد من الله عز وجل لنص رسول الله صلى الله عليه وسلم ولكن أبي الرافضة إلا طعنا في نقلة الوحي ولكن الله عز وجل ناصر دينه.

قلت:أكتفي بهذه  الأمثلة  لأن بحثي  يصغر عن كلها أو جلها والمثال يكفي‘وقس على هذا بقية ما ذكره الرافضي رد الله كيده ولا شفى له غليلا.

وأما الرد على د.محمد عمارة‘فهو ذات الرد على د.شلبي‘ بل إن محمد عمارة يكاد يكون قد نقل كلامه عن  د.شلبي،وأنا أنقل الرد من كتاب السفياني في رده على د.شلبي  بالتفضيل‘ أنقل منه بعض الأمثلة فأقول :

**قال د.السفياني ))مناقشة القول بأن الصحابة عملوا بالمصلحة والحكمة ولم يسيروا وراء الأوصاف الظاهرة بل اتبعوا وجوه الرأي من غير التفات إلى الأصول‘وأنهم منعوا العمل ببعض الأحكام‘وخالفوا قول رسول الله صلى الله عليه وسلم  حيث غيروا بعض الأحكام لتغير المصالح واشتهر ذلك بينهم فكان إجماعا:

ا-منع عمر رضي الله عنه سهم المؤلفة قلوبهم: قال الدكتور مصطفى شلبي:أحكام وردت مطلقة أو معللة بعلة فلما بحثوها وجدوا تلك العلل قد زالت‘أو ما شرع له الحكم قد تغير÷فغيروا الأحكام تعبا لذلك…من ذلك:حكم المؤلفة قلوبهم شرع الله إعطاءهم من الزكاة وأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مال الله كثيرا‘وقال في بعض المواضع))إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي تاليفا لقلبه))هؤلاء المؤلفة قلوبهم منهم من كان مسلما ضعيف الإيمان ومنهم من كان على دينه‘أعطاهم ليقوي إيمان الأول‘ويحبب الثاني في الإسلام‘مضى زمن رسول الله  صلى الله عليه وسلم والأمر على ذلك ‘ثم حدث في زمن أبي بكر رضي الله عنه ما رواه الجصاص في تفسيره عن ابن سيرين عن عبيدة قال:جاء عيينة بن حصن والأقرع بن حابس إلى أبن بكر فقالا:يا خليفة رسول الله إن عندنا أرضا سبخة ليس فيها كلأ ولا منفعة‘فإن رأيت أن تعطيناها فأقطعها إياهما‘ وكتب لهما عليه كتابا فأشهد‘وليس في القوم عمر‘ فانطلقا إلى عمر ليشهد لهما‘فلما سمع عمر ما في الكتاب تناوله ثم تفل فيه فمحاه! فتذمرا وقالا مقالة سيئة‘فقال:إن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكما والإسلام  يومئذ قليل‘وإن الله قد أغنى الإسلام ‘اذهبا فأجهدا جهدكما لا يرعى الله عليكما إن رعيتما… فترك أبو بكر الإنكار عليه)) قال الدكتور شلبي))وهذا دليل على أن من الأحكام ما يدور مع المصالح ويتبدل بتبدلها ومن أنكر ذلك فقد خالف إجماع الصحابة الذي كثيرا ما يحتج به‘وقد اعترف بكون إجماعهم حجة كل من قال بحجية الإجماع.

مناقشة:نسلم أن إجماع الصحابة حجة‘ونخالف في تفسير النص المنقول عن عمر بهذا التفسير‘ والاستنتاج السابق من المستدل غير صحيح.

والدليل على ذلك أن الآية الواردة في المؤلفة قلوبهم والتي أمرت بإعطائهم تتضمن حكمين في أن واحد وهما:

الأول:أن المؤلفة قلوبهم يعطون من بيت المال.

الثاني:وهو ضده أن غير المؤلفة قلوبهم لا يعطون.

فعاد الأمر إلى تحديد من هم المؤلفة؟…والمؤلفة:هم أولئك الذين يكون الإسلام بحاجة إليهم لأنهم زعماء في قومهم فإذا أسلموا أسلم من وراءهم مثل عيينة بن حصن والأقرع بن حابس فقد كانا من زعماء تميم فإذا أسلم أمثال هؤلاء تقوى الإسلام بمن وراءهم.

ولعله يدخل في هذا المعنى ما أشار إليه المستدل من أن الرسول صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل وغيره أحب إليه منه حتى لا يضعف أو يفتن ويكل الآخرين إلى إيمانهم.

فالأول من معنى التأليف لتقوية الإسلام ..والثاني من معنى التأليف لمنع الفتنة أو الضعف.

وإذا وقفنا عند القصة المذكورة نجد أن التأليف لتقوية الإسلام غير متحقق‘فالإسلام حينئذ كثير‘وهذا معنى قول عمر رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يتألفكما والإسلام يومئذ قليل ‘أما أنتما اليوم فتريدان أن نتألفكما والإسلام كثير‘فأنتما لستما من المؤلفة قلوبهم اليوم وإن كنتم منهم من قبل‘وهذا من عمر هو الفقه‘وهو ما يسميه الأصوليون بتحقيق المناط.

فإذا أراد الفقيه أن يطبق النص على حادثة حقق مناطها سواء أكان الفقيه صحابيا أو غير صحابي‘ فإذا وجد أنها تدخل في حكم النص أعطاها حكمه‘ وإلا منعها من الدخول تحته ‘وهذا ما فعله عمر رضي الله عنه..فقد حقق في شأن الرجلين‘وشان الإسلام فعلم أنهما ليسا من المؤلفة قلوبهم‘فمنعهم من الدخول تحت الآية  ولم يعطهم….

