الرئيسية / المقالات / أحداث انتفاضة فلسطين 2015

أحداث انتفاضة فلسطين 2015

بسم الله الرحمن الرحيم

 

أحداث انتفاضة فلسطين 2015

 

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين، وأشهد ألا إله إلا الله ولي الصالحين، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، وبعد:

فأن مما يحزن القلب، ويكمد الكبد، ما يحصل في ديار المسلمين من قتل وتشريد لهم، مما يدفع ببعضهم –لعدم الصبر- أن يمارسوا مواجهات عنيفة، فيها قتل وقتال ضد العدو، مما يعطي فرصة وحجة لهذا العدو، أن يمارس عليهم أبشع صور الترويع، ويلحق بهم من الخسارة ما كنا في غنى عنه.

هذا وأسوأ ما بتنا نراه، أن الممارسات العبثيين تزيد بدل أن تقل، بحجة الجهاد ومقاتلة العدو ……. الخ.

الأمر الذي جعل المصطلحات الشرعية أشبه ما تكون ألعاباً يمارسها صبية، فيفرغونها من مضمونها، فصار الجهاد رهن إشارة العبثين أداءً وفعلاً ومنعاً، وكذلك الشهادة.

صارت وكأنها ختم في أيدي البعض، يمنحه لمن شاء متى شاء، مع أن من هؤلاء القتلى حسبهم أن يكونوا أبرياء من الإثم، لما يجرونه على الأمة من ويلات تلو ويلات،

فاليوم نكون مجاهدين، حتى إذا أثخن العدو فينا قتلاً وتدميراً، صالحناه، ثم نرجع فنمارس عبثية المواجهة، ونسميه جهاداً، حتى إذا حصل ما جربناه من قبل، صالحنا العدو بعد أن نفذ ما يريد، ونحن نعيش أوهاماً يصورها لنا الجمهور أنها: نصر وجهاد وتمكن وتمكين!!!

والدارس لأحوال الأمم والمجتمعات، ويعرف صلف العدو الذي نواجهه، يدلك تماماً أن عامة ما يجري يصب في صالحه، كنا قديماً نحارب لأجل فلسطين، وأمس القريب لأجل غزة، واليوم لأجل القدس، وكله عمل مبارك إن وافق نية صادقة ومصلحة متحققة، وأخشى ما أخشاه؛ أن نصل غداً للدفاع عن بيت الرئيس ونحوه، فتكون قتالاتنا وطموحاتنا قد فرغت في هواء، أو قد حل أثرها السيء علينا، فلنعتبر من أحداث الزمن، ولا نصدق الكذبة التي تقول:

انــــتـــــــصـــــــرنـــــا

فتباً لهكذا نصر، الذي ما هو إلا هزيمة تلو هزيمة، إلا أن يكون هؤلاء يعدون القلة في الخسائر من الأرواح والممتلكات نصراً، ولا حول ولا قوة إلا بالله، وستؤول الأمور إلى زيادة بسط نفوذ العدو على الأرض، لأنهم يعلمون أننا شعوب سهل استفزازها لتدميرها.

وعليه فعلى الجميع أن يرعووا ويؤوبوا إلى رشدهم بمتابعة السلام إلى أن يأس العدو من ذلك أو يهيء الله أمراً.

ومحدثة جديدة لأولئك المهووسين بحب الدماء والقتل، أن كل سكان الأرض من العدو مقاتلون ليس فيهم مدنيون، وهؤلاء يشبهون داعش أعداء الإنسانية، ويخرقون كل القوانين المتعارف عليها، بل ويعطون الحق للعدو أن يقضي عليهم بمعاملتهم بنفس ما يتفوهون به من أحكام.

ثم يقومون بعد بأعمال بلا خبرة ولا دراية ولا مسئولية إلا لقضاء وطرهم وشهوتهم، تلك الأمور التي ذهبت بكثير من المكاسب -عبر سنوات عدة- أدراج الرياح، ثم يسمون ذلك جهاداً، ويريدون منا أن نقول: نعم هو جهاد، كيف وقد خرقتم تكاليف الشرع، فلا نقول إلا: حسبكم من ذلك على أعلى حد ألا تكونوا آثمين لجهلكم، أما أن تكونوا مجاهدين فلا.

وما إخال تلك الأفعال منكم إلا من داء العُجْب الذي مصيره إلى الكبر والتجبر، فأربعوا على أنفسكم، وأعدوا الإعداد الصحيح أنتم وغيركم من الحكام والشعوب، وكل مصيره إلى الله تعالى,

واعجب أشد العجب عندما يزغردون للميت فرحاً بذلك أنه شهيد –نرجوا- وهذا خلاف الفطر جميعاً، والأدهى والأنكى تزويج الأموات ثم يتألون على الله فيقولون: عرس في الجنة؟!

في حين أن الأمة أجمعت أنه لا يشهد لأحد بجنة ولا على أحد بنار إلا من ثبت فيه النص، وهؤلاء جعلوه عرساً في الجنة، ولا أستبعد أن يقولوا غداً: شهوده جبريل وميكائيل، كبرت كلمة ملؤها العجب والفخر البائد.

الجهاد: “الجَهْد: الطاقة ويُضَمّ, والمشقة.

وجَهَد بزيد: امتحنه.

وبالكسر (الجِهاد), القتال مع العدو كالمجاهدة”. ا.هـ من القاموس.

والجهاد: والمجاهدة: “استفراغ الوسع في مدافعة العدو, والمجاهدة تكون باليد واللسان” ا.هـ من مفردات الراغب.

والجهاد: “المبالغة واستفراغ الوسع في الحرب أو اللسان أو ما أطاق من شيء”. ا.هـ من اللسان.

والجهاد عند الفقهاء: “هو بذل الوسع, وهو القدرة في حصول محبوب الحق, ودفع ما يكرهه” ا,هـ مجموع الفتاوى 10/192

“لأن الجهاد حقيقة الاجتهاد في حصول ما يحبه الله من الإيمان والعمل الصالح, ومن دفع ما يبغضه الله من الكفر والفسوق والعصيان” ا.هـ الفتاوى 10/192

 

شروط تحقق الجهاد:

مثل أي عبادة يُكَلفها المسلم, لها شروط وأركان وضوابط, فكذلك الجهاد, لأن له مناط تكليف ينضبط به, حتى لا يكون فوضى عبثية, يمارس كيفما اتفق, ولو كان على حساب مصالح الإسلام والمسلمين, بحجة مواجهة العدو, يقول ابن تيمية رحمه الله تعالى: “وبالجملة لا خلاف بين المسلمين, أن من كان في دار الكفر وقد آمن وهو عاجز عن الهجرة, لا يجب عليه من الشرائع ما يعجز عنها, بل الوجوب بحسب الإمكان, وكذلك ما لم يعلم حكمه” ا.هـ الفتاوى 19/225

وقال: “الأمر والنهي الذي يسميه بعض العلماء التكليف الشرعي, وهو مشروط بالممكن من العلم والقدرة, فلا تجب الشريعة على من لا يمكنه العلم كالمجنون والطفل, ولا تجب على من يعجز كالأعمى والمريض في الجهاد, وكما لا تجب الطهارة بالماء, والصلاة قائما, والصوم وغير ذلك, على من يعجز عنه” ا.هـ الفتاوى 10/344

وقال: “وكما يجب الاستعداد للجهاد, بأعداد القوة ورباط الخيل في وقت سقوطه للعجز, فأن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب” ا.هـ فتاوى 28/175

إذن فأول شروط الجهاد هو القدرة, هذا وإن القدرة تتضمن أمرين اثنين:

  • الأول: القدرة البدنية والإيمانية.
  • الثاني: القدرة المادية من السلاح والعتاد والمكنة.

ويلزم في السلاح والعتاد أمران:

  • الأول: أن يكون شوكة.
  • الثاني: أن يكون مرهباً للعدو.

والشوكة قوة السلاح وحدّته, ففي اللسان: “ورجل شاكُ السلاح … , حديده” ا.هــ

وفي مفردات الراغب: “ويُعَبر بالشوك والشِكة عن السلاح والشدة, قال: (غير ذات الشوكة)”ا.هـ

وهو قول الطبري في تفسيره لقوله تعالى: (وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم), فغير ذات الشوكة هي القافلة والمتاع, دون قتال الجيش الموشح بالحديد والسلاح, انظره 9/184

وترهبون: ففي القاموس: “رهب كعلم, …, خاف” ا.هـ

وعند الراغب: “الرهبة والرُّهب: مخافة مع تحرز واضطراب, قال: (لأنتم أشد رهبة), وقال: (جناحك من الرهب) …, أي الفزع” ا.هـ

والرهب أدنى من الرعب, لأن الرعب امتلاء الخوف, ففي مفردات الراغب: “الرعب: الانقطاع من امتلاء الخوف, …, قال تعالى: (وقذف في قلوبهم الرعب)” ا.هـ

ووصف السلاح ب: “ترهبون” ليس وصفاً مجرداً خاوياً عن معناه, بل هو وصف حقيقي يوقع الخوف في العدو بل ويخيف من وراءهم, وهذه الصفة حتى توجد في هذا السلاح, فلا بد أن يكون سلاحاً قوياً, شوكة, حديداً, قاطعاً لأذى العدو بلا محالة.

يقول الطبري رحمه الله تعالى: “وأعدوا لهؤلاء الذين كفروا, …, ما استطعتم من قوة, يقول: ما أطقتم – قلت: وهذا مبالغة في الأعداد, أي: أقوى قوة تستطيعون امتلاكها – أن تعدوه لهم من الآلات التي تكون قوة لكم عليهم من السلاح والخيل, (ترهبون به عدو الله وعدوكم), يقول: تخيفون بأعدادكم ذلك عدو الله وعدوكم من المشركين. ا.هـ 10/29

وقال القرطبي في تفسيره:

“(ترهبون به عدو الله وعدوكم) من اليهود وقريش وكفار العرب، (وآخرين من دونهم) يعني فارس والروم، قاله السدي، وقيل الجن وهو اختيار الطبري ……” ا.هـ من تفسير القرطبي 8/26.

وبالنقل عن الشيخ الشعراوي يقول في تفسير الآية: “فالقصد إذن من إعدادهذه القوة, هو إرهاب العدو, حتى لا يطمع فيكم, لأن مجرد الإعداد للقوة, هو أمر يسبب رهباً للعدو, ولهذا تقام العروض العسكرية ليرى الخصم مدى قوة الدولة…” ا.هـ

وفي بحث باقي شروط تحقق الجهاد, يقول ابن تيمية بعد أن ذكر الشرط الأول وهو القدرة, قال مبيناً أهمية إذن ولي الأمر في ذلك: “والسنة أن يكون للمسلمين إمام واحد, …, فكان لها عدة أئمة, وكان يجب على كل إمام أن يقيم الحدود” ا.هـ الفتاوى 34/175

قلت: وإن لم يكن قوله صريحاً, فهو قول عامة الفقهاء, بأن الجهاد لا يكون من غير إذن ولي الأمر, وولي الأمر مصطلح شرعي أصيل, وليس مصطلحاً دخيلاً ولا وافداً, فقد بات كثير من المسلمين يستحيون من ذكره ومذاكرته, وهذا من أثر ثقافة التكفير القائمة على ابتذال هذا المصطلح ونبذه, لأن حملته كفار عندهم عياذاً بالله تعالى.

قلت: وجهاد الدفع يحتاج إلى إذن الولي في بعض الصور، لأن أساليب الحروب وآلاتها قد تغيرت، كما يوجب علينا الحذر والحيطة مطلقاً، فلا نظل نطبق ما كان في عصر الخيل، على عصر الصاروخ والطائرات والغواصات والراجمات والقنابل الذرية والنووية.

ملاحظة: مما سبق في حديثنا عن (ترهبون)، ونقلنا كلام العلماء ومنهم كلام القرطبي، تبن لنا إن الإرهاب المقصود هو إخافة الجيوش العسكرية التي تريد قتالنا وقتلنا، لا مجرد إخافة شرطي أو ألفٍ منهم، فهذه نتيجة عادية، لأن مقصد الشرع الإخافة العسكرية للجيوش لا لمجرد أفراد، فأن الحجر يخيف لأنه يدمي، لكن في مصافة القتال حتى سلاحنا مجتمعاً لا يخيف، فكيف بسلاحنا منفرداً، فكيف بما دون ذلك مما يعد من الخطأ والعبث؟! ولكنها تصرفات الرعنى.

يتابع ابن تيمية الحديث عن شروط الجهاد وعن مدى ارتباطه بالمصلحة والمفسدة فيقول: “وقد تكلمت على قتال الأئمة في غير هذا الموضع، وجماع ذلك داخل في القاعدة العامة فيما إذا تعارضت المصالح والمفاسد، والحسنات والسيئات، أو تزاحمت، فأنه يجب ترجيح الراجح منها ……، فأن الأمر والنهي وإن كان متضمناً لتحصيل مصلحة ودفع مفسدة، فينظر في المعارض له، فإن كان الذي يفوت من المصالح أو يحصل من المفاسد أكثر، لم يكن مأموراً بها بل يكون محرماً إذا كانت مفسدته أكبر من مصلحته” ا.هـ فتاوى 28/129.

مفهوم النصر والتمكين:

أما النصر فهو الإعانة، والخلاص، انظر القاموس.

وعند الراغب: “ونصرة الله للعبد ظاهرة، ونصرة العبد لله هو نصرته لعباده والقيام بحفظ حدوده ورعاية عهوده …..” ا.هـ.

وعليه فنصرة الله لعباده مشروطة بنصرة العباد لله، قال تعال: (إن تنصروا الله ينصركم) وقال: (إن ينصركم الله فلا غالب لكم، وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده) إلى غيرها من الآيات.

ونصرة الله لعباده وإعانته إياهم لها شروط مجملها ما يلي:

  • تحقق الإيمان القويم في جملة المسلمين.
  • تحقق الإعداد المادي الذي يحقق (ترهبون).
  • وقد فصلنا القول في ذلك في كتابنا مسائل في الجهاد فليرجع إليه من شاء ص 59 وبعدها.

الشهيد: لغة الحاضر، والشهيد المقتول في سبيل الله، وهو من مات من المسلمين في قتال الكفار وبسببه أو هو الذي يقتل في قتال مع الكفار، مقبلاً غير مدير.

لتكون كلمة الله هي العليا، وكلمة الذين كفروا السفلى، دون غرض من أغراض الدنيا . ا.هـ من الموسوعة 26/ 272 – 273.

البخاري باب/ لا يقول فلان شهيد:

قال أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم: “الله أعلم بمن يجاهد في سبيله ….”.

قال ابن حجر: ” (باب لا يقال فلان شهيد) أي على سبيل القطع بذلك، وقال بعد كلام: فلا ينبغي إطلاق كون كل مقتول في الجهاد أنه في سبيل الله” ا.هـ الفتح 6/ 105 – 106.

وفي البخاري عن النبي صلى الله عليه وسلم: “لا تمنوْا لقاء العدو، وسلوا الله العافية، فإذا لقيتموهم فاصبروا”.

قال ابن حجر: ” قال ابن بطال: حكمة النهي أن المرء لا يعلم ما يؤول إليه الأمر، وهو نظير سؤال العافية من الفتن، وقد قال الصديق: ” لأن أعافى فأشكُر أحب إلي من أن أبتلى فأصبر” وقال غيره: “إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والإنكال على النفوس  والركون بالقوة وقلة الاهتمام بالعدو، وكل ذلك يباين الاحتياط والأخذ بالحزم، وقيل: يحمل النهي على إذا ما وقع الشك في المصلحة أو حصول الضرر، وإلا فالقتال فضيلة وطاعة، قال ابن حجر: ويؤيد الأول تعقيب النهي بقوله “وسلوا الله العافية” ا.هـ فتح 6/181.

والله أعلم وصلى الله على سيدنا محمد.

 

 

د. سمير مراد

 

الأحد

19/1/1437 – 1/11/2015

شاهد أيضاً

عمّان – البيان الختامي والتوصيات خرجت بها الندوة الإقليمية الافتراضية (مكافحة “رفض” التكفير إرادة الأمة) – الجمعة 11/11/2022

الحمد لله تعالى الذي جعل الأمة ميزان حق، من فارقها فقد حاد عن الصواب إلى …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.