الرئيسية / الكتب / نقض أصول التكفير

نقض أصول التكفير

نقض أصول التكفير
 
وفيه أربع مسائل:
 
 الأولـى : حد الإيمان
الثانية : الحكم بغير ما أنزل الله تعالى
الثالثة : ترك الصلاة كسلا
الرابعة : المشاركة في المجالس النيابية
 
 
كتبه:
سمير مراد

بسم الله الرحمن الرحيم

تحميل الكتاب
المقدمة:
الحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على رسوله الأمين ، وعلى آله وصحبه والتابعين لهم باحسان إلى يوم الدين أما بعد :
فإن الله تعالى أخذ على أهل العلم بيان الحق للناس ، قال تعالى : ( وإذ أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتاب لتبيننه للناس ولا تكتمونه )، فلا نكون إلا كما قال تعالى ، أما بعد: فأقول:-
قد أودع الباري في الأجساد عقولاً تبلغ المأمول ، ليتعانق في الفهم الصحيح المنقول مع المعقول، من قبل أن ينال نجومَ العلم أفول .
فحمداً لذي الجبروت والعلياء، أن قسم الناس إلى عوامّ وعلماء ، فعامتهم كالثرى، وعلماؤهم نجوم في السماء .
والحمد لله أن جعل منارات للناس للهدى، وبها يقتدى.
تفاخرت أناس بالغنى والمال، ونسيت أن ذلك قد يسوق إلى سوء الحال والمآل، فتقاطرت لتكوِّنَ حزب الدنانير لنيل إعجاب ربّاتِ الحجال، ونفرت جحافل فغرزت أقدامها في الثرى ، وهامة همتها في الثريا ، ورنت عيونها لاستنباط المسائل العضال ، وحردت على حملها فكانت بها كالسحاب الثقال ، فأمطرت أرض القلوب بكل محبوب، لتعرف الحق وتعزف عن كل ما عنه مرغوب ، وبعد :
فإن مسألة حد الإيمان قد شغلت الناس في كل الازمان ، الأمر الذي جعلني أدلي بدلوي ، وأقدم للناس عقلي وفهمي ، فإن أحسنت فمن إحسان الله إلي ، وإلا فمن تخلي الله تعالى عني ، أسأله الهدى والسداد والإحسان .
وأصل مسألة حد الإيمان :
أنها مسألة لا علاقة لها بالتكفير أصلاً ، لا من بعيد ولا من قريب ، إلا في ثنايا البحث قد يتطرق إلى ذلك، – ذلك أنها مسألة تبحث في التسمية فقط ، أعني : متى يسمى العبد مؤمنا – أي كاملا – ومتى يسمى مسلماً – أي مؤمنا ناقص الإيمان – ولهذا سماها شيخ الإسلام : مسألة الفاسق الملي ، فهو فاسق بكبيرته، لكنه من أهل الملة والإسلام . أي : هي مسألة : مدح : مدح مطلق أو مدح ناقص ، وليست كما فهم البعض ، أن إطلاق الإيمان يلزم منه عكسه وهو الكفر ، ليس هذا مراد أهل العلم الذين كتبوا في ذلك ، سواء أبو عبيد أو ابن أبي شيبة أو ابن منده أو الآجري أو…أو… شيخ الإسلام رحمة الله تعالى عليهم أجمعين، وإنما أرادوا بذلك انه : متى يستحقُ العبدُ الاسم المطلق – أي المؤمن الكامل – ومتى لا يستحقه : – أي المؤمن الناقص الإيمان – وهم في هذا وسط بين فريقين :
الأول : المرجئة الذين يثبتون اسم المدح المطلق ولو عصا العبد ربه تعالى بكل كبيرة .
الثاني : الخوارج: وهم الذين ينفون اسم الإسلام عمن وقع في الكبيرة .
فيخرجون من بين الفريقين بنتيجة : أن أهل الإسلام والإيمان في الدنيا ثلاث طبقات :
الظالمون لأنفسهم ، المقتصدون ، السابقون بالخيرات ، وكلهم أهل نجاة كما قال تعالى : ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا . فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابق بالخيرات بإذن الله ) .
فأهل النجاة ثلاثة : من فعل بعض الواجبات وفعل بعض المحرمات.
ومن فعل الواجبات وترك المحرمات .
ومن فعل الواجبات والمندوبات ، وترك المحرمات والمكروهات:
فالأول : الظالم لنفسه .
والثاني : المقتصد .
والثالث: السابق بالخيرات .
بلغنا الله تعالى درجة السابقين المقربين ، آمين يا رب العالمين .
فعلى كل قارىء لهذه المسألة ، أن لا يغوص فيها بغير قدرة على السباحة فيغرق، خصوصا من يقرأ كلام أهل العلم مجتزءاً من غير ربط بعضه ببعض،  سائلاً ربي التوفيق للصواب ، والحمد لله أولا وأخراً.

سمير مراد
الثلاثاء 4/جمادي أولى /1428
22/5/2007

المسألة الأولى

حد الإيمان

حد الإيمان

أما بعد : فهذا بحث أردت المشاركة به في بيان الحق فيما أظنه ، وقد كنت درَّستُهُ في مسجد السنة ( القويسمة ) بتاريخ 26/جمادى الآخرة /1417 للهجرة ، بينت فيه حد الإيمان عند شيخ الإسلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – من خلال كتابه ( الإيمان ) الموجود ضمن مجموعة الفتاوى / المجلد السابع ، وقد طبع ذلك مستقلاً ، وكذلك من خلال بعض كتبه الأخرى مما هو عندي ، وبعض الكتب الأخرى لغيره من أهل العلم كالتمهيد لابن عبد البر- رحمه الله تعالى -،  ولكني اقتصرت في هذه الكتابة على كتاب الإيمان له .
ولما كان ابن تيميه – رحمه الله تعالى – ، قد استخدم في كلامه عبارات قد لا يتضح مراده إلا ببيانها ، كان لزاماً ذكرها مفردةً أولاً مع بيان معانيها ، كالحد ، والتطابق ، واسم المدح ، وغير ذلك .
وأنا في بحثي هذا لست أرد به على أحد من الناس ، وإنما أشارك غيري به ، كي ينمو العلم ويتكامل البحث العلمي ، ويستطيع الواحد أن يصل إلى الحق بأقرب طريق ، وهنا أسجل أنه ليس من الأدب العلمي فضلاً عن كونه من أخلاق المسلمين ، ذكر الردود الطاعنة على المخالف ما دام بغية الجميع الوصول إلى الحق ،إلا أن يكون من أهل البدعة فيذكر ببدعته فقط دون السب والشتم واللمز ، بل إني أدعو الله تعالى لكل باحث مخلص يريد الحق بالتوفيق والسداد مع سعة صدر بأن نظل إخوة متحابين متراحمين ولو كانت وجهات النظر مختلفة ، والله الهادي إلى سواء السبيل ، فعلى هذا ، فلست أُفَسِّقُ ولا أُبدِّعُ – ما لم يكن من أهل البدعة أصلاً – ولا أُضَلِّلُ بل ولا أُؤَثَِمُ كل من خالفتْ نتيجة بحثه ما استنتجته ما دام يريد بيان الهدى للناس بالحق .
وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين .
بيان في تعريف المصطلحات اللازمة في البحث :-
1) الحد : لغة هو : “الفصل بين الشيئين لئلا يختلط أحدهما بالآخر، ومنتهى كل شيءٍ حده ، وأصل الحد : المنع والفصل بين الشيئين ” ا.هـ . من اللسان.
واصطلاحاً : قيل : ” هو اللفظ الجامع المانع ” ، وقيل : ” هو لفظ وجيز يدل على طبيعة الشيء المخبر عنه ” . وقيل : ” قول دال على ماهية الشيء ” . وقيل : ” الوصف المحيط بموصوفه ” الخ .انظر في هذا أصول الباجي 1/174 ، تعريفات الجرجاني ص 83 ، أصول ابن حزم 1/35 شرح الكوكب المنير 1/45 .
هذا ولابن تيمية ملاحظات حول ذلك تنظر في مواضع من المجلد التاسع من الفتاوى.
2) الشرط : من مجموع كلام ابن منظور يمكن القول بأن الشرط في اللغة هو العلامة ، وفي القاموس، الشرط: إلزام الشيء والتزامه في البيع والشراء .
واصطلاحاً : قيل: ” تعليق حكم ما بوجود حكم آخر ورفعه برفعه ” . وقيل هو : ” عبارة عما يضاف الحكم إليه وجودا عند وجوده لا وجوبا ” . وقيل : “هو ما يلزم من عدمه العدم ولا يلزم من وجوده وجود ولا عدم لذاته ” . وقيل غير ذلك .
انظر التلخيص للجويني 1/312 ، أصول ابن حزم 1/44 ، شرح الكوكب المنير 1/452 .
قلت : والشرط جزء خارج عن حقيقة الشيء .
3) الركن : لغة هو : ” الجانب الأقوى ” ، انظر القاموس المحيط .
اصطلاحاً : ” ركن الشيء ما يتم به وهو داخل فيه ” . وقيل : ” الأركان تتركب منها ماهية الشيء ” . انظر تعريفات الجرجاني ص 112 والشرح الممتع لابن عثيمين 2/87 .
4)  مطلق الإيمان والإيمان المطلق : مطلق الإيمان أصله ، والإيمان المطلق : هو الإيمان الواجب  والإيمان الكامل والإيمان الحق ، – يعني التام –  بخلاف الأول فهو الإيمان الناقص . وهذه المعاني مستفيضة في كتاب (الإيمان) لابن تيمية.
5) اسم المدح : وهو الاسم الذي يستحقه من قام بالواجبات وترك المحرمات، فهو الإيمان المطلق، والذي صاحبه يستحق دخول الجنة بلا عذاب،  كما بينه ابن تيمية رحمه الله.
6) الفاسق الملّي : وهو صاحب الذنب ، سواء ترك واجبا أو فعل محرما ، كما ذكره ابن تيمية رحمه الله  تعالى .
7) الإيمان الواجب : هو الإيمان المطلق ، وهو على مرتبتين ، كما – ذكره ابن تيمية – ، الأولى : تكون بفعل الواجبات وترك المحرمات وهو الإيمان المطلق الكامل ، وهي درجة أصحاب اليمين . الثانية : تكون بذلك وزيادة عليها فعل المستحبات وترك المكروهات وهو الإيمان الأكمل ، – كما ذكره ابن تيمية – ، وهي درجة المقربين .
8) الإيمان المستحب : وهي المرتبة الثانية كما مضى في الإيمان الواجب .
9) أصل الإيمان : وهو الإيمان الذي تحصل به نجاة العبد من الخلود في النار ومحله القلب واللسان  – كما ذكر ابن تيمية – على ما سنذكره إن شاء الله تعالى .
10) الفرع الواجب : هو العمل ، سواء كان قلبيا أم عمليا ، ويأثم بتركه العبد .
11) الفرع المستحب : هو العمل ، سواء كان قلبيا أم عمليا ولا يأثم بتركه العبد .
12) اللازم : قيل ” ما يمتنع انفكاكه عن الشيء ” و ” في الاستعمال بمعنى الواجب” ويأتي فيه مزيد في بيان أنواع الدلالات . انظر تعريفات الجرجاني ص 190 .
وهو في اللغة: ما (( لزم شيئا لا يفارقه )) من القاموس.
13) الملازمة المطلقة : (( هي كون الشيء مقتضيا للآخر ، والشيء الأول هو المسمى بالملزوم ،والثاني هو المسمى باللازم ، كوجود النهار لطلوع الشمس ، فإن طلوع الشمس مقتضٍ لوجود النهار ، وطلوع الشمس ملزوم ووجود النهار لازم )) من التعريفات للجرجاني ص 229 .
14) الدلالات : والمقصود هنا دلالة اللفظ الوضعية ، وهي ثلاثة أقسام :
1- دلالة المطابقة : وهي دلالة اللفظ على كل مسماه كدلالة الحيوان الناطق على الإنسان .
2- دلالة التضمن : وهي دلالة اللفظ على جزء مسماه كدلالة الإنسان على حيوان فقط أو على ناطق فقط .
3- دلالة اللزوم : وهي دلالة اللفظ على جزء خارجي لازم لمسماه،  كدلالة الإنسان على كونه ضاحكا مثلا أو قابلا صفة الكتابة .
هذا وهذه الدلالات هي مما يسميه الأصوليون المنطوق والمفهوم،  فدلالة المطابقة من المنطوق ، ودلالة التضمن ودلالة الالتزام من المفهوم ، فدلالة التضمن من مفهوم الموافقة ودلالة الالتزام من مفهوم المخالفة.
انظر في ذلك شرح الكوكب المنير ( 1 / 126 ) التحقيقات في شرح الورقات ص 308 ، أمالي الدلالات، ص 124 .
15) جنس العمل : الجنس لغة : (( أعم من النوع ، وهو كل ضرب من الشيء ، فالإبل جنس من البهائم )) انظر القاموس واللسان .
واصطلاحا : (( الجنس اسم دال على كثيرين مختلفين بالأنواع )) من التعريفات للجرجاني ص 78 .
16) الخوارج: هم فرقة قالت بتخليد أصحاب الكبائر في النار، وزعموا أن الإيمان إذا ذهب بعضه ذهب كله، وهو مجموع ما أمر به الله ورسوله . إ.هـ انظر مجموع الفتاوى 7/223.
17) المرجئة : وأشهرهم ثلاث فرق :
الأولى : من يقول منهم إن الإيمان هو تصديق القلب فقط ولو قال ما قال ، وعمل ما عمل على تفصيل فيه .
الثانية : من يقول إن الإيمان هو تصديق اللسان ولو اعتقد ما اعتقد أو عمل ما عمل .
الثالثة : من يقول بأن الإيمان هو تصديق القلب واللسان وليس العمل منه .
والفرقتان الأوليان هم غلاة المرجئة ، والثالثة هم مرجئة الفقهاء . وكلهم على أن الإيمان لا يزيد ولا ينقص . ولا يستثنى فيه . انظر الفتاوى 7/195.
18) مسلم : هو من تحقق فيه العمل الظاهر ويشمل اثنين :
الأول : من خلا قلبه من أصل الإيمان وهو المنافق .
الثاني : من وجد في قلبه أصل الإيمان .
19) مؤمن : وهو اسم المدح الذي يترتب عليه دخول الجنة بلا عذاب ، وهو الذي توفر فيه قول القلب وعمله الواجب ، وقول اللسان والعمل الظاهر الواجب مع ترك المحرمات.
20)  مسلم مؤمن: وهو الذي تحقق فيه العمل الظاهر والباطن الواجبان ، مع القول الظاهر والباطن أيضا.
21) ليس بمؤمن : قول ابن تيمية – رحمه الله تعالى – عن تارك العمل أو فاعل الحرام ، ليس بمؤمن ، لا يعني أنه كافر وإنما ليس بمؤمن الإيمان التام الذي ينجو صاحبه من عذاب جهنم ، وسيتضح هذا إن شاء الله تعالى من خلال البحث ، وعلى هذا فلا بد من معرفة أن نفي اسم الإيمان أو إثباته عند ابن تيمية، ليس هو نفي أو إثبات لأصل الإيمان وإنما هو نفي أو إثبات لكماله وتمامه الواجب .
بعد ذكر هذه التعريفات التي يجب على قاريء كلام ابن تيمية – رحمه الله تعالى – أن يراعيه ، كما عليه أن يراعي أمرين اثنين مهمين: –
الأول : ربط كلامه أوله بآخر ه ، والنظر إلى إطلاقه وتقييده ، دون الاقتصار على جزء من كلامه وعباراته التي لا تفي بتحديد قوله في حد الإيمان .
الثاني : مراعاة كون ابن تيمية – رحمه الله تعالى – جعل كتابه هذا في الرد على طرفي نقيض ، الخوارج من جهة ، والمرجئة من جهة أخرى ، فالأولى ترى أن انخرام العمل الواجب كفر، والثانية ترى أن تركه بل ولو ما ترك من فعل حرام إلا فعله، لا ينقص ذلك من إيمانه شيئاً، بل إن استثنى عندهم فقد كفر، وفي خضم هذا الكلام المتناقض بين الطرفين يخرج ابن تيمية ـ رحمه الله ـ بقول أهل السنة والجماعة في ذلك الذي هو: أن الإيمان: قول القلب واللسان وعمل القلب والجوارح وأن له أصلا وفرعا ، وهو كامل وأكمل وناقص ، وإن فعل الكبيرة لا يخلد في النار بخلاف الخوارج ، وإن ترك العمل يستحق صاحبه العذاب بخلاف غلاة المرجئة، حيث يقولون: بأن من اعتقد أو قال بالتوحيد إيمانه كإيمان جبريل ولو اقترف كل معصية ، قال – رحمه الله تعالى – : ” وهو – قلت: أي الإيمان – مركب من أصل لا يتم بدونه ، ومن واجب ينقص بفواته نقصا يستحق صاحبه العقوبة ، ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة، فالناس فيه ظالم لنفسه ومقتصد وسابق كالحج ، وكالبدن والمسجد، وغيرهما من الأعيان والأعمال والصفات ، فمن سواء أجزائه ما إذا ذهب نقص عن الأكمل ، ومنه ما نقص عن الكمال : وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات ، ومنه ما نقص ركنه: وهو ترك الاعتقاد والقول الذي يزعم المرجئة والجهمية أنه مسمى فقط ، وبهذا تزول شبهات الفرق ، وأصله القلب وكماله العمل الظاهر ، بخلاف الإسلام فإن أصله الظاهر وكماله القلب ” . إ.هـ من مجموع الفتاوى 7/ص 637 .
قلت : تبين لنا من كلام ابن تيمية رحمه الله تعالى أن أهل التوحيد ثلاثة أقسام:
– ظالم لنفسه .
– مقتصد .
– سابقٌ بالخيرات .
كما قال تعالى ( ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه ومنهم مقتصد ومنهم سابقٌ بالخيرات ) من سورة ( فاطر آية رقم 32 ) فالأصناف الثلاثة مصطفَوْن من الله تعالى وقال ابن تيمية رحمه الله تعالى : “ومن أتى الكبائر مثل الزنا أو السرقة أو شرب الخمر وغير ذلك ، فلا بد أن يذهب ما في قلبه من تلك الخشية والخشوع والنور ، وإن بقي أصل التصديق في قلبه ” قلت : فإن فعل المحرم سواء بترك أو إيجاد لا يذهب أصل الإيمان من القلب ” . انظر 7/31 .
* اسم المسلم لم يترتب عليه مدح في كتاب الله وسنة نبيه – صلى الله عليه وسلم – وإنما على اسم الإيمان الذي يكون إطلاقه دليلا على كمال الإيمان وتمامه عند صاحبه : –
قال ابن تيميه رحمه الله تعالى : –
” والمقصود هنا أنه لم يثبت المدح إلا على إيمان معه العمل ، لا على إيمان خال عن عمل ” إ.هـ 7/181.
وقال رحمه الله تعالى : ” …. ، لئلا يظن الظان أن مجرد إيمانه بدون الأعمال الصالحة اللازمة للإيمان يوجب الوعد، فكان ذكرها تخصيصاً وتنصيصاً ليعلم أن الثواب الموعود به في الآخرة وهو الجنة بلا عذاب لا يكون إلا لمن آمن وعمل صالحا لا يكون لمن ادعى الإيمان ولم يعمل ” أ.هـ 7/202.
وقال رحمه الله تعالى : ” وليس في الكتاب والسنة المظهرون للإسلام إلا قسمان : مؤمن أو منافق ، فالمنافق في الدرك الأسفل من النار ، والآخر مؤمن ، ثم قد يكون ناقص الإيمان فلا يتناوله الاسم المطلق …. ” إ.هـ 7/217.
وقال رحمه الله تعالى : ” وحقيقته أن من لم يكن من المؤمنين حقا يقال فيه إنه مسلم ، ومعه إيمان يمنعه من الخلود في النار ، وهذا متفق عليه بين أهل السنة ، لكن هل يطلق عليه اسم الإيمان، هذا هو الذي تنازعوا فيه فقيل يقال مسلم ولا يقال مؤمن ، وقيل بل يقال مؤمن والتحقيق أن يقال : إنه مؤمن ناقص الإيمان مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته ولا يعطى اسم الإيمان المطلق ، فإن الكتاب والسنة نفيا عنه الاسم المطلق . . . ” إ.هـ 7/241.
* نفي اسم الإيمان لا يعني الكفر ولا يعني اشتراط جنس العمل في صحة الإيمان ، وإنما في تمام الإيمان وكماله الواجب :-
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى:” ففي القرآن والسنة من نفى الإيمان عمن لم يأت بالعمل مواضع كثيرة كما نفى فيها الإيمان عن المنافق – إلى أن قال – ودلالة الشرع على أن الأعمال الواجبة من تمام الإيمان لا تحصى كثرة ” أ.هـ 7/142 و143
قلت : فنفي الإيمان ليس معناه الكفر ، ولكن معناه نفي تمامه و كماله .
و قال أيضاً :”فالسلف يقولون : ترك الواجبات الظاهرة دليل على انتفاء الإيمان الواجب من القلب ، لكن قد يكون ذلك بزوال عمل القلب الذي هو حب الله ورسوله وخشية الله ونحو ذلك لا يستلزم أن لا يكون في القلب من التصديق شيء” إ.هـ 148.
وقال : “فإن أعمال القلوب ….، كل ما فيها مما فرضه الله و رسوله فهو من الإيمان الواجب ، وفيها ما أحبه ولم يفرضه ، فهو من الإيمان المستحب ، فالأول لابد لكل مؤمن منه – قلت : أي المؤمن الكامل – ومن اقتصر عليه فهو من الأبرار أصحاب اليمين، ومن فعله وفعل الثاني كان من المقربين السابقين ” إ.هـ 7/190.
وقال رحمه الله تعالى :” وذلك لأن أصل الإيمان هو ما في القلب  والأعمال الظاهرة لازمة لذلك، لا يتصور وجود الإيمان الواجب مع عدم جميع أعمال الجوارح، بل متى نقصت الأعمال الظاهرة كان لنقص الإيمان الذي في القلب ، فصار الإيمان متناولاً للملزوم واللازم ، وإن كان أصله ما في القلب  وحيث عطفت عليه الأعمال ، فإنه أريد أنه لا يكتفى بإيمان القلب بل لا بد معه من الأعمال الصالحة” إ.هـ 7/198.
قلت : اتضح أن أصل الإيمان لا يكفي لإطلاق اسم الإيمان على صاحبه من غير عمل ظاهر ، لأن اسم الإيمان اسم مدح يستحق صاحبه دخول الجنة بلا عذاب .
وقال : “والتحقيق أن إيمان القلب التام مستلزم العمل الظاهر بحسبه لا محالة ، ويمتنع أن يقوم بالقلب إيمان تام بدون عمل ظاهر” إ.هـ 7/ 204.
وقال :”وجواب هذا أن يقال : الذين قالوا من السلف : إنهم خرجوا من الإيمان إلى الإسلام لم يقولوا : إنه لم يبق معهم من الإيمان شيء ، بل هذا قول الخوارج والمعتزلة ، وأهل السنة الذين قالوا هذا يقولون : الفساق يخرجون من النار بالشفاعة ، وإنْ معهم إيمان يخرجون به من النار، لكن لا يطلقون عليهم اسم الإيمان ، لأن الإيمان المطلق هو الذي يستحق صاحبه الثواب ودخول الجنة، …، وحقيقته أن من لم يكن من المؤمنين حقاً يقال فيه إنه مسلم ، ومعه إيمان يمنعه من الخلود في النار ،… ” إ.هـ 7/ 240.
وقال :”وأما اسم الإسلام مجرداً فما علق به في القرآن دخول الجنة – قلت : أي ابتداءً من غير عذاب لا أنه كافر- لكنه فرضه وأخبر أنه دينه الذي لا يقبل من أحد سواه “.إ.هـ 7/ 260.
وقال :” فمن كان مخلصاً لله حق الإخلاص لم يزن ، و إنما يزني لخلوه عن ذلك وهذا هو الإيمان الذي ينزع منه، لم ينزع منه نفس التصديق ، ولهذا قيل هو مسلم و ليس بمؤمن “.إ.هـ 7/ 306.
وقال فيما نقله عن المروزي وهو محمد بن نصْر وسكت عليه مقراً :” ثم أوجب الله النار على الكبائر فدل بذلك على أن اسم الإيمان زائل عمن أتى كبيرة ، قالوا : ولم نجده أوجب الجنة باسم الإسلام ، فثبت أن اسم الإسلام له ثابت على حاله ، واسم الإيمان زائل عنه . فإن قيل لهم في قولهم هذا ليس الإيمان ضد الكفر ، قالوا : الكفر ضد لأصل الإيمان ، لأن للإيمان أصلا وفروعا، فلا يثبت الكفر حتى يزول أصل الإيمان الذي هو ضد الكفر ، فإن قيل لهم – قلت : أي أهل السنة – فالذين زعمتم أن النبي صلى الله عليه وسلم أزال عنهم اسم الإيمان هل فيهم من الإيمان شيء ، قالوا : نعم أصله ثابت ، ولولا ذلك لكفروا ، . . . . ، ولكنا نقول للإيمان أصل وفرع وضد الإيمان الكفر في كل معنى ، فأصل الإيمان الإقرار والتصديق وفرعه إكمال العمل بالقلب والبدن ” . إ.هـ 7/320 – 324.
وقال رحمه الله تعالى : ” وقول القائل : الطاعات ثمرات التصديق الباطن يراد به شيئان : يراد به أنها لوازم له ، فمتى وجد الإيمان الباطن وجدت ، وهذا مذهب السلف وأهل السنة ، ويراد به أن الإيمان الباطن قد يكون سببا وقد يكون الإيمان الباطن تاما كاملا  وهي لم توجد ، وهذا قول المرجئة من الجهمية وغيرهم ” إ.هـ7/363.
وقال ابن تيميه أيضاً : ” ولهذا لم يكفر أحد من السلف أحداً من مرجئة الفقهاء ، بل جعلوا هذا من بدع الأقوال والأفعال ،لا من بدع العقائد ، فإن كثيرا من النزاع فيها لفظي ، لكن اللفظ المطابق للكتاب والسنة هو الصواب …… ” إ.هـ 7/394.
قلت : ومرجئة الفقهاء يتميزون بأمرين : أحدهما يوافقون فيه المرجئة الغلاة وهو أن الإيمان يكون تاماً بترك العمل ، والثاني يوافقون فيه أهل السنة وهو أن تارك العمل يكون معرضاً لعذاب جهنم يوم القيامة ، ولم يقولوا بدخوله الجنة ابتداءً من غير عذاب .
وقال أيضا: ” وأما مبدؤه فيتعلق به خطاب الأمر والنهي ، فإذا قال الله (يأيها الذين آمنوا إذا قمتم إلى الصلاة) ونحو ذلك ، فهو أمر في الظاهر لكل من أظهره ، وهو خطاب في الباطن لكل من عرف من نفسه أنه مصدق للرسول وإن كان عاصيا وإن كان لم يقم بالواجبات الباطنة والظاهرة، وذلك أنه إن كان لفظ ( الذين آمنوا ) يتناولهم فلا كلام ، وإن كان لم يتناولهم فذلك لذنوبهم  – قلت : أي ليس لأنهم كفار – فلا تكون ذنوبهم مانعة من أمرهم بالحسنات التي إن فعلوها كانت سبب رحمتهم ، وإن تركوها كان أمرهم بها وعقوبتهم عليها عقوبة على ترك الإيمان ، والكافر يجب عليه أيضا لكن لا يصح منه حتى يؤمن وكذلك المنافق المحض لا يصح منه في الباطن حتى يؤمن ، وأما من كان معه أول الإيمان فهذا يصح منه ، لان معه إقراره في الباطن بوجوب ما أوجبه الرسول ، وتحريم ما حرمه ، هذا سبب الصحة ، وأما كماله فيتعلق به خطاب الوعد بالجنة والنصرة والسلامة من النار ، فإن هذا الوعد إنما هو لمن فعل المأمور وترك المحظور ، ومن فعل بعضا وترك بعضا فيثاب على ما فعله ويعاقب على ما تركه ، فلا يدخل هذا في اسم المؤمن المستحق للحمد والثناء دون الذم والعقاب ، ومن نفى عنه الرسول الإيمان فنفي الإيمان في هذا الحكم لأنه ذكر ذلك على سبيل الوعيد ، والوعيد إنما يكون بنفي ما يقتضي الثواب ويدفع العقاب ، ولهذا ما في الكتاب والسنة من نفي الإيمان عن أصحاب الذنوب فإنما هو في خطاب الوعيد والذم لا في خطاب الأمر والنهي ولا في أحكام الدنيا ….. ، ولهذا كان من نفى عنهم الإيمان أو الإيمان والإسلام جميعاً ولم يجعلهم كفاراً إنما ذلك في أحكام الآخرة وهو الثواب ، لم ينفه في أحكام الدنيا ، لكن المعتزلة ظنت أنه إذا انتفى الاسم انتفت جميع أجزائه فلم يجعلوا معهم شيئاً من الإيمان والإسلام ، فجعلوهم مخلدين في النار .
وهذا خلاف الكتاب والسنة وإجماع السلف ، ولو لم يكن معهم شيء من الإيمان والإسلام لم يثبت في حقهم شيء من أحكام المؤمنين والمسلمين لكن كانوا كالمنافقين وقد ثبت بالكتاب والسنة والإجماع التفريق بين المنافق الذي يكذب الرسول في الباطن ، وبين المؤمن المذنب ، فالمعتزلة سووا بين أهل الذنوب وبين المنافقين في أحكام الدنيا والآخرة في نفي الإسلام والإيمان عنهم ، … ، فإن قيل : فإذا كان كل مؤمن مسلما ، وليس كل مسلم مؤمنا الإيمان الكامل كما دل عليه حديث جبريل وغيره من الأحاديث مع القرآن ، وكما ذكر ذلك عمن ذكر عنه من السلف ، لأن الإسلام الطاعات الظاهرة وهو الاستسلام والانقياد لأن الإسلام في الأصل هو الاستسلام والانقياد وهذا هو الانقياد والطاعة ، والإيمان فيه معنى التصديق والطمأنينة وهذا فيه قدر زائد ، فما يقولون فيمن فعل ما أمره الله وترك ما نهى الله عنه مخلصا لله تعالى ظاهرا وباطنا ، أليس هذا مسلماً باطناً وظاهراً وهو من أهل الجنة …… قلنا : قد ذكرنا غير مرة أنه لا بد أن يكون معه الإيمان الذي وجب عليه إذ لو لم يؤد الواجب لكان معرضا للوعيد … ” إ.هـ 7/ 423– 425.
وقال : ” ….. شعب الإيمان هل هي متلازمة في الانتفاء وهل هي متلازمة في الثبوت ، فالأول : فإن الحقيقة الجامعة الأمور – سواء كانت في الأعيان أو الأعراض – إذا زال بعض تلك الأمور فقد يزول سائرها وقد لا يزول ، ولا يلزم من زوال بعض الأمور المجتمعة زوال سائرها ، … ، يبقى النزاع هل يلزم زوال الاسم بزوال بعض الأجزاء فيقال لهم : المركبات في ذلك على وجهين منها ما يكون التركيب شرطا في إطلاق الاسم ومنها ما لا يكون كذلك ، فالأول كاسم العشرة وكذلك السكنجبين، ومنها ما يبقى الاسم بعد زوال بعض الأجزاء ، … ، فإن المكيلات والموزونات تسمى حنطة وهي بعد النقص حنطة ، ….، ومعلوم أن اسم الإيمان من هذا الباب ، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال : ” الإيمان بضع وسبعون شعبة أعلاها قول لا اله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من شعب الإيمان ” ثم من المعلوم أنه إذا زالت الإماطة ونحوها لم يزل الإيمان ، …. ، والأصل الثاني : أن شعب الإيمان قد تتلازم عند القوة ولا تتلازم عند الضعف ، فإذا قوي ما في القلب من التصديق والمعرفة والمحبة لله ورسوله أوجب بغض أعداء الله ، … وبهذا تبين أن الشارع ينفي اسم الإيمان عن الشخص لانتفاء كماله الواجب ، وإن كان معه بعض أجزائه ، … ، وبهذا تبين أن الرجل قد يكون مسلماً لا مؤمناً ، ولا منافقاً خالصاً ، بل يكون معه أصل الإيمان دون حقيقته الواجبة ” إ.هـ 7/513 – 525 باختصار.
وقال : ” وأما الفرائض الأربع فإذا جحد وجوب شيء منها بعد بلوغ الحجة فهو كافر وكذلك من جحد تحريم شيء من المحرمات الظاهرة المتواتر تحريمها ”  إ.هـ 7/609.
وقال : ” ولا يكفر الشخص المعين حتى تقوم عليه الحجة كما تقدم ، كمن جحد وجوب الصلاة والزكاة واستحل الخمر والزنا …. ” إ .هـ 7/619.
وقال عليه رحمة الله تعالى : ” وقد تبين أن الدين لا بد فيه من قول وعمل وأنه يمتنع أن يكون الرجل مؤمنا بالله ورسوله بقلبه أو بقلبه ولسانه ولم يؤد واجباً ظاهراً، ولا صلاة ولا زكاة ولا صياماً ولا غير ذلك من الواجبات ، لا لأجل أن الله أوجبها مثل أن يودي الأمانة أو يصدق الحديث أو يعدل في قسمه ، ….. ، ومن قال بحصول الإيمان الواجب بدون فعل شيء من الواجبات سواء جعل فعل تلك الواجبات لازماً له أو جزءاً منه فهذا نزاع لفظي – قلت : أي تعريف الإيمان بدلالة اللزوم أو بدلالة التضمين هو النزاع اللفظي لا نفس المسألة – كان مخطئاً خطأً بيناً وهذه بدعة الإرجاء – قلت : وهي كون الإيمان تاما بدون عمل – التي أعظم السلف والأئمة الكلام في أهلها …. ” إ . هــ 7/621.
قال : ” أصل الإيمان في القلب وهو قول القلب وعمله ، وهو إقرار بالتصديق والحب والانقياد وما كان في القلب فلا بد أن يظهر موجبه ومقتضاه على الجوارح ، وإذا لم يعمل بموجبه ومقتضاه دل على عدمه أو ضعفه ، ولهذا كانت الأعمال الظاهرة من موجب إيمان القلب ومقتضاه ، وهي تصديق لما في القلب ودليل عليه وشاهد له ، وهي شعبة من مجموع الإيمان المطلق وبعض له ، لكن ما في القلب هو الأصل لما على الجوارح ” إ .هـ 7/644.
وقال : “بقي أن يقال : فهل اسم الإيمان للأصل فقط أو له ولفروعه ، والتحقيق : أن الاسم المطلق يتناولهما ، وقد يخص الاسم وحده بالاسم مع الاقتران ، قلت : أي قولك : مؤمن مسلم – وقد لا يتناول إلا الأصل إذا لم يخص إلا هو ، كاسم الشجرة ، فإنه يتناول الأصل والفرع إذا وجدت ولو قطعت الفروع لكان اسم الشجرة يتناول الأصل وحده ، وكذلك اسم الحج فهو اسم لكل ما يشرع فيه من ركن وواجب ومستحب ، وهو حج أيضاً تام بدون المستحبات ، وهو حج ناقص بدون الواجبات التي يجبرها دم ” إ.هـ .7/646.
وقال رحمه الله تعالى ” ولهذا يقول علماء السلف في المقدمات الاعتقادية : لا نكفر أحداً من أهل القبلة بذنب ولا نخرجه من الإسلام بعمل ، وقد ثبت الزنا والسرقة وشرب الخمر على أناس في عهد النبي – صلى الله عليه وسلم – ولم نحكم فيهم حكم من كفر ولا قطع الموالاة بينهم وبين المسلمين ، بل جلد هذا وقطع هذا وهو في ذلك يستغفر لهم ويقول : لا تكونوا أعوان الشيطان على أخيكم ، وأحكام الإسلام كلها على هذا الأصل ” إ.هـ 7/671.
وقال : ” وقول القائل إن المسلمين يدخلون الجنة بالإسلام ، فيقال له : ليس كل المسلمين يدخلون الجنة بلا عذاب ، بل أهل الوعيد يدخلون النار ، ويمكثون فيها إلى ما شاء الله مع كونهم ليسوا كفاراً ، فالرجل الذي معه شيء من الإيمان وله كبائر قد يدخل النار ثم يخرج منها ، إما بشفاعة النبي – صلى الله عليه وسلم – وإما بغيره ” إ.هـ.7/679.
وفي النهاية أرجع فأذكر بما قد بدأت به من قول ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: ” وهو مركب من أصل لا يتم بدونه ، ومن واجب ينقص بفواته نقصاً يستحق صاحبه العقوبة ومن مستحب يفوت بفواته علو الدرجة ، فالناس فيه ظالم لنفسه ومقتصد وسابق ، …. ، فمن سواء أجزائه ما إذا ذهب نقص عن الأكمل ومنه ما نقص عن الكمال ، وهو ترك الواجبات أو فعل المحرمات وفيه ما نقص ركنه وهو ترك الاعتقاد والقول ، الذي يزعم المرجئة والجهمية أنه مسمى فقط ، وبهذا تزول شبهات الفرق ، وأصله القلب وكماله العمل الظاهر بخلاف الإسلام فأصله العمل الظاهر وكماله القلب ” إ.هـ.7/637.
* جنس العمل هل هو شرط في صحة الإيمان أم هو شرط في كماله وتمامه ؟ وهل هو متعلق بعمل القلب أم بالعمل الظاهر:
قال ابن تيمية رحمه الله تعالى : ” فالإيمان في القلب إيماناً بمجرد تصديق ليس معه عمل القلب وموجبه من محبة الله ورسوله ونحو ذلك، كما انه لا يكون إيماناً بمجرد ظن وهوى ، بل لا بد في أصل الإيمان من قول القلب وعمل القلب ” . إ.هـ .7/529.
وقال : ” وقد تقدم أن جنس الأعمال من لوازم إيمان القلب ، وأن إيمان القلب التام بدون شيء من الأعمال الظاهرة ممتنع ، سواء جعل الظاهر من لوازم الإيمان أو جزءً من الإيمان كما تقدم بيانه ” إ.هـ. 7/616.
وقال : ” فالإسلام في الأصل من باب العمل ، عمل القلب والجوارح ، وأما الإيمان فأصله تصديق وإقرار ومعرفة فهو من باب قول القلب المتضمن عمل القلب ، والأصل فيه التصديق والعمل تابع له ” .إ.هـ.7/263.
خلاصة البحث :
1- بين ابن تيمية رحمه الله تعالى أن مطلق الإيمان وهو أصله ، غير الإيمان المطلق وهو الإيمان التام الواجب .
2- بين أن جنس العمل الظاهر شرط في الإيمان المطلق وليس في أصل الإيمان .
3- الاتفاق على أن من لم ينطق بالشهادتين فهو كافر ، ثم اختلفوا في ترك الباقي وهي روايات عن أحمد إحداها أنه لا يكفر بترك شيء منها إذا لم يكن جاحداً لفرضيتها .
والله أعلم وصلى الله علي سيدنا محمد.

المسألة الثانية

مسألة الحكم بغير ما أنزل الله تعالى

مسألة الحكم بغير ما أنزل الله تعالى

بعد أن كتبت رسالة مختصرة ـ وأنا أحب الاختصار مع التأصيل ـ في بيان ” حد الإيمان ” عند أهل السنة والجماعة ، وذلك من خلال كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في كتابه ( الإيمان الكبير ) ضمن مجموع الفتاوى ، الأمر الذي خلط فيه كثير ممن كتب في الموضوع ، وذلك بسبب قراءة كلام العلماء متفرقا غير مجموع ، والاقتصار على بعض الفقرات التي يرونها ـ ولا أسيء الظن بأحد ـ مناسبة لما يعتقدون، أو مناسبة لما يظنونه صوابا ، فمن منهم من أهل الاجتهاد في الموضوع فهو معذور مأجور حين يخطئ، والتوفيق إلى الصواب حظ يصيب الله به من عباده من شاء، نسأل الله التوفيق للصواب والهدى والسداد في القول والعمل .
أقول : بعد كتابتي تلك خطر ببالي أن أدون بعض الأمور تأصيلا وتوضيحا لثلاث مسائل وهي:
1. تكفير الحاكم بغير ما أنزل الله تعالى.
2. تكفير تارك الصلاة مع اعتقاد وجوبها.
3. تكفير المشاركين في المجالس النيابية.

ففي مسألة الحكم بغير ما أنزل الله، يقول الله تبارك وتعالى : (ومن لم يحكم بما أنزل الله فأولئك الكافرون)،(الظالمون)،(الفاسقون):
والكلام على الآيات في عدة مفاصل على النحو التالي:
أولا: صيغ العموم: تعارف أهل العلم ـ لغة وأصولا ـ على أن من الكلام ما يدل على العموم،ومنه ما يدل على الخصوص،حيث لا يجوز لواحد أن يُحمّل لفظ العام صفة الخصوص بغير حجة،ولا أن يدعي أن الخصوص يراد به العموم كذلك .
كما أن القاعدة: ((أن العام يبقى على عمومه حتى يثبت التخصيص)) وألفاظ العموم كثيرة،فمنها : الاسم الموصول،ومنها المفرد المضاف،والجمع المحلى، وغير ذلك مما أوضحه أهل الأصول في كتبهم .
وفي الآيات من ذلك شيء لا بد من توضيحه حتى يتضح معناه المقصود أصالة، الأمر الذي يؤيد ما ذهب اليه عامة المفسرين والفقهاء والمحدثين، خلافا للمعتزلة والخوارج ومن تأثر بهم.
فقوله تعالى: (ومن لم يحكم …….) سواء قلنا هي موصولية، أم شرطية، فهي على جميع الوجوه تفيد العموم،وهي تفيد العموم في الحاكم دون المحكوم به،فيكون المعنى: كل من لم يحكم،فهو كذا وكذا، ومفاد صحة العموم يظهر بتقدير كلمة: كل: موضع الاسم أو الكلمة الموجودة، وعليه فان الحكم المترتب على فقد الشرط: وهو الحكم: يعم الجميع وليس خاصا بشخص دون شخص إلا لقرينة،وليس المقصود كل حكم مطلقا:بل كل حكم قضائي بدليل كلمة:حكم: ففرق بين الحكم وغيره،لكنه شامل كل حاكم ولو في سواك.
وأما الموضع الثاني من دلالة العموم في النص ولناعود على بدءـفهي في قوله تعالى: (بما أنزل الله)، وذلك سواء قلنا بأن “ما أنزل” موصولية بمعنى: الذي أنزل،أومصدرية بمعنى: المنزل:فكلاهما بمعنى العموم،أما الموصولية فواضح،وأما المصدرية فلأنها تصير في حكم الموصولية لأنها من المفرد المعرف الدال على الكل،فكأننا نقول:ومن لم يحكم بكل ما أنزل فهو كذا وكذا .
وعليه فأقول: إن معنى الآيات يفيد: أن كل من لم يحكم بكل ما أنزل الله فأولئك هم كذا أو كذا أو كذا .
ثانيا: ألفاظ العربية لها موارد ومعان،وليست كلها على حد سواء،فمنها ما يجتمع إذا افترقت،ويختلف إذا اجتمعت،ومنها ما له دلالة عند الإطلاق تختلف عنها عند التقييد،ومنها ما له دلالة في أصل الوضع،تختلف عنها في الاستعمال وهكذا.
ونحن نقرأ ألفاظا ثلاثة في هذه الآيات:
الكافرون ـ الظالمون ـ الفاسقون .
ونحن لو استقرأنا كتاب الله تعالى،وقرأنا كل كلمة في موضع لوجدناها ـ أي الكلمة ـ تحمل معنى معينا يعطي الدلالة التي أرادها الله تعالى في ذلك الموضع حيث لا يصح أن تحمل على غيره بغير قرينة،فمثلا نقرأ( يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار) وهو مثل ضربه الله تعالى،فمعنى الكفار هنا هو المعنى اللغوي الموضوع الذي أصله التغطية،وهي صفة المزارع، إذن فهي بمعنى: المزارعين.
ونقرأ: (ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا فمنهم ظالم لنفسه )أي: المتعدي بارتكاب المحرمات، ولا يمكن أن تكون بمعنى الكافر الخارج عن دين الله، لأن الله تعالى لا يصطفي كافرا لدينه. وهكذا.
وعليه فأقول: هذه الألفاظ الثلاثة، لا يجوز أن نحملها كلها على معنى واحد،لأنها في سياق واحد،والقاعدة: أن الألفاظ ذات المورد الواحد ان اجتمعت افترقت،وان افترقت اجتمعت.
فمثلا: كلمة إسلام وكلمة إيمان.
إن قلنا فلان مسلم:اشتمل المعنى على الإيمان.
وإن قلنا فلان مؤمن:اشتمل المعنى على الإسلام.
لكن إن قلنا: فلان مسلم مؤمن: كان معنى مسلم للعمل الظاهر، ومعنى مؤمن للعمل الباطن.
فهنا كذلك: تواردت الألفاظ الثلاثة وتتابعت، فلا يصح عندها أن نقول: (ومن لم يحكم بما أنزل الله) في المواطن الثلاثة يحمل دلالة: كافر_كافر_كافر.
لأمرين اثنين:
أولا : للقاعدة المذكورة آنفاً.
ثانياً: لأن مرتبة الحكام ليست واحدة حتى يرد المعنى عليها كلها بأسلوب واحد، وتوضيحه كما يلي:
أن العبد المؤمن يقع في المعصية لعدم العصمة لغير الأنبياء، ومعنى عدم العصمة إنما هو الوقوع في الذنب صغيراً كان أو كبيراً ما لم يكن ناقضاً ـ أي هذا الذنب ـ لأصل التوحيد، ومعصيته إما أن تجعله فاسقاً، وذلك كفعل الكبائر، وإما لا كفعل الصغائر، ولا يصح أن نقول: من فعل الذنب مطلقاً ولا أن نقول: من وقع في الصغيرة، لا يصح إطلاق الكفر المخرج من الدين عليهما، لأن الأصل في الناس الذنب كما قلنا لعدم العصمة، فإن المعصوم نبي لا محالة، لا كما يقول روافض المجوس.
وكذلك نقول هنا:
من الحكام من ينحاز لغير حكم الله تعالى كبراً أو جحوداً أو استخفافاً، فهنا لا شك أنه كافر مرتد عن الدين.
ومن الحكام من ينحاز لغير حكم الله إما: لشهوة مال أوبطن أو فرج أو كرسي، وإما لضعف أو خوف أواضطرار أو غيره ، فلا يصح أن يقال في مثل هؤلاء إنهم كفّار كفراً ينقل عن الإسلام، لأن الأوصاف التي ذكرها الله تعالى لا بد أن تؤدي وظيفتها التعبيرية أوّلاً، لتسوقنا إلى المعنى الشرعي السليم.
فالتعبير بالكفر مع التعبير بالفسق والظلم، إن قلنا إنها بمعنى واحد، فإن الألفاظ هنا لا تكون قد أدت وظيفتها في الدلالة على المعنى: لأن الأصل أن كل لفظ وضع لمعنى مقصود لذاته، فأن زعمنا غير ذلك، أخرجنا اللفظ عما وضع له ولو استعمالاً بغير وجه حق، وهذا بحد ذاته يجعل في القرآن نوعاً من التكرار الذي لا مسوغ له.
وعليه فلا بد أن يكون لكل لفظ معناه على حدة: فأولئك هم الكافرون: تعني المرتد الكافر بشرطها.
وهو أن نحمل الفاسق والظالم على غير هذا المعنى لتسلم دلالة السياقات.
والخلاصة تكون:
– كل من حكم بغير كل ما أنزل الله فهو كافر.
– كل من حكم بغير كل ما أنزل الله فهو ظالم.
– كل من حكم بغير كل ما أنزل الله فهو فاسق.
مهمة: قد يعرض إشكال: كيف يكون كل من حكم بغير كل ما أنزل الله: فهو في نفس الوقت: كافر_ظالم_فاسق.
نقول: يسلم بما يلي:
من المعروف عند العلماء – علماء البلاغة قبل علماء الأصول – ما يعرف بدلالة المقتضى، وهي باختصار: تقدير كلمة غير موجودة لا بد منها ليتم ويصح معنى الكلام، فمثلاً قال الله تعالى: (حرمت عليكم أمهاتكم) فهنا لابد من كلمة تقدر، فهل هي:
أمهاتكم حرام أن تجلسوا وتخلوا بهن.
أو أمهاتكم حرام أن تعقدوا عليهن.
قطعاً الثاني، فلاحتمال ورود معنى خطأ في الذهن، لا بد من تقدير الصواب.
ومثل: قول النبي صلى الله عليه وسلم: “إنما الأعمال بالنيات” وهكذا.
ولذا وحتى يزول الإشكال نقول:
من حكم بغير ما أنزل الله:
أ‌- جحوداً واستكباراً ونحوها فهو كافر مرتد.
ب- شهوة مع الإقرار به فهو ظالم أو فاسق.
هذا مع أن من أئمة التفسير من قال: إن الآيات في اليهود والنصارى وليست في المسلمين أصلاً. والله أعلم.
مسألة الحكم أين هي من الدين؟!
فرق بين الألوهية والربوبية، وبين اعتقاد الحاكمية لله، وبين حكم الأفراد بالشرع.
قال تعالى: (الحمد لله رب العالمين)
فـ (لله) عبودية و (رب) ربوبية.
وقال (إياك نعبد) (وإياك نستعين)
فـ (إياك نعبد) حق الله تعالى القابل للنقص والكمال والإعدام ، من جهة العبد الفاعل.
و (إياك نستعين) حق العبد على الله التام إن حصل شرطه.
وعليه: فمن حق الله علينا اعتقاد الحاكمية له .
ومن حق الله علينا أن نحكم بما أنزل .
لكن: الاعتقاد لا يجوز تخلفه.
والحكم يجوز تخلفه، لأنه حكم تكليف كالصلاة والصدقة.
يلزم : أن من تخلف عنده اعتقاد الحاكمية فهو كافر لأنه اعتقاد ، ومن تخلف عنده الحكم بشرع الله تعالى فليس كافرا لأنه تشريع، ما لم يجحد أو نحو ذلك لأنه بذلك يصير اعتقادا .
أي: أن من ترك الأول فليس معظما لله وتوحيده غير صحيح، وأما الثاني فانما هو مجرد : ترك مأمور به، وترك المأمور ما لم يكن من الاعتقاد فليس كفرا على إطلاقه.
مثاله : أمر الله تعالى بالبر للوالدين، ونهى عن السرقة.
فمن عق فقد ترك المأمور، ومن سرق فقد فعل المنهي عنه.
فمن عق معتقدا أن ذلك معصية لله فليس كافرا.
ومن سرق معتقدا أن ذلك معصية لله فليس كافرا.
وفي كل من اعتقد أن ذلك ـ مع علمه بالشرع ـ ليس من دين الله، أي أنه ينكر ضروريا فهو كافر .
مثله تماما: من ترك الحكم فهو تارك لخصلة من خصال الشرع التي أمر الله بها، كمن ترك البر تماما، فترك الحكم من جنس ترك المأمور به ظاهرا، فلا يكون كافرا إلا اذا جحد ذلك مع العلم والقدرة، لأن مناطات التكليف باتفاق ليس مجرد العلم بل :
العلم والفهم ـ القدرة ـ القصد والاختيار .
فان تخلف واحد منها تخلف الحكم، ولذا لا تكليف مع الجهل ، ولا تكليف مع الإكراه ، ولا تكليف مع التلبيس والتقليد ، ولا مع الخطأ.
ملاحظة : سبق أن قلنا بأن من جحد حكم الله ولو في سواك فقد كفر ، مع أننا قلنا بعموم قوله : ( بما أنزل الله )، أقول : أما مجرد الترك فلا يكفر صاحبه إلا بترك الكل ، وهو المعروف بعموم التشريع ، وليس لهذا وجود في المسلمين إلى الآن مع إمكان المنازعة حتى في هذا ، لكن لا يفهم من قولي هذا جواز الحكم بغير ما أنزل الله ـ معاذ الله ـ إذ ترك الحكم بما أنزل الله من الكبائر لكن الخلاف في التكفير وعدمه، وليس مقصودي الدندنة حول الجواز بدعوى المصلحة سواء كانت معتبرة شرعا أم لا، فهذا خطأ كبير وقع فيه البعض قدموا المصلحة مطلقا، ولست كذلك، ولهذا بحث آخر.
وأما الجحد فيصدق ولو بالجزء، لأنه ناقض لأصل التسليم والتوحيد، كمن كفر بنبي واحد ، كان قد كفر لزوما بجميع الأنبياء والله أعلم .
كيف ـ بعد هذا كله ـ لو أوردنا على من يقول بالتكفير من الأدلة مـا ينقض قولهم من أساسه ، وهذا من حديث رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حيث يوضح منهج حياة يسير عليه المسلمون ، حيث لا يجوز لهم أن يضعوا السيوف على رقاب الناس بمجرد فهم فهموه لا يدل عليه دين الله تعالى، بل بمجرد العقل العاري عن ضوابط الشرع ، قال عليه الصلاة والسلام : ” ولكنكم ” أي : أيها المسلمون، أنتم كثيرون لكن بدون فائدة .
والعلة والنكتة في النص هي: اشارة رسول الله صلى الله عليه وسلم الى كثرة المسلمين، في حين، يزعم البعض بأن المسلمين قليلون، وعجبا لمن يزعم أن المؤمنين الحق في الدنيا أربعون؟!!! وليس هو منهم كما يزعم، فهذا ضلال مبين في قول الطرفين، قول من يزعم بأن الأكثر كفار، وقول من يزعم بأن المؤمنين الحق أربعون.
كيف بهؤلاء المكفرين الحكام لو قرع آذانهم قول رسول الله صلى الله عليه وسلم مع حديث ” ولكنكم كثير “، ” لتنقضن عرى الإسلام عروة عروة، أولها الحكم وآخرها الصلاة ، حتى إذا انتقضت عروة تشبث الناس بالتي تليها “.
فقوله : ” تشبث الناس بالتي تليها ” أي : أخذ المسلمون بما هو بعدها من شعائر الإسلام، ولا يتشبث بشعيرة من الإسلام غير مسلم، لا يقال: الحكام خارجون عن ذلك، لأنهم من جنس الناس، ولا يخرجون إلا بدليل خاص، والدليل الذي يعتمدون عليه قد سبق أن ذكرناه لك وذكرنا بيانه على وجه الحق والله أعلم ونسبة العلم إليه أسلم .

المسألة الثالثة

ترك الصلاة

ترك الصلاة

مما لا مجال للشك فيه كون الصلاة أعظم ركن في الدين بعد التوحيد ، مما جعل العلماء يختلفون في حكم تاركها كسلا مع الاعتراف بفرضيتها ، وإن كان الأكثر على عدم التكفير ، لكن لما صار الأمر يدعو إلى القلق ، لا أقول ممن يتبنى الحكم ـ أعني حكم التكفير ـ لكن ممن صاروا يلوثون أفكار المسلمين ، من أن القول بعدم التكفير لا يعرف ، وهو من الجهل بمكان ، وأنه خلاف الإجماع وخلاف النصوص القطعية ، ومما زاد الطين بلة امتناع بعض أئمة المساجد من صغار صغار الطلبة بحجة أن: الشيخ فلان لا يصلي على تارك الصلاة لأن تارك الصلاة كافر .
ولأجل ازالة هذه الشبهة أو الشبه ، وكي تتجلى المسألة بوضوح ، أحببت أن أضع بعض التأصيلات والقواعد المفيدة في بيان حكم تارك الصلاة كسلا، وكالبحث السابق لا أستطرد في الاستدلال وغيره لكن اقتصر على إجمال معنى النصوص في قواعد مهمة فأقول:
الإيمان: هو إما جنس محبة الله ورسوله، أو هو جنس المحبة والتعظيم            وعلى أي الأمرين ، فإن ذلك محله القلب لا محالة ، لأن أصل الإيمان هو المطلوب في دخول العبد الإسلام، وشرط صحته في الظاهر أن يتلفظ بالشهادتين، ومن لم يتلفظ بالشهادتين فهو كافر لم يلتزم عقد الإسلام ، لأن أصل الإيمان لا بد من التدليل عليه ، وقد اتفق أهل العلم بان التلفظ هو شرط ذلك ، وبهذا يكون قد حقق جنس المحبة والتعظيم عقدا وقولا ، فيدخل في الإسلام ، ومن لم يتلفظ بها فلم يحقق جنس المحبة ـ أعني مع التصديق ـ لذا فلا يدخل في الإسلام ولا يكون مسلما .
ثم بعد ذلك ما طرأ من طارئ فإنه لا يزيل الإيمان ، إلا إذا أزال جنس المحبة والتعظيم بالكلية ، أما ما ينقصها فلا يعتبر سببا من أسباب التكفير ، وعليه :
أ ـ من ترك الصدقة فقد أنقص الأصل ولم يزله بالكلية فيظل مسلما.
ب ـ من سب الله تعالى فقد كفر لأنه أزال جنس المحبة والتعظيم .
ج ـ من شرب الخمر فقد أنقص جنس المحبة والتعظيم ولم يزلهما بالكلية،فيظل مسلما.
د ـ من أنكر وجوب الحج بعد علمه ، فقد أزال جنس المحبة والتعظيم فيكفر .
وهكذا …..
ولذلك لما جيء بالرجل ليجلد في الخمر المرة الرابعة ، قال أحد الصحابة رضي الله عنهم أجمعين: لعنة الله عليه ما أكثر ما يؤتى به في الخمر ، فقال عليه الصلاة والسلام :” لا تلعنه فإني أعلم أنه يحب الله ورسوله “.
فهذا أزال جزءا من الأصل ولم يزله بالكلية ـ بشهادة الرسول صلى الله عليه وسلم ـ
الكفر: هو إعدام الموجود ، وليس إعدام المعدوم،لأن ذلك تحصيل حاصل وهو مستحيل.
أقول: الإيمان هو العقد والقول ، فمن شهد لله بالوحدانية وللنبي بالرسالة ، وأقر بما يلازم ذلك من الإيمان بالغيب الشامل للملائكة والقدر وغيره ، فهوالذي يثبت له عقد الإيمان ، فله ما للمسلمين وعليه ما عليهم ، هذا ما جرت عليه عادة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وهوواضح جدا في دلالات الكتاب والسنة قال تعالى: (فمن يكفر بالطاغوت ويؤمن بالله ) وقال: ( آمنوا بالله ورسوله والكتاب الذي نزل على رسوله ).
وقال عليه الصلاة والسلام: “من قال لا إله إلا الله صدقا من قلبه دخل الجنة”  وغير ذلك كثير.
فالآية دليل واضح على ما قلنا: فالشهادة إيجاد معدوم، وهو الإيمان الذي بإعدامه يحصل الكفر، والتبرؤ من الطواغيت ـ وهي الآلهة المعبودة مع الله أو من دونه ـ فهو إعدام موجود من جهة التوحيد، فمن لم يتبرأ من الطواغيت فهو كافر.
والحديث : أن من جاء بالشهادة فقد دخل الإسلام ، ثم بعد ذلك ، يطالب بالشعائر الأخرى من صلاة وحج وغيره.
ولذا جاء في حديث معاذ :” ليكن أول ما تدعوهم اليه عبادة الله وحده لا شريك له ، ثم أعلمهم أن الله افترض عليهم في اليوم والليلة خمس صلوات ….”
فالدعوة أولا إلى التوحيد ، ثم إلى غيرها ، لأن مبنى الصلاة على الشهادة ، وليس العكس.
التوحيد شرط في الصلاة وليس العكس:
مما يعرفه جاهل المسلمين وعالمهم ، أن أول ما يطلب من العبد الشهادتان، ولذا لما جيء رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجارية قال لها:” أين الله؟ قالت: في السماء ، قال: من أنا؟قالت : أنت رسول الله ، قال : فأعتقها فإنها مؤمنة “.
فإثبات الفوقية هو من جنس إثبات أصل التوحيد ، وإثبات الرسالة هو تمام التوحيد.
فمن زعم بأن من قال الشهادة ، ثم لم يصل فإنه كافر ، فهذا زاعم بأن الصلاة شرط في التوحيد ، بل هي كالشهادتين لا تقبل الشهادتان إلا معها ، وهذا زعم باطل لم يقله عالم من المسلمين ، ذلك أن من قال من الأئمة بكفر تارك الصلاة كسلا ، إنما قال ذلك بفهمه دلالة بعض النصوص الدالة على تكفيره ، لا أنه كافر ابتداء ، ولا تنفعه الشهادتان ، فإن هذا لم يقله عالم ، بل الإمام أحمد رحمه الله تعالى ـ لاضطراب الأدلة عنده ـ جاءت عنه رواية بعدم التكفير اختارها ابن عقيل الحنبلي والعكبري وابن قدامة المقدسي .
دعوى إجماع الصحابة على تكفير تارك الصلاة :
نقل بعض أهل العلم اجماع الصحابة على أن تارك الصلاة كافر ، فبنوا عليه تكفير التارك للصلاة كسلا ، قلت : وهذا الإجماع منقوض بما يلي:
1 ـ لا يمكن أن يكون إجماع ثم تكون آراء أكثر أهل العلم على خلافه ، فجمهور العلماء من الأحناف والمالكية والشافعية على أن تارك الصلاة ليس كافرا ، بل قال الأحناف : بأنه يستتاب بالسجن فقط فإن تاب خرج وإلا مات مسلما .
وقالت : الشافعية باستتابته بالسيف ، فإن تاب وإلا قتل حدا ، أي قتل مسلما.
فكيف بعد هذا كله يقال : ثبت الإجماع على تكفيره .
2 ـ أن ابن قدامة وغيره قد نقلوا الإجماع العملي على أن تارك الصلاة كسلا إن مات : صلي عليه ودفن في مقابر المسلمين ، ويرثه أهله ، وهذا من باب التفريق بين التكفير المطلق وتكفير المعين ، الذي بات يجهله كثير من الناس ، حتى بعض من ينتسب إلى العلم ، فيبني عليه ـ أعني التكفير ـ أن بقاء الزوجة مع زوجها التارك للصلاة حرام بل وزنى عياذا بالله تعالى ، ثم يؤصل ويفرع مما أشاع الفوضى بين المجتمعات ، نسأل الله السلامة والعافية .

الخلاصة :

الخلاصة :

1 ـ مما شاع وذاع ـ وللأسف ـ تسفيه رأي الطرف المقابل ، وهذا ـ فضلا عن كونه ليس من الدين ـ هو من العيب ودناءة الخلق ، فينبغي احترام الطرف المقابل حتى تسود المحبة بين المسلمين .
2 ـ لا ينبغي القطع في حكم عام للمسلمين ما دامت أدلته ودلالته ظنية .
3 ـ يجب التروي وعدم التجرؤ في إطلاق التكفير على الناس ، ورحم الله تعالى الإمام الذهبي حيث ذكر في السير :” أن المسلم الذي دخل في الإسلام ، لا يقطع بخروجه منه إلا بنقض ما أدخله فيه ” فلنعتبر بذلك .
* التكليف مناط بالقدرة : قال تعالى :(لا يكلف الله نفسا إلا وسعها) وقال 🙁 ما جعل عليكم في الدين من حرج ) فالعبد مكلف وسعه وطاقته ، فما كان فوق طاقته ، سقط عنه التكليف ، وهذا في كل ما يتعلق بالتشريع دون التوحيد ـ إلا إذا أكره فيعذر حتى في التوحيد مع سلامة القلب ـ فالمجاهدون إن زاد عدد عدوهم سقط عنهم الجهاد حال الطلب ، وقد يكون كذلك الحكم ـ حسب الظروف ـ حال الدفع ، والمصلي غير القادر على القيام يصلي قاعدا ، والمريض له الفطر ثم يقضي إن تيسر ، وهكذا ، ثم إن الكافر الرئيس إن كان في قومه ، وشق عليه ترك الرئاسة لأمر ما ، ولم يكن يستطيع فعل العبادات لم يكلفها ، حتى الصلاة ، وليس هو في ذلك كافر لأنه غير مطيق فعلها ، لكن ليس بحال من الأحوال يعذر في ترك التوحيد ـ أعني ـ: النطق بالشهادتين ـ لأنه لا يثبت له عقد الإيمان إلا بالنطق بها، فإن تخلف بعدها كل شيء دونها فلا يؤثر ذلك في إيمانه ، من أجل هذا لما مات النجاشي رحمه الله تعالى ، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف أصحابه خلفه ثم صلى عليه لأنه مسلم موحد ، مع أن رسول الله صلى الله عليه وسلم يعلم أنه لم يسجد لله سجدة ، ولا صام لله يوما ، ولا غير ذلك من شرائع الإسلام ، بل لم يجرؤ أن يظهر إسلامه أمام قومه ، وإنما أسلم سرا في نفسه ، فقبل الله تعالى منه .
قلت : وعلى القاعدة السابقة التي ذكرت فيها التفريق بين : أن الكفر إعدام الموجود ليس غير ، فمع هذه القاعدة الأخرى ، يتأكد لدينا أن ترك الصلاة ليس كفرا ما لم يكن عن جحد أو استهزاء ونحوه، مما يقلع عقد التوحيد ويبطله .
قلت : والتخفيف لا يحصل في أصل التوحيد وشرطه ، لكن يحصل في أمر ظاهره الكفر لكن باطن العبد مطمئن بالإيمان ، فلايعذر بترك الشهادتين دون إكراه ، أرأيت الى عمار كيف أذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم في إسكات الكفرة بكلمة كفر قالها بلسان فقط .
قلت : لو كانت الصلاة شرطا في دخول الإسلام ـ كما يظن البعض ـ لما كان عذر أبدا في تركها لأحد ، لأنها حينها ستأتي على توحيده كله ، ولما لم تكن كذلك حصل الإذن بتركها للنجاشي ، لأنها لا تؤثر على توحيده بإبطال ، فليتنبه لمثل هذا ؟!!! .
* كيف يتعامل مع الألفاظ حال الإجمال والإطلاق ، والبيان والتقييد :
مما أوهم البعض أو حمله على إطلاق التكفير على تارك الصلاة كسلا ـ مع أن المكفرين اضطربوا بم يكفر ؟: هل يكفر بترك الجميع أو بترك ولو صلاة أو إن غلب عليه الترك كفر وإلا فلا ، أقول : يجب التعامل مع الألفاظ بطريقة تنجينا من الاضطراب والتناقض لأجل سلامة الفتوى التي ينتج عنها اتزان واعتدال وراحة في الناس ، حتى لا يلعن بعضهم بعضا .
قلت : ومن الأحاديث التي تميزت بألفاظ لا بد من إمعان وإعمال النظر فيها للوصول إلى حكم سليم من غير تعقيد ولا اضطراب ، ما جاء في حديثين لرسول الله صلى الله عليه وسلم ، وليس من قصدي في أبحاثي هذه استعراض الأدلة ، لكن ما كان منها يمثل قواعد يسير عليها طالب العلم :
قال عليه الصلاة والسلام :” العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة فمن تركها فقد كفر “مع قوله عليه الصلاة والسلام:” بين الرجل وبين الشرك أو الكفر ترك الصلاة ” وقوله:” بين الكفر والإيمان ترك الصلاة”
ولي مع هذه النصوص وقفات :
الأولى: قوله عليه الصلاة والسلام:” العهد الذي بيننا وبينهم ”
قلت : الضمير في “بينهم” عندي ـ وهو قول لأهل العلم ـ في المنافقين وليس في الكافرين، لأن المنافق ما يميزه عن الكفار صلاته معنا، وإنما يتضح نفاقه بترك الصلاة ، إذ لم يكن يعهد في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أحدا يترك الصلاة، إلا الكفار ، فكان المنافقون يتسترون بالصلاة ، إذ لو تركوها لفضح أمرهم وتبين نفاقهم ، فهذا هو المقصود من النص ، يؤيد ذلك أن العهد الذي بيننا وبين الكفار هو شعار الملة مطلقا وهو: شهادة التوحيد.
الثانية: قوله عليه الصلاة والسلام :” بين” هذا ظرف مكان ، يدل على توسط شيء بين شيئين ، فقولنا : المقتصد بين السابق والظالم لنفسه ، يدل على ثلاثة أطراف ، منها واحد وسط .
وقