الرئيسية / المقالات / الصـحـــة الـنـفـسـيـــة وأثــرهـــا فــي الإنـتـــاج

الصـحـــة الـنـفـسـيـــة وأثــرهـــا فــي الإنـتـــاج

بـســـم الـلـــه الــرحـمـــن الــرحـيـــم
الصـحـــة الـنـفـسـيـــة وأثــرهـــا فــي الإنـتـــاج

 

الـحـمـــد لـلـــه وبـعـــد:

فـــإنــه مـــا مـــن مــوجـــود مـــن الـمـخـلــوقـــات؛ إلا ولـــه مـكـــوِّن يـــؤدي بـــه إلــى صـحـــة مـمـارســـة حـيــاتـــه، تـفـسـيـــراً لـقـــولــه تـعـــالــى: (الـــذي أعـطـــى كـــل شـــيء خـلـقـــه ثـــم هـــدى)، ولـــذا؟ فـمـــا مـــن مـمـــارس لـلـعـمـــل الإنـتـــاجــي- ذاتـيـــا كـــان الإنـتـــاج أوغـيـــره – فـــلا بـــد حـيـنـهـــا مـــن أن يـتــوافـــق الـمـكـــوِّن مـــع طـبـيـعـــة الـحـيـــاة الـمـمـارســـة، ولـــذا فـــإن الـمـكـونـــات الـمـخـتـلـفــــة فـــي الـجـســـم الــواحـــد، تـنـشـــأ عـنـهـــا وعـــن تـفـاعـلـــهـا الـــذاتــي-الـفـــردي أو الـجـمــاعـــي-، أو الـخــارجـــي- الـفـــردي أو الـجـمـــاعــي كــذلـــك-، لا بـــد مـــن نـشـــوء حـيـــاة خــاصـــة مـتـكـيـفـــة مـــع الـطـبـيـــعـة الـمـحـيـــطـة، ولـذلـــك نـجـــد الـــدب الـقـطـبـــي فـيـــه مـكــونـــات ذاتـــيـة إضــافـيـــة، تـمـكـنـــه مـــن مـقــاومـــة طـبـيـــعـة الـحـيـــاة الـتـــي تـــأذن لـــه بــالإنـــتـاج ضـمـــن مـعــايـيـــر وقــوانـيـــن كــونـــيـة جـعـلـــهـا الـلـــه عـــزوجـــل.
ومـــن هـــنـا إذا أردنـــا نـقـــل نـــوع مـــن الـنـبـــات مـــن بـلـــده لـبـلـــد آخـــر، فـــلا بـــد حـيـنـــهـا مـــن تــدشـيـــن الـنـبـــات أو الأرض بـــمـا يـعـيـــن عـــلـى مـمــارســـة الـحـــيـاة الـمـنـتـجـــة.

قـلـــت: وعـلـيـــه، والـمـخـلـــوق الـبـشـــري أعـــلـى رتـــبـة فـــي الـتـكــويـــن الـخـلـقـــي والـنـفـســـي، فـهـــو يـحـتـــاج إلـــى الـجـــو الـمـنــاســـب الـــذي يـتـيـــح لـــه أكـبـــر فــرصـــة مـــن الـعـمـــل والإنـتـــاج.

قـلـــت: ومـــن الـمـعـلـــوم أن أســـس الـمـكــونـــات الـبـشـــريــة اثـنـــان؛ خَـلْـــق لـطـيـــف، وخَـلْـــق كـثـيـــف.
والـلـطـيـــف اثـنـــان: الـــروح والـعـقـــل.
والـكـثـيـــف: بــاقـــي الـبـــدن مـــن الـلـحـــم والـــدم والـعـظـــم والـعـــروق وغـيـــرهــا.

ومـــن نـعـــم الـلـــه تـعـــالــى: أن جـعـــل الـمـخـلـــوق الـلـطـيـــف، يـسـكـــن فـــي الـكـثـيـــف، وإلا لـضــاجـــت حـيـــاة الإنـســـان، وخــرجـــت عـــن حـــد الاسـتـقـــرار-الـــذي يـنــاســـب الـحـيـــاة الــدنـــيـا.

هـــذا وإنـــه أحـيـــانــاً، تـضـيـــق الأمـــور الـكـثـيـــفـة بـحـيـــث يـصـبـــح الـعـضـــو الـلـطـيـــف قـلـيـــل الـحـــركــة؛ الـمـــؤديــة إلـــى قـــلـة الـعـمـــل والإنـتـــاج، وهـــذا لـيـــس بـغـريـــب، لأن الـكـثـــافــة حـجـــاب يـمـنـــع قـــوة الإدراك وكـمـــالــه، الـــذي هـــو عـمـــل الـعـقـــل والـــروح، فـتـضـيـــق الـنـفـــس بـحـيـــث تـحـتـــاج إلـــى أن تـتـفـلـــت، لـتـعـــود إلـــى عـمـلـــهـا وطـبـيـعـتـــهـا، لأن الــراحـــة الـنـفـســـيـة أصـــل فـــي الإنـتـــاج الـقــائـــم عـــلـى قـــوة الإدراك، والـتـــي مـنـــع مـــن نـشــاطـــهـا غـلـــبـة الـكـثـيـــف.

وهـــذا الـحـجـــب هـــو الـــران، كـــمـا قـــال تـعـــالـى: (كـــلا بـــل ران عـــلـى قــلــوبــهـم)

والـقـفـــل: قـــال تـعـــالــى: (أم عـــلـى قـلـــوب أقـفـالـــهـا)
والـخـتـــم: قـــال تـعـــالـى: (خـتـــم الـلـــه عـــلـى قـلـوبـهـــم)

وهـــو الـعـمـــه وغـيـــر ذلـــك..

وهـــو أيـضـــا الـغـيـــن؟ الـمــانـــع مـــن وضـــوح أو كـــمـال الـعـلـــم الـقــائـــم عـــلـى الـبـصـــر والـبـصـيـــرة، قـــال عـلـيـــه الـصـــلاة والـســـلام: ((إنـــه لـيـغـــان عـــلـى قـلـبـــي)). وقـــال تـعـــالـى: (ألـــم يـكـــن لـهـــم قـلـــوب يـعـقـلـــون بـــهـا)، إلـــخ ذلـــك، ومـــن هـــنـا لـمـــا حـصـلـــت حــادثـــة الإفـــك، غــانـــت عـــلـى الـمـجـتـمـــع كـلـــه، بـــل عـــلـى الــدعـــوة كـلـــهـا، حـتـــى تــوقـفـــت الـحــــركـة الـلـطـيـــفـة مـطـلـقـــاً.

وامـتـنـــع الــوحـــي مـــن الـنـــزول حـتـــى زال الـغـيـــن.

قـلـــت: وعـنـــدي مـيـــل إلـــى أن الـسـحـــر مــا هـــو إلا قـــدرة أو حـــركــة لـطـيـــفـة أو كـثـيـــفـة خــارجـــيـة والـغــالـــب كـونـــهـا لـطـيـــفـة-، تـــرد عـــلـى جـســـم الإنـســـان، لـتـحـــدث إعـــاقــة لـحـــركـة الـــروح والـعـقـــل، وذلـــك بـتـغـلـيـــب الـجـســـم الـكـثـيـــف غـيـــر الـمـــدرك، أو بـمـغــالـــبـة الــروح بـجـســـم لـطـيـــف آخـــر لـيـقـعـــدهـا عـــن عـمـلـــهـا، ولـــمـا كـــان كـــذلـك، وكـــان هـــذا الـعـابـــث لا يـكـفـــي مـجـــرد إدراكـــنـا لـمـوا جــهـتـــه، تــوجـهـــنـا إلـــى الـغــالـــب لـكـــل شـــيء: الـلـــه، فـقـــل أعـــوذ.

ولـــذا: فـــإن أنـفـــس الــدعـــاة أحـــوج الـنـفـــوس إلـــى الــراحـــة الـنـفـسـيـــة أصـــالـة أو كـمـــالاً، فـــإن نـقـصـــت نـقـــص الإنـتـــاج بـحـسـبـــهـا وخـيـــر مـنـتـــج لـــهـا بـعـــد الـلـــه تـعـــالى بـتــوفـيـــقـه، حـبـيـــب مـــؤازر، أو اسـتـغـفـــارمـتــواتـــر.

ولـــذا كــانـــت خــديـجـــة رضـــي الـلـــه عـنـــهـا خـيـــر مــؤنـــس لــراحـــة نـفـــس رســـول الـلـــه صـــلـى الـلـــه عـلـيـــه وسـلـــم، ثـــم تـتــابـــع الـصـحـــابـة ونـســـاؤه عـــلـى ذلـــك.

ومـــن أعـظـــم الأدلـــة عـــلــى أهـمـيـــة الــراحـــة الـنـفـســـيـة فـــي الإنـــتـاج الـعـلـمـــي والــدعـــوي، مـــا حـصـــل لــرســـول الـلـــه صـــلـى الـلـــه عـلـيـــه وسـلـــم، حـيـــن أذاه قـومـــه، فـخـــرج عـــلـى وجـهـــه، فـمـــا أفـــاق حـتـــى بـلـــغ قـــرن الـمـنـــازل (الـطـائـــف)، وهـــي قــرابـــة الـثـمـانـيـــن كـيـلـومـتـــراً، ذلـــك أن حـــظ الـنـفـــس إن فـقـــد، نـســـي الـعـبـــد نـفـســـه الـتـــي بـيـــن جـنـبـيـــه، وكـــل ذلـــك كـــان حـــزنـاً مـــنـه صـــلـى الـلـــه عـلـيـــه وسـلـــم عـــلـى ديـــن الـلـــه تـبـــارك وتـعـــالـى.

والـحـمـــد لـلـــه، أن جـانـــب رب الـعـــزة عـــز وجـــل، مـــن اسـتـشـعـــره واسـتـشـعـــر رعـيـــة الـلـــه تـعـــالـى، فــإنـــه يـجـــد ولا بـــد كـمـــال الأنـــس بــربـــنـا تـعــالـــى، ولـــو تــولـــى أو تـخــلـــى عـنـــه جـمـيـــع الـخـلـــق، ومـــا أجـلـــهـا وأزكــاهــا مـــن كـلـمـــة حـيـــن قـــال صـــلـى الـلـــه عـلـيـــه وسـلـــم: (لاتـحـــزن إن الـلـــه مـعـنـــا).

والـلـــه أعـلـــم وصــلـى الـلـــه عـــلـى سـيـــدنـا مـحـمـــد وعـــلى آلـــه وأصـحــابـــه أجـمـعـيـــن.

 

كـتـبـــه/ د. سـمـيـــر مـــراد
11/7/1425هـ
10/5/2014مـ
مـن يـوم الـسـبـت

شاهد أيضاً

عمّان – البيان الختامي والتوصيات خرجت بها الندوة الإقليمية الافتراضية (مكافحة “رفض” التكفير إرادة الأمة) – الجمعة 11/11/2022

الحمد لله تعالى الذي جعل الأمة ميزان حق، من فارقها فقد حاد عن الصواب إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.