الرئيسية / المقالات / الاحتيال العاطفي

الاحتيال العاطفي

بسم الله الرحمن الرحيم
الاحتيال العاطفي
الحمد لله رب العالمين، القائل في كتابه العزيز: (قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله)، وصلى الله على سيدنا محمد سيد البشر والخلق في المكارم، وأصدقهم في المحبة، حين سأله عمرو عن أحب الناس إليه فقال: عائشة، فقال عمرو: من الرجال: قال: أبوها، ورضي الله عن الصحابة الغر الميامين، من تآخوْا بعقد المحبة، ولذا كان جزاء أخوة المحبة عظيماً، بعظم أثر المحبة ذاتها، كما ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في حديث السبعة الذين يظلهم الله في ظله ومنهم: “ورجلان تحابا في الله”.
قلت: والمحبة فضلاً عن كونها وصفاً لله تعالى، فهي وصف لملائكته، كما في الحديث الصحيح: “إذا أحب الله عبداً نادى جبريل إني أحب فلاناً فأحبه، فيحبه جبريل……”.
بل إن عاطفة المحبة، طبع غريزي حتى في الحيوانات والدواب بل وبعض الجمادات، فقد ثبت أن الجذع الذي كان يخطب عليه النبي صلى الله عليه وسلم قد حن لفراقه وأنّ أنيناً، والحمّرة التي أُخذ أولادها وأخذت تطوف حول رسول الله صلى الله عليه وسلم، ما جعل رسول الله يقول: “من فجع هذه بولدها” والفجيعة تنتج من فرط المحبة على فقد المحبوب.
واعجب كما شئت، عندما قذفت أم موسى بموسى في البحر، كاد بل انقلع فؤادها من مكانه، قال تعالى: (وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً)، فكان ولدها فؤادها.
وعليه: فأن أقوى الروابط مطلقاً، وأقوى الدوافع هو الحب أو قل: عاطفة المحبة، وكلما زاد صدقها زاد أثرها، ولذلك نجد حتى في الإجرام، يزيد إقدام المجرم، بازدياد حبه لما يريد تحقيقه أو تحصيله، وفي السلام كذلك، كلما زاد حب المقدم عليه له، زاد تعلقه به وقويت إرادة تحقيقه.
ومن هنا اخترت هذا العنوان: الاحتيال العاطفي، نعم هناك احتيال وهناك استغلال وهناك اغتيال، فالاستغلال والاغتيال قتل لروح الحب والعاطفة، تأتي عليه حتى لا تبقي له أثراً، وأما الاحتيال: فهو عنصر يراد منه الإنتاج، لكن بطريق الجذب الروحي، لأن من الناس من تجذبه الماديات، ومنهم من تجذبه الصور، ومنهم من تجذبه الأفكار، لكن الحب والعاطفة؛ لا أحد من الخلق إلا وتجذبه، لذا فمن حادت به الطريق عن الحق، فلا بد لنا من اختيار وسيلة حلوة، لنجذبه إلى ما عندنا أو إلينا، ولا أنفع من الاحتيال في العاطفة لذلك، وللوصول الحقيقي لهذا، فلا بد من تنحية العاطفة التي يميل إليها، لتتولد لديه عاطفة موازنة تجاهنا، وأن من بغَّضه فيما يحب، ولّد ذلك لديه كراهية تجاه من يبغِّضه فيه، بخلاف من حببه فيما يحب، شرط المتابعة لصرفه عما يحب إن كان باطلاً، فأنه حين ذاك، تصير لديه عاطفة موازية، نستطيع بها توليد الثقة بيننا وبينه، من أجل الوصول إلى زرع ما نريده، وكما يقولون: السم قاتل لكنه قد يكون دواءاً، لكن يحتاج من يحسن وصفه وإعطاءه.
إذن فالاحتيال العاطفي هو في حقيقته تفعيل لثقافة ولطاقة الحب والعاطفة، من خلال وسائل كثيرة منها:
الإهداء والعطايا والكلمات والترحيبات ….الخ.
وأولى هذه الوسائل التي ينبغي اختراقها لزج العواطف، الشبكة العنكبوتية وصفحات التواصل والهواتف النقالة، بما فيها من محادثات وصور وغير ذلك.
قلت: وأصحاب الفكر المتطرف، مارسوا الاحتيال العاطفي وبقوة شديدة، حتى استمالوا شرائح من الناس مختلفة، خصوصاً الشباب والشابات، لأنهم هم أكبر مساحة عاطفية تحتاج إلى الإشباع العاطفي لاستمالتها.
فلنمارس جميعاً الاحتيال العاطفي لنشر ما عندنا من حق وعدل، وإلا سبقنا غيرنا لذلك، فبالحب وحده يمكن اختراق الأفكار.
والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.

د. سمير مراد
من يوم الثلاثاء
21/5/1437 – 1/3/2016

شاهد أيضاً

عمّان – البيان الختامي والتوصيات خرجت بها الندوة الإقليمية الافتراضية (مكافحة “رفض” التكفير إرادة الأمة) – الجمعة 11/11/2022

الحمد لله تعالى الذي جعل الأمة ميزان حق، من فارقها فقد حاد عن الصواب إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.