والنص الوارد في القران هوهو لم يبدل بغير‘فمن أعطى المؤلفة قلوبهم كما فعل رسول الله‘أو ظنهم مؤلفة كما فعل أبو بكر فقد أعمل الآية….

ومن منعهم لأنهم غير مؤلفة فقد أعمل الآية‘ولا تغير ولا تبديل.

ومناط الآية ثابت إلى يوم القيامة‘وهو:‘عطاء المؤلفة ومنع غير المؤلفة‘والتطبيق بحسب الواقعة والحال فأين التبديل والتغير للحكم‘بل أين الإجماع على ذلك؟

فهذا المثال لا يثبت من دعوى المؤلف شيئا‘وهو مثال يكثر الباحثون من استعماله على الدعوى نفسها…

وأضرب مثالا آخر يوضح المقصود ولا أحد يخالف فيه إن شاء الله‘فأقول:لو أن إنسانا وقف مالا على الفقراء من طلبة العلم في مسجد معين وجعل لكل منهم قسما محددا‘ثم إن الناظر أعطى الفقراء ومنع غير الفقراء فهل يعتبر مغير لشرط الواقف ومطلبه‘ كلا.

ثم لو أن بعض هؤلاء الفقراء أصبح غنيا فارتفع عنه وصف الفقر‘فلم يعطه الناظر شيئا هل يعتبر قد غير من الشرط الواقف أو مطلبه شيئا؟كلا.

ثم إن هؤلاء الذين ارتفع وصف الفقر عنهم‘لو أنه عاد لهم ‘ثم عاد الناظر‘فأعطاهم أفلا يكون ذلك عملا بشرط الواقف وقصده؟.

إن عمل عمر رضي الله لا يعدو هذه الصورة‘ولم يغير ولم يبدل.

إذا علم ذلك فلا يجوز لمسلم أن يقول أن عمر أوقف حكم الآية‘ ولا أنه ألغاه فالحكم هو الحكم ‘وعمر هو عمر الوقاف عند كتاب الله رضي الله عنه أرضاه))ا-ه 460/463

قال د.السفياني بأن د.شلبي :استدل على قوله:بأن من الأحكام ما يتبع المصلحة ويتبدل بتبدلها بأن أصحاب رسول الله يعارضون أمره بما يترتب عليه من ضرر يلحق المسلمين بسببه فيقرهم على ذلك صلى الله عليه وسلم من هذا ما رواه البخاري بسنده عن يزيد بن أبي عبيد مولى سلمة بن الأكوع من سلمة رضي الله عنه قال:خفت أزواد القوم وأملقوا فأتوا النبي صلى الله عليه وسلم في نحر إبلهم فأذن لهم‘فلقيهم عمر رضي الله عنه فأخبروه:فقال:يا رسول الله ما بقاؤهم بعد إبلهم ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ((ناد في الناس يأتون بفضل أزادهم‘فبسط لذلك نطع وجعلوه على النطع فقال رسول  الله فدعا وبرك عليه ثم دعاهم بأوعيتهم  ‘فاحتسى الناس حتى فرغوا ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم))أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله)).فقد عارض عمر إذن رسول الله بالنحر بالمصلحة وأقره

الرسول على ذلك.

مناقشته:إن هذا النص الذي استدل به على جواز معارضة حكم الشرع بالمصلحة مثل النصوص السابقة لا تدل له على شيء من ذلك.

وقد ادعى الدكتور شلبي هنا دعوى عريضة لا برهان عليها وهي قوله))ولقد وجدنا أصحاب رسول الله يعارضون أمره….))مع أن كل مسلم يعلم أنه ليس لأحد من المسلمين أن يعارض أمر الرسول صلى الله عليه وسلم لأن الله سبحانه وتعالى يقول:{ وَمَا أَرْسَلْنَا مِن رَّسُولٍ إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللّهِ }ويقول سبحانه:{ وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ }ويقول سبحانه:{ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ يُخَالِفُونَ عَنْ أَمْرِهِ أَنْ تُصِيبَهُمْ فِتْنَةٌ أَوْ يُصِيبَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ }وقوله تعالى:{ ياأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تُقَدِّمُواْ بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُواْ اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ  }ومعلوم أن الصحابة من أتبع الناس لرسول الله صلى الله عليه وسلم..فكيف يقال إنا ((وجدنا أصحاب رسول الله يعارضون أمره)) وهذا المعلوم عن الصحابة من المحكم الذي لا يقبل الجدل..وأما ما نقله فإنه في الحقيقة لا يعارض ما قررته آنفا.

وحاصل ما في هذه الرواية أن رسول الله صلى الله عليه وسلم استأذنه القوم في نحر إبلهم فأذن لهم في ذلك‘ومثله ما علمناه من الشارع من الإذن في عمل المباحات‘ثم إن رسول الله  صلى الله عليه وسلم علم بعد ذلك أنهم إن نحروا إبلهم لم يبق لهم شيء بعدها فلم يأذن لهم وأمر الناس أن يتصدقوا عليهم‘و((توالي المشي ربما أدى إلى الهلاك))

وما فعله عمر إنما هو بيان لحقيقة المسألة‘فلما ذكرها للرسول صلى الله عليه وسلم بين حكمها وأمر الناس بالصدقة‘فأين المعارضة؟.

ثم إننا قد علمنا من السنة في مواضع كثيرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يشاور أصحابه‘فيبينون له حاجتهم واستفساراتهم ثم يجيب عليها حسب الواقعة‘ثم إذا تجدد له علم بحقيقة الواقعة بين حكمها بحسب ما يتجدد له‘ وهذه القصة التي معنا من هذا الباب وهي تدل-كما قال ابن حجر- على جواز المشورة على الإمام بالمصلحة وإن لم تتقدم

منه الاستشارة.

ألم تر ‘إلى منزله صلى الله عليه وسلم في بدر حيث بين له بعض أصحابه أن هذا لا يصلح منزلا لقتال القوم فأمر رسول الله باتخاذ منزل آخر‘ولم يكن في قول الحباب بن المنذر معارضة لرسول الله.(قال سمير:وقصة الحباب لا أصل لها).

وكذلك قصة تأبير النخل فإنه أمرهم أن لا يؤبروا النخل ‘لظنه أن ذلك لا ينفعه فلما علم أن النخل لم يثمر فاشتكى له أصحابه أجاز لهم ذلك وأخبرهم أنه لا يعلم بحقيقة الواقعة حيث قال أنتم أعلم بأمور دنياكم‘وهذه الحوادث مشهورة معلومة…وكذلك ما نحن فيه لم يعلم عليه الصلاة والسلام بأنهم إذا نحروا إبلهم لا يبقى لهم شيء‘فلما علم لهم بالصدقة.

وفي هذه الحادثة نفسها لو أن رسول الله أمر بذبح الإبل-بعد أن بين له عمر أنه لا يبقى لهم شيء –لما عارضه أحد من الصحابة‘فكيف يتصور أحد ان هذا معارضة..

ومن المعلوم أن المفتي قد يفهم الواقعة التي استفتي فيها على غير وجهها-إما لعدم العلم بحقيقتها أصلا أو لعدم وضوحها-ثم يفتي فيها بحسب ما فهم فإذا بين له أن الواقعة ليست كذلك بل هي كذا وكذا نظر في حكمها بهذا الاعتبار فكان لها حكم آخر‘ولا يقال أن الحكم قد تغير..ولا يقال أن البيان لحقيقة الواقعة معارضة…والله أعلم .ا.ﮪ.ص 473-476.

قال د.السفياني مبينا أن أفعال الصحابة التي زعم البعض أنها اجتهاد محض يشهد له نص قاعدة كلية فقال:وهذه المسائل والتقسيمات ثابتة ومنها ما شهد له نص خاص ومنها ما شهدت له قاعدة سد الذرائع وهكذا…فلا يقال إن عدم تطبيق الحدود في المجاعة تغير للحكم‘وأن الصحابة بدلوا بعض الأحكام وغيروها‘ولا أن عدم تطبيق الحدود في الغزو اتبع فيه التعليل الذي أدى إلى تغير الحكم وتبديله‘بل هذه المسائل إنما اتبع فيها النص الخاص كما في الأول‘وقاعدة الذرائع كما في الثاني‘ولا وجه لقول المؤلف وهو يستدل بمثل هذه الوقائع‘أن من الأحكام ما يتبع المصلحة ويتبدل بتبدلها‘وأن ذلك هو فعل الصحابة فكان إجماعا.اﮪ.ص 482.

 

قال د.السفياني:مناقشة ما نسبه بعض الباحثين إلى الإمامين:ابن القيم والشاطبي.

الفرع الأول:فيما نسبوه إليهما

نسب بعض الباحثين المحدثين إلى هذين الإمامين القول بقاعدة تغير بعض الأحكام بتغير الزمان‘ معتمدين في ذلك على ما فهموه من نصوص وردت في كتاب أعلام الموقعين وكتاب الموافقات.

وأبدأ بما ذكر الدكتور صبحي الصالح بعد أن ذكر بعض نصوص ابن القيم فقال:

((وحين نذكر أن المصلحة العامة في القوانين الحديثة هي أساس كل تشريع‘ونضع في مقابل ذلك ما اشترطه فقهاؤنا  لسلامة الأخذ بالمصلحة المرسلة(المطلقة من كل قيد إلا قيد النفع)لا يسعنا ونحن نسبر روح الشريعة وأساسها إلا أن نستخدم هذه الوسيلة التقنينية التي هي مبنى هذه الشريعة وأساسها‘فحيثما كان العدل والرحمة والحكمة

والمصلحة فثم شرع الله)).

وهذا الذي نقلته هنا نتيجة بحثه للفصل الخامس بعنوان روح الشريعة الإسلامية وقد نسب فهمه هذا إلى الإمام الشاطبي حيث ابتدأ حديثه بتقرير أن الإمام الشاطبي هو من أفضل الأئمة الذين تعرفوا على روح الشريعة.

وقد أحسن الدكتور صبحي الصالح وهو يتحدث عن ثبات الشريعة حيث اعتبر انقطاع الوحي موجبا لثبات الشريعة((غير قابلة للتعديل أو التطوير إلا ما كان منها في حياة الرسول –أو في عصر الوحي-داخلا في اعتبار الناسخ والمنسوخ أو التخصيص بعد التعميم أو التقييد بعد الإطلاق أو التفصيل بعد الإجمال ثم اتخذ في النهاية صورة ثابتة في جميع الأحوال كالآيات التي تعاقب نزولها بشأن الخمر على سبيل المثال)).

ثم انتقل إلى أمر مهم جدا ألا وهو كيفية التعريف على شمولية الشريعة واعتبر المصلحة والعرف هي من أهم الوسائل المؤدية إلى ذلك.

وبعد هذا مباشرة انتقل إلى الحديث عن دور المصلحة وأخذ في التعريف بموقف ابن القيم منها- ونقل عنه قوله))الشريعة مبناها وأساسها على الحكم ومصالح العباد في المعاش والمعاد وهي عدل كلها ورحمة كلها ومصالح كلها وحكمة كلها))ثم يضيف قائلا:)) فكل مسألة خرجت عن العدل إلى الجور وعن الرحمة إلى ضدها وعن المصلحة إلى المفسدة‘ وعن الحكمة إلى العبث‘فليست من الشريعة وإن أدخلت فيها بالتأويل،فالشريعة عدل الله بين عباد‘ورحمته بين خلقه‘وظله في أرضه)).

ثم قال:د.صبحي:وقد نصر ابن القيم رأيه في المصلحة بطائفة من الأمثلة في كتابه أعلام الموقعين…

وإليك بعضا منها:

1-عدم قطع الأيدي في الغزو.

2-إذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه لا يسوغ إنكاره.

ثم أكد المؤلف ما يذهب إليه من نسبة تلك القاعدة إلى ابن القيم بأن ذلك هو منهج عمر بن الخطاب رضي الله عنه في كثير من اجتهاداته مثل إسقاط الحد عن السارق عام المجاعة وإسقاط سهم المؤلفة قلوبهم ونحو ذلك وقرر على هذا نتيجة بحثه التي ذكرتها في أول هذا المطلب.

وعلى هذا المسلك سار بعض الباحثين حيث نسب إلى ابن القيم الانتصار لهذه المقالة تغير بعض الأحكام بتغير الزمان.

هذا ما فهموه عن الإمام ابن القيم فماذا من لنصوص الإمام الشاطبي‘ينقل بعض الباحثين نصا طويلا للإمام الشاطبي ويستنبط منه ((أن أحكام الشريعة (عند الأمام الشاطبي)إنما هي عبارة عن كليات وجزئيات‘وأن الكليات تعبير أصولا باقية لا تبدل ولم يحدث فيها نسخ بخلاف الجزئيات التي تجري فيها المشاحنات والمنازعات‘وأن الأحكام المدنية شاملة للرخص والتخفيفات  وتقرير العقوبات في كل ذلك في الجزئيات لا الكليات التي أحكمت في مكة بقيت حالها))

وحاصل ما فهمه الباحث من كلام الشاطبي ما يلي:

1-أن الجزئيات تخالف الكليات من حيث تبدلها وتغيرها.

2-أن الأحكام المدنية منزلة في الغالب على وقائع غير الكليات المقررة بمكة.

وكلام الباحث هذا في معرض حديثه عن قاعدة تغير الأحكام وصلتها بنقض الاجتهاد‘ونحن نناقشه في فهمه لكلام الشاطبي وذلك بعد مناقشة فهمه وفهم الدكتور صبحي لكلام ابن القيم.

الفرع الثاني

المناقشة

إن مما أناقش فيه هذين الباحثين أمرين مهمين:

الأول منها:أن المصلحة- التي أخذ  بها فقهاؤنا واشترطوا شروطا لسلامة الأخذ بها هي المصلحة المرسلة (المطلقة من كل قيد إلا قيد النفع).وأسند العمل بالمصلحة المرسلة إلى الإمام ابن القيم ومن قلبه عمر بن الخطاب رضي الله عنه‘ومما ذكر من

الأمثلة عدم قطع الأيدي في الغزو وعدم إنكار المنكر إذا أدى إلى مفسدة عطيمة..وإسقاط الحد عام المجاعة.

 

الثاني منهما:إن الأحكام المدنية في الغالب  غير منزلة على وقائع الكليات المقررة بمكة‘وأن تلك الأحكام الجزئية التي نزلت بالمدينة تخالف الكليات المكية من حيث البقاء والتبدل‘هكذا على الإطلاق.

مناقشة الأمر الأول:

نبدأ في هذا الموضع من حيث انتهينا سابقا حيث تقرر أن ما قيل عن تغير الأحكام بتغير المصالح والأعراف والعادات والأزمنة ليس مبنيا على أساس علمي‘وحاصل ما عند القائلين به أنه قاعدة  حدثت عند نشوء المجلة العدلية‘ وكان يكفيهم ذلك‘لو أنهم تريثوا وتساءلوا لم لم ينص  السلف على أنها قاعدة؟وحينئذ سيعلمون الجواب الذي سيحملهم على إعادة النظر فيها والتعرف على حقيقتها‘غير أنهم لم يصنعوا شيئا من ذلك‘بل سارع بعضهم  إلى محاولة إضافة معناه إلى فقه السلف‘وقد تبين لنا فيما فيه الكفاية ‘أن الصحابة رضوان الله عليم لم يغيروا الأحكام ولم يبدلوها‘وبقي هنا أن نناقش ما نسب إلى ابن القيم سواء من هذين الباحثين أو من غيرهما‘ونقول هنا كما قلنا من قبل إن إطلاق المصلحة من ضوابطها مخالف لوضع الشريعة ولفهم السلف من الصحابة والتابعين وأئمة الفقهاء من بعدهم‘وما يقوله الأستاذ صبحي الصالح هنا يأخذ الحكم نفسه.

وإن مما يعفيه من هذه المؤاخذة أن يقيد تفسيره للمصلحة المرسلة بما أشرت إليه سابقا من كلام الأئمة‘فليس عند فقهاء السلف مصلحة مرسلة (مطلقة من كل قيد إلا قيد النفع )إن هذه المصلحة التي تدور عليها القوانين الوضعية كما يقول الباحث‘ [والشرط الذي تضيفه الشريعة هنا هو أن تشهد نصوصها الجزئية أو الكلية لهذا النفع بعدم الرد]‘ذلك أن هذه الشريعة وضعت في الأصل لتكون صراطا مستقيما يهتد به الناس‘ومن مقتضى اهتدائهم بها أن يستشهدوها  على ما يظنونه نفعا فإن شهدت بأنه كذلك ولم ترده فهو كذلك‘ويترتب على ذلك أن يتبعوه ويعتبروه‘لأن الشريعة أمرتهم بذلك‘ومن هنا يتحقق الخير وتحقق العبودية وذلك باتباع هذه الشريعة‘وإن لم تشهد له بل ردته‘فهو حينئد ليس نفعا ويجب عليهم أن يبتعدوا عنه مهما شهدت له العقول القاصرة والعادات المتكاثرة‘أما ما يقال المصلحة المرسلة-التي أمرت الشريعة باتباعها-هي المطلقة كم كل قيد إلا قيد النفع-ثم نتبع ما يقال أنه نفع فليس ذلك بصواب‘ولا يضرنا إذا اهتدينا أن تتبع القوانين الوضعية المصلحة التي أطلقت من كل قيد إلا قيد النفع‘لا يضرنا ذلك لأن هؤلاء القانونيين ليس عندهم صراط مستقيم من لدن العزيز الحكيم يهتدون به‘بل غاية ما عندهم اتباع الأعراف والعادات والأفكار البشرية‘فالنفع عندهم ما حددته أعرافهم وعاداتهم وعقولهم والنفع عندنا ما لم ترده الشريعة وهذا فرق عظيم بيننا وبينهم‘ولا يضرنا من ضل إذا اهتدينا‘كما قال تعالى:{ يا أيها الذين ءامنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم } وكان ينبغي على الباحث أن يختم بحثه بما ذكره هو نفسه من الشروط الفقهاء‘لا أن يختم بحثه بما يتبعه القانونيون من المصلحة.

وما ذكره من شروط الفقهاء لإتباع المصلحة يرجع في النهاية إلى اشتراط عدم معارضة الشرعة لها‘فإذا لم تشهد الشريعة بالرد فقد أصبح لتلك المصلحة موضعا فيها‘ولو أكد على ذلك وختم به بحثه لعلم حينئذ أن المرسلة ليست هي المطلقة من كل قيد إلا قيد النفع‘بل هي التي لا تعارض الشريعة‘وليس النفع هو ما يحدده البشر بل هو ما يحدده رب البشر.

وبهذا الذي أقول كان يمكنه تفسير ما ذهب إليه عمر بن الخطاب أمير المؤمنين وما قاله ابن القيم في كتابه أعلام الموقعين.

ولقد تحدثنا عن مسألة عدم قطع الأيدي في الغزو وفي عام المجاعة‘وما بنا حاجة إلى إعادته‘وتقرر هناك أن هذا ليس فيه تغيير ولا إتباع لمصلحة مطلقة من شهادة الشرع _ولا مطلقة من كل قيد إلا النفع – ليس شيء من ذلك كله‘بل إن ذلك تحقيق مناط الأدلة الشرعية بدون تقديم ولا تأخير ولا تغيير-وأما عدم إنكار المنكر إذا أدى إنكاره إلى منكر أعظم منه فذلك إعمال لقدعدة سد الذريعة‘وقد سبقت الإشارة إليها.

ونحن مع جميع هذه الأمثلة وغيرها نجزم أن ذلك الاجتهاد من الصحابة والتابعين وأئمة السلف من الفقهاء من بعدهم‘ليس فيه تغيير ولا تبديل‘ولا إتباع لمطلق النفع‘أو العرف والعادة‘أو الاحتكام إلى العقل‘بل هو إتباع لهذه الشريعة وتحقيق لمناطات أحكامها.

مناقشة الأمر الثاني:

وهو ما نسب إلى الأمام الشاطبي من الأحكام المدنية غير  منزلة على وقائع الكليات المقررة بمكة‘وأنها تخالفها من حيث البقاء‘وأناقش هذه النسبة من خلال نصوص الإمام الشاطبي ومن كتابه الذي اعتمد صاحب رسالة تغيير الأحكام على نص واحد منه ولم يتبين المعنى الحقيقي.

ولا بأس بأن نتذكر بعض المعالم البارزة في منهج الإمام الشاطبي والتي أشرت إليها من قبل ومنها:

1- إدراكه العميق لحاكمية هذه الشريعة وثباتها وشمولها وأنها قطعية.

2- إدركه لخطورة مسلك المبتدعة وأنه مؤد إلى رفع الضوابط الشرعية وتحكيم العقل والهوى في الشريعة ومن ثم مؤد إلى تبديلها وتغييرها كلها أو بعضها.

وأضيف هنا ما يكشف حقيقة ما نسب إليه‘وأبدأ بنقل النص نفسه الذي اعتمده صاحب رسالة  تغير الأحكام مع الإشارة إلى موضع من كتاب الموافقات ولا بد من نقل النص كاملا مع ما فيه من طول:

يقول الإمام الشاطبي في معرض حديثه عن بعض معالم منهج التربية الإسلامية وعن حقيقة الاجتهاد الخاص بالعلماء‘والعالم لجميع المكلفين:

((إن المشروعات المكية- وهي الأولية كانت في غالب الأحوال مطلقة غير مفيدة وجارية على ما تقتضيه مجاري العادات عند أرباب العقول‘وعلى ما تحكمه قضايا مكارم الأخلاق من التلبس من كل ما هو معروف  في محاسن العادات‘والتباعد عن كل ما هو منكر في محاسن العادات‘في سوى ما العقل معزول عن تقريره جملة من حدود الصلوات وما أشبهها‘فكان أكثر ذلك موكولا إلى أنظار المكلفين في تلك العادات‘ومصروفا إلى اجتهادهم‘ليأخذ كل ما لاق به وما عليه من تلك المحاسن الكليات‘وما استطاع من تلك المكارم في التوجه بها للواحد المعبود من إقامة الصلوات فرضها  ونفلها‘ حسبما بينه الكتاب والسنة‘وإنفاق  الأموال في إعانة المحتاجين‘ومواساة الفقراء والمساكين‘من غير تقدير في الشريعة‘وصلة الأرحام قربت‘أو بعدت على حسب ما تستحسنه  العقول السليمة في ذلك الترتيب ومراعاة حقوق الجوار‘وحقوق الملة الجامعة بين الأقارب والأجانب‘وإصلاح ذات البين  بالنسبة إلى جميع الخلق‘والدفع بالتي هي أحسن‘وما أشبه ذلك من المشروعات المطلقة التي لم ينص على  تقييدها بعد‘وكذلك الأمر فيما نهى عنه من المنكرات‘والفواحش على مراتبها في القبح فإنهم  كانوا مثابرين على مجانبتها مثابرتهم على التلبس بالمحاسن‘فكان المسلمون في تلك الأحيان اخذين فيها بأقصى مجهودهم‘ وعاملين على مقتضاها بغاية موجودهم‘وهكذا بعد ما هاجر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة‘وبعد وفاته‘في زمان التابعين‘إلا أن خطة الإسلام لما اتسعت ودخل الناس في دين أفواجا ربما وقعت بينهم مشاحنات في المعاملات‘ومطالبات بأقصى ما يحق لهم في مقطع الحق‘أو عرضت لهم خصوصيات ضرورات تقتضي أحكاما خاصة‘أو بدت من بعضهم فلتلت في مخالفة المشروعات وارتكاب الممنوعات‘فاحتاجوا عند ذلك إلى حدود تقتضيها تلك العوارض الطارئة‘ومشروعات تكمل لهم تلك المقدمات‘ وتقييدات تفصل لهم بين الواجبات والمندوبات‘والمحرمات والمكروهات‘إذا كان أكثرها جزئيات لا تستقل بإدراكها العقول السلمية فضلا عن غيرها‘كما لم تستقل بأصول العبادات وتفاصيل التقربات ولا سميا حين دخل في الإسلام من لم يكن لعقله ذلك النفوذ من عربي أو غيره أو من كان على عادة في الجاهلية وضرى على استحسانها فريقه ومال إليها طبعه‘وهي في نفسها على غير ذلك ‘وكذلك الأمور التي لها عي عادات الجاهلية جريان لمصالح رأوها‘وقد شابها مفاسد مثلها أو أكثر‘هذا إلى ما أمر الله به من فرض الجهاد حين قووا على عدوهم‘وطلبوا بدمائهم الخلق إلى الملة الحنيفية‘وإلى الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر‘فأنزل الله تعالى ما بين لهم كل ما احتاجوا إليه بغاية البيان‘تارة بالقران‘وتارة بالسنة‘فتفصلت تلك المجملات المكية‘وتبينت  تلك المجملات ‘وقيدت تلك المطلقات‘وخصصت بالنسخ أو غيره تلك المعلومات‘ليكون ذلك الباقي المحكم قانونا مطردا وأصلا مستنا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها‘ وليكون ذلك تماما لتلك الكليات المقدمة‘وبناء على تلك الأصول المحكمة فضلا من الله ونعمة‘ فالأصول الأولى باقية لم تتبدل ولم تنسخ‘لأنها في عامة الأمر كليات ضروريات وما لحق بها‘وإنما وقع النسخ أو البيان على وجوهه عند الأمور المتنازع فيها من الجزئيات لا الكليات‘وهذا كله ظهر لمن نظر في الأحكام المكية مع الأحكام المدنية فإن الأحكام المكية مبنية على الإنصاف من النفس وبذل المجهود في الامتثال بالنسبة إلى حقوق الله حقوق الآدميين.

وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات  والرخص والتخفيفات‘وتقرير العقوبات في الجزئيات لا الكليات فإن الكليات كانت مقررة محكمة بمكة‘وما أشبه ذلك‘مع البقاء الكليات المكية على حالها وذلك يؤتي بها في السور المدنيات تقريرا وتأكيدا فكملت جملة الشريعة والحمد الله بالأمرين وتمت واسطتها بالطرفين‘فقال الله تعالى عند ذلك:{ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلَامَ دِينًا }.وإنما عني الفقهاء بتقرير الحدود والأحكام الجزئيات التي هي مظان التنازع والمشاحة‘والأخذ بالحظوظ الخاصة‘والعمل بمقتضى الطوارىء العارضة‘وكأنهم واقفون للناس في اجتهادهم على خط للفصل بين ما أحل الله وما حرم‘حتى لا يتجاوزوا ما أحل إلى ما حرم الله فهم يحققون للناس مناط هذه الأحكام بحسب الوقائع الخاصة حين صار التشاح ربما أدى إلى مقاربة الحد الفاصل‘فهم يزعونهم في مداخلة الحمى ‘وإذا زال أحدهم يبين له الطريق الموصل إلى الخروج عن ذلك في كل جزئية اخذين بحجزهم‘ تارة بالشدة وتارة باللين)).

ويشتمل هذا النص على المعاني الاتية:

  • المشروعات المكية غير محددة‘لكن يجتهد المكلفون ويأخذ كل بما يليق به من المقدار الذي يستطيعه‘وقد كان الصحابة يثابرون عليها ويبلغون بها غاية مجهودهم.

2-أنه لما اتسعت خطة الإسلام ودخل فيه الناس أفواجا ووقعت منهم بعض المخالفات لبعض المشروعات وارتكاب بعض المنهيات‘ولاحت بينهم المشاحات والخصومات‘انتقل منهج التربية الإسلامية- المتمثل في الكتاب والسنة- إلى مراعاة هذه الوقائع الجديدة‘ونزلت أحكام الشريعة لما يفض الخصومات‘ويفصل أحكام  المكروهات والمحرمات والمندوبات والوجبات.

.3- أن الفقهاء عنوا أشد العناية بهذه المرتبة‘وهي التي تليق بالجمهور فاستنبطوا الأحكام الجزئية الخاصة بها‘وقاموا بحماية الحد الفاصل بين الحلال والحرام‘وأما ما يخص الأخلاق والارتفاع إلى المنازل العالية فيها ‘وبذل غاية الجهد في تحقيقها والمحافظة عليها‘فقد تركه الفقهاء رحمهم الله لجهد المكلف لأنه في أكثر الأحيان يستقل بمعرفته وتطبيقه‘ومتروك لجهد الذاتي وقوة إيمانه ولا تلزمه الشريعة بالمراتب العلية‘إلا أن يلتزمها بنفسه…وهذه مراتب الإحسان التي حققها الصحابة‘وتابعهم فيها أئمة الهدى من التابعين وتابعيهم ومن اقتدى بهم فيها‘وبهذا النوع اهتم الزهاد والعباد من أهل العلم‘من أمثال مالك وأحمد وغيرهم كثير من العلماء ومن اقتدى بهم‘وهذه المراتب هي ما يسميه الشاطبي العزائم المكيات‘وهذه هي التي ثبت عليها الصحابة رضوان الله  عليم وأولو العزم ممن اقتدى بهم من بعدهم ‘ولم تزحزحهم عنها الرخص المدنيات‘ واستمروا في بذل الجهد على التمام.

هذا هو مقصود الإمام الشاطبي الذي أدرك بعمق حقيقة منهج التربية الذي دعت إليه هذه الشريعة‘وحددت جميع معالمه بما اشتملت عليه من أحكام‘والذي واكبت فيه القدرات الفذة للنفس البشرية التي بلغت الذروة في إقامة الحق والإحسان‘وواكبت فيه أيضا في المرحلة المدنية طبيعة النفس البشرية‘وهي وإن لم تلزمها براتب الإحسان إلا أنها لم تقبل منها تضييع الحق والإعراض عنه.

وهذا كلام محكم دقيق تلوح منه معالم منهج التربية الإسلامية ممتزجاً بأصول الفقه وهذا ليس فيه أن الكليات ثابتة والجزئيات متغيره كما فهم بعض الباحثين‘بل في النص المنقول ما هو صريح بثبات النوعين‘حيث يقول الإمام الشاطبي  عن المرحلة المدنية التي تبعت  المرحلة المكية((…فتفصلت تلك المجملات المكية وتبينت تلك المجملات وقيدت تلك المطلقات وخصصت بالنسخ أو غيره تلك العمومات  ليكون ذلك الباقي المحكم قانونا مطردا وأصلا مستندا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها وليكون ذلك تماما لتلك الكليات المتقدمة وبناء على تلك الأصول المحكمة فضلا من الله ونعمة…)).

فالمجموع من الكلي والجزئي‘محفوظ ثابت‘وقانون مطرد في جميع العصور والأزمان‘والمدني مبني على الكليات المكية المتقدمة ومتمم له.

بقي أن ننظر في السبب الذي حمل الباحث على أن يستنتج ذلك المعنى الفاسد فنجد ذلك يرجع إلى عدم فهمه لقول الإمام الشاطبي)(…وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات…)).

فنقل النص من معنى صحيح إلى معنى فاسد‘والمعنى الصحيح كما قدمت آنفا‘أن من أسباب تفصيل الأحكام الجزئية في المدينة هو حدوث وقائع لم تكن فيما تقدم-في المرحلة المكية – وقد علل الشاطبي ذلك تعليلا حسنا.

والمعنى الفاسد الذي استنتجه الباحث هو كما قال))إن الأحكام المدنية منزلة في الغالب على وقائع غير الكليات المقررة لمكة….))‘وأنها تخالفها من حيث الثبات.

ودخل عليه الفساد من أوجه عدة منها:

1-عدم ملاحظته للمعنى الجلي الذي يدل عليه كلام الشاطبي ومنه:

( أ)أن الأحكام الكلية بمكة والجزئية بالمدينة أصبحت بعد انقطاع الوحي قانونا  مطردا وأصلا ثابتا إلى يوم القيامة.

( ب) أن الأحكام المدنية الجزئية إنما جاءت لتكون تماما لتلك الكليات المكية المتقدمة.

2-عدم ضبطه لمعنى النص وذلك لزيادته فيه عبارة أخلت بالمعنى المقصود عند الشاطبي‘فالنص الذي في الموافقات هو)(وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيها تقدم))وبالمقارنة مع استنتاج الباحث يتبين أنه أدخل فيه معنى زائداً وهو قوله :((وقائع غير الكليات المقررة بمكة))وخطأه يعرف بأن نفرق  بين ارتباط الأحكام المدنية بالكليات المكية‘وبين عدم تنزل الأحكام المدنية على وقائع مكية‘وذلك يعرف بالوجهين الثالث والرابع.

