الرئيسية / المقالات / الذكاء وأثره في الغلو

الذكاء وأثره في الغلو

الحمد لله تعالى وبعد:

ففي كتب علم النفس، يتحدث المتخصصون عن صفة الذكاء، ومدى دورها في الإنتاج المجتمعي، وعن دورها في الأداء الوظيفي، وعن مدى قدرة صاحبها في اختزال واحتكار الأحداث واستثمارها، وإخفاء الأخطاء التي يمكن أن تعرقل مسيرة عمله او انتقاده أو الاستدراك عليه، وكل ذلك ليظل هذا الذكي في موقع الآمر الناهي، مما يحقق له مكاسب لا يمكن نوالها بغير ذلك.
هذا ونحن ندرك أن الذكي لا يرضى بالدون، بل لعله يرخي العنان لنفسه تطوح هنا وهناك، لينال حظه الذي رسمه لنفسه، وبقدر ما عنده من طموح، يعتلي نظره حتى يطال مقامات التصرف على الناس، أو قل القيادة.
ومن هنا ينطلق، مسخرا كافة الوسائل التي يمكن من خلالها تحقيق مراده، فيضع التراتيب لذلك، في حين أن ظروفه قد لا تسعفه في شئ من ذلك، لكن تأبى عليه نفسه الذكية إلا المتابعة، ولو من خلال وسائل دنيئة بشعة، فيرى مرة قوميا، ومرة وطنيا، ومرة يمينيا، ومرة يساريا، فإن كان من أهل التدين، امتطى النكرات من الناس الجهلة، ليرى نفسه زعيما قادرا على تحقيق نصرة المتدينين والإسلام، لينقض في النهاية على مقدرات الأمة ليهلكها.
وحال استذكارنا حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ” سفهاء الأحلام”، عندما وصف المتطرفين الخوارج، لا يمنع من أن يستخف عقولهم ويستغل جهلهم ذكي، قعدت به الظروف إلا ظرف وجود إمعات همهم بطونهم ورغباتهم، فيستميلهم بعاطفة الدين بذكائه، فيجعل منهم جماعة أو تنظيما، ويحقق في نفوسهم هواها بالتزعم والقيادة، فينساقون كلهم نحو الفساد والإفساد، وحفا نحو مراكز صنع القرار، ليحلوا محل غيرهم لقيادة الناس، لكن إلى إسالة الدم بدل حقنه، فيتربع الذكي على عرش الجهلة، لتصل نفسه إلى نهم الزعامة وخدمة الدين بزعمه.
وقلت إن الذكي ينصب نفسه أولا زعيما تنظيريا، ولذا قلت في المقال السابق، بأن للمتطرفين منارات علمية، تتقن زرع الفساد في رؤوس الجهلة، لنيل مأربهم، وحمل الناس على فكرهم، ما يشق عصى الناس، فيصير هؤلاء إلى طرف، وهؤلاء إلى طرف آخر، ثم يقتتلان وتسيل الدماء.
وعليه فالحذر من الأذكياء أمثال هؤلاء واجب لازم، وفرض القيود على انتشارهم حتم لازم، ونشاطهم المشبوه صار مرأى العين، فكم من عصا واحدة قادت غنما كثيرة، وكبش أو تيس إما أن ينأى بغنمه عن الهلاك، أو يأخذهم إلى الموت، فاختيار الزمان والمكان المناسبين لمحاصرة أذكياء التطرف، ترصد لذلك .. تحقيقا للمصلحة، ودفعا للمفسدة، وسدا لذريعة انتشار التطرف باسم العلم والعلماء والدين
والله تعالى من وراء القصد.

١٤٤٣/٨/١٢
٢٠٢٢/٣/١٥
من يوم الثلاثاء
د.سمير مراد.

شاهد أيضاً

سلسلة في أحكام الإيمان – فضيلة الشيخ الدكتور سمير مراد – المجلس التاسع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.