الرئيسية / المقالات / الـحـكـومـــة الـعـادلـــة

الـحـكـومـــة الـعـادلـــة

بـســـم الـلـــه الـرحـمـــن الـرحـيـــم

((الـحـكـومـــة الـعـادلـــة))

 

الـحـمـد لـلـــه تـعـالـــى الــــذي لـــه الـخـلـــق والأمـــر، وجـعـــل الـخـلـــق يـنـسـاقـــون لـخـلـقـــه طـوعـــاً أو كـرهـــا، وأفـســـح الـمـجـــال لـهـــم فـــي الامـتـثـــال لأمـــره، فـكـــان مـهـديـــون وكـــان غـيـرهـــم، ثـــم ركـــز فـــي الـنـفـــوس مـحـبـــة الـعـمـــارة فـــي الـدنـيـــا، الـقـائـــم عـلـــى الأمـــن والـرفـاهـيـــة، وشـــرع لـتـحـقـيـــق ذلـــك الـمـقـصـــد مـــن الـوسـائـــل مـــا تـمـكـــن الـنـــاس مـــن حـيـــاة كـريـمـــة ثـــم لـمـــا كـــان الـخـلـــق لا يـصـلـحـــون فـوضـــى، وكـــان مـــن سـنـــة الـلـــه تـعـالـــى فـــي خـلـقـــه مـحـبـــة الاجـتـمـــاع، يـســـر لـهـــم مـــن الـسـبـــل مـــا يـوصـلـهـــم إلـــى مـطـلـوبـهـــم، فـصـــاروا يـتـخـــذون رئـيـســـاً ومـعـاونـيـــن لـــه، لـتـتـــم لـهـــم مـصـالـــح مـعـاشـهـــم.

ثـــم لـمـــا جـــاء رســـول الـلـــه صـلـــى الـلـــه عـلـيـــه وسـلـــم، كـانـــت هـــذه الأمـــور فـــي أعـلـــى نـصـــاب فـــي تـحـقـيـقـهـــا، ثـــم جـــاء الـخـلـفـــاء الـراشـدون مـــن بـعـــد وهـكـــذا حـتـــى صـــار يـنـقـــص الـعـــدل شـيـئـــاً فـشـيـئـــاً، فـانـتـقـــص الـديـــن، وقـلـــت الـبـركـــة، الأمـــر الـــذي أدى إلـــى مـــانـحـــن فـيـــه مـــن ظـلـــم وجـــور ونـقـصـــان فـــي الـخـيـــر والـبـركـــات.

وعـنـــدي أن ذلـــك راجـــع إلـــى أمـريـــن أو أحـدهـمـــا:

الأول: ضـعـــف الـتـديـــن، الـمـــؤدي إلـــى خـلـخـلـــة الـحـيـــاة، ذلـــك أن ديـــن الـلـــه عـزوجـــل جـــاء شـمـولـيـــاً، ويـخـطـــئ -كـمـــا قـــال أحـدهـــم- مـــن يـظـــن أن الإســـلام يـتـحـقـــق؛ بـمـجـــرد اسـتــــلام جـمـاعـــة أو حـــزب أو شـخـصـيـــة ديـنـيـــة زمـــام الـحـكـــم، ثـــم يـطـلـــق عـلـيـــه أنـــه حـكـــم إسـلامـــي لـمـجـــرد ذلـــك، وتـكـــون أسـلَـمَـتُـــهُ ضـمـــن أطـروحـــة يـقـدمـهـــا هـــو أو حـزبـــه أو جـمـاعـتـــه، مـــا يـوحـــى بـــأن مـــا خـــرج عـــن ذلك فـلـيـــس إسـلامـيـــاً، وقـــد يـكـــون الـعـكـــس هـــو الـصـــواب.

الـثـانـــي: ضـعـــف الـمـمـثـلـيـــن لـلـديـــن، مـاديـــاً ومـعـنـويـــاً، ولـذلـــك كـــان مـــن صـفـــات الـشـخـصـيـــة الـمـثـالـيـــة -الـحـاكـــم- الـقـــوة مـــع الـعـلـــم والأمـانـــة، ولـــذا كـــان الـسـلـــف يـــرون تـأمـيـــر الـقـــوي، وإن كـــان فـيـــه شـــيء مـــن الـفـســـوق، لأن قـوتـــه لـلـمـسـلـمـيـــن، وفـســـوقــه عـلـيـــه وحـــده.

قـلـــت: وعـلـيــه؛ فـــإن مـقـيـــاس الـحـكـــم، لا بـــد أن يـرجـــع فـيـــه إلـــى تـحـقـيـــق الـعـــدل بـاسـتـخـــدام كـافـــة وسـائـلـــه، وعـلـــى يـد مـــن جـــرى هـــذا الـعـــدل وكـــان، الـمـهـــم تـحـقـيـقـــه لـتـحـقـيـــق مـصـلـحـــة الإســـلام والـمـسـلـمـيـــن.

هـــذا والـمـتـحـدثـــون الـيـــوم، يـكـثـــرون مـــن الـكـــلام عـــن شـكـــل الـدولــة، وعـــن نـظـامـهـــا، وسـلـطـتـهـــا الـتـشـريـعـيـــة والـتـنـفـيـذيـــة، وكـيـــف يـمـكـــن أن تـصـاغ، لـلـوصـــول إلـــى الأمـــل والـمـنـشـــود.

فـمـــن قـائـــل بـالـمَـلَـكـيـــة الـمـطـلـقـــة، والـبـعـــض يـراهـــا مـلـكـــة دسـتـوريـــة، والـبـعـــض يـريـدهـــا شـرقـيـــة شـيـوعـيـــة، والـبـعـــض عـلـمـانـيـــة، والـبـعـــض ديـمـقـراطـيـــة انـتـخـابـيـــة بـرلـمـانـيـــة، والـبـعـــض شـــوريــة، والـبـعـــض إمــامـيـــة وهـكـــذا.

قـلـــت: وعـــدم الاتـفـــاق عـــلــى سـبـيـــل مـعـيـــن، دلـيـــل عـــلـى أن الـعـقــائـــد الـشـخـصـيـــة، لـهـــا أثـــر كـبـيـــر جـــداً فـــي فـــرض الـتـصـــور والـنـظـــام الـمـطـلـــوب، وهـنـــاك مـــن لـــه غــايـــات مـعــيـــنة يــريـــد تـحـقـيـقـــهـا، فـــلا يـــرى أقـصــــر مـــن طــريـــق الـحـكـــومة أو الـسـلـطـــة الـمـهـيـمـنـــة!

قـلـــت: ونـحـــن الـمـسـلـمـيـــن، قـــد أكـثـــر عـلـمـــاؤنـا ومـفـكـــرونــا فـــي تـشـخـيـــص الـحـــالـة وتــوصـيـفـــهـا، فـــكـان نـتـــاج كــلامـهـــم أنـهـــم فــريـــقـان:

الأول: يـريـــدهـا عـــلـى مـنـهـــاج الـنـبـــوة.
الـثـــانـي: يـريـــدهـا ديـمـقــراطـــيـة.

قـلـــت: وكـــلا الأمـريـــن مـتـعـســـر جـــداً:

أمـــا الأول: فـهـــذا لا يـمـكـــن واقـعـــاً، لأن مــؤهـــلات الأمـــة غـيـــر كـافـــيـة لـتـحـقـيـــق ذلـــك، لـكـثـــرة الـصـــراع الـفـكـــري حـــول تـوصـيـــف الـــدولـة الـعـــادلـة، فــأهـــل الـســـنـة أنـفـسـهـــم – فـضـــلاً عـــن الـشـيـعـــة والــزيــديـــة- لـهـــم تــواصـيـــف مـخـتـلـــفـة.

وأمـــا الـثـــانـي: فــأيـضـــاً أمـــامــه عــراقـيـــل كـثـيـــرة، تـحـــول دون تـحـقـقـــه، مـنـــهـا:

1- اخـتـــلاف الانتماءات، المؤدي إلى تصدير كل أحد رأيـــه ليعـكـــر صفو المطلوب.

2- عـــدم فـقـــه الـمـســـألـة نـظـــريــاً وواقـعـــيـاً مـــن غـالـبـيـــة الـمـجـتـمـــع الـــذي يــريـــد الانـتـخـــاب، ولـــذا فــاخـتـيـــار الـشـخـصـيـــات واقـــع حـســـب الأهـــواء أو الانـتـمـــاء، أو الـمـنــافـــع الـشـخـصـيـــة.

3- أن هـنـــاك مــؤتـمـــرات أخـــرى خــارجـيـــة قـــد تـكـــون دولـيـــة تــؤثـــر فـــي نـهــــايــة الـقـــرار.

4- عـــدم وجـــود شـــروط مـسـبـقـــة تـحـــدد أهـلـيـــة الـمـتــرشـــح نـفـســـه.

وإلـــى أن نـصـــل إلـــى هـــذا، نـحـتـــاج إلـــى سـنـــوات طـويـــلـة مـــن الـــدرس والـتــدريـــس، لــرفـــع مـسـتـــوى ثـقـــافـة الـمـجـتـمـــع، لـيـتـمـكـــن مـــن الاخـتـيـــار الـصـــواب.
ولـــذا فـــأنــا أرى أن أنـســـب صـــور الـحـكـــم الـمـــؤديــة إلــى تـحـقـيـــق الـعـــدل -حـســـب زمــانـــنـا وثـقــافـتـنـــا وغـيـــرهــا- الـنـظـــم الـمـلـكـــيـة، لـبـعـــدهــا عـــن أكـثـــر الأخـطـــاء الــواقـعـــة فـــي مـجـتـمـعـــات الــديـمـقـراطـــيـة فـــي الــوطـــن الـمـسـلـــم، نـعـــم لـــو كـــان هـنـــاك ثـقـــافــة كــافـــيـة، فـــمـا أجـمـــل الـمـلـكـــيـة الــدسـتـــوريـة، لـكـــن لـفـقـــد أهـلـــيـة الـمـجتمـعـــات والأحـــزاب والـنـقـــابـات، حـقـيـقـــة مـــا يـنـبـغـــي أن نـمـــارســـه مـــن عـمـــل لـتـحـقـيـــق الـعـــدل الـمـجـتـمـعـــي، أجـــل الـمـجـتـمـعـــي، فـــأولـى الـصـــور لـلـبـقـــاء هـــو الـنـظـــام الـمـلـكـــي.

وهـــذا لا يـعـفـــي أهـــل الاخـتـصـــاص، مـــن الـتـعـــاون والـتـنــاصـــح، بـالـمـشـــاركـة الـسـيــاســـيـة، لـتـحـقـيـــق رفــاهـــيـة الـمـجـتـمـــع الــديـنـيـــة والـحـيــاتـــيـة عـمـــوماً، حـتـــى يـــأتـي وعـــد الـلـــه تـعـــالـى.

وصـــلـى الـلـــه عـــلـى سـيـــدنـا مـحـمـــد وعـــلـى آلـــه وصـحـبـــه أجـمـعـيـــن.

 

بـقـلــم: د. سـمـيـــر مـــراد

الخميس: 16/7/1435هـ
15/5/2014مـ

شاهد أيضاً

سلسلة في أحكام الإيمان – فضيلة الشيخ الدكتور سمير مراد – المجلس التاسع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.