3-عدم فهمه لمقصود الإمام الشاطبي من التفريق بين المكي والمدني في هذا الموضع ومقصوده أمران:

( أ)أن أحوال الصحابة رضوان الله عليهم في مكة من حيث قلة العدد وانشغالهم الكامل بإقامة الحق‘وكونهم قاعدة الحق الذي أشرف الرسول صلى  الله عليه وسلم على تربيها بنفسه‘وكونهم في أعلى المنازل عبادة وجهادا‘وكونهم مطاردين معذبين‘يتوقد إيمانهم ويتوهج‘وهم في ذات الوقت متحابون لم يخالطهم مخلط ولا منافق فكانت أمورهم حينئذ تجري على الصلاح والتوفيق‘والأخذ بالغزائم  والإيثار والصبر‘فلم يكن بينهم ما يقتضي نزول الأحكام الخاصة لفض المنازعات والخصومات،لأن وقائعها لم تكن في الغالب في المرحلة المكية‘ثم كانت بعد في المرحلة المدنية.

(ب)أن هذا لا يعني أن ما نزل بالمدينة لم يكن له صلة بالكليات المكية‘كلا.ومما يؤكد ارتباط ما بينهما ما ذكر الشاطبي مفصلا من أن الأحكام التي نزلت بالمدينة ترجع إلى الأصول المكية.

وتفسير كونها مرتبطة بتلك الأصول مع أنها لم تكن لها وقائع بين الصحابة يسير  جدا والحمد الله‘فالمنازعات والخصومات التي نزلت بخصوصها أحكام في المدينة  مرتبطة بالكليات المكية وإن لم توجد بين الصحابة بالمرحلة المكية‘وارتباطها يظهر من أن المنازعات والخصومات فيها ظلم واعتداء ولا شك‘فنزلت لها تفصيلات مدنية‘وأصلها في مكة موجود وذلك في الكليات التي تنهى عن الظلم والبغي والعدوان .ومن هنا تكون مرتبطة بالكليات المكية‘وتكون غير واقعة بين الصحابة في المرحلة المكية‘ومن هنا يصح قول الشاطبي))وأما الأحكام المدنية فمنزلة في الغالب على وقائع لم تكن فيما تقدم من بعض المنازعات والمشاحات))‘ومن هنا نعلم مقصده رحمه الله‘وتبين لنا أنه لم يفرق في الثبات بين ما نزل بمكة وما أنزل بالمدينة‘أي بين الكليات والجزئيات ولا بين ما يدخله الاجتهاد الخاص‘ولا بين ما يدخله الاجتهاد العام.

4-عدم فهمه لقول الشاطبي :((….فالأصول الأول باقية لم تتبدل ولن تنسخ لأنها في عامة الأمر كليات ضروريات وما لحق بها‘وإنما وقع النسخ أو البيان على وجوهه عند الأمور المتنازع فيها من الجزئيات لا الكليات)).

فليس فيه ما يدل على  أن الجزئيات يقع عليها التغير بعد انقطاع الوحي‘وحاصل ما فيه أن النسخ وقع بالمدينة ولم يقع بمكة.

أما بعد انقطاع الوحي ووفاة الرسول صلى الله عليه وسلم فلا نسخ ولا تغيير لا في الكليات ولا في الجزئيات..وإليك ما قاله الإمام الشاطبي وقد سبق:

يقول رحمة الله وهو يتحدث عن أوصاف الشريعة:))الثبوت من غير زوال فلذلك لا تجد  فيها بعد كمالها نسخا‘ولا تخصيصا لعمومها‘ولا تقييدا لإطلاقها ولا رفعا لحكم من أحكامها لا بحسب عموم المكلفين ولا بحسب خصوص بعضهم‘ولا بحسب زمان دون زمان ولا حال دون حال‘بل ما أثبت سببا فهو سبب أبدا لا يرتفع وما كان شرطا فهو أبدا شرط‘وما كان واجبا فهو واجب أبدا‘أو مندوبا فمندوب‘وهكذا جميع الأحكام فلا زوال لها ولا تبدل ولو فرض بقاء التكليف إلى غير نهاية لكانت أحكامها كذلك)).

وبهذا يتبين الصبح لكل ذي عينين‘ لنعلم بعد ذلك أن ما نسب إلى هذين الإمامين الجليلين الشاطبي وابن القيم ليس بشيء وإن إلصاق ما يسمى بقاعدة تغير الأحكام بتغير الزمان بهما لا دليل عليه بل شبه على هذين الباحثين كما شبه على غيرهما‘ ودعوى إتباع  المصالح أو الأعراف أو العوائد لا تصلح لتأسيس هذه القاعدة المحدثة‘ولا بد أن يعلم جميع الخلق علماؤهم أن جميع الأحكام التي جاءت بها هذه الشريعة لا زوال لها ولا تبدل تغير في جميع العصور الأزمان.

وإن في هذه الشريعة المباركة منهجا أصيلا يحدد موقفها من إصلاح المجتمعات البشرية، وجميع ما فيها من انحرافات كلية أو جزئية- سواء انتشرت هذه الانحرافات تحت دعوى إتباع المصالح‘ أو إتباع العادات والأعراف)).ا.ﮪ ص 520- 533 من كتاب الثبات والشمول د.عابد السفياني.

الخاتمة

وبعد هذه الخصومة مع أقوام نسأل الله عز وجل أن يردهم إلى صوابهم ‘نقف مسلمين الأمر لله تعالى الذي  له(الأمر من قبل ومن بعد)واسأله تعالى أن يجعل ما كتبت ردا مفحما لهؤلاء‘وأن يرزقني الإخلاص في القول والعمل‘وأن يستعملني في دينه لرفع راية السنة‘ والحمد لله رب العالمين.

 

شاهد أيضاً

كتاب درج الوصول لورثة الرسول صلى الله عليه وسلم

تحميل الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *