الرئيسية / المقالات / الربح والخسارة بين الوهم ومقاصد الشرع

الربح والخسارة بين الوهم ومقاصد الشرع

بسم الله الرحمن الرحيم

 
الربح والخسارة بين الوهم ومقاصد الشرع
(التفجيـــرات)
الحمد لله رب العالمين, والصلاة والسلام على سيد المرسلين, وأشهد أن لا إله إلا الله ولي الصالحين, وأشهد أن محمداً عبده ورسوله, وبعد:
فقد أصاب الأمة ما أصابها, من شيوع فتن التكفيريين بشتى أسمائهم وطوائفهم, وكأن بهم داء الكلَب, ينهشون هنا تارة, وهناك تارة, (وهم يحسبون أنهم يحسنون صنعاً), وكل حسابهم وتقديرهم إنفاذ غيظهم وحقدهم, بإيقاع الخسائر المادية والبشرية على غير المسلمين, ظانين أن هذا هو مطلب الوقت, وفاتهم لجهلهم وقلة عقولهم, أن المقصد حتى من القتال والجهاد, إنما هو نشر التوحيد وإعلاء كلمة الله تعالى, لا أن تكون النتائج عكس ذلك تماماً, ولو كانت الخسائر في الطرف الآخر بالغة, مع أن هؤلاء الضلّال, يرون كل أحد غيرهم كافراً, وما ذلك إلا أنهم محرفون كغيرهم لمواضع الكَلِم, يلبسون على الناس دينهم, حتى ظن بعض الناس أنهم بحق الفرقة الناجية, في حين أنهم من الخوارج, الخارجين عن نهج المصطفى صلى الله عليه وسلم.
ونحن إذ نكتب ضدهم, ما نريد إلا الخير للمسلمين وللبشرية, لأن أمثال هؤلاء أعداء للبشرية قاطبة, ولو سنحت لهم الفرصة قتال أهل السماء لنالوا ذلك ولو بسبب, فحالهم كحال يأجوج ومأجوج حين يقولون: لقد فرغنا من أهل الأرض, فلنعمد إلى أهل السماء, سبحان الله تعالى: أعداء كل خير يُذكر.
طاف هؤلاء الخوارج الأرض بفسادهم, ونال عامة العباد والناس من شرهم ما نالهم, ثم دخلوا الآن في مرحلة جديدة, وهي نقل المعركة إلى أرض أوروبا, بدعوى إرادة فتح روما, فعمدوا إلى فرنسا وأحدثوا فيها تلك الجرائم التي لم يحسبوا لعواقبها أي حساب, نعم؛ الإسلام لم يُنشر في كثير من بقاع الأرض بالسيف كما يزعم الضلّال, بل انتشر بالأخلاق الحميدة, التي كان يُظهرها التجار والسعاة والسفراء وقادة الجيوش, كما انتشر في الشرق العالمي كالصين وغيرها, لأن مقصد الإسلام أن يدخل الناس في دين الله, وعليه فمبدأ المقاتلة مبدأ ثانوي وليس مبدءاً أصلياً, أعني – وحتى لا نُقَوَّل ما لم نقل؛ هو وسيلة وليس غاية, وفرق بين الجهاد والأمر والنهي, فالجهاد باب ووسيلة من وسائل الأمر والنهي, والأمر والنهي وسيلة لتحقيق العبادة, فلا يرتقى بالجهاد ليأخذ حكم الأمر والنهي, ولا يرتقى بالأمر والنهي ليأخذ حكم التوحيد.
ونحن إذ نبيّن هذا للناس, نشير إلى أن كل أمر ونهي المقصد منه تحقيق المصالح ودفع المفاسد, ويشترط في تقدير المصالح والمفاسد أن تكون حقيقية ومعتبرة شرعاً وواقعاً, وأن تكون مقدرة من أهل الخبرات أصحاب النظرة الشمولية, القائمة على النظر في الحال والمآل, وأن تكون من دائرة متكاملة في ذلك, فلا يكفي الشيخ والعالم والفقيه, بل لا بد من ضميمة إليه تشمل خبراء السياسة والعسكرية والاجتماع والاقتصاد وكل من يمكن من خلاله تحقيق المصلحة المعتبرة ودفع المفسدة المعتبرة, بالنظر إلى علو درجة هذه المصلحة والمفسدة, ومن هنا اجتهد الربانيون بوضع الضوابط لتقدير المصالح والمفاسد, فقننوا ما يُعرف بمقاصد الشريعة وقسموها إلى ضروريات وحاجيات وتحسينيات, وأنها في حال الأمر والنهي والتعارض, تقدم الضرورات قبل غيرها, بل تقدم الضرورة الأعلى على الضرورة الأدنى, فجاءنا حمقى القوم, فركلوا هذا العلم خلف ظهورهم, وصار همهم الوحيد: القتل وسفك الدماء, نراها من أُناس تفشى فيهم مرض الحقد, حتى عادوا على الأمم بالفساد, حتى إذا أحدثوا ما يريدون, أصَّلوا لذلك, وتبعهم بعض الحاقدين غير القادرين على نفث سموم حقدهم, والبعض لجهلهم أو عاطفتهم غير الصحيحة, يأخذون بالتبرير لهؤلاء المجرمين, مستدلين لهم بآيات وأحاديث, قَوْلَبوها في غير قالبها الذي يعرفه أهل العلم, منحّين الضوابط الحاكمة لكل مسألة على حدة, فليست الحوادث لها نفس الأحكام, إذ لكل حادثة وواقعة –سباق وسياق ولحاق- تمنع العالم أو الفقيه أو الخبير, أن يعطي لكل حادثة حكم غيرها, لتغير الظروف والأحوال والملابسات, التي تلزم بوجود الاختلاف الموجب اختلاف الحكم, وإن اشتبهت في مجرد الاسم, إذ العبرة بالمعاني لا بالمباني.
وأكثر ما يحزنني, سكوت أو تأخر أهل العلم في بيان حكم هذه الأحداث, بحجة عدم التدخل في السياسة, وأخص بالذكر المجامع الفقهية, الذي كان سكوتهم من أسباب تدخل الدعاة والمؤلفين للكتب من غير أهل الفقه, الذين سكوتهم خير ليس فقط من كلامهم, بل خير لهم وللأمة من ظهورهم أمام الناس, لأنهم إن ظهروا أو تكلموا أفسدوا, لأنهم يتكلمون فيما لا يحسنون, ولو أن كل واحد سكت حيث لا يُحسن, وتكلم حيث يُحسن لضعف الفساد واضمحل, ولكن …!
بعض الناس يتأوه ويتألم: لماذا دم المسلمين, السوريين, الفلسطينيين, … الخ رخيص, أنا لا أدري كيف وصلت إليه هذه الفكرة, إذا كان الشرع قد ضمن صيانة دماء غير المسلمين, فما بالك يا بني بدماء المسلمين, قال تعالى: (من قتل نفساً بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعاً), فانظر إلى إطلاق القرآن:نفساً على التنكير: أي: أيُّ نفس, فكيف يغيب عنك حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: “لئن تنقض الكعبة حجراً حجراً, أهون عند الله من قتل امرئ مسلم بغير حق”, فاحذر بني وأخي, فهذه نفثة تكفيرية, أو عاطفة باردة, أحدثت وستحدث هذه الجرائم في فرنسا, من دمار للمسلمين في أوروبا كلها, بل في العالم أجمع, خصوصاً أنها تلصق دائماً: بالمسلمين السنة فقط, فغيرهم يرتقي ظهورهم, ويخرج الآخرون بُرءاء, مساجد ستُغلق, جنسيات ستسحب, مسلمون سيهجّرون, والآخرون إقامات جبرية, قوانين جديدة ستُسَن, ثم تريدون منا بعد كل هذا الفساد, أن نسميكم مجاهدين, ونحكم لكم بالصواب, لا والله, بل أنتم مخربون, تهدمون دين الله تعالى بقصد أو بغير قصد, ولا يدوم إلا الحق, قال تعالى: (فأما الزبد فيذهب جفاءاً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض):
الحــق- الصــدق- العــدل- المحبــة
عناصر النماء في الدنيا, فأفيقوا ولا تفتروا: (والله غالب على أمره).
ولذا قلت وفي القلب حرقة ..
قلبـــي يــذوب
      قـلبي يذوبُ وفي الأحـداثِ داهيةٌ   تَغشى السماءَ؛ من الأَرْضينَ مَنْشاها
      أطفالُ؛ دمْيةُ؛ نارُ الحقدِ قدْ نَشبتْ   تَـعْلـو العقـولَ فـوارتْ نُــورَ مَبـداها
      حُـزْنٌ أَلَـمَّ بقلـبِ العـاشـقِ النَجِـبِ   فَتْـقَ الحَشـاءِ؛ فتاهتْ غيـمُ مَرْعـاها
      منْ كـانَ يـوقنُ لُقْيا اللهِ في سَعَـةٍ   فَلْـيُهْـرِقِ المـاءَ سَرْعـاً دونَ مَرقـاها
      النّـــــارُ تـأكـلُ أيْبـاسـاً ومُـعْشِـبَةً   ضُـرُّ الخَـوارِجِ أرْبـى فـوقَ مَسـراها
والله أعلم وصلى الله وسلم وبارك على عبده ونبيه محمد وعلى آله وأصحابه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين.
د. سميـــر مـــراد
 
الخميس 7/2/1437 هـ
الموافق 19/11/2015 م

شاهد أيضاً

سلسلة في أحكام الإيمان – فضيلة الشيخ الدكتور سمير مراد – المجلس التاسع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.