الرئيسية / المقالات / الرد على داعش في حكم موالاة الكفار

الرد على داعش في حكم موالاة الكفار

بسم الله الرحمن الرحيم

الرد على داعش في حكم موالاة الكفار

 

الحمد لله وحده, وحسبنا الله ونعم الوكيل, وبعد:

فقد شغلتنا فرقة الضلال عن الدعوة, كي نتصدى لبدعها وضلالها, ولا يزالون يلقون الشبهة على الناس في تبرير مواقفهم وأفعالهم, مستدلين بالكتاب والسنة وأقوال أهل العلم, لكن بغير علم ولا فهم ولا سداد, كما قال عليه الصلاة والسلام: “يقولون من خير قول البرية, يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمِيَّة”.

وعلى كل حال, فدأب أهل العلم ردّ البالطل على أهله حتى يكون الناس على بصيرة, والله الهادي إلى سواء السبيل.

إن أصل التعاون العسكري مع الكفار لمصلحة المسلمين جائز لدفع الظلم ونحوه، فقد قال صلى الله عليه وسلم: “شَهِدْتُ حِلْفَ الْمُطَيَّبِينَ مَعَ عُمُومَتِي وَأَنَا غُلاَمٌ فَمَا أُحِبُّ أَنَّ لِي حُمْرَ النَّعَمِ، وَأَنِّي أَنْكُثُه” رواه أحمد في المسند وابن حبان في صحيحه، وفي رواية وَلوْ أُدْعَى بِهِ في الإِسْلامِ لأَجَبْت, رواه ابن إسحاق في السيرة، الحميدي في مسنده. وعن ذِي مِخْبَرٍ رضي الله عنه قال: سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ: “سَتُصَالِحُونَ الرُّومَ صُلْحًا آمِنًا، فَتَغْزُونَ أَنْتُمْ وَهُمْ عَدُوًّا مِنْ وَرَائِكُمْ، فَتُنْصَرُونَ وَتَغْنَمُونَ وَتَسْلَمُونَ، ثُمَّ تَرْجِعُونَ حَتَّى تَنْزِلُوا بِمَرْجٍ ذِي تُلُولٍ، فَيَرْفَعُ رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ النَّصْرَانِيَّةِ الصَّلِيبَ فَيَقُولُ: غَلَبَ الصَّلِيبُ، فَيَغْضَبُ رَجُلٌ مِنْ الْمُسْلِمِينَ فَيَدُقُّهُ، فَعِنْدَ ذَلِكَ تَغْدِرُ الرُّومُ، وَتَجْمَعُ لِلْمَلْحَمَةِ”.

قال سماحة الشيخ عبد العزيز بن باز -رحمه الله-:  «أما أن يستعين المسلم بكافر ليدفع شر كافر آخر، أو مسلم معتد، أو يخشى عدوانه، فهذا لا بأس به وقد ثبت عنه صلى الله عليه وسلم “أنه استعان بدروع أخذها من صفوان بن أمية استعارها منه”, أخرجه أحمد في المسند (27636)، وأبو داود كتاب البيوع، باب:في تضمين العور (3562،  3563،  3566)، صححه الألباني في صحيح أبي داود, وكان صفوان كافراً ذلك الوقت في قتاله لثقيف يـوم حنين، وكانت خزاعة مسلمها وكافرها مع النبي صلى الله عليه وسلم في قتاله لكفار قريش يوم الفتح، وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إنكم تصالحون الروم صلحاً آمنا، ثم تقاتلون أنتم وهم عدواً من ورائكم, (فهذا معناه: الاستعانة بهم على قتال العدو الذي من ورائنا), (فتاوى ومقالات:6/186). انظر: حقيقة الولاء والبراء في الكتاب والسنة للدكتور عصام السناني:ص317.

 ماذا تريدون بالموالاة؟

  • 1- هل تريدون منها أنهم أعانوا الكفار على المسلمين مثلًا؟ فحينئذٍ يكون في كفر الحاكم المُعِيْن للكفار تفصيل؛ إذ لا يكفر بإطلاقٍ. بدليل عدم تكفير النبي صلى الله عليه وسلم لحاطب بن أبي بلتعة -رضي الله عنه- ولذا استفصله، وقال: “يا حاطب ما هذا؟”, سبق تخريجه ص: 12, ولم يقل: يا كافر. وقد قال بالتفصيل وعدم الإطلاق الأئمة: أبو حنيفة، والشافعي، وأحمد، وابن تيمية، وابن عثيمين؛ كما سيأتي عنهم، رحم الله الجميع.
  • 2- أم تريدون منها أنهم يتعاونون معهم فيما يرون المصلحة فيه؟ فحينئذٍ لا يكون كفرًا ولا داخلًا في الموالاة المكفرة, بل ولا حراماً, لأنه لا يحرم التعاون مع الكافر فيما هو حقّ وفيما يعود بالمصلحة للإسلام والمسلمين.
  • 3- ‌أم تريدون منها أنهم يتعاملون مع الكفار بالاحترام والإكرام وتبادل التهاني والهدايا؟ فحينئذٍ لا يكون كفرًا؛ لأنه لا دليل على التكفير بهذه الأمور ولا المنع منها مطلقاً, فإن من الأمور المتقدّمة ما هو مباح  ومنها ما هو محرم لا يصل إلى حدّ الكفر, ومن المباح ما ذكره  الله تعالى بقوله: لا يَنْهاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ , (الممتحنة:8-9) .
  • 4- أم أنهم يتعاملون مع الكفار بشتى أنواع ما ذكرتم درءً لأعظم المفسدتين, فهذا يكون من الجائز للحفاظ على الدين والمسلمين.

 

قال الإمام الشافعي رحمه الله: (وليس الدلالة على عورة مسلم، ولا تأييدُ كافر بأن يُحذَّر أن المسلمين يريدون منه غِرَّةً ليحذرها أو يتقدم في نكاية المسلمين؛ بكفرٍ بَـيـِّنٍ), الأم (4/249).

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: (وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنبًا ينقص به إيمانه ولا يكون به كافرًا، كما حصل لحاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي صلى الله عليه وسلم), مجموع فتاوى ابن تيمية (7/522-523).

وعليه نقول: لمّا أعان حاطبٌ -رضي الله عنه- كفارَ قريش؛ سأله النبيُّ صلى الله عليه وسلم بقوله: ما حملك على ما صنعتَ؟

 وعليه فإن الواجب على مَن أراد الحكمَ في مثل هذه المسألة أن يسأل عن الباعث وبناء على معرفة الباعث يكون الحكمُ؛ فيُنظر إلى الباعث للإعانة ما هو؟

فإن أعانهم لأجل دينهم كفر, ومن أعانهم لغير ذلك فحسب إعانته.

قال العلامة البغوي رحمه الله ومن يتولّهم منكم, فيوافقهم ويعينهم, معالم التنزيل (3/68(.

وقال الشيخ الآلوسي رحمه الله: «وقيل: المراد من قوله تعالى: “ومن يتولّهم منكم”؛ كافر مثلهم حقيقة، وحكي عن ابن عباس رضي الله عنهما: ولعلّ ذلك إذا كان توليهم من حيث كونهم يهودًا ونصارى, قلت: أي: لدينهم لا غير, وهذا لا خلاف فيه, روح المعاني (6/157).

وقال الشيخ عبد اللطيف بن عبد الرحمن بن حسن رحمه الله: وأما قوله تعالى: “ومن يتولّهم منكم”, فقد: فسّرته السنة، وقيّدته، وخصّته بالموالاة المطلقة العامة, وأصل الموالاة هو الحب والنُّصرة والصداقة، ودون ذلك مراتب متعدّدة، ولكل ذنبٍ حظُّه وقِسطُه من الوعيد والذم، وهذا عند السلف الراسخين في العلم من الصحابة والتابعين معروفٌ في هذا الباب وغيره”, الدرر السنية (1/474(.

قال شيخ الإسلام ابن تيمية -رحمه الله-عن الكفار: «وقد تحصل للرجل موادتهم لرحم أو حاجة، فتكون ذنباً ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافراً … كما حصل لسعد بن عبادة لما انتصر لابن أُبَي في قصة الإفك، فقال لسعد بن معاذ:  كذبت، والله لا تقتله، ولا تقدر على قتله, قالت عائشة: وكان قبل ذلك رجلاً صالحاً، ولكن احتملته الحمية”, (الفتاوي:7/523).

ومن الأدلة: ما جاء عن عِتْبَانَ بْنِ مَالِكٍ -رضي الله عنه- حين قَالَ قَائِلٌ مِنْهُمْ: أَيْنَ مَالِكُ بْنُ الدُّخْشُمِ؟ فَقَالَ بَعْضُهُمْ:  ذَلِكَ مُنَافِقٌ لاَ يُحِبُّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ، فقَالَ النَّبِيُّ صلى الله عليه وسلم: لاَ تَقُلْ ذَلِكَ، أَلاَ تَرَاهُ قَالَ:  لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يُرِيدُ بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ؟ قَالَ: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ، قَالَ: قُلْنَا: فَإِنَّا نَرَى وَجْهَهُ وَنَصِيحَتَهُ إِلَى الْمُنَافِقِينَ، فَقَالَ: فَإِنَّ اللَّهَ حَرَّمَ عَلَى النَّارِ مَنْ قَالَ: “لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ يَبْتَغِي بِذَلِكَ وَجْهَ اللَّهِ”, متفق عليه: أخرجه البخاري كتاب الأطعمة، باب: الخزيرة (5401، 6938)، واللفظ له، ومسلم كتاب الإيمان، باب: الدليل على أن من مات على التوحيد دخل الجنة قطعا(54/33)، وكتاب المساجد ومواضع الصلاة، باب: الرخصة في التخلف عن الجماعة بعذر (264/33).

فهذا الصحابي كان وجهه ونصيحته للمنافقين واتخذهم بطانة، ومع ذلك برأه النبي صلى الله عليه وسلم من النفاق.

قال شيخ الإسلام فيمن كان متأولاً برمي غيره بالنفاق لشبهة: “وكذلك قول من قال من الصحابة عن مالك بن الدخشم منافق، وإن كان قال ذلك لما رأى فيه من نوع معاشرة ومودة للمنافقين”, مجموع الفتاوى:7/523.

وقال العلامة الطاهر بن عاشور عند قوله تعالى: (لَا يُحِبُّ اللَّهُ الْجَهْرَ بِالسُّوءِ مِنَ الْقَوْلِ إِلَّا مَنْ ظُلِمَ وَكَانَ اللَّهُ سَمِيعًا عَلِيمًا),  النساء:148 , وذكر قصة عتبان رضي الله عنه: “فظن هذا القائل بمالك أنه منافق لملازمته للمنافقين، فوصفه بأنه منافق لا يحب الله ورسوله, فلعل هذه الآية نزلت للصدِّ عن المجازفة بظن النفاق بمن ليس منافقاً“, التحرير والتنوير:4/5.

ومن الأدلة: إجماع أهل العلم على عدم تكفير الجاسوس المسلم بمجرد التجسس، وتقدم ما ذكره الإمام الشافعي في كتابه في (باب المسلم يدل المشركين على عورة المسلمين) فقال رحمه الله تعالى: “وليس الدلالـة على عورة مسلم، ولا تأييد كافر بأن يحذرَ أن المسلمين يريدون منه غرةً ليحذرها، أو يتقدم في نكاية المسلمين بكُفْرٍ بَيِّنٍ”, الأم:4/249.

فالحاصل أن ضابط الموالاة المكفرة: أن تكون محبة ونصرة من أجل دين الكفار وعقيدتهم، فمن أحب الكافر لدينه أو عقيدته فقد وقع في هذا القسم من الموالاة التي ينتقض بها إسلامه ويبطل عمله والعياذ بالله.

ولأجل هذا التفصيل لم يذكر الفقهاء الموالاة والمظاهرة من ضمن المكفرات في باب حكم المرتد.

قال الإمام الشافعيّ -رحمه الله- تعليقًا على حديث حاطب بن أبي بلتعة رضي الله عنه: “في هذا الحديث -مع ما وصفنا لك- طرح الحكم باستعمال الظنون؛ لأنه لما كان الكتاب يحتمل أن يكون ما قال حاطب كما قال من أنه لم يفعله شاكًا في الإسلام وأنه فعله ليمنع أهله ويحتمل أن يكون زلةً لا رغبةً عن الإسلام واحتمل المعنى الأقبح كان القول قوله فيما احتمل فعله وحكم رسول الله فيه بأن لم يقتله، ولم يستعمل عليه الأغلب”, الأم (4/250(.

وقال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: “فإن التكفير لا يكون بأمرٍ محتمل”, الصارم المسلول (3/963(.

وسئل الإمام أحمد -رحمه الله- عن رجل سمع مؤذّنًا يقول: (أشهد أن محمدًا رسول الله) فقال: (كذبت)؛ هل يكفر؟ فقال: “لا، لا يكفر، لجواز أن يكون قصده تكذيب القائل فيما قال، لا في أصل الكلمة فكأنه قال: أنت لا تشهد هذه الشهادة”, بدائع الفوائد (4/42(.

وقرّرت اللجنة الدائمة أن الطواف بالقبر؛ إن قُصِد به التقرّب للميت فهو شركٌ وإن قُصِد به التقرّب لله تعالى فهو بدعةٌ , فتاوى اللجنة سؤال رقم (9879)، (1/206(.

وقرّر العلامة محمد بن إبراهيم -رحمه الله- في الذبح عند القبور أنه: “إن قُصِد أنه للميت فهو شرك وإن قُصِد أنه لله فهو معصية”, فتاوى ابن إبراهيم (1/131) , وقرّر -رحمه الله- تقريرًا مماثلًا له في مسألة الصلاة عند القبر”, فتاوى ابن إبراهيم (1/132(.

وقال العلّامة الألباني -رحمه الله- في الذبح عند القبر أنه: إن كان لوجه الله فهو محرم  وإن كان لصاحب القبر فهو شرك صريح, أحكام الجنائز، ص(203)، وحاشية رقم (1) من نفس الصفحة.

وأفتى العلّامة ابن عثيمين في الاستهزاء بالصالحين أنه: إن قُصِد به ما هم عليه من الدين فهو كفر وإن قصد به المظهر والزيّ فليس بكفر, مجموع فتاوى ابن عثيمين (2/158(.

ومن الأصول التي لا تحتمل الخلاف أن موالاة الكفار بمحبتهم أو نصرتهم لأجل دينهم كفر مخرج من الملة، وأنه يستحيل ثبوت الإيمان وأصل البراءة من الكفار مع حصول الموالاة للكفار بهذا المعنى، إذ لا يتصور اجتماع الإيمان مع محبة دين الكفار أو نصرتهم لأجل دينهم، لكون ذلك من اجتماع النقيضين, وهذا الأصل لا إشكال فيه.
لكن حصل الإشكال في أصل آخر، وهو ما يتعلق بحكم موالاة الكفار لمجرد غرض دنيوي، حين ظن من ظن أنه يلزم أن يكون حكم موالاة الكفار لغرض دنيوي كحكم موالاتهم على دينهم، وأنه لا فرق بين الحالين.
وأصل الإشكال في عدم التفريق بين موالاة الكفار بهذين المعنيين ما يظن من دلالة الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار على التكفير بمطلق الموالاة لهم، وأن النصرة إذا كانت داخلة في مطلق الموالاة فيلزم أن تكون تلك الآيات دالة على التكفير بمطلق مظاهرة الكفار على المسلمين، دون نظر إلى الحامل على نصرة الكفار، بحيث لا يفرق بين أن تكون نصرة الكفار لأجل دينهم أو لمجرد غرض دنيوي.

ويستند التفريق بين موالاة الكفارعلى دينهم وبين موالاتهم لغرض دنيوي إلى أساسين:
أحدهما: حقيقة أصل الولاء والبراء، وما يقتضيه بيان تلك الحقيقة من التفريق بين ما ينافي أصل الولاء والبراء وما ينافي كماله، وأنه كما لا يلزم من مطلق معاداة المؤمن للمؤمن انتفاء أصل الموالاة بينهما، فإنه لا يلزم من مطلق موالاة المؤمن للكفار انتفاء أصل البراءة منهم، وأنه إذا كانت موالاة المؤمن للمؤمنين لا تنتفي إلا بما ينافي أصلها، بحيث تكون عداوة المؤمن للمؤمن لأجل إيمانه، فإن البراءة من الكفار لا تنتفي أيضاً إلا بما ينافي أصلها، بحيث تكون موالاة المؤمن للكفار لأجل دينهم، وجميع الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار فإنما تفهم وفق هذا الأصل.

وحاصل الأمر أن من التزم التكفير بمطلق الموالاة للكفار لزمه التكفير بمطلق المعاداة للمؤمنين, وليس أحدهما بلازم لبطلانه عقلاً وشرعاً.

وبناءً على هذا نص الشيخ الشنقيطي –رحمه الله- على أن ظواهر الآيات الواردة في التكفير بموالاة الكفار إنما تدل على التكفير بموالاة الكفار رغبة فيهم وفي دينهم، وقد أورد جملة من الآيات في حكم موالاة الكفار، ثم نصّ على ما تتفق عليه تلك الآيات فقال: (يفهم من ظواهر هذه الآيات أن من تولى الكفار عمداً واختياراً ، رغبة فيهم، أنه كافر مثلهم.
وقال في موطن آخر في نفس المعنى إن الله تعالى قد بين (أن الذي يتولى الكفار اختياراً، رغبة فيهم وفي دينهم، أنه منهم”.

وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية الفرق بين ما ينافي أصل الولاء والبراء وما ينافي مطلق الولاء والبراء، وبين أن الكفر بموالاة الكفار إنما يكون بما يستحيل معه ثبوت أصل الولاء والبراء، وأن ما دون ذلك مما قد يحصل من المؤمن من معاداة المؤمنين وموالاة الكفار لا يكون حكمه كذلك.
وفي تقرير الاستدلال للتنافي بين الإيمان وموالاة الكفار يقول شيخ الإسلام ابن تيمية: (وقال تعالى : فيما يذم به أهل الكتاب … “تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ وَلَكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فَاسِقُونَ” [المائدة:80-81]. فبين –سبحانه وتعالى- أن الإيمان بالله والنبي وما أنزل إليه مستلزم لعدم ولايتهم، فثبوت ولايتهم يوجب عدم الإيمان، لأن عدم اللازم يقتضي عدم الملزوم .
وقال سبحانه : “لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ”, المجادلة:22.
فأخبر سبحانه أنه لا يوجد مؤمن يوادّ كافراً، فمن وادّ الكفار فليس بمؤمن).
ومع ما قرره هنا شيخ الإسلام من التنافي بين الإيمان وبين موادّة الكفار وموالاتهم إلا أنه قد نص على أن تلك الموالاة إذا كانت لغرض دنيوي فإنها لا تكون كفراً, وفي ذلك يقول: (إذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله أوجب بغض أعداء الله ، كما قال تعالى: “وَلَوْ كَانُوا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ وَمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مَا اتَّخَذُوهُمْ أَوْلِيَاءَ” [المائدة :81]. وقال: “لا تَجِدُ قَوْماً يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إِخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْأِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ” المجادلة:22.
وقد تحصل للرجل موادّتهم لرحم أو حاجة فتكون ذنباً ينقص به إيمانه، ولا يكون به كافراً، كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعضِ أخبار النبي –صلى الله عليه وسلم-، وأنزل الله فيه: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا عَدُوِّي وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ تُلْقُونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ وَقَدْ كَفَرُوا بِمَا جَاءَكُمْ مِنَ الْحَقِّ يُخْرِجُونَ الرَّسُولَ وَإِيَّاكُمْ أَنْ تُؤْمِنُوا بِاللَّهِ رَبِّكُمْ إِنْ كُنْتُمْ خَرَجْتُمْ جِهَاداً فِي سَبِيلِي وَابْتِغَاءَ مَرْضَاتِي تُسِرُّونَ إِلَيْهِمْ بِالْمَوَدَّةِ” الممتحنة:11 ).
وإذا كانت الآيات التي استند إليها شيخ الإسلام ابن تيمية في الحكم باستحالة ثبوت الإيمان مع موالاة الكفار هي نفسها الآيات التي ذكر أنه لا يلزم منها التكفير بموالاة الكفار لمجرد غرض دنيوي، فلا بد أن يكون مراده بالموالاة المكفرة ما تكون لأجل دين الكفار، لا لمجرد غرض دنيوي، لأنه إذا لم يصح التكفير بالموالاة التي لا تكون على الدين لم يبق في التكفير بالموالاة إلا ما تكون على الدين.
وعلى هذا الأساس فرق الشيخ عبدالرحمن بن سعدي في تفسيره للآيات الواردة في حكم موالاة الكفار بين الموالاة التامة وما دونها، وبين أن الكفر بموالاة الكفار لا يكون إلا بالموالاة التامة، وأن ما دون ذلك من الموالاة للكفار لا تكون كفراً، وإن دخلت في عموم موالاة الكفار .
ومن ذلك قوله عند تفسير قول الله تعالى: “إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ”, الممتحنة:9 ، (ذلك الظلم يكون بحسب التولّي، فإن كان تولّياً تاماً كان ذلك كفراً مخرجاً عن دائرة الإسلام، وتحت ذلك من المراتب، ما هو غليظ وما هو دونه.”
وقال أيضاً في تعليل الحكم بالكفر في موالاة اليهود والنصارى في قوله تعالى: “يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ”, المائدة:51؛ (لأن التولّي التام يوجب الانتقال إلى دينهم، والتولي القليل يدعو إلى الكثير، ثم يتدرج شيئاً فشيئاً حتى يكون العبد منهم”.
فتأمل كيف فرق بين التولّي التام الذي يوجب الكفر المخرج من الملّة، وبين ما دونه من التولّي، وأنه ليس بكفر، وإن كان داخلًا في عموم تولي الكفار، فعلم أن الكفر بموالاة الكفار لا يكون بمطلق الموالاة لهم، وإنما هو مقيد بالموالاة التامة المطلقة، وإنما تكون الموالاة تامة إذا كانت لأجل دين الكفار، لا لمجرد غرض دنيوي، مع ثبوت أصل الولاء والبراء .

وقد حكى الإمام ابن الجوزي عن أهل التفسير التفريق بين موالاة الكفار لأجل دينهم وبين موالاتهم فيما دون ذلك فقال: قوله تعالى: “وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ”, المائدة:51, فيه قولان:
أحدهما: من يتولّهم في الدين فإنه منهم في الكفر، والثاني: من يتولّهم في العهد فإنه منهم في مخالفة الأمر.

وقد نصّ الشيخ صالح الفوزان على أن مناط الكفر بمظاهرة الكفار هو مظاهرتهم لأجل دينهم، وأن مظاهرتهم على غير الدين لا تكون كفراً.

وعلى هذا الوجه يفهم اشتراط الإمام ابن جرير للكفر بموالاة الكفار أن تكون موالاتهم على دينهم، ونقله عن جماعة من السلف؛ وذلك عند تفسيره لقول الله تعالى: “لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً”, آل عمران:28.
وفي تفسيره للآية يقول: (معنى ذلك لا تتخذوا أيها المؤمنون الكفار ظهراً وأنصاراً تُوالونهم على دينهم، وتُظاهرونهم على المسلمين من دون المؤمنين، وتدلونهم على عوراتهم، فإنه من يفعل ذلك “فَلَيْسَ مِنَ اللَّهِ فِي شَيْءٍ”, آل عمران:28, يعني بذلك: فقد برئ من الله، وبرئ الله منه، بارتداده عن دينه، ودخوله في الكفر).
وهذا الذي ذكره الإمام ابن جرير من اشتراط الموالاة في الدين للكفر بموالاة الكفار قد ذكره عن جماعة من السلف في تفسير الآية، فقد ذكر بسنده إلى ابن عباس –رضي الله عنهما- أنه قال في تفسير الآية؛ (نهى الله سبحانه المؤمنين أن يلاطفوا الكفار أو يتخذونهم وليجة من دون المؤمنين، إلا أن يكون الكفار عليهم ظاهرين، فيظهروا لهم اللطف ويخالفونهم في الدين.(
ونقل عن قتادة أنه قال في تفسيرها: (نهى الله المؤمنين أن يوادّوا الكفار، أو يتولّوهم من دون المؤمنين، وقال الله : “إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً”, آل عمران:28, الرحم من المشركين، من غير أن يتولّوهم في دينهم، إلا أن يصل رحماً من المشركين.
ونقل عن الحسن البصري في معنى قوله تعالى: “إِلَّا أَنْ تَتَّقُوا مِنْهُمْ تُقَاةً”, آل عمران:28, أن معناها: (صاحبهم في الدنيا معروفاً، الرحم وغيره، فأما في الدين فلا.(
ونقل عن السدي أنه قال في معنى قوله تعالى: “لا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ”, آل عمران:28, أي (فيواليهم في دينهم، ويظهرهم على عورة المؤمنين، فمن فعل هذا فهو مشرك، فقد برِئ الله منه، إلا أن يتقي منهم تقاة، فهو يظهر الولاية لهم في دينهم والبراءة من المؤمنين).

ولهذا ذكر الإمام ابن جرير في فقه قصة حاطب –رضي الله عنه- وما حصل منه من مظاهرة المشركين على رسول الله –صلى الله عليه وسلم- أن فيها الدلالة على أن من دل الكفار على عورات المسلمين ولم يتكرر منه، كالذي حصل من حاطب –رضي الله عنه- ، فإنه لا يقتل ، وإنما يقتل عنده من تكرر منه ذلك، دفعاً لشره، وهذا لا يقال فيما يكون به الكفر، وإنما يكون فيما هو معصية.

ثم حذر الله المؤمنين عن مشابهة المنافقين وأنه من يرتد من المؤمنين كما فعل أولئك المنافقون فسوف يأتي الله بخير منهم ، ثم ختم السياق بالتأكيد على أنه ينبغي أن تكون ولاية المؤمن لله ورسوله والمؤمنين، والتحضيض على البراءة من الكفار.
والمقصود أن سياق هذه الآيات هو في نهي المؤمنين عن مشابهة المنافقين في موالاتهم لليهود والنصارى, فيكون غاية ما يدل عليه قوله تعالى: “وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ” المائدة:51 ,أن من حصلت منه الموالاة التي دلّت الآيات على حصولها من المنافقين فإنه يكفر بذلك، والمنافقون لم يكفروا بمطلق الموالاة لأهل الكتاب، وإنما كفروا لأنهم رضوا بدين الكفار، وتمنوا علو الكافرين لكفرهم على المؤمنين لإيمانهم.
وقد فسر الإمام ابن جرير هذه الآية بما يدل على أن المراد بالموالاة فيها ما كان لأجل الدين، بحيث لا يمكن أن تكون الموالاة من مؤمن، وإنما تكون من منافق يرضى بدين من والاهم، ويتولاهم على دينهم .
وفي ذلك يقول الإمام ابن جرير: (يعني تعالى ذكره بقوله : “وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ”, المائدة:51 ,ومن يتولّ اليهود والنصارى دون المؤمنين “فَإِنَّهُ مِنْهُمْ”, المائدة:51 ,يقول: فإن من تولاهم ونصرهم على المؤمنين فهو من أهل دينهم وملّتهم، فإنه لا يتولّى متولٍ أحداً إلا وهو به وبدينه وما هو عليه راضٍ، وإذا رضيه ورضي دينه فقد عادى ما خالفه وسخطه، وصار حكمه حكمه، ولذلك حكم من حكم من أهل العلم لنصارى بني تغلب في ذبائحهم ونكاح نسائهم وغير ذلك من أمورهم بأحكام نصارى بني إسرائيل، لموالاتهم إياهم، ورضاهم بملتهم، ونصرتهم لهم عليها، وإن كانت أنسابهم لأنسابهم مخالفة …، وأصل دينهم لأصل دينهم مفارقاً.
وتأمل ما ذكره الإمام ابن جرير عن نصارى بني تغلب، وأن العلماء الذين أباحوا نكاح نسائهم، وحل ذبائحهم، لموالاتهم للنصارى، ورضاهم بملتهم، ونصرتهم لهم عليها، وإن كان أصل دينهم لأصل دين النصارى مفارقاً كما قال، فتبين بذلك أن الإمام ابن جرير لا يعتبر الموالاة التي حكم فيها على الموالي بما يحكم به على من والاه إلا إذا كانت مع الرضى بدين من والاه، أو أن ينصره لأجل دينه.

ومن الآيات التي يدل سياقها على أن المراد بموالاة الكفار فيها موالاتهم على دينهم قول الله تعالى: “بَشِّرِ الْمُنَافِقِينَ بِأَنَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً الَّذِينَ يَتَّخِذُونَ الْكَافِرِينَ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً”, النساء:138-139.
ففيها بيان حال المنافقين، وأنهم يتخذون الكافرين أولياء من دون المؤمنين لما يظنون أن تكون لهم به العزة, عياذاً بالله تعالى.

التفصيل في كلام ابن تيمية في مسألة الموالاة للكفار:

“إعانة الخارجين عن شريعة دين الإسلام محرمة,  ومساعدتهم لعدو المسلمين بالأنفس والأموال محرمة عليهم, ويجب عليهم الامتناع من ذلك بأي طريق أمكنهم, من تغيب أو تعريض أو مصانعة, فإذا لم يمكن إلا بالهجرة تعينت .
ولا يحل سبهم عموما ورميهم بالنفاق-يقصد ابن تيمية من ساعدوا العدو-, بل السب والرمي بالنفاق يقع على الصفات المذكورة فى الكتاب والسنة”.

وسُئِل أيضاً:” مَا تَقُولُ السَّادَةُ الْفُقَهَاءُ ……فِي هَؤُلَاءِ التَّتَارِ الَّذِينَ يَقْدُمُونَ إلَى الشَّامِ مَرَّةً بَعْدَ مَرَّةٍ, وَتَكَلَّمُوا بِالشَّهَادَتَيْنِ, وَانْتَسَبُوا إلَى الْإِسْلَامِ, وَلَمْ ييَبْقُوا عَلَى الْكُفْرِ الَّذِي كَانُوا عَلَيْهِ فِي أَوَّلِ الْأَمْر, فَهَلْ يَجِبُ قِتَالُهُمْ أَمْ لَا؟ وَمَا الْحُجَّةُ عَلَى قِتَالِهِمْ؟ وَمَا مَذَاهِبُ الْعُلَمَاءِ فِي ذَلِكَ؟ وَمَا حُكْمُ مَنْ كَانَ مَعَهُمْ مِمَّنْ يَفِرُّ إلَيْهِمْ مِنْ عَسْكَرِ الْمُسْلِمِينَ: الْأُمَرَاءِ وَغَيْرِهِمْ؟ وَمَا حُكْمُ مِنْ قَدْ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ مُكْرَهًا؟ وَمَا حُكْمُ مَنْ يَكُونُ مَعَ عَسْكَرِهِمْ مِنْ الْمُنْتَسِبِين َ إلَى الْعِلْمِ وَالْفِقْهِ وَالْفَقْرِ وَالتَّصَوُّفِ وَنَحْوِ ذَلِكَ؟ وَمَا يُقَالُ فِيمَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَالْمُقَاتِلُونَ لَهُمْ مُسْلِمُونَ وَكِلَاهُمَا ظَالِمٌ, فَلَا يُقَاتَلُ مَعَ أَحَدِهِمَا.
وَفِي قَوْلِ مَنْ زَعَمَ أَنَّهُمْ يُقَاتَلُونَ كَمَا تُقَاتَلُ الْبُغَاةُ الْمُتَأَوِّلُونَ؟ وَمَا الْوَاجِبُ عَلَى جَمَاعَةِ الْمُسْلِمِينَ مِنْ أَهْلِ الْعِلْمِ وَالدِّينِ وَأَهْلِ الْقِتَالِ وَأَهْلِ الْأَمْوَالِ فِي أَمْرِهِمْ؟ (وأجاب بكلام طويل جاء فيه ): وَأَمَّا الْأَصْلُ الْآخَرُ وَهُوَ مَعْرِفَةُ أَحْوَالِهِمْ -يعني التتار-. فَقَدْ عُلِمَ أَنَّ هَؤُلَاءِ الْقَوْمَ جَازُوا عَلَى الشَّامِ فِي الْمَرَّةِ الْأُولَى: عَامَ تِسْعَةٍ وَتِسْعِينَ وَأَعْطَوْا النَّاسَ الْأَمَانَ وَقَرَءُوهُ عَلَى الْمِنْبَرِ بِدِمَشْقَ وَمَعَ هَذَا فَقَدْ سَبَوْا مِنْ ذَرَارِي الْمُسْلِمِينَ مَا يُقَالُ إنَّهُ مِائَةُ أَلْفٍ أَوْ يَزِيدُ عَلَيْهِ” … “وَلَمْ نَرَ فِي عَسْكَرِهِمْ مُؤَذِّنًا وَلَا إمَامًا وَقَدْ أَخَذُوا مِنْ أَمْوَالِ الْمُسْلِمِينَ وَذَرَارِيِّهِم ْ وَخَرَّبُوا مِنْ دِيَارِهِمْ مَا لَا يَعْلَمُهُ إلَّا اللَّهُ, وَلَمْ يَكُنْ مَعَهُمْ فِي دَوْلَتِهِمْ إلَّا مَنْ كَانَ مِنْ شَرِّ الْخَلْقِ, إمَّا زِنْدِيقٌ مُنَافِقٌ لَا يَعْتَقِدُ دِينَ الْإِسْلَامِ فِي الْبَاطِنِ, وَإِمَّا مَنْ هُوَ مِنْ شَرِّ أَهْلِ الْبِدَعِ”.

“فَمَنْ دَخَلَ فِي طَاعَتِهِمْ جَعَلُوهُ وَلِيًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ كَافِرًا وَمَنْ خَرَجَ عَنْ ذَلِكَ جَعَلُوهُ عَدُوًّا لَهُمْ وَإِنْ كَانَ مِنْ خِيَارِ الْمُسْلِمِينَ” … وأخذ يذكر ما عند التتار من كفر وجهل, ثم قال: ” وَغَايَةُ مَا يُوجَدُ مِنْ هَؤُلَاءِ يَكُونُ مُلْحِدًا” … “وَخِيَارُهُمْ يَكُونُ جهميا اتِّحَادِيًّا أَوْ نَحْوَهُ, فَإِنَّهُ لَا يَنْضَمُّ إلَيْهِمْ طَوْعًا مِنْ الْمُظْهِرِينَ لِلْإِسْلَامِ إلَّا مُنَافِقٌ أَوْ زِنْدِيقٌ أَوْ فَاسِقٌ فَاجِرٌ, وَمَنْ أَخْرَجُوهُ مَعَهُمْ مُكْرَهًا فَإِنَّهُ يُبْعَثُ عَلَى نِيَّتِهِ”.

ومن كلامه الخاص في حكم القتال مع التتار قوله: ” وَأَيْضًا لَا يُقَاتِلُ مَعَهُمْ -غيْرُ مُكْرَهٍ- إلَّا فَاسِقٌ أَوْ مُبْتَدِعٌ أَوْ زِنْدِيقٌ”, فهو في هذا النص يذكر أنه لا يقاتل مع التتار إلا أحد هؤلاء الأصناف الثلاثة, فلو كانت موالاة الكفار عنده كفر دائماً لما ذكر الفسق هنا.

وقال عن نوعٍ من الموالاة: “وَقَدْ تَحْصُلُ لِلرَّجُلِ لرحم أو حاجة, فتكون ذنبا ينقص به إيمانه, ولا يكون به كافراً, كما حصل من حاطب بن أبي بلتعة لما كاتب المشركين ببعض أخبار النبي, وأنزل الله فيه (يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء تلقون إليهم بالمودة) “, وقال أيضا عن فعل حاطب: “فهذه أمور صدرت عن شهوة وعجلة لا عن شك في الدين, كما صدر عن حاطب التجسس لقريش مع أنها ذنوب ومعاصي يجب على صاحبها أن يتوب, وهي بمنزلة عصيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم”.

وأما ما يتعلق بالنصوص التي ذكرت عن ابن تيمية في التكفير بالموالاة العملية فهي نصوص كثيرة, ومن تلك النصوص:
1- قوله :” فَالْمُخَاطَبُونَ بِالنَّهْيِ عَنْ مُوَالَاةِ الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى هَمّ الْمُخَاطَبُونَ بِآيَةِ الرِّدَّةِ.
وَمَعْلُومٌ أَنَّ هَذَا يَتَنَاوَلُ جَمِيعَ قُرُونِ الْأُمَّةِ, وَهُوَ لَمَّا نَهَى عَنْ مُوَالَاةِ الْكُفَّارِ وَبَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُمْ مِنْ الْمُخَاطَبِينَ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ بَيَّنَ أَنَّ مَنْ تَوَلَّاهُمْ وَارْتَدَّ عَنْ دِينِ الْإِسْلَامِ لَا يَضُرُّ الْإِسْلَامَ شَيْئًا “.

من يتأمل كلام ابن تيمية في مواطن أخرى يستطيع أن يقول: إنه يجعل موطن العموم في حال المنافقين فقط, وذلك أنه حكي الاتفاق على أن آية المائدة نزلت بسبب المنافقين, وفي هذا يقول: “والمفسرون متفقون على أنها نزلت بسبب قوم ممن كان يظهر الإسلام وفى قلبه مرض خاف أن يغلب أهلُ الإسلام, فيوالى الكفار من اليهود والنصارى وغيرهم للخوف الذي في قلوبهم, لا لاعتقادهم أن محمداً كاذب, واليهود والنصارى صادقون, وأشهر النقول في ذلك (أن عبادة بن الصامت قال: يا رسول الله إن لي موالى من اليهود وإني أبرأ إلى الله من ولاية يهود, فقال عبد الله بن أبي: لكنّي رجل أخاف الدوائر ولا أبرأ من ولاية يهود, فنزلت هذه الآية”
والمقصود هنا أن هذا النص ليس فيه أن ابن تيمية يكفر بالموالاة العملية, وإنما فيه إطلاق أن التولي للكفار كفر, وهذا الإطلاق لا يدل بالضرورة على أنه يكفر بكل صور الموالاة.

2-  ومن ذلك قوله: ” مِنْ أَحْوَالِ الْقَلْبِ وَأَعْمَالِهِ مَا يَكُونُ مِنْ لَوَازِمِ الْإِيمَانِ الثَّابِتَةِ فِيهِ بِحَيْثُ إذَا كَانَ الْإِنْسَانُ مُؤْمِنًا؛ لَزِمَ ذَلِكَ بِغَيْرِ قَصْدٍ مِنْهُ وَلَا تَعَمُّدٍ لَهُ وَإِذَا لَمْ يُوجَدْ؛ دَلَّ عَلَى أَنَّ الْإِيمَانَ الْوَاجِبَ لَمْ يَحْصُلْ فِي الْقَلْبِ وَهَذَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: (لَا تَجِدُ قَوْمًا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ يُوَادُّونَ مَنْ حَادَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلَوْ كَانُوا آبَاءَهُمْ أَوْ أَبْنَاءَهُمْ أَوْ إخْوَانَهُمْ أَوْ عَشِيرَتَهُمْ أُولَئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمَانَ وَأَيَّدَهُمْ بِرُوحٍ مِنْهُ), فَأَخْبَرَ أَنَّك لَا تَجِدُ مُؤْمِنًا يُوَادُّ الْمُحَادِّينَ لِلَّهِ وَرَسُولِهِ فَإِنَّ نَفْسَ الْإِيمَانِ يُنَافِي مُوَادَّتَهُ كَمَا يَنْفِي أَحَدُ الضِّدَّيْنِ الْآخَرَ, فَإِذَا وُجِدَ الْإِيمَانُ انْتَفَى ضِدُّهُ وَهُوَ مُوَالَاةُ أَعْدَاءِ اللَّهِ فَإِذَا كَانَ الرَّجُلُ يُوَالِي أَعْدَاءَ اللَّهِ بِقَلْبِهِ؛ كَانَ ذَلِكَ دَلِيلًا عَلَى أَنَّ قَلْبَهُ لَيْسَ فِيهِ الْإِيمَانُ الْوَاجِبُ”

وما ذكره ابن تيمية من أن من لم ينكر المنكر بقلبه فليس معه شيء من الإيمان, ومن ذلك قوله: ” فمن لم يستحسن الحسن المأمور به ولم يستقبح الشيء المنهي عنه لم يكن معه من الإيمان شيء, كما قال صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: ” من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان”, وكما قال في الحديث الصحيح عن عبد الله بن مسعود أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: ” ما من نبى بعثه الله في أمته قبلي إلا كان له من أمته حواريون وأصحاب يأخذون بسنته ويقتدون بأمره ثم أنها تَخْلُفُ من بعدهم خلوف يقولون مالا يفعلون ويفعلون مالا يؤمرون فمن جاهدهم بيده فهو مؤمن ومن جاهدهم بلسانه فهو مؤمن ومن جاهدهم بقلبه فهو مؤمن وليس وراء ذلك من الإيمان حبة خردل” رواه مسلم .
فأضعف الإيمان الإنكار بالقلب, فمن لم يكن في قلبه بغض المنكر الذي يبغضه الله ورسوله لم يكن معه من الإيمان شيء”

فابن تيمية يقرر في هذا النص أن من لم ينكر المنكر بقلبه فليس معه شيء من الإيمان, واستدل بالأحاديث المشهورة, وهذا الكلام صحيح, ولكن ليس من لازمه أن من لم ينكر منكراً معيناً بقلبه فالإيمان منتفٍ عنه, فلا يصح أن نقول إن ابن تيمية يكفر من لم ينكر منكراً معيناً بقلبه بناءاً على هذا النص, لأن كلامه هنا إنما هو في عدم الإنكار المطلق لا في عدم الإنكار المعين.

3- ومن ذلك قوله: ” وَكُلُّ مَنْ قَفَزَ إلَيْهِمْ -يعني التتار- مِنْ أُمَرَاءِ الْعَسْكَرِ وَغَيْر الْأُمَرَاءِ فَحُكْمُهُ حُكْمُهُمْ وَفِيهِمْ مِنْ الرِّدَّةِ عَنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ بِقَدْرِ مَا ارْتَدَّ عَنْهُ مِنْ شَرَائِعِ الْإِسْلَامِ .
وَإِذَا كَانَ السَّلَفُ قَدْ سَمَّوْا مَانِعِي الزَّكَاةِ مُرْتَدِّينَ -مَعَ كَوْنِهِمْ يَصُومُونَ وَيُصَلُّونَ وَلَمْ يَكُونُوا يُقَاتِلُونَ جَمَاعَةَ الْمُسْلِمِينَ- فَكَيْفَ بِمَنْ صَارَ مَعَ أَعْدَاءِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ قَاتِلًا لِلْمُسْلِمِينَ”.

 

 

من درر كلام ابن تيمية..

وقال –رحمه الله تعالى- :” كان النبي – صلى الله عليه وسلم – في أول الأمر مأموراً أن يجاهد الكفار لا بيده، فيدعوهم ويعظهم، ويجادلهم بالتي هي أحسن، وكان مأموراً بالكف عن قتالهم لعجزه وعجز المسلمين عن ذلك، ثم لما هاجر إلى المدينة صار له بها أعوان أذن له في الجهاد، ثم لما قووا كتب عليهم القتال ، ولم يكتب عليهم قتال من سالمهم، لأنهم لم يكونوا يطيقون قتال جميع الكفار، فلما فتح الله مكة ووفدت إليه وفود العرب بالإسلام، أمره الله بقتال الكفار كلهم إلا من كان له عهد مؤقت، وأمره بنبذ العهود المطلقة”, ا.هـ الجواب الصحيح 1/227.

ويقول – رحمه الله تعالى-: ” وأما من لم يكن من أهل الممانعة والمقاتلة، كالنساء والصبيان والراهب، والشيخ الكبير، والأعمى، والزمِن ونحوهم، فلا يقتل عند جمهور العلماء، إلا أن يقاتل بقوله أو فعله، وإن كان بعضهم يرى إباحة قتل الجميع لمجرد الكفر، إلا النساء والصبيان لكونهم مالاً للمسلمين، والأول هو الصواب، لأن القتال هو لمن يقاتلنا إذا أردنا إظهار ديننا، كما قال تعالى:( وقاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) ا.هـ مجموع الفتاوى 28/354.

هذا وإن ابن تيمية يؤكد على بقاء المرحلية والتدرج في التكاليف، وأنها سنة باقية إلى يوم الدين، يقول –رحمه الله تعالى-: ” فإذا حصل من يقوم بالدين من العلماء أو الأمراء أو مجموعهما، كان بيانه لما جاء به الرسول شيئاً فشيئاً، بمنزلة بيان الرسول لما بعث به شيئاً فشيئاً، ومعلوم أن الرسول لا يبلغ إلا ما أمكن علمه والعمل به، ولم تأت الشريعة جملة، كما يقال: إذا أردت أن تطاع فأمر بما يستطاع، فكذلك المجدد والمحيي لسنته، لا يبلغ إلا ما أمكن عمله والعمل به، كما أن الداخل في الإسلام لا يمكن حين دخوله أن يلقن جميع شرائعه ويؤمر بها كلها، وكذلك التائب من الذنوب والمتعلم والمسترشد، لا يمكن في أول الأمر أن يؤمر بجميع الدين ويذكر له جميع العلم، فأنه لا يطيق ذلك، وإذا لم يطقه لم يكن واجباً عليه في هذه الحال، وإذا لم يكن واجباً عليه للعالم والأمير أن يوجبه جميعه ابتداء، بل يعفو عن الأمر والنهي بما لا يمكن علمه وعمله إلى وقت الإمكان، كما عفا الرسول عما عفا عنه إلى وقت الإمكان، ولا يكون ذلك من باب إقرار المحرمات وترك الأمر بالواجبات، لأن الوجوب والتحريم مشروط بإمكان العلم والعمل، وقد فرضنا انتفاء هذا الشرط، فتدبر هذا الأصل فأنه نافع” ا.هـ 20/59،60.

ويقول –رحمه الله تعالى-: ” وقد تكلمت على قتال الأئمة في غير هذا الموضع، وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة، فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات أو تزاحمت، فأنه يجب ترجيح الراجح منها،…….، فأن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فأن كان الذي يفوت من المصالح، أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً به، بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكثر من مصلحته” ا.هـ مجموع الفتاوى 28/129.

وقال: “ولهذا استقر في عقول الناس أنه عند الجدْب يكون نزول المطر لهم رحمة، وإن كان يتقوى بما ينبته أقوام على ظلمهم، لكن عدمه أشد ضرراً عليهم، ويرجحون وجود السلطان مع ظلمه على عدم السلطان، كما قال بعض العقلاء: ستون سنة من سلطان ظالم خير من ليلة واحدة بلا سلطان” ا.هـ مجموع الفتاوى 20/54.

وقال: “فأن مدار الشريعة على قوله تعالى:(فاتقوا الله ما استطعتم) المفسر لقوله: (اتقوا الله حق تقاته) وعلى قول النبي: “إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم” أخرجاه في الصحيحين، وعلى أن الواجب: تحصيل المصالح وتكميلها، وتعطيل المفاسد وتقليلها، فأذا تعارضت، كان تحصيل أعظم المصلحتين بتفويت أدناهما، ودفع أعظم المفسدتين مع احتمال أدناهما هو المشروع” ا.هـ مجموع الفتاوى 28/283.

قال: “وهذا الحديث يدل على أن ما فعله الحسن من ترك القتال على الإمامة، وقصد الإصلاح بين المسلمين كان محبوباً، يحبه الله ورسوله، ولم يكن ذلك مصيبة، بل كان ذلك أحب إلى الله ورسوله من اقتتال المسلمين، ولهذا أحبه الله وأحب أسامة بن زيد ودعا لهما، فأن كلاهما كان يكره القتال في الفتنة” ا.هـ منهاج السنة 4/40 .

وقال رحمه الله تعالى: “وحقيقته أن من لم يكن من المؤمنين حقا يقال فيه إنه مسلم، ومعه إيمان يمنعه من الخلود في النار، وهذا متفق عليه بين أهل السنة، لكن هل يطلق عليه اسم الإيمان، هذا هو الذي تنازعوا فيه فقيل يقال مسلم ولا يقال مؤمن، وقيل بل يقال مؤمن والتحقيق أن يقال: إنه مؤمن ناقص الإيمان مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ولا يعطى اسم الإيمان المطلق، فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الإسم المطلق “. . .  إ .هـ 7/241.

وقال: “وجواب هذا أن يقال: الذين قالوا من السلف: إنهم خرجوا من الإيمان إلى الإسلام لم يقولوا: إنه لم يبق معهم من الإيمان شيء، بل هذا قول الخوارج والمعتزلة، وأهل السنة الذين قالوا هذا يقولون: الفساق يخرجون من النار بالشفاعة، وإنْ معهم إيمان يخرجون به من النار، لكن لا يطلقون عليهم اسم الإيمان، لأن الإيمان المطلق هو الذي يستحق صاحبه الثواب ودخول الجنة، …، وحقيقته أن من لم يكن من المؤمنين حقاً يقال فيه إنه مسلم، ومعه إيمان يمنعه من الخلود في النار”…  إ.هـ 7/ 240.

“وبهذا تبين أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص لانتفاء كماله الواجب، وإن كان معه بعض أجزائه ، … ، وبهذا تبين أن الرجل قد يكون مسلماً لا مؤمناً، ولا منافقاً خالصاً، بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة ” إ.هـ 7/513 – 525 باختصار.

وقال: “ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم، كمن جحد وجوب الصلاة والزكاة واستحل الخمر والزنا ….” إ .هـ 7/619.

وقال رحمه الله تعالى: “ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة, فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب، أو أحب، فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوبا تارة واستحبابا أخرى…
وقال: “ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر، بل سؤاله أن يجعله على خزائن الأرض، وكان هو وقومه كفارا, …..، ومعلوم أنه مع كفرهم لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله فإن القوم لم يستجيبوا له، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان،……..” قال: فاذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما، لم يكن الآخر في هذه الحال واجبا، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة، وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما، لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرما في الحقيقة، وإن سمي ذلك فعل واجب وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة أو لدفع ما هو أحرم،…… .
وهذا باب التعارض باب واسع جداً، لاسيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة،…..، قال : فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل، وقد يكون الواجب في بعضها ـ كما بينته فيما تقدم ـ العفو عن الأمر والنهي في بعض الأشياء لا التحليل والإسقاط، مثل أن يكون في أمره بطاعة، فعلا لمعصية أكبر منها، فيترك الأمر دفعا لوقوع تلك المعصية،…….، .
قال: ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركا لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات، فيسكت عن النهي خوفا أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر ” انتهى 20 / 54ـ 61 باختصار , وانظر في هذا المبحث أيضا الفتاوى 19 / 217 ، 30 / 356 .

((ومن هنا يتبين سقوط كثير من هذه الأشياء وان كانت واجبة أو محرمة في الأصل لعدم إمكان البلاغ الذي تقوم به حجة الله في الوجوب أو التحريم, فان العجز مسقط للأمر والنهي وإن كان واجبا في الأصل)). ((مجموع الفتاوى)) (20/60-61).

وقال في جواز تعدد الحكام: ((والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد والباقون نوابه, فإذا فرض أن الأمة خرجت عن ذلك لمعصية من بعضها أو عجز من الباقين أو غير ذلك فكان لها عدة أئمة, لكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود, ويستوفي الحقوق..)), ((مجموع الفتاوى)) (34/ 175- 176).

يقول ابن تيمية: (…. فالواجبات والمستحبات لابد أن تكون المصلحة فيها راجحة على المفسدة, إذ بهذا بعثت الرسل ونزلت الكتب…). ((الفتاوى)) (ج28/26).

(وأمور الناس تستقيم في الدنيا مع العدل الذي فيه الاشتراك في أنواع الإثم أكثر مما تستقيم مع الظلم في الحقوق وان لم تشترك في إثم, ولهذا قيل: إن الله يقيم الدولة العادلة وان كانت كافرة, ولا يقيم الظالمة وإن كانت مسلمة. ويقال: الدنيا تدوم مع العدل والكفر, ولا تدوم مع الظلم والإسلام. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم: ((ليس ذنب أسرع عقوبة من البغي وقطيعة الرحم)), فالباغي يصرع في الدنيا وان كان مغفوراً له مرحوماً في الآخرة, وذلك أن العدل نظام كل شيء, فإذا أقيم أمر الدنيا بعدل قامت وإن لم يكن لصاحبها في الآخرة من خلاق, ومتى لم تقم بعدل لم تقم وإن كان لصاحبها من الإيمان ما يجزى به في الآخرة). ((مجموع الفتاوى)) (ج28/146).

وقال: وهؤلاء الذين اتخذوا أحبارهم ورهبانهم أرباباً –حيث أطاعوهم في تحليل ما حرم الله وتحريم ما أحل الله- يكونون على وجهين:

أحدهما: أن يعلموا أنهم بدلوا دين الله فيتبعونهم على التبديل, فيعتقدون تحليل ما حرم الله, وتحريم ما أحل الله, اتبعاً لرؤسائهم, مع علمهم أنهم خالفوا دين الرسل, فهذا كفر, وقد جعله ورسوله شركاً –وإن لم يكونوا يصلّون لهم ويسجدون لهم- فكان من اتبع غيره في خلاف الدين –مع علمه أنه خلاف الدين, واعتقد ما قاله ذلك, دون ما قاله الله ورسوله- مشركاً مثل هؤلاء.

والثاني: أن يكون اعتقادهم وإيمانهم بتحريم الحلال وتحليل الحرام ثابتاً, لكنهم أطاعوهم في معصية الله, كما يفعل المسلم ما يفعله من المعاصي التي يعتقد أنها معاصٍ, فهؤلاء لهم حكم أمثالهم من أهل الذنوب, كما ثبت في الصحيح عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إنما الطاعة في المعروف”, وقال: “على المسلم السمع والطاعة فيما أحب أو كَرِه, ما لم يؤمر بمعصية”, وقال: “لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق”, وقال: “من أمركم بمعصية الله فلا تطيعوه”.

ثم ذلك المحرِّم للحلال والمحلِّل للحرام, إن كان مجتهداً قصده اتباع الرسول, لكن خَفِيَ عليه الحق في نفس الأمر, وقد اتقى الله ما استطاع –فهذا لا يؤاخذه الله بخطئه, بل يثيبه على اجتهاده الذي أطاع به ربه. ولكن من علم أن هذا أخطأ فيما جاء به الرسول, ثم اتبعه على خطئه, وعَدَل عن قول الرسول- فهذا له نصيب من هذا الشرك الذي ذمه الله, لا سيما إن اتبع في ذلك هواه, ونصره باللسان واليد, مع علمه بأنه مخالف للرسول, فهذا شرك يستحق صاحبه العقوبة عليه”, ا.هـ مجموع الفتاوى 7/53.

قلت: يقصد الشرك العملي وإلا لقال: يستحق القتل ردة.

 

 

*القنبلة الذرية ضد داعش والتكفيرين:

قال تعالى: (إنّ أكرمكم عند الله أتقاكم), وقال تعالى: (لقد أنزلنا إليكم كتاباً فيه ذكركم) قلت: أي: العرب وقريش، وقال تعالى: (والتين والزيتون وطور سينين وهذا البلد الأمين لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم), قلت: يدل على أنّ الإنسان أعلى مراتب خلق الأرض، وأعلى مرتبة هم أهل الأماكن المُقسم بها، ولذا أقسم بها، ثم أعقبها بحسن تكوين الإنسان.

وقال عليه الصلاة والسلام: “ولا فضل لعربي على عجمي إلا بالتقوى” وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “خير الناس قرني” وعامّتهم عرب من قريش وغيرها من أهل الجزيرة، والفضل في الجنس غير ممنوع، ولذا كان جنس العرب أفضل من جنس العجم، ولذا افتخر إبليس حين ظن أن جنس خلقه أفضل من جنس خلق آدم، ولم ينكر ربنا ـ عزوجل ـ وجه التفضيل لكن أنكر التفضيل ذاته، وعليه فقريش خير العرب قط, والله أعلم.

قال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: “الناس تبع لقريش” متفق عليه.

وقال ـ عليه الصلاة والسلام ـ: “إن هذا الأمر في قريش، لا يعاديهم أحد إلا كبّه الله على وجهه، ما أقاموا الدين” رواه البخاري.

وقال ـ صلى الله عليه وسلم ـ: “اللهم أذقت أول قريش نكالاً، فأذق آخرهم نوالاً” رواه الترمذي، وقال: حسن صحيح غريب.

والأحاديث كثيرة في فضائل قريش ومناقبهم، حيث لا يجحدها إلا منافق أو جاهل عياذاً بالله تعالى.

القرشيون لا يرتدّون عن دين الله تعالى:

من فضائل قريش وعظيم شأنهم عند الله تعالى وعند رسوله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنه دعى لهم بالبقاء على دين الله تعالى، لا يرتدّون عنه، ولا يكفرون بالله ـ عزوجل ـ ولا برسوله، وإن خالطوا من الذنوب ما يشاركهم فيه غيرهم من المسلمين، إذ العصمة لرسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ دون غيره.

وفي هذا قال ـ صلى الله عليه وسلم ـ يوم فتح مكة: “لا يرتدّ قرشي صبراً بعد اليوم إلى يوم القيامة”, رواه مسلم.

قال أبو العباس القرطبي في المفهم 3/633: “قال الحميدي: وقد تأول بعض العلماء هذا الحديث، على معنى: أنه لا يقتل قرشي مرتداً ثابتاً على الكفر صبراً، إذ قد وجد من قتل منهم صبراً في القتال وغيره، ولم يوجد من قتل منهم صبراً وهو ثابت على الكفر، وقد قال عياض: هذا إعلام منه ـ صلى الله عليه وسلم ـ أنهم يسلمون كلّهم، كما كان، وأنهم لا يرتدّون بعده كما ارتدّ غيرهم ممن حورب وقتل صبراً.   ا.هـ

وقال النووي ـ رحمه الله تعالى ـ في شرح مسلم 4/ 470: “قال العلماء: معناه الإعلام بأن قريشاً يسلمون كلهم، ولا يرتدّ أحد منهم كما ارتدّ غيرهم بعده ـ صلى الله عليه وسلم ـ، ممن حورب وقتل صبراً، وليس المراد أنهم لا يقتلون ظلماً صبراً، فقد جرى على قريش بعد ذلك ما هو معلوم والله أعلم”. ا.هـ

قلت: وفي هذا ثلاث فوائد:

  • 1- أن من ثبت نسبه لقريش، فسيسلم ولن يرتدّ عن دين الله تعالى.
  • 2- أن من لم يحكم بما أنزل الله فليس بكافر، لأن من الحكام من هو قرشي ولا يحكم بما أنزل الله تعالى.
  • 3- أن الرافضة المدّعون النسب لآل البيت وقريش كذّابون في هذه الدعوى كالفاطميين ورافضة إيران تماماً، لأنهم زنادقة.

 

وفي الختام, أسأل الله عز وجل أن يجعل ما بيّنته وكتبته فيه خير ونور وبركة لي وللمسلمين, وأُبشّر الجميع أن هذه الفئة الضالة, وإن امتد زمنها, واستطار شررها, إلّا أن لها نهاية مريرة بإذن الله تعالى, لقوله صلى الله عليه وسلم: “كلّما طَلَعَ قرنٌ قُطِع”, وكفى بهم ضلالاً, أنهم سيكونون أعوان الدجال –عياذاً بالله تعالى- كما قال عليه الصلاة والسلام: “لا يزال الخوارج يخرجون فيكم حتى يكون أخرهم مع الدجال”, فأي فتنة أسوأ من ذلك, وداعش –قاتلهم الله- غلاة الخوارج, فما علينا سوى اتباع منهج الحق, وهو ما عليه السواد الأعظم من المسلمين, ولا نغترّ بهؤلاء, فهم شرّ الخليقة وإن صاموا وصلّوا وزعموا الجهاد.

 

 

وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

 

 

د. سميــــر مــــراد

الثلاثاء 21/4/1436 هـ

10/2/2015 م

شاهد أيضاً

سلسلة في أحكام الإيمان – فضيلة الشيخ الدكتور سمير مراد – المجلس التاسع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.