الرئيسية / الكتب / العقود الزبرجدية -شرح القواعد الكبرى الكلية في قواعد الفقه الشافعي

العقود الزبرجدية -شرح القواعد الكبرى الكلية في قواعد الفقه الشافعي

المقدمة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله مقسّم الأرزاق على العبيد، لينال بذلك العبد لذة نعمة الله تعالى عليه، وإن من أعظم النعم نعمة الإيمان، ثم نعمة العلم النافع القائد إلى خيري الدنيا والآخرة،

ولذا فأن العبد لا يزال في عافية من البلاء، ما دام على دين الله تعالى،

ولذا فلا بد للعبد من مقارفة أمرين اثنين:

الأول: أن يديم الاستغفار، لأنه إما واقع في ذنب، أو مقصّر في طاعة لله تعالى، فيستغفره على ذلك.

الثاني: أن يديم الشكر، لأنه لا يزال في تقصير عن معرفة النعم عليه، فضلاً عن مقدرته على شكر المنعم بها.

ثم إنني لمّا وضعت بعض الشروح الصغيرة، على بعض العلوم المهمة لطلب العلم، _ فوضعت شرحاً لورقات الجويني في الأصول الشافعية، وشرحاً للمتممة الآجرومية في النحو، وحاشية على شرح الغزي على أبي شجاع في الفقه الشافعي كذلك _ ، راق لي أن أضع شرحاً في قواعد الفقه، فاستحسنت ما نظمه الأهدل _ رحمه الله تعالى _ في قواعد فقه الشافعية، وأنا لم أشرح كل النظم، بل اخترت منه شرح القواعد الخمس الكلية، فكانت في مئة وثلاثين بيتاً من أصل خمسمئة وخمسة وعشرين بيتاً.

واستعنت في الشرح بأصل هذه المنظومة، وهو كتاب السيوطي _ رحمه الله تعالى _: الأشباه والنظائر، كما كنت نادراً ما أرجع إلى شرح العلامة الجرهزي الشافعي على منظومة الأهدل، أسأل الله _ عز وجل _ النفع لجميع الطلبة والمسلمين.

 

كتبه / سمير مراد.

تحميل الكتاب

ترجمة ناظم القواعد

 

العلامة الأهدل (1) هو:

أبو بكر بن أبي القاسم بن أحمد، يرجع نسبه إلى علي بن أبي طالب _ رضي الله عنه _،

كان مولده سنة 984 للهجرة في قرية الحلة، تعلّم القرآن وحفظه، ثم انتقل مع والده إلى زبيد وفيها تعلّم العلم.

توفي _ رحمه الله _ تعالى سنة 1035 للهجرة.

_________

(1) و الأهدل: معناه: الأدنى والأقرب، نقلاً عن مقدمة محقق شرح المنظومة.

 

متن منظومة العقود الزبرجدية

في شرح القواعد الكبرى الكلية

بسم الله الرحمن الرحيم

  1. يقـول راجي عفـو ربـه العـلِي     وهُـو أبـو بـكرٍ سـليل الأهْـلِ
  2. الحـمـد للـه الـذي فَقـهـنا       ولسـلـوك شـرعـه نبـهـنـا
  3. ثـم صـلاتـه مـع التسـليـمِ    عـلى النبـيِّ الرَءُفِ الـرحـيـمِ
  4. مـحـمـدٍ وآلـهِ الأطـهــارِ     وصـحـبـهِ الأفـاضـلِ الأبـرارِ
  5. وتـابعـيـهِـمُ بالاْسـتـقامـهْ      عـلى سـبيـلهـمْ إلى القيـامـهْ
  6. وبـعدُ فالعـلم عظيـمُ الجـدوى  لا سـيَّمـا الـفقهُ أسـاسُ التقـوى
  7. وهـو فـنٌ واسـعٌ تنتـشــرُ فـروعُــهُ بالـعـدِّ لا تنحـصـرُ
  8. وإنـمـا تضـبط بالـقـواعـدِ  فـحـفظـها مِن أعـظـمِ الفوائـدِ
  9. وهـذه أرجـوزةٌ مـُحــبّـَرهْ    وجـيـزةٌ مـتـقـنـةٌ مـحـررهْ

10.لخـصتهـا بعـونِ ربي القـادرِ     عـن لجّـَةِ الأشـبـاهِ والنظـائـرِ

11.وأسـألُ اللـهَ تعـالى فـيهـا    إعـانـةً بـحـقـهِ يـُوْفِـيـهـا

12.الـفقـه مبـنيٌ عـلى قواعـدِ   خـمـسٍ هـي: الأمـورُ بالمـقاصدِ

13.وبـعدهـا : اليـقينُ لا يُـزالُ    بـالـشـكِ فـاسـتمع لما يُـقـالُ

14.وتـجـلبُ المـشـقةُ التيسيرا    ثـالثـهـا، فـكـن بـها خـبـيرا

15.رابُـعـها فيـما يُقال: الضررُ    يـُزالُ قـولاً لـيـس فـيـه غـررُ

16.خـامسها:العـادةُ قلْ محكَّمـهْ     فـهذه الخـمسُ جـميعاً محـكمـهْ

17.بـل بعضهم قـدْ رجَّع الفقه إلى     قـاعـدةٍ واحــدةٍ مـكـمـّـِلا

18.وهـي اعتبارُ الجلبِ للمصـالحِ   والـدرءِ لـلمفـاسـد الـقبـائـحِ

19.بـل قال قـد يرجع كلـه إلى   أولِ جــــزءِ هـذه وقُــبـلا

20 .وأسـأل اللـه تعـالى فـيهـا     إعـانـةً بـحـقـه يـُوْفِـيـهـا

21.الأصـل في الأمـور بالمقاصـدِ    مـا جـاء في نصّ الحديـث الـواردِ

22.إنمـا الأعـمـال بـالنيـاتِ     وهـُو مــرويٌّ عـن الـثـقـاتِ

23.قـالـوا وذا الحديث ثلْث العلمِ   وقـيـل ربـْعـه فـجل بالـفهـمِ

24.وهـو في السـبعين باباً يدخـلُ  عـن الإمـام الشـافـعيّ يـنقـلُ

25.ثـم كـلام العلمـا في النيّـهْ     مـن أَوجـهٍ كالشـرط والكـيفيـهْ

26.والوقـتِ والمقصـودِ منها والمحلّ   فـهاكَ فـيه القـولَ من غير خـللْ

27.مقصـودها التمـييز للـعبـاده  مما يـكـون شـبـهها فـي العـاده

28.كما تـَمِيزُ بعضَـها من بعضِ         فـي رتـبٍ كالـغسل والتَـوَضي

29.فلـم تكـن تشـرط في عبـاده    لـم تشـتبـه هـيئتهـا بـعـاده

30.كـذلك التـروك مـع خـلافِ فـي بعضـهـا والنـدبُ غير خافِ

31.ويشـرط التعـيين فيـما يلـتبس  دون سـواه فـاحفظ الأصل وقسْ

32.وكـل مـا لنيـةِ الفـرض افـتقرْ فـنية التعـيين فـيـه تـُعـتبـرْ

33.واسـتثنَينْ مـن ذلـك الـتيمـما  للفـرض في الأصـح عنـد العلما

34.وحـيـث مـا عـينَ والتعييـن لا  يُشـرطُ تـفصـيـلاً وأخطا بطلا

35.وخَـرجتْ أشيـا كـرفع أكـبرا   مـن حـدثٍ لـغـالطٍ عن أصغرا

36.وواجـب في الفـرض أن تَعـرَضا   فـيها لـه لا لـلأداء والـقـضا

37.لكـنـه لا يـجـب التـعـرضُ   للفـرض في نحـو الصـيام والوضو

38.ومـا كفـى التوكيـل فيـه أصلاً   واسـتثنَينْ مـهـما تقـارنْ فـعلا

39.واعـتبر الإخـلاص في المنـوي فلا   تـصـح بالتشـريك فـيما نُقلا

40.واسـتثنـيت أشيـاء كالتـحيـة   مـع غـيرها تصـح فـيها النيـة

41.ووقـتهـا فـي قـول كـل قادهْ   مــقــارنٌ لأول الـعـبـادهْ

42.ونحـوها واسـتثنـيتْ منـه صورْ     كالصـوم والزكـاة مما قد ذكـرْ

43.وقـرنـهـا بكـل لـفـظ الأولِ   إن كـان ذكـراً واجبٌ على الجلِي

44.نحـو الصـلاةِ لكـن المـخـتـارُ للبـعـضِ يكـفي عرْفاً استحضارُ

45.كـذاك قـرنهـا عـلى التحـقيقِ بـالأول النـسبـيِّ والحـقـيقي

46.وليـس ذكـراً يجـب استحضارها   إلـى الـفـراغ بل كفى انسحابها

47.أمـا محـلـها فـقلـب النـاوي     فـي كـل مـوضـع بـلا مناوي

48.فـلـيس يكـفي اللـفظ باللسان     مـع انتـفـائـها مـن الجنـانِ

49.واللـفـظ واللـسان حيث اختلفا    فـليُعتبر بالـقلـب مـن غير خفا

50.وشـرطـها الـتمييز والإســلامُ  والـعلـم بالمـنـويِّ يا هـمـامُ

51.وعُـدَّ أيضـاً فَـقْـدُ مـا يـنـافي ونـيـةُ الـقطـع مع الـمنـافِ

52.ومـنـه ردة فـعُـدّ الـقــدرهْ أيـضـاً عـلى الـمنويّ فافقهْ أمرهْ

53.ومـنـه فـقـدُ الحـزمِ والتـرددُ لكـن هـنا مسـتثـنيـاتٌ تَـرِدُ

54.واخـتـلفوا هـل هي ركنٌ أو ُتعدْ شـرطـاً ومـا قـدم فهْـو المعتمدْ

55.وفي اليـمين خصصـت مـا عمّ ولـم تـعمـمْ مـا يـخـصّ جـزما

56.ونـية اللافـظ في الحـكم على مقـاصـد اللفـظ كـما قـد أصِّلا

57.ونـيـة الـلافظ قـول مجـمـلُ مقـاصـد اللفـظ عـليـها تحـملُ

58.واسـتُثنيَ اليـمين عنـد من حكم فهْـي علـى نـيتـه لا ذي قـسَـمْ

59.والـفرض ربـمـا تـأدى فعلهُ   بـنيـة النـفـل اسـتبـانَ نـقلهُ

60.دلـيلهـا مـن الحـديـث يا فـت فـي مـسـلمٍ وغـيره قـد ثـبتا

61.مـن طـرق عـديـدةٍ فـتدخـلُ جـميع الابـواب كـما قـد أَصَّلوا

62.وتـحتـها قـواعـدٌ مسـتكـثره انـدرجـت فـهـاكَـها محـبّـره

63.مـن ذلـك الأصـل كمـا استبانَ بـقـاءُ مـا كـان عـلى مـا كانَ

64.والأصـل فـيما أصّـل الأئـمـهْ بـراءة الـذمـةِ يـا ذا الـتُـهَمَهْ

65.وحـيـث ما شـك اْمـرؤٌ هل فعلا       أوْ لا فالأصل أنه لم يـفعـلا

66.أوْ فـي القـليـلِ والكـثيرِ حُـملا عـلى القـليـلِ حسـبمـا تأصّلا

67.كـذاك ممـا قـعدوا الأصـل العدمْ فـاعرف فروع مـا يجـبى وما قَدِمْ

68.فـالأصـل في الأشيـا الإبـاحـةُ إلا               إن دل للـحـق دليـل قـبـلا

69.كـذا يقـال الأصـل في الأبضـاعِ              الحـظـر مـطلـقاً بـلا دفـاعِ

70.خـاتمـة والأصـل قـد يعـبرُ                 عـنه بالاستصـحاب فيمـا يحضـرُ

71.وأصـلهـا الآيـات والأخـبـارُ               ممـا رواه الـعلـما الأحـبـارُ

72.وكـل تخفـيف أتـى بالشـرعِ                   مـخـرجٌ عنـهـا بـغيـر دفعِ

73.واعلـم بأن سبـب التخـفيـفِ                 في الشـرع سبـعـة بلا تـوقيفِ

74.وذلـك الإكــراه والنسـيـانُ                 والجهـل والعسـر كـما أبانـوا

75.وسـفـر ومــرض ونـقـصُ                 فـهـذه السـبعـة فيمـا نصـوا

76.والقـول في ضبط المشاقّ فاختلف               بحسـب الأحـوال فيمـا قد عرفْ

77.والمشرع تخفـيفـاتـه تنقسـمُ                 سـتـةَ أنـواعٍ كـما قـد رسمـوا

78.تخفـيفُ إسـقاطٍ وتنـقـيص يلي               تخفـيف إبـدالٍ وتـقديـمٍ جـلي

79.تخفـيفُ تأخـيرٍ وترخـيصٍ وقـد          تخفـيفُ تغـييـرٍ يـزادُ فـليـعـدْ

80.ورخـص الشـرع عـلى أقسـامِ             قـد وردت بحـسَـب الأحـكـامِ

81.واجـبـةٌ كـالأكـل للـمضطـرِ             وسـنـةٌ كـالـقصـر ثـم الفطرِ

82.بشـرطـه وما يبـاح كـالسـلمْ             ومـا يـكـون تـركـه هـو الأتمْ

83.كـالجمـع أو مكـروهه كالقصرِ في           دون ثــلاثِ مـراحـلٍ تـفـي .

84.تخـتيمٌ اْلأمـر إذا ضاـق اتـسـعْ             كـما يـقـول الشـافـعيُّ المتبـعْ

85.وربـما تعكـس هـذي اْلْقاعـدهْ                   لـديهـم فـهيَ أيـضـاً واردهْ

86.وقـد يقـال مـا طغـى عـن حدهِ               فـأنـه مـنعـكـسٌ بـضـدهِ

87.وأصـلهـا قـول النبـيِّ لا ضـررْ                 ولا ضـرار حـسبـما قد استقر

88.قـالـوا وينبـني عـليـها مـا لا                   يـحـصـر أبـوابـاً فعِ المقالا

89.ثـم بـهـا قـواعـدٌ تـعـلـقُ                  كـمـا حـكـى المؤلف المحققُ

90.مـنهـا الضـرورات تبيـح المحتظرْ                بشـرطـها الذي له الأصل اعتبرْ

91.ومـا أبيـح للـضـرورةِ قُــدِرْ                  بقـدرها حتماً كأكـل المضطرِرْ

92.لـكـنه خُـرِّج عـن ذا صـورُ                   مـنها العـرايا واللـعـانُ يذكرُ

93.فـائـدةٌ: ثـم المـراتـب هـنا                  تـعـد خمـسـة كـما قد زكنا

94.ضـرورة وحـاجـة ومـنفعـهْ                  وزيـنـة ثـم فـضـول تِـبعَـهْ

95.وكـل مـا جـاز لـضرر بـطلا                   عـنـد زوالـه كـمـا تـأصلا

96.وعُـدّ من تلك الضـرائـر الضررْ                 عـلى الـدوام لا يـزال بالضررْ

97.لكـنه استثـنيَ مـهـما يكـنِ                   فـردُهـما أعـظـم ضُراً فافطنِ

98.فـأنـه يـرتـكـب الـذي يخف                 كـذا في المفـسدتين قد وصـفْ

99.ورجحـوا درء الـمفاسـدِ على                     جـلـب مـصالحٍ كما تأصّـلا

100.فـحيثما مـصلـحة ومفسـدهْ                  تـعـارضـا قُـدم دفـع مفسدهْ

101.خـاتمة: والحـاجة المـشهـورهْ                   قـد نـزلـت مـنزلة الضرورهْ

102.لا فـرق إن تـعـم أو تخـصـا               عنـدهـمُ كـمـا علـيه نُصّـا

103.وأصـلهـا مـن الحـديـث زكنا               فـمـا رآه الـمسلمـون حسنا

104.واعـتـبرت كـالعـرف في مسائلِ               كـثـيرةٍ لـم تنحـصـر لقائلِ

105.ثـم لهـا مـبـاحـثٌ مـهـمـهْ              تـعـلقـت فهَـاكـها بـهمهْ

106.أولـهـا فـيمـا بـه تـثبـت ذي             وأمـره مخـتـلـف فـي المأخذِ

107.فـتـارةً بـمـرةٍ جـزمـاً وفـي               عـيـبِ مـبيعٍ واستحاضة قُفي

108.وتـارةً يـشـترط التــكــررُ               أي مـرتيـن أو ثـلاثـاً يصدرُ

109.كـقـائفٍ ومـا بـه التـصـيّـُدُ               والاْعـتبـار بـالثـلاث أعمَدُ

110.وتـارةً لابـد مـن تــكــراره              إلى حـصـولِ الظـن كاختبارهِ

111.حـالَ الصـبيِّ بالمعـاكـسـة لـه              قـبـل البـلـوغ وسـواها لهْ

112.مـبـحثٌ اْلعـادة ليـسـت تعـتبرْ           إلا لـدى اضـطرادها كما اشتهرْ

113.وحـيثما تعـارض الـعـرف الجـلِي            والشـرع فـليـقـدَمَنْ للأولِ

114.إن لـم يكـن بالشـرع حكـم اعتلَقْ           فأن يكـن فهْـو بتقـديمٍ أحـقْ

115.والعـرف إن عـارضـه الوضـع ففـي         مـقدم عنهـم خـلاف قد قفي

116.فـبعـضٌ الحـقـيقـة الـلـفـظيـهْ           وبـعـضٌ الحـقـيقـة العرفيهْ

117.وقـيـل إن يـعـم وضـعٌ قـدمـا           وقـيـل غير ذاك فاحفظ واْعلما

118.والعـام والخـاص مـن العـرف متى               تعـارضا ففـيـه ضـابط أتى

119.وهـو أن الخـاص حيـث حـُصـِرا            لـم يعتـبر أصـلاً وإلا اْعـتبرا

120.مـبـحـثٌ الـعـادة هـل تـنـزَّلُ           مـنزلـة الشـرط خلافٌ يُنقلُ

121.وغـالب التـرجيـح فـي الفـروعِ لا           يكـون كـالشرط كـما تأصّلا

122.تـخـتيمٌ الـعـبـرة بالـعـرف الذي          قـارن مـع سـبقٍ له في المأخذِ

123.وكـل مـا لـم ينضبـط شـرعاً ولا           وضـعـاً فللعرف رجوعه اْنجلى

تم بحمد الله

 

بسم الله الرحمن الرحيم

01يقـول راجي عفـو ربـه العـلِي    وهُـو أبـو بـكرٍ سـليل الأهْـلِ

02الحـمـد للـه الـذي فَقـهـنا   ولسـلـوك شـرعـه نبـهـنـا

03ثـم صـلاتـه مـع التسـليـمِ    عـلى النبـيِّ الرَءُفِ الـرحـيـمِ

04مـحـمـدٍ وآلـهِ الأطـهــارِ    وصـحـبـهِ الأفـاضـلِ الأبـرارِ

05وتـابعـيـهِـمُ بالاْسـتـقامـهْ    عـلى سـبيـلهـمْ إلى القيـامـهْ

06وبـعدُ فالعـلم عظيـمُ الجـدوى   لا سـيَّمـا الـفقهُ أسـاسُ التقـوى

07وهـو فـنٌ واسـعٌ تنتـشـرُ     فـروعُــهُ بالـعـدِّ لا تنحـصـرُ

08وإنـمـا تضـبط بالـقـواعـدِ  فـحـفظـها مِن أعـظـمِ الفوائـدِ

09وهـذه أرجـوزةٌ مـُحــبّـَرهْ  وجـيـزةٌ مـتـقـنـةٌ مـحـررهْ

10.لخـصتهـا بعـونِ ربي القـادرِ     عـن لجّـَةِ الأشـبـاهِ والنظـائـرِ

11.وأسـألُ اللـهَ تعـالى فـيهـا    إعـانـةً بـحـقـهِ يـُوْفِـيـهـا

قلت: هذه أبيات اخترتها من أصل خمسٍ وثلاثين بيتاً من المقدمة، لأنها توفي بالغرض والحاجة، يذكر فيها المصنف الأهدل اليمني _ رحمه الله تعالى _ إنعام الله تعالى عليه وإفضاله، بأن جعله من أهل العلم ومن أهل بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم يذكر أن الله تعالى اختصه من العلوم بأهمها في حياة الناس اليومية، لكثرة الحاجة إليه، الا وهو علم الفقه، ثم صلى على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلى آله وصحبه ومن تبعهم إلى يوم الدين.

ثم بين _ رحمه الله تعالى _، أن فروع العلوم كثيرة، لا يمكن أحداً جمعها، لكن إذا جمع قواعدها سهل عليه ذلك، ولذا صار إلى وضع نظم يقرب نوعاً من العلوم، ألا وهو علم: قواعد الفقه، ثم سأل الله تعالى الإعانة على توفيتها.

 

الباب الأول

في القواعد الخمس البهية التي ترجع إليها جميع المسائل الفقهية.

في القواعد الخمس البهية التي ترجع إليها جميع المسائل الفقهية.

12.الـفقـه مبـنيٌ عـلى قواعـدِ   خـمـسٍ هـي: الأمـورُ بالمـقاصدِ

13.وبـعدهـا: اليـقينُ لا يُـزالُ     بـالـشـكِ فـاسـتمع لما يُـقـالُ

14.وتـجـلبُ المـشـقةُ التيسيرا    ثـالثـهـا، فـكـن بـها خـبـيرا

15.رابُـعـها فيـما يُقال: الضررُ     يـُزالُ قـولاً لـيـس فـيـه غـررُ

16.خـامسها: العـادةُ قلْ محكَّمـهْ    فـهذه الخـمسُ جـميعاً محـكمـهْ

17.بـل بعضهم قـدْ رجَّع الفقه إلى    قـاعـدةٍ واحــدةٍ مـكـمـّـِلا

18.وهـي اعتبارُ الجلبِ للمصـالحِ    والـدرءِ لـلمفـاسـد الـقبـائـحِ

19.بـل قال قـد يرجع كلـه إلى    أولِ جــــزءِ هـذه وقُــبـلا

 

القواعد: جمع قاعدة، وهي لغةً: أساس الشيء، ولذا قيل: وعلى الأساس قواعدُ البُنيانِ،

و لكل علم قواعد اصطلح أهله عليها، فالنحو له قواعد، والفقه له قواعد، وتعبير المنام أيضاً له قواعد.

 

وفائدة القواعد: أنها تقرب كل علمٍ إلى طالبه، بحيث لا يطول عليه المشوار.

 

وقواعد الفقه هي: تلك المصطلحات التي تجمع عدة مسائل فقهية من باب أو أبواب متفرقة، لكونها تشترك في أمرٍ معين، مثل اشتراط النية فيها، أمثلة:

 

قاعدة الأمور بمقاصدها:

 

أي الأعمال بالنيات، فنضع تحت هذه القاعدة ما يلي من المسائل:

  • الوضوء: لأنه يحتاج إلى نية.
  • الحج: لأنه يحتاج إلى نية.
  • الأضحية: لأنها تحتاج إلى نية.
  • صلاة تحية المسجد: لأنها تحتاج إلى نية.
  • وقوع الطلاق في ألفاظ الكناية: لأنه يحتاج إلى نية.
  • دفع مال الزكاة: لأنه يحتاج إلى نية.

إلى آخر ذلك من الأمثلة.

و لهذا ؛ فأنا أمثل القواعد الفقهية ببستان كبير يجمع كثيراً من أنواع الشجر والنباتات، دون حاجةٍ إلى معرفة أنه ناضج أم لا، أنه للبيع أم لا، وإما أنه فيه أنواع مختلفة من الأشجار مثل:

التفاح، البرتقال، الموز، الورد، الحشائش، الخضراوات……….الخ.

ولهذا: فالقاعدة الفقهية – أصلاً – ليست لاستخراج حكم شرعي معين كالوجوب والندب والسببية مثلاً، بخلاف القاعدة الأصولية، أو أصول الفقه: فهي تشترك مع القواعد الفقهية من حيث كونها قواعد كلية، لكن تختلف عنها بأنها: يمكن استخراج الحكم الشرعي من خلالها،

مثل قاعدة:

الأمر يفيد الوجوب:

فالصلاة مأمور بها، فهي إذن واجبة.

بر الوالدين مأمور به، فهو إذن واجب و هكذا.

ولذا ؛ فأنا أمثل قواعد أصول الفقه بأنها كمشاتل النباتات، يضع الزارع البذر أو الشتل أو غيره من أجل نباته أو إنباته وتحصيل ثمرةٍ منه مطلقاً، وليس القصد مجرد التنويع فقط.

إذن: فقواعد الفقه تجمع مسائل متفرقة متشابهة في الحكم لكي يعرفها الفقيه؛ لا ليأخذ منها حكماً شرعياً يطبقه على المسائل والمستجدات.

وأما قولنا: فقهية:

فالفقه لغة: الفهم، أو مطلق الفهم .

وشرعاً: هو الأحكام الشرعية المعروفة، أو معرفتها،

وعلى كلا القولين، لا بد في الفقيه من ملكة فقهية تهيئوه لأن يكون فقيهاً، وهذه الملكة لا يمكن أن توصل إلى المقصود بدون آلات العلم، التي منها أصول الفقه، وقواعد الفقه.

والقواعد الفقهية الكبرى مختلف فيها نوعاً وعدداً،

لكن الأظهر أنها كما ذكر المصنف _ رحمه الله تعالى _ خمس و هي:

  1. الأمور بمقاصدها أو الأعمال بالنيات.
  2. اليقين لا يزول بالشك وإنما بيقين مثله.
  3. المشقة تجلب التيسير.
  4. الضرر يزال.
  5. العادة محكَّمة.

هذا وقد أرجع العز بن عبد السلام كل القواعد إلى قاعدة واحدة هي: جلب المصالح ودرء المفاسد، بل زعم _ رحمه الله _ أنها راجعة إلى: جلب المصالح، لأنه ما من مفسدة تدفع إلا لتحقيق مصلحة، وهو قول حسن مقبول.

وسنفصّل القول في كل قاعدة على حدة فيما يأتي بإذن الله تعالى.

 

20 .وأسـأل اللـه تعـالى فـيهـا   إعـانـةً بـحـقـه يـُوْفِـيـهـا

والمؤلف _ رحمه الله تعالى _، يستمد العون من الله تعالى، أن يبلغه إنهاء هذه المنظومة، كما وفقه لابتدائها، وقد حقق ما دعى به.

يقول المؤلف _ رحمه الله تعالى _:

بناء الفقه على جملة من القواعد، كأي علم آخر، فللنحو قواعد يبنى عليها، وللصرف قواعد، وللتفسير قواعد وهكذا،

فكذلك للفقه قواعد من وجهين:

الأول: أصول الفقه، وهذا العلم له مباحثه وكتبه.

والثاني: قواعد الفقه الذي هو موضوع هذا النظم .

وهذه القواعد الكلية _ كما سبق قبل قليل _ هي قواعد ذكرناها آنفاً، وذكرنا قول العز بن عبد السلام أيضاً.

وذكر السيوطي _ رحمه الله تعالى _ في ” الأشباه والنظائر ” أنه: ” حكى القاضي أبو سعيد الهروي: أن بعض أئمة الحنفية بهراة بلغه أن الإمام أبا طاهر الدباس إمام الحنفية بما وراء النهر، رد جميع مذهب أبي حنيفة إلى سبع عشرة قاعدة، فسافر إليه، – وكان أبو طاهر ضريراً – وكان يكرر كل يوم تلك القواعد بمسجده بعد أن يخرج الناس منه، فالتف الهروي بحصير، وخرج الناس، وأغلق أبو طاهر المسجد وسرد من تلك الأبيات سبعاً، فحصلت للهروي سعلة، فأحس بها أبو طاهر، فضربه وأخرجه من المسجد، ثم لم يكررها فيه بعد ذلك، فرجع الهروي إلى أصحابه، وتلا عليهم تلك السبع.

قال القاضي أبو سعيد: فلما بلغ القاضي حسيناً ذلك رد جميع مذهب الشافعي إلى أربع قواعد:

الأولى: اليقين لا يزال بالشك.

الثانية: المشقة تجلب التيسير.

الثالثة: الضرر يزال.

الرابعة:العادة محكّمة.

قال: وضم بعض الفضلاء إلى هذه قاعدة خامسة وهي: الأمور بمقاصدها “.

القاعدة الأولى

القاعدة الأولى

الأمور بمقاصدها

قال _ رحمه الله تعالى _:

  1. الأصـل في الأمـور بالمقاصـدِ        مـا جـاء في نـصّ الحديـث الواردِ

22.إنمـا الأعـمـال بـالنيـاتِ          وهـُو مــرويٌّ عـن الـثـقـاتِ

23.قـالـوا وذا الحديث ثلْث العلمِ        وقـيـل ربـْعـه فـجل بالـفهـمِ

24.وهـو في السـبعين باباً يدخـلُ        عـن الإمـام الشـافـعيّ يـنقـلُ

 

الأصل في هذه القاعدة قوله عليه الصلاة والسلام: ” إنما الأعمال بالنيات “. (1)

قلت: وكذلك قوله تعالى: ” وما أمروا إلا ليعبدوا الله مخلصين له الدين “.

وكذلك حديث ابن عباس: “ولكن جهاد ونية”. (2)

وغير ذلك من الأدلة الدالة على اعتبار النية في الأعمال.

قال السيوطي _ رحمه الله تعالى _: ” اتفق الإمام الشافعي وأحمد بن حنبل وابن مهدي، وابن المديني، وأبو داوود، والدارقطني وغيرهم على أنه ثلث العلم،

وقال غيرهم: ربعه،

ووجه البيهقي كونه ثلث العلم: بأن كسب العبد يقع بقلبه ولسانه وجوارحه، فالنية أحد أقسامها الثلاثة وأرجحها، لأنها قد تكون عبادة مستقلة، وغيرها يحتاج إليها.

 

_________

(1) أخرجه البخاري ومسلم _ رحمهما الله تعالى _.

(2) أخرجه البخاري ومسلم.

وكلام الإمام أحمد يدل على أنه أراد بكونه ثلث العلم، أنه أحد القواعد الثلاث التي ترد إليها جميع الأحكام عنده،

فإنه قال: أصول الإسلام على ثلاثة أحاديث: حديث” إنما الأعمال بالنية “، وحديث ” من أحدث في أمرنا ما ليس منه فهو رد “، وحديث ” الحلال بيّن والحرام بيّن “. (1)

وقال أبو داوود: مدار السنة على أربعة أحاديث: حديث: “إالأعمال بالنيات”، وحديث “من حسن إسلام المرء تركه ما لا يعنيه”. (2)

قال: وحديث: “الحلال بيّن”، وحديث: “إن الله طيب لا يقبل إلا طيباً”. (3)

إلى آخر ما ذكره السيوطي _ رحمه الله تعالى _.

و قال الشافعي _ رحمه الله تعالى _ : يدخل _ أي هذا الحديث _ في سبعين باباً . (4)

قال _ رحمه الله تعالى _:

25.ثـم كـلام العلمـا في النيــه        مـن أَوجـهٍ كالشـرط والكـيفيـه

26.والوقـتِ والمقصـودِ منهتا والمحلّ        فـهاكَ فـيه القـولَ من غير خـللْ

27.مقصـودها التمـييز للـعبـاده       مما يـكـون شـبـهها فـي العـاده

28.كـمـا تـَمِيزُ بعضَـها من بعضِ      فـي رتـبٍ كالـغسـل والتَـوَضي

 

بين العلماء _ رحمهم الله تعالى _: ” المقصود الأهم بالنية، وأنه تمييز العبادات من العادات، وتمييز رتب العبادات بعضها من بعض، كالوضوء والغسل، حيث يتردد بين التنظف والتبرد والعبادة، والإمساك عن المفطرات قد يكون للحمية والتداوي، والجلوس في المسجد، قد يكون للاستراحة،

ودفع المال للغير قد يكون هبة أو صلة لغرض دنيوي، وقد يكون قربة كالزكاة والصدقة والكفارة “.

وهكذا كالذبح، فشرعت النية للفرق بين العادة والعبادة من كل أمر مما مضى، وللفرق بين كون الذبيحة ضحية أو عقيقة أو نذراً، التي هي رتب العبادات.

_________

(1) قلت: حديث “من أحدث” رواه البخاري ومسلم، وحديث “الحلال” رواه البخاري ومسلم أيضاّ.

(2) قلت: رواه الترمذي وغيْره وهو حديث ضعيف.

(3) قلت: رواه البخاري ومسلم.

(4) قلت و قد فصل السيوطي _ رحمه الله تعالى _ كيف يدخل في سبعين باباً من الفقه فارجع إليه.

وعليه فأن النية قد تكون شرطاً في العبادة، وقد لا تكون،

والعبادات نوعان:

الأول: عبادات لا تكون عادة، ولا ملتبسة بغيرها، فما كان منها كذلك، فالنية ليست شرطاً فيها، كالإيمان بالله تعالى، والنية، وقراءة القرآن، والأذكار، لأنها متميزة بصورتها، إلا أن تكون القراءة منذورة أو من الأذكار فيشترط فيها نية التمييز. (1)

الثاني : عبادة ملتبسة بغيرها، انظر الصفحة التالية .

” وأما التروك كترك الزنا وغيره، فلم يحتج إلى نية، لكن يحتاج إليها لحصول الثواب ”

ولذا كان الراجح في إزالة النجاسة عدم اشتراط النية لأنها تشبه التروك.

ولذا قال الناظم:

29.فلـم تكـن تشـرط في عبـادة    لـم تشـتبـه هـيئتهـا بـعـادة

30.كـذلك التـروك مـع خـلافِ فـي بعضـهـا والنـدبُ غير خافِ

أي أن النية ليست شرطاً في عبادة مستقلة كما مضى، ذلك في التروك وإن كانت أفعالاً، لكن جرى خلاف في مثل إزالة النجاسة مع أن الأكثر على عدم اشتراطها فيها، مع أنه مستحب فيها ذلك،

ومثل إزالة النجاسة أيضاً غسل الميت فيستحب فيه النية.

قال _ رحمه الله تعالى _:

31.ويشـرط التعـيين فيـما يلـتبس  دون سـواه فـاحفظ الأصل وقسْ

32.وكـل مـا لنيـةِ الفـرض افـتقرْ   فـنية التعـيين فـيـه تـُعـتبـرْ

33.واسـتثنَينْ مـن ذلـك الـتيمـما للفـرض في الأصـح عنـد العلما

34.وحـيـث مـا عـينَ والتعييـن لا  يُشـرطُ تـفصـيـلاً وأخطا بطلا

35.وخَـرجتْ أشيـا كـرفع أكـبرا    مـن حـدثٍ لـغـالطٍ عن أصغرا

36.وواجـب في الفـرض أن تَعـرَضا   فـيها لـه لا لـلأداء والـقـضا

37.لكـنـه لا يـجـب التـعـرضُ  للفـرض في نحـو الصـيام والوضو

هذا والنية شرط في تعيين العبادة التي تلتبس بغيرها، لحديث “إنما الأعمال بالنيات وإنما لكل

_________

(1) قلت: وهذا في الأفعال .

امريء ما نوى” فهو ظاهر في اشتراط التعيين، أي قوله “وإنما لكل امريء ما نوى”.

فمثلاً:

يشترط التعيين في الصلاة مطلقاً في مثل الظهر والعصر، إذ هما متساويتان فعلاً ووصفاً، ولا يميز كلاً منهما إلا تعيين النية،

وكذلك في صلاة النافلة الراتبة لابد من التعيين لتتميز عن بعضها، وكذلك في الصلوات الجامعة كالعيدين، فلابد من التعيين بالفطر والأضحى.

ولذا وجب تعيين النية في الفرائض، كتعيين نية الفجر والعشاء مثلاً.

لكن التيمم لا يلزم فيه نية تعيين الفرض، لكن نية كونه بدلاً عن الوضوء أو الغسل، بنية استباحة فعل الصلاة.

وحيث وجب تعيين النية، فأخطأ فيه، بطل فعله بالجملة،

كأن نوى الاقتداء بزيد مثلاً فبان عمراً، دون الإشارة إليه، بطل عمله جملة، لأن حكمه مع عدم التعيين أو عدم الإشارة، كحكم المقتدى بغائب عنه، وهذا باطل.

ومثل ذلك:من صلى على جنازة دون تعيين أو إشارة فأخطأ، كأن يبين أنثى بدل ذكر،

فهذا يبطل عمله جملة، لأن النية هنا للقربة وليست للتمييز.

لكن خرج عن هذا بعض الأمور، كمن نوى رفع الحدث الأكبر مع أن حدثه أصغر،

لكنه أخطأ لظنه، فأنه لا يضر.

ومثل: من نوى رفع حدث جنابة الجماع، وجنابته بغير ذلك، أو رفع حدث الحيض وحدثها غيره، فأخطأ الكل في هذا لم يضر.

والمطلوب في التعرض للنية في الصلاة، سواء كانت أداءً أم إعادة أم قضاء، أن يتعرض للفرض فقط، دون ربطه بكونه أداء أو غيره، هذا هو الصحيح.

وقال السيوطي _ رحمه الله تعالى _: ” العبادات في التعرض للفرضية على أربعة أقسام:

ما يشترط فيه بلا خلاف، وهو الكفارات،

وما لا يشترط فيه بلا خلاف، وهو الحج والعمرة والجماعة،

وما لا يشترط فيه على الأصح،

وهو الغسل والصلاة والزكاة بلفظ الصدقة (1)،

وما لا يشترط فيه على الأصح، وهو الوضوء والصوم والزكاة بلفظها والخطبة “.

38.ومـا كفـى التوكيـل فيـه أصلاً   واسـتثنَينْ مـهـما تقـارنْ فـعلا

39.واعـتبر الإخـلاص في المنـوي فلا    تـصـح بالتشـريك فـيما نُقلا

40.واسـتثنـيت أشيـاء كالتـحيـة    مـع غـيرها تصـح فـيها النيـة

قال السيوطي _ رحمه الله تعالى _: ” لم تقبل النيابة (2) لأن المقصود اختبار سر العبادة،

قال ابن القاص وغيره: لا يجوز التوكيل في النية إلا فيما اقترنت بفعل، كتفرقة الزكاة، وذبح أضحية، وصوم عن الميت وحج”.

و الإخلاص الذي عناه الناظم، هو محل نظر الفقهاء، وليس الإخلاص المعروف عند أرباب السلوك، فذاك أمره إلى الله حيث لا يعرفه غيره،

لكن المقصود هنا، هل يجوز الجمع بين نيتين في عمل واحد؟

الأصل في ذلك عدم الجواز، في مثل من صلى الظهر بنية الظهر والعصر معاً، فهذا

باطل باتفاق، لكن خرج عن ذلك صور: مثل: تحية المسجد، إذ يجوز أن تصلى بنية سنة الظهر مع تحية المسجد، لأن المقصود إشغال البقعة بالصلاة،

و مثل: من نوى الطواف وملازمة غريمه، فلا بأس بذلك، لأن ملازمة الغريم لا تحتاج إلى قصد أصلاً، إذ تحصل اتفاقاً،

ومثل: من اغتسل ناوياً غسل الجنابة والجمعة صح ووقعا جميعاً.

هذا والرياء إن كان من العمل من البداية أو طرأ على العمل فغلب على الإخلاص، فالعمل باطل وأجره حابط عياذاً بالله تعالى.

41.ووقـتهـا فـي قـول كـل قادهْ مــقــارنٌ لأول الـعـبـادهْ

42.ونحـوها واسـتثنـيتْ منـه صورْ   كالصـوم والزكـاة مما قد ذكـرْ

43.وقـرنـهـا بكـل لـفـظ الأولِ    إن كـان ذكـراً واجبٌ على الجلِي

44.نحـو الصـلاةِ لكـن المـخـتـارُ    للبـعـضِ يكـفي عرْفاً استحضارُ

_________

(1) قلت: لأن لفظ الصدقة مجمل يحتمل الزكاة وغيرها.

(2) قلت: يعني في النية.

45.كـذاك قـرنهـا عـلى التحـقيقِ      بـالأول النـسبـيِّ والحـقـيقي

46.وليـس ذكـراً يجـب استحضارها    إلـى الـفـراغ بل كفى انسحابها

الأصل في وقت النية، أن تكون أول العبادات، لكن جاز في الصوم تقدمها لعسر المراقبة على العموم من الناس، وكذلك في الزكاة الأصح جواز تقديم نيتها، وكذا يجوز تأخير نية صوم النفل، وكذا الجمع تكون نيته متقدمة على الفعل، أي تكون في الصلاة الأولى دون الثانية، وكذا نية الضحية يجوز تقدمها على الذبح وهكذا، هذا قول القدوة من أهل العلم عندنا.

والعبادة المبتدأة بالذكر اللفظي كالصلاة، وجب اقتران نيتها باللفظ،

ومعناه: أن تكون النية مع كل حروف اللفظ من البداية وحتى النهاية، وقيل يكفي اقترانها بأول الذكر.

ومثل ذلك كناية الطلاق، ومن ذلك أيضاً الوضوء والغسل، فيستحب اقتران النية فيهما بالتسمية.

لكن المختار عند النووي والبعض أنه: يكفي استحضارها عرفاً كما تعرفه العوام، فلا

يشترط اقتران النية، وهو معنى انسحاب النية على الفعل،

ومفهومه: أن العبد لا يحتاج إلى تذكر النية مع كل فعل على حدة، بأن يتذكره مع القيام في الصلاة ثم مع الركوع ثم مع السجود وهكذا إلى آخر الصلاة، بل تكفي النية في أولها، الأمر الذي يجعل حكم النية في أول العبادة، جارياً عليها كلها ولو غابت عن ذهن العبد في فعل منها، وكذا الوضوء والحج، فنية العبد للحج في البداية،

تكفي عن استحضاره النية عند الطواف أو الوقوف مثلاً:

لأن حكمها عند الإحرام شامل لكل مناسك الحج، هذا هو مفهوم السحب.

والعبادة لها أولان:

حقيقي: وهو أول فعل يقوم به العبد، فأول الصلاة التكبير، وأول الوضوء التسمية.

نسبي: مثل النقل للتراب في التيمم، لأن الأول الحقيقي فيه هو مسح الوجه بالتراب.

ومثل هذا يجب اقتران النية بهما أعنى: الأول الحقيقي والنسبي.

هذا واستحضار النية مع كل أجزاء العبادة وإن لم يكن واجباً لكنه يستحب.

47.أمـا محـلـها فـقلـب النـاوي    فـي كـل مـوضـع بـلا مناوي

48.فـلـيس يكـفي اللـفظ باللسان    مـع انتـفـائـها مـن الجنـانِ

49.واللـفـظ واللـسان حيث اختلفا     فـليُعتبر بالـقلـب مـن غير خفا

النية محلها القلب في كل العبادات، ولا يكفي اللفظ بدون القلب، كما لا يشترط اللفظ مع القلب، وعليه:

فإن اختلف اللفظ عن القلب، كمن نوى الظهر بالعصر خطأ، فالعبرة بالقلب دون اللفظ، فتكون الصلاة صحيحة، وكذلك إن سبق لسانه إلى لفظ اليمين دون قصد منه، فلا ينعقد يمينه، ولو حنث لا تتعلق به كفارة لعدم انعقاده أصلاً، لكن أخرجوا الطلاق عن ذلك، لأن العادة فيه أنه مقصود، والله أعلم. المناوي: معناه المعادي.

50.وشـرطـها الـتمييز والإســلامُ  والـعلـم بالمـنـويِّ يا هـمـامُ

51.وعُـدَّ أيضـاً فَـقْـدُ مـا يـنـافي  ونـيـةُ الـقطـع مع الـمنـافي

52.ومـنـه ردة فـعُـدّ الـقــدرهْ  أيـضـاً عـلى الـمنويّ فافقهْ أمرهْ

53.ومـنـه فـقـدُ الحـزمِ والتـرددُ   لكـن هـنا مسـتثـنيـاتٌ تَـرِدُ

شروط النية لكي تكون صحيحة مقبولة:

  1. الإسلام: ومن ثم لم تصح العبادات من الكافر.
  2. التمييز: لأن إدراك معنى العبادة متعلق بالعقل، ومن لا يميز وكذا المجنون، لا يمكنهما ذلك، لذا لا تصح العبادة منهما، ومعنى التمييز مثلاً، أن يصل الصبي إلى حدّ التفريق بين حقيقة الركوع والسجود، وبين الجلوس بين الركعتين والتشهد (1).
  3. العلم بالمنوي: بمعنى أن يكون عارفاً بأن الفعل الذي يريد فعله فرض أم سنة أم غير ذلك، فأن فعل الفرض يظنه سنة لم يصح منه ذلك.

لكن رخص البعض في ذلك للعوام لعدم قدرتهم على التمييز بين الفرض وغيره، أو بين الركن

وغيره، فأن كان العامي كذلك صحت عبادته. (2)

_________

(1) ملاحظة: بعض الناس يترك الدعاء لنفسه ويطلب ذلك من الأطفال، وهذا خطأ من وجهين:

  • أن العبد أعرف بما يريد.
  • وأن الطفل لا يصح منه الدعاء لعدم الإدراك.

(2) ذكره السيوطي عن الغزالي.

4.أن لا يأتي بما ينافي النية فيعود عليها بالبطلان، ولذلك صور:

أ _ نية القطع: أي أن ينوي قطع النية التي ابتدأ بها الفعل، كمن نوى قطع الصلاة أثناء فعلها بطلت بلا خلاف، مثل من نوى قطع الإيمان عياذاً بالله تعالى.

لكن لا ينطبق هذا على من نوى قطع الصيام والحج والعمرة مثلاً، للفرق، حيث إن الصلاة مخصوصة من بين سائر العبادات بوجوه من الربط ومناجاة العبد ربه.

ب _ الردة: عياذاً بالله تعالى، فهي تبطل كل عمل حتى الإيمان.

ج _ نية القلب: أي تحويل العمل إلى عمل آخر، كمن دخل في صلاة فرض، فنقلها أثناءها إلى فرض آخر، فعندها يبطل الإثنان، و مثله: من نقل عملاً راتباً إلى عمل راتب آخر، كمن نقل سنة الفجر إلى الوتر أو العكس، فهذا أيضاً يبطل فيه الأمران، أما من صلى خطأ أو جهلاً الفرض قبل وقته فهذا يقع نفلاً.

وكذلك من صلى فرضاً منفرداً، ثم أقيمت جماعة، فصلى ركعتين، تحسبان له نافلة.

د _ عدم القدرة على المنوي: كنية المرأة التي هي مع زوجها، نوت مسافة القصر،

فلا يصح منها لأنها تابعة لزوجها لا تقدر على تقدير المسافة.

ه _ التردد وعدم الجزم بالنية: كمن تردد في قطع الصلاة، أو لم يجزم نيتها، بطلت صلاته في الحالتين، وكمن صلى شاكاً وغير جازم بدخول الوقت، بطلت صلاته كذلك، وكمن دفع مالاً من غير جزم بكونه زكاة أو صدقة عامة، أو أنه تردد في ذلك لم تقع زكاة بل صدقة.

فائدة:

قد تصح بعض النيات ولو مع التردد للحاجة أو الضرورة:

مثل: من اشتبه عليه ماء وماء ورد، فلا يجتهد بل يتوضأ بكلٍ مرة، ويغتفر التردد في النية للضرورة.

وكمن صلى منفرداً فريضته، ثم أعادها جماعة، وبعدها تبين له فساد الأولى أجزأته الثانية، وهكذا كمن شك هل هو متوضي أم لا، فتوضأ ناوياً الوضوء إن كان محدثاً، وإلا فتجديد صح عن الفرض، وكمن نوى ليلة الثلاثين من شعبان صوم غد إن كان من رمضان، فهذا أيضاً يصح ولا يضر التردد فيه، والله أعلم.

 

54.واخـتـلفوا هـل هي ركنٌ أو ُتعدْ  شـرطـاً ومـا قـدم فهْـو المعتمدْ

55.وفي اليـمين خصصـت مـا عمّـا   ولـم تـعمـمْ مـا يـخـصّ جـزما

56.ونـيـة الـلافـظ في الحـكم على مقـاصـد اللفـظ كـما قـد أصِّلا

57.ونـيـة الـلافظ قـول مجـمـلُ   مقـاصـد اللفـظ عـليـها تحـملُ

58.واسـتُثنيَ اليـمين عنـد من حكم    فهْـي علـى نـيتـه لا ذي قـسَـمْ

59.والـفـرض ربـمـا تـأدى فـعلهُ بـنيـة النـفـل اسـتبـانَ نـقلهُ

اختلف الشافعية هل النية في العبادات ركن لكونها داخلة فيها، أم أنها شرط، اختار الأكثر _ على ما ذكره السيوطي _ رحمه الله تعالى _ أنها ركن،

لأنها لو كانت شرطاً، للزم لها نية أخرى، وهذا باطل.

هذا ويصح تخصيص اللفظ العام بالنية: كمن حلف لا يكلم أحداً،

لكنه نوى: خليلاً مثلاً، فلا يحنث إلا إذا كلم خليلاً دون غيره، لصحة تخصيص اللفظ العام بالنية.

أما الخاص: فلا تعممه النية، كمن أكل أو شرب عند شخص فمنَّ عليه بذلك، فحلف لا يشرب عنده من عطش، فهذا لا يحنث بغير شربه من العطش.

وكذلك مقصد اللفظ: يكون حسب نية صاحبه، فلا يحكم عليه بمجرد اللفظ، بل لابد من اعتبار النية، كجنب أدخل يده في الإناء بعد النية قاصداً رفع الحدث صار الماء مستعملاً،

بخلاف ما إذا أدخلها قبل النية يريد مجرد الاغتراف فقط،

وكمن قال لزوجته: أنت طالق وطالق وطالق، فأن نوى التأكيد حسبت طلقة واحدة فقط، وإن نوى الاستئناف حسبت ثلاثاً،

و إن قال: أنت عليّ كعين أمي أو رأسها مما يحتمل الكرامة، فأن أراد الظهار فكذلك، وإن أراد الاحترام فلا شيء عليه.

و كذلك إذا نطق بالقرآن في الصلاة، فأن نوى القرآن لم تبطل، وإن قصد به التفهيم فقط بطلت،

وإن أطلق أي لم ينو شيئاً، الأصح البطلان، لأنه في حكم كلام الآدمي كما قال النووي _ رحمه الله تعالى _.

والجنب إن تلفظ بأذكار القرآن يقصد القرآن فقط فهو حرام،

وإن قصد مجرد الأذكار فلا شيء عليه، وإن قصد الإثنين أو أطلق حرم أيضاً.

هذا والنية المعتبرة في القضاء، هي نية المستحلِف لا نية الحالف، لأن اعتبار نية الحالف يؤدي إلى ضياع الحقوق.

فائدة:

من الصور التي تجزئ نية النفل فيها عن نية الفرض _ وضابطها _ كما قال النووي _ رحمه الله تعالى _:

أن تسبق نية تشمل الفرض والنفل جميعاً.

ومثالها:

  • جلس للتشهد الأخير وهو يظنه الأول، والأول عندنا سنة، ثم تذكر كونه في الأخير أجزأه ذلك، لأن المقصود وهو الجلوس قد حصل.
  • توضأ رجل، فنسي مقدار لمعة لم يصبها الماء، فلما كرر الثانية أو الثالثة، أدركها بالماء صح وضوءه في الأصح.
  • نوى الحج أوالعمرة أو الطواف تطوعاً، وهو لم يؤد الفرض، وقع فعله عن الفرض بلا خلاف.

القاعدة الثانية

القاعدة الثانية

اليقين لا يزول بالشك

60.دلـيلهـا مـن الحـديـث يا فـتى   فـي مـسـلمٍ وغـيره قـد ثـبتا

61.مـن طـرق عـديـدةٍ فـتدخـلُ    جـميع الابـواب كـما قـد أَصَّلوا

وهذه القاعدة عظيمة القدر جداً، حيث تدخل في جميع أبواب الفقه، ويمكن أن يخرَّج عليها مسائل كثيرة جداً، ودليلها من الحديث الصحيح قوله عليه الصلاة والسلام:

” إذا وجد أحدُكُم في بطنه شيئاً، فأشكل عليه، أخرج منه شيء أم لا، فلا يخرجن من المسجد

حتى يسمع صوتاً أو يجد ريحاً ” (1)، وحديث: ” إذا شك أحدكم في صلاته فلم يدر كم صلى، أثلاثاً أم أربعاً، فليطرح الشك، وليَبْنِ على ما استيقن ” (2).

_________

(1) رواه البخاري ومسلم.

(2) رواه أحمد ومسلم.

62.وتـحتـها قـواعـدٌ مسـتكـثرة    انـدرجـت فـهـاكَـها محـبّـرة

63.مـن ذلـك الأصـل كمـا استبانَ     بـقـاءُ مـا كـان على كانَ

64.والأصـل فـيما أصّـل الأئـمـهْ      بـراءة الـذمـةِ يـا ذا الـتُـهَمَهْ

65.وحـيـث ما شـك اْمـرؤٌ هل فعلا  أوْ لا فـالأصـل أنـه لـم يـفعـلا

66.أوْ فـي القـليـلِ والكـثيرِ حُـملا     عـلى القـليـلِ حسـبمـا تأصّلا

قال: وتحت هذه القاعدة قواعد كثيرة حسنة، وعد ببيانها وذكرها.

منها قاعدة:

الأصل بقاء ما كان على ما كان:

أي: أن العبد المكلف إذا كان على وضع ما، فلا ينتقل عنه بمجرد الشك،

لأن الأصل: خلاف الشك مثل:

  • من توضأ ثم شك في الحدث، فالطهارة متيقنة فيبقى عليها، ولا يلزمه الوضوء بمجرد الشك الطاريء.
  • تسحّر في آخر الليل ثم شك هل طلع الفجر، فصيامه صحيح لأن الأصل بقاء الليل، بخلاف أكله آخر النهار مع الشك في الغروب يبطل صومه لأن الأصل بقاء النهار.

ومنها:

الأصل براءة الذمة:

كمن ادعى من غير بينة ولا إقرار، أن له على فلان ديناً، فلا يلزم الدين من ادعي عليه لأن الأصل براءة ذمته من ذلك، حتى تثبت البينة أو يقر على نفسه.

وكمن أتلف شيئاً ثم اختلف في قيمته، فالقول فيه قول الغارم لأن الأصل براءة ذمته من ذلك فلا

يزاد عليه ما لم يظلم أو يظهر كذبه.

ومنها:

أن من شك هل فعل شيئاً أم لا، فالأصل أنه لم يفعله:

ويدخل فيها:

من فعل فشك في القليل والكثير حمل على القليل لأنه اليقين.

وكمن صلى فشك هل ركع أم لا، فهو لم يفعله، لأن الأصل العدم.

وكمن صام فشك هل نوى أم لا فهو لم ينو، لأن الأصل العدم.

وكمن طاف فشك هل طاف خمساً أم ستاً، بنى على الأقل لأنه اليقين.

وكمن استدان فقضى من دينه شاكاً، هل هو النصف أم الكل وليست بينة، فاليقين النصف فيحمل عليه.

وكمن أتى أهله ثم شك هل اغتسل أم لا فاليقين عدم الغسل، فيلزمه.

وكمن شك هل طلق أو حلف يميناً، لا يقع الطلاق،لأن اليقين عدمه، والطلاق لايقع بالشك.

قلت: ومما يندرج تحت هذه القاعدة:

قاعدة:

الأصل في الأشياء الإباحة، حتى يدل الدليل على التحريم:

مثل الحيوان المشكل أمره في الحل والحرمة، فهو حلال للأصل.

ومثل وجود ماء وليس عليه علامة لأحد ثم شك فيه، فالأصل جواز الشرب من غير إذن لأن الأصل عدم الملك فيكون مباحاً.

ومنها: قاعدة:

الأصل في الأبضاع التحريم:

فأن قيل في امرأة حل وحرمة، أي: شك فيها، فالأصل التحريم.

وهذا عام في كل الفروج، لأن الأصل فيها التحريم، حتى يثبت عكسه.

ومنها: الأصل في الأشياء الطهارة في الأعيان حتى تثبت النجاسة:

كمن شك في نجاسة الماء، فالتوضوء به جائز لأن الأصل الطهارة.

وكمن شك في نجاسة نبات ما، لايدري ما هو، فالأصل فيه الطهارة وعدم التنجس.

ولذا قال الناظم _ رحمه الله تعالى _ فيها أيضاً:

67.كـذاك ممـا قـعدوا الأصـل العدمْ      فـاعرف فروع مـا يجـبى وما قَدِمْ

68.فـالأصـل في الأشيـا الإبـاحـةُ إلا       إن دل للـحـق دليـل قـبـلا

69.كـذا يقـال الأصـل في الأبضـاعِ        الحـظـر مـطلـقاً بـلا دفـاعِ

 

 

قال _ رحمه الله تعالى _:

70.خـاتمـة والأصـل قـد يعـبرُ عـنه بالاستصـحاب فيمـا يحضـرُ .

هذا و بعض العلماء يطلق على هذه القواعد كلها عبارة: استصحاب الأصل،

أو: استصحاب حكم الأصل، لأنها بمعنى: بقاء ما كان على ما كان، سواء من حيث الحكم أو العدد أو الوصف أو غير ذلك مما مضى شرحه.

القاعدة الثالثة

القاعدة الثالثة

المشقة تجلب التيسير

71.وأصـلهـا الآيـات والأخـبـارُ         ممـا رواه الـعلـما الأحـبـارُ

72.وكـل تخفـيف أتـى بالشـرعِ           مـخـرجٌ عنـهـا بـغيـر دفعِ

والأصل فيها قوله تعالى: ﴿ يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ ﴾،

و قوله تعالى: ﴿ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ ﴾،

و قوله صلى الله عليه وسلم:” إني أرسلت بحنيفية سمحة ” أخرجه أحمد.

و ما ثبت عنه صلى الله عليه وسلم:” إنما بعثتم ميسرين، ولم تبعثوا معسرين ” رواه الشيخان، وحديث” يسّروا ولا تعسّروا ” رواه الشيخان، وغيرها من الأدلة.

73.واعلـم بأن سبـب التخـفيـفِ      في الشـرع سبـعـة بلا تـوقيفِ

74.وذلـك الإكــراه والنسـيـانُ      والجهـل والعسـر كـما أبانـوا

75.وسـفـر ومــرض ونـقـصُ    فـهـذه السـبعـة فيمـا نصـوا

يبين المصنف _ رحمه الله تعالى _، أن أسباب التخفيف في العبادة وغيرها سبعة أمور _ وهي من حيث العدد ثابتة بالاستقراء وليس بالشرع _، وكل واحدة من هذه السبعة له رخصٌ خاصة،

وهذه السبعة هي:

1- الإكراه:

و هو حمل العبد اضطراراً على أمر ما، لا يمكنه التخلص منه إلا بفعل المحظور، والإكراه يبيح قول أو عمل الكفر الظاهر مع طمأنينة القلب بالإيمان، وكذلك يبيح شرب الخمر وأكل الميتة، لكن لا يبيح القتل ولا الزنى ولا اللواط.

2- النسيان:

و هو ذهول القلب عن الأمر، فيقع صاحبه في المعصية بسبب ذلك، والنسيان رافع للإثم عن الفاعل، لأنه في حالة النسيان لا يكون مكلفاً، كمن أكل أو شرب أو جامع ناسياً في نهار رمضان، فأن صومه يظل باقياً ولا يبطل، ولا يكون آثماً كذلك، وكمن زاد في الصلاة ركعة أخرى فأنه لا تبطل صلاته بذلك ولا يأثم أيضاً، وباب النسيان واسع يشمل كثيراً من المسائل، لكن إن ترتب على نسيانه ضرر مادي يلحق بالآخرين فأنه يضمن ذلك.

3- الجهل:

و هو عدم العلم بالحكم الشرعي، فيقع فيه وهو غير قاصدٍ تعدي شرع الله تعالى، والجاهل معذور غير مكلّف، على تفصيل في ذلك ليس هذا محله.

فمن تكلم في صلاته مثلاً جاهلاً المنع من ذلك، فصلاته صحيحة ولا إثم عليه.

ودليل هذه الثلاث الماضية قوله عليه الصلاة والسلام:”وضع عن أمتي الخطأ والنسيان وما استكرهوا عليه” (1).

4- العسر:

و هي المشقة الناتجة عن عموم البلوى، وذلك بأن يشق على العبد تجنب أمر ما، فيسقط حكمه لأجل ذلك، مثل الصلاة مع النجاسة المعفو عنها، كدم القروح والصديد، ومثل ذرق الحمام وغيرها في المساجد وأثناء الطواف.

5- السفر:

و هو مغادرة محل الإقامة مسافة معروفة.

ومن رخص السفر القصر والمسح أكثر من يوم، وترك الجمعة، والتنفل على الدابة، والإقراع بين النساء لمن كان له أكثر من واحدة.

_________

(1) رواه ابن ماجه وهو حديث حسن.

6- المرض:

و هو معروف، وهو لحوق ضرر أو أذى أوضعف في البدن بحيث يسبب عجزاً أو عدم قدرة على فعل الأمر المطلوب منه شرعاً، مما يبيح له فعل ما يخالفه للضرر الناتج عن المرض، ورخصه كثيرة مثل:

جواز التيمم لمن يتضرر من الماء، وكذلك التخلف عن الجمعة والجماعة والجهاد وغير ذلك، كما يبيح للمصلي ترك القيام وإتمام الركوع والسجود إن عجز عنها.

7_ النقص:

و هو نوع من المشقة، لأن صاحبه لا يكون كامل الأهلية للتكليف، فيسقط عنه، ومن ذلك:

عدم تكليف الصبي، والمجنون، وعدم تكليف النساء بكثير مما يجب على الرجال كالجماعة والجمعة والجهاد وتحمل العقل وغير ذلك.

76.والقـول في ضبط المشاقّ فاختلف         بحسـب الأحـوال فيمـا قد عرفْ 77.والشرع تخفـيفـاتـه تنقسـمُ         سـتـةَ أنـواعٍ كـما قـد رسمـوا 78.تخفـيفُ إسـقاطٍ وتنـقـيص يلي       تخفـيف إبـدالٍ وتـقديـمٍ جـلي 79.تخفـيفُ تأخـيرٍ وترخـيصٍ وقـد         تخفـيفُ تغـييـرٍ يـزادُ فليعدْ

قال السيوطي _ رحمه الله تعالى _:

” المشاق على قسمين :

النوع الأول:مشقة لا تنفك عنها العبادة غالباً:

كمشقة البرد في الوضوء والغسل، ومشقة الصوم في شدة الحر

وطول النهار، ومشقة السفر التي لا انفكاك للحج والجهاد عنها، و مشقة ألم الحدود ورجم الزناة وقتل البغاة، فلا أثر لهذه في إسقاط العبادات في كل الأوقات.

النوع الثاني : مشقة تنفك عنها العبادات غالباً وهي على مراتب:

الأولى: مشقة عظيمة فادحة:

كمشقة الخوف على النفوس، والأطراف ومنافع الأعضاء، مهي موجبة للتخفيف والترخيص قطعاً، لأن حفظ النفوس والأطراف لإقامة مصالح الدين أولى من تعريضها للفوات في عبادة، أو عبادات يفوت بها أمثالها.

الثانية: مشقة خفيفة لا وقع لها:

كأدنى وجع إصبع،وأدنى صداع في رأس، أو سوء مزاج خفيف، فهذه لا أثر لها، ولا التفات إليها، لأن تحصيل مصالح العباد أوْلى من دفع هذه المفسدة التي لا أثر لها.

الثالثة: متوسطة بين هاتين المرتبتين:

فما دنا من المرتبة العليا، أوجب التخفيف، أو من الدنيا، لم يوجبه كحمى خفيفة، ووجع الضرس اليسير، وما تردد في إلحاقه بأيهما اختلف فيه، ولا ضبط لهذه المراتب إلا بالتقريب “. (1)

80.ورخـص الشـرع عـلى أقسـامِ      قـد وردت بحـسَـب الأحـكـامِ

81.واجـبـةٌ كـالأكـل للـمضطـرِ    وسـنـةٌ كـالـقصـر ثـم الفطرِ

82.بشـرطـه وما يبـاح كـالسـلمْ      ومـا يـكـون تـركـه هـو الأتمْ

83.كـالجمـع أو مكـروهه كالقصرِ في      دون ثــلاثِ مـراحـلٍ تـفـي

و رخص الشرع: والرخصة هي:

تغير الحكم الشاق إلى حكم سهل، لفترة زمنية تدوم بدوام الضرر، مع وجود التكليف أصلاً، وإلا لسقط الحكم بالكلية.

وهي: إما واجبة:

كالأكل من الميتة للمضطر، والفطر لمن خاف الهلاك ولو مقيماً صحيحاً.

أو مندوبة:

كالفطر في السفر، والفطر للمشقة في السفر بشرطه وهو أن يبلغ ثلاث مراحل،

والنظر للمخطوبة.

أو مباحة:

كالسلم والإجارة من القاضي لأموال المفلس كي يتسنى قضاء دينه.

والسلم:

بيع موصوف في الذمة بتعجيل الثمن، وهو الآن مثل بيع الأنموذج ( الكتلوج ) .

 

_________

(1) ا.ه 1/162.

الأَوْلى:

كالجمع بين الصلاتين فتركه أوْلى، ومثل المسح على الخف،

وقيل بأن تركه أوْلى: لأن العمل بالأصل أفضل إلا لعلة مانعة قهراً.

مكروه:

كالقصر في أقل من ثلاث مراحل، خروجاً من خلاف أبي حنيفة _ رحمه الله تعالى _.

84.تخـتيمٌ اْلأمـر إذا ضاـق اتـسـعْ    كـما يـقـول الشـافـعيُّ المتبـعْ

85.وربـما تعكـس هـذي اْلْقاعـدهْ     لـديهـم فـهيَ أيـضـاً واردهْ 86.وقـد يقـال مـا طغـى عـن حدهِ     فـأنـه مـنعـكـسٌ بـضــدهِ

قاعدة: الأمر كلما ضاق اتسع، نسبها السيوطي للإمام الشافعي _ رحمه الله تعالى _، وذكر في أشباهه أنه أجاب بها في ثلاثة مواطن وهي:

1.إذا فقدت المرأة وليلها في سفر، فولت أمْرها رجلاً يجوز.

2.في أواني الخزف المعمولة بالسرجين (1)، أيجوز الوضوء منها.

3.سئل عن الذباب يجلس على غائط ثم يقع على الثوب. (2)

و هذه القاعدة ربما انعكست، أي تصبح: كلما اتسع الأمر ضاق،

مثل: قليل العمل في الصلاة، لما اضطر إليه سومح به، وكثيره لما لم يكن به حاجة لم يسامح به. (3)

وقد ترجم الغزالي _ رحمه الله تعالى _ هذه القاعدة بقوله:

” كل ما تجاوز عن حده انعكس إلى ضده “.

القاعدة الرابعة

القاعدة الرابعة

الضرر يزال

87.وأصـلهـا قـول النبـيِّ لا ضـررْ               ولا ضـرار حـسبـما قد استقرْ

88.قـالـوا وينبـني عـليـها مـا لا             يـحـصـر أبـوابـاً فعِ المقالا

_________

(1) قلت: أي النجاسة.

(2) ا.ه سيوطي 1/165.

(3) انظر أشباه السيوطي 1/165.

أصلها قول النبي صلى الله عليه وسلم: “لا ضرر ولا ضرار” (1)، وهو حديث حسن، تشهد له عموم الآيات والقواعد العامة من الدين، وهي قاعدة عظيمة جليلة ينبني عليها كثير من القواعد والأحكام الهامة.

89.ثـم بـهـا قـواعـدٌ تـعـلـقُ        كـمـا حـكـى المؤلف المحققُ

90.مـنهـا الضـرورات تبيـح المحتظرْ       بشـرطـها الذي له الأصل اعتبرْ

91.ومـا أبيـح للـضـرورةِ قُــدِرْ         بقـدرها حتماً كأكـل المضطرِرْ

92.لـكـنه خُـرِّج عـن ذا صـورُ          مـنها العـرايا واللـعـانُ يذكرُ

المؤلف المحقق: هو السيوطي _ رحمه الله تعالى _، فقال: ” اعلم أن هذه القاعدة ينبني عليها كثير من أبواب الفقه، .، ويتعلق بهذه القاعدة قواعد:

الأولى: الضرورات تبيح المحظورات، بشرط عدم نقصانها عنها (2)، ومن ثم جاز أكل الميتة عند المخمصة.

الثانية: ما أبيح للضرورة قدر بقدرها: ومن فروعه:

المضطر: لا يأكل من الميتة إلا بقدر سد الرمق، ومن استشير في خاطب، واكتفى بالتعريض، لم يعدل إلى التصريح “.

و قال _ رحمه الله تعالى _: ” خرج عن هذا الأصل صور:

منها: العرايا فأنها أبيحت للفقراء، ثم أبيحت للأغنياء في الأصح.

ومنها اللعان: جوز حيث تعسر إقامة البينة على زناها، ثم جاز حيث يمكن على الأصح “. (3)

93.فـائـدةٌ: ثـم المـراتـب هـنا                تـعـد خمـسـة كـما قد زكنا

94.ضـرورة وحـاجـة ومـنفعـهْ                وزيـنـة ثـم فـضـول تَـبِعَـهْ

في هذين البيتين، بيان مراتب ما يضطر إليه، وهي خمسة:

ضرورة، وحاجة، ومنفعة، وزينة، وفضول.

فالضرورة:

_________

(1) رواه مالك والحاكم وغيرهما.

(2) قلت: أي بشرط كون الضرورة أعظم وأكبر من المحظور.

(3) ا.ه من الأشباه 1/166-176 مختصراً.

بلوغ حدٍ بعدم مخالفته يحصل الهلاك أو قريب منه، أي: من الهلاك، وهذا يبيح تعاطي المحرم.

والحاجة:

بلوغ حدٍ فيه الجهد والتعب الشديد، لكن دون الهلاك.

المنفعة:

هو ما يستعمل من باب الانتفاع بدون حرج أو مشقة، لكن للتشهي والتلذذ، كتناول لحم الضأن والطعام الدسم.

والزينة:

ما كان دون المنفعة، كتناول الحلوى ولبس الثوب المنسوج من فاخر الخياط.

والفضول:

هو التوسع بما يحرم عياذاً بالله تعالى.

95.وكـل مـا جـاز لـضرر بـطلا          عـنـد زوالـه كـمـا تـأصلا

أي: ما جاز لضرر، زال بزواله، كمن تيمم لمرض، فأنه يبطل وينتهي تيممه إذا بريء من مرضه.

96.وعُـدّ من تلك الضـرائـر الضررْ           عـلى الـدوام لا يـزال بالضررْ

97.لكـنه استثـنيَ مـهـما يكـنِ            فـردُهـما أعـظـم ضُراً فافطنِ

98.فـأنـه يـرتـكـب الـذي يخف         كـذا في المفـسدتين قد وصـفْ

99.ورجحـوا درء الـمفاسـدِ على            جـلـب مـصالحٍ كما تأصّـلا

100.فـحيثما مـصلـحة ومفسـدهْ           تـعـارضـا قُـدم دفـع مفسدهْ

101.خـاتمة: والحـاجة المـشهـورهْ          قـد نـزلـت مـنزلة الضرورهْ

102.لا فـرق إن تـعـم أو تخـصـا        عنـدهـمُ كـمـا علـيه نُصّـا

من فروع قاعدة: الضرر لا يزال بضرر مثله:

عدم جواز أكل طعام مضطر لمضطر آخر، ومثل وقوع جوهرة في زجاجة، لا يمكن إخراجها إلا بكسرها كسرت لكن مع الضمان.

لكن يستثنى إذا ما كان أعظم ضرراً، ولهذا شرع القصاص، والحدود وقتال البغاة.

ونشأ من هنا قاعدة:

إذا تعارض مفسدتان روعي الأعظم بارتكاب الأخف.

وكذلك قاعدة:

درء المفاسد أوْلى من جلب المصالح.

فمثال الأولى:

كمن تعدى عليه أناس يريدون قتله أو ماله، فيراعى الأخف دفعاً للأثقل، فيعطيهم المال.

ومثال الثانية:

من أراد أن يأمر بالمعروف، لكنه سيفسد مفسدة هي فوق المعروف الذي يريده، فيسكت عن الأمر بالمعروف حتى لا تقع مفسدة أكبر.

وكذلك هناك قاعدة هامة وهي:

الحاجة تنزل منزلة الضرورة، عامة كانت الحاجة أو خاصة.

ولذا جازت الإجارة والجعالة، وإن كانت على خلاف القياس، لأن الأصل في العقد أن يكون على موجود، والمنفعة هنا أي في الإجارة مفقودة، لكن جازت للحاجة، والإجارة من جنس البيع، التي يشترط فيها وجود المعقود عليه.

والجعالة فيها ما يمنع صحة العقد، لكن جازت أيضاً لمسيس الحاجة إليها.

والحاجة جائزة، سواء كانت خاصة بشخص، أو عامة لجماعة الناس والله أعلم.

القاعدة الخامسة

القاعدة الخامسة

العادة محكّمة

103.وأصـلهـا مـن الحـديـث زكنا        فـمـا رآه الـمسلمـون حسنا

أي أن أصل هذه القاعدة بعد قوله تعالى: ﴿ وَأْمُرْ بِالْعُرْفِ ﴾ ، قوله صلى الله عليه وسلم:

” ما رآه المسلمون حسناً فهو عند الله حسن ” . (1)

104.واعـتـبرت كـالعـرف في مسائلِ   كـثـيرةٍ لـم تنحـصـر لقائلِ

105.ثـم لهـا مـبـاحـثٌ مـهـمـهْ   تـعـلقـت فهَـاكـها بـهمهْ

أي أن العادة تجري مجرى العرف في الاعتبار، لأنها مثله تماماً، فاعتبرت في الحيض كأقله وأكثره، وسن البلوغ، ومثل قدر النجاسات المعفو عنها وغير ذلك كتناول الثمار الساقطة.

_________

(1) رواه أحمد وغيره، قلت: لكن هذا الحديث ضعيف مرفوعاً، صحيح موقوفاً على ابن مسعود _ رضي الله عنه _.

وهي لها مباحث عدة وهي:

106.أولـهـا فـيمـا بـه تـثبـت ذي             وأمـره مخـتـلـف فـي المأخذِ

107.فـتـارةً بـمـرةٍ جـزمـاً وفـي                عـيـبِ مـبيعٍ واستحاضة قُفي

108.وتـارةً يـشـترط التــكــررُ                أي مـرتيـن أو ثـلاثـاً يصدرُ

109.كـقـائفٍ ومـا بـه التـصـيّـُدُ               والاْعـتبـار بـالثـلاث أعمَدُ

110.وتـارةً لابـد مـن تــكــراره                إلى حـصـولِ الظـن كاختبارهِ

111.حـالَ الصـبيِّ بالمعـاكـسـة لـهْ             قـبـل البـلـوغ وسـواها لهْ

ثم بدأ الناظم _ رحمه الله تعالى _ بذكر مباحث العادة فقال مبيناً:

المبحث الأول: بم تثبت العادة: فهل تثبت بمرة أو مرتين، أو تثبت بأكثر من ذلك، أم أن العبرة بالمحكوم عليه، فقد تكون العادة فيه تثبت بمرة أو أكثر، ومرد ذلك إلى المأخذ في الحكم، والمأخذ هو الدليل الذي تثبت به العادة، فعندها يظهر هل هو مرة أو أكثر.

* ما اعتبرت فيه المرة الواحدة: وذلك مثل عيوب المبيع، و الاستحاضة.

* ما يعتبر فيه التكرار: مثل القائف ” وهو خبير النسب بالشبه “، وكذلك جارحة الصيد، لابد من التكرار حتى يغلب على الظن أنها صارت لها عادة، وكذلك معرفة حال الصبي في قدرته على

البيع والشراء، لابد فيه أيضاً من التكرار والخبرة حتى يغلب الظن أنه قادر على المفاصلة في الأثمان.

112.مـبـحثٌ اْلعـادة ليـسـت تعـتبرْ            إلا لـدى اضـطرادها كما اشتهرْ

113.وحـيثما تعـارض الـعـرف الجـلِي            والشـرع فـليـقـدَمَنْ للأولِ

114.إن لـم يكـن بالشـرع حكـم اعتلَقْ          فأن يكـن فهْـو بتقـديمٍ أحـقْ

المعنى:

أن العادة لا تثبت إلا بالاضطراد، فأن لم تضطرد فلا تعتبر، كمن باع بنقدٍ غير متداول وغير معتبر في البلد، فأن العقد باطل، وإذا تعارض العرف مع الشرع قدم العرف، فإذا علق أحد حكماً كاليمين على ما سمي في القرآن، فأن العبرة بما هو معروف بين الناس، فمن حلف لا يأكل لحماً فلا يحنث بأكل السمك، وإن سمي السمك في القرآن لحماً لأن عادة الناس عدم تسمية السمك لحماً مطلقاً.

لكن إذا كان اللفظ مما اختص به القرآن، فلا يحمل اللفظ المطلق إلا عليه،

كمن علق حكماً بالصلاة، فلا يحمل إلا على ما عرفه الشرع أنه صلاة، ذات الركوع والسجود وهكذا.

115.والعـرف إن عـارضـه الوضـع ففـي          مـقدم عنهـم خـلاف قد قفي

116.فـبعـضٌ الحـقـيقـة الـلـفـظيـهْ          وبـعـضٌ الحـقـيقـة العرفيهْ

117.وقـيـل إن يـعـم وضـعٌ قـدمـا             وقـيـل غير ذاك فاحفظ واْعلما

يذكر المصنف _ رحمه الله تعالى _، أن خلافاً إذا وقع في دلالة اللغة على شيء، ودلالة العرف على شيء يخالف ذلك، فخلاف بين فقهاء الشافعية فيم يقدم،

فقدم البعض كالقاضي حسين _ رحمه الله تعالى _ الحقيقة اللفظية، عملاً بالوضع اللغوي، والبعض الآخر كالبغوي _ رحمه الله تعالى _، وهو تلميذ القاضي حسين، قدم الدلالة العرفية، وعليه فمن حلف لا يأكل طعام فلان يوم الأحد، فقدم له يوم الإثنين فأكل، فعلى قول القاضي لا يحنث، وعلى قول البغوي يحنث.

وقال الرافعي _ رحمه الله تعالى _: إن تطابق العرف والوضع فذاك، وإن اختلف فكلام الأصحاب يميل إلى الوضع، والإمام (1) والغزالي يريان اعتبار العرف.

وقال البعض الآخر: إن كان العرف ليس له في اللغة وجه ألبتة، فالمعتبر اللغة، وإن كان له فيه استعمال ففيه خلاف، وإن هجرت اللغة حتى صارت نسياً منسياً، قدم العرف.

و من الفروع على ذلك:

حلف لا يسكن بيتاً: فإن كان بدوياً حنث بالمبني وغيره :

وإن كان من أهل القرى: فوجهان بناءً على الأصل المذكور، إن اعتبرنا العرف: لم يحنث، والأصح الحنث. (2)

ومنها: حلف لا يشرب ماءً، حنث بالمالح، وإن لم يعتدْ شربه، اعتباراً بالإطلاق، والاستعمال اللغوي. (3)

_________

(1) قلت: والإمام هنا هو: الجويني _ رحمه الله تعالى _ شيخ الغزالي.

(2) قلت: بناءً على ترجيح الوضع، وفي اللغة الكل يسمى بيتاً.

(3) انظر أشباه السيوطي 1/206-209.

قلت: ثم المعتبر في القضايا العرف إن كان مضطرداً كما قد بينا، وإلا فاللغة والله أعلم.

118.والعـام والخـاص مـن العـرف متى             تعـارضا ففـيـه ضـابط أتى 119.و هـو أن الخـاص حيـث حـُصـِرا            لـم يعتـبر أصـلاً وإلا اْعـتبرا

إذا تعارض العرف العام مع العرف الخاص، ففيه ضابط لأهل العلم، وهذا الضابط ذكره السيوطي 1/212 فقال:

” والضابط:

أنه إن كان المخصوص محصوراً لم يؤثر، كما لو كانت عادة امرأة في الحيض أقل مما استقر من عادات النساء (1) ردت إلى الغالب في الأصح….، وإن كان غير محصور اعتبر، كما لو جرت عادة قوم بحفظ زرعهم ليلاً، ومواشيهم نهاراً، فهل ينزل ذلك منزلة العرف العام ….،

وجهان: أصحهما: نعم ” . (2)

120.مـبـحـثٌ الـعـادة هـل تـنـزَّلُ             مـنزلـة الشـرط خلافٌ يُنقلُ

121.وغـالب التـرجيـح فـي الفـروعِ لا         يكـون كـالشرط كـما تأصّلا

العادة المضطردة عند قوم أو في بلد، هل تنزل عادتهم هذه منزلة الشرط،

خلاف: كما لو كان من عادة قوم قطع الحصرم قبل النضج، فهل يصح بيعه قبل أوان الحصاد بغير شرط قطع، أم لا يصح، خلاف وهو وجهان: قال السيوطي: ” أصحهما: لا،

وقال القفال: نعم ” (3).

قلت: و الأصح المنع من ذلك ، لأن منشروط المبيع كونه منتفعاً به حالة بيعه ، والحصرم لا وجه للانتفاع به ، فبذلك يختلّ شرط البيع فيبطل .

وقوله: وغالب الترجيح في الفروع ……الخ، معناه: مثل مسألة الصُنَّاع:

” كمن دفع ثوباً إلى خياط ليخيطه، ولم يذكر أجرة، وجرت عادته بالعمل بالأجرة، فهل ينزل منزلة شرط الأجرة، خلاف،والأصح في المذهب: لا، واستحسن الرافعي مقابله “. (4)

_________

(1) قلت: فعادة المرأة المعينة عرف خاص، وعادة النساء مثيلاتها عرف عام.

(2) ا.ه بتصرف يسير.

(3) ا.ه سيوطي 1/213.

(4) ا.ه 1/215.

122.تـخـتيمٌ الـعـبـرة بالـعـرف الذي           قـارن مـع سـبقٍ له في المأخذِ

123.وكـل مـا لـم ينضبـط شـرعاً ولا             وضـعـاً فللعرف رجوعه اْنجلى

و في الخاتمة: فالعرف المعتبر هو العرف الذي استقر عند الناس، وظلوا يتعاملون به في معاملاتهم دون إبطال له، أي: يشترط في العرف استقراره وجريان عمل الناس به.

ثم ختم رحمه الله تعالى، بأن كل ما ليس له حدٌ في الشرع ولا في اللغة، فضابطه وحده العرف، كالحرز المعتبر في حد السرقة، والمسافة بين الإمام والمأموم في الصلاة، والقبض في البيع، وليس من ذلك السفر لأن له حداً في الشرع والله أعلم.

وبهذا أكون قد انتهيت من وضع شرح صغير على منظومة العلامة الأهدل _ رحمه الله تعالى _ ورحم علماء المسلمين قاطبة، أقول: انتهيت منها صبيحة يوم الإثنين.

والحمد لله رب العالمين.

 

7/شوال/1429

6/10/2008

سمير مراد

عمان – الأردن

القويسمة

ملحق بمقاصد الشريعة الإسلامية

ملحق بمقاصد الشريعة الإسلامية

 

وعموم هذا البحث نقلته عن كتاب (مقاصد الشريعة الإسلامية) للدكتور محمد سعد اليوبي، لكن بتصرف يسير أحياناً.

تعريف المقاصد:

يمكن أن يستخلص من تعريفات العلماء للمقاصد تعريف صحيح،

و هو أن المقاصد:

هي المعاني والحِكَم ونحوها التي راعاها الشارع في التشريع عموماً وخصوصاً، من أجل تحقيق مصلح العباد.

أقسام المقاصد:

1.الضروريات:

و هي المصالح التي تتضمن حفظ مقصود من المقاصد الخمسة وهي: حفظ الدين، والنفس، والعقل، والمال، والنسب أو النسل.

وعرفها المحلّي بأنها: ” ما تصل الحاجة إليه إلى حد الضرورة “.

2.الحاجيات:

و هي ما كان مفتقراً إليها من حيث التوسعة ورفع الضيق المؤدي إلى الحرج والمشقة اللاحقة بفوت المطلوب، فإذا لم تراعَ دخل على المكلفين – على الجملة – الحرج والمشقة، ولكنه لا يبلغ مبلغ الفساد العادي المتوقع في المصالح العامة، أي لم تبلغ مبلغ الضرورة، بحيث لو فقدت لاختل نظام الحياة.

بل لو فقدت للحق الناس عنت ومشقة وحرج يشوش عليهم أمور عبادتهم وحياتهم،

وربما أدى ذلك إلى الإخلال بالضروريات بوجه ما.

إذن فالحرج مرفوع في الشريعة عموماً؛ ففي:

  • العبادات:

لأنه قد تلحق بها مشقة غير معتادة، فشرع مقابلها الرخص لدفع تلك المشقة، كرخصة الفطر في السفر والمرض، والقصر للمسافر، والصلاة من قعود لغير القادر، والجمع في السفر والمطر.

  • العادات:

فقد شرع الله تعالى للمكلف ما يرفع عنه الحرج من شتى أنواع الطيبات، مما هو حلال مأكلاً ومشرباً وملبساً ومسكناً ومركباً وما أشبه ذلك، وهذه الأمور قد تكون ضرورية كما قال العز بن عبد السلام، ما يقيم منها الحياة، وأما ما كان لمطلق التلذذ والتنعم فهو من المكملات، وما بين هذا وهذا فهو من الحاجيات.

  • المعاملات:

فقد شرعت الإجارة وعقد السلَم والقراض الذي هو المضاربة وغيرها، مع ما فيها من نوع جهالة، لكن جازت للحاجة إليها.

  • الجنايات:

فمثلاً جعلت دية القتل الخطأ على العاقلة، لما يلحقه من ضرر وضيق لو تحملها كلها.

  • التحسينيات:

و هي ما لا يرجع إلى ضرورة ولا إلى حاجة، ولكن تقع موقع التحسين والتزيين.

قال إمام الحرمين: ” الضرب الثالث: ما لا يتعلق به ضرورة خاصة، ولا حاجة عامة، ولكنه يلوح فيه غرض في جلب مكرمة أو نفي نقيض لها …”،

و هي كما قال الرازي: ” تقرير الناس على مكارم الأخلاق ومحاسن الشيم “.

قلت: وهي تدور بين الوجوب والندب والتحريم وغيره، وليس كونها تحسينيات أنها مندوبة فقط.

و من أمثلتها: الطهارة في البدن والثياب والصلاة.

و منها: تحريم الطواف بدون سترالعورة.

و منها: المكاتبة من السيد لعبده، وتحريم بيع النجاسات وغير ذلك.

 

  • المكملات
    1. مكملات الضروريات:

وهي ما يتم بها حفظ مقصد ضروري.

ومن أمثلتها: تحريم البدع وعقوبة المبتدع، التماثل في القصاص، تحريم القليل من المسكر، تحريم النظر إلى الأجنبية، الإشهاد في البيوع.

  1. مكملات الحاجيات:

و هي ما يتم بها حفظ مقصد حاجي.

و من أمثلتها: اعتبار الكفء، ومهر المثل في الصغيرة، خيار البيع، لأن ما ملك بعد التروي أتم    و أقوى لبعده عن الغبن.

  1. مكملات التحسينيات:

وذلك كمندوبات الطهارة من البدء باليمين، والغسل ثلاثاً وغير ذلك.

والمقاصد منها:

أصلية:

أي شرعت وطلبت على وجه الأصالة أو بالقصد الأول.

ومنها:

مقاصد تابعة:

وهي مطلوبة على وجه الجملة تابعة للمقاصد الأصلية.

فمثلاً: أمر الشارع بالصلاة: مقصد أصلي.

وما تتوقف عليه من طهارة ونحوها مقصد تابع.

وعليه فإن مصلحة المقاصد الأصلية أعظم من مصلحة المقاصد التابعة لها.

قلت: وهناك أحكام كثيرة للمقاصد لا يصلح هذا المختصر لها.

فمن شاء فليرجع إليها.

 

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعل آله وصحبه وسلم.

 

سمير مراد

9/10/1429

8/10/2008

من يوم الأربعاء

 

شاهد أيضاً

كتاب درج الوصول لورثة الرسول صلى الله عليه وسلم

تحميل الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

Şirkət iPhone və en este momento Android ötrü uyğunlaşdırılmış cihazlarla ikitərəfli əlaqəni dəstəkləyir. hesabınıza daxil Onlayn Pin number Up casino online rubl, manat, money və avro ilə mərc sezmək imkanı verir. bukmeker kontorunda İstifadəçi rəyləri Pin Up casino nadir göstərilən xidmətlərin keyfiyyətini təsdiqləyir. pin up Mostbet Azərbaycanın istifadəçisi olmağa qərar versəniz, yadda saxlamalı olduğunuz məlumatlar bunlardır. pin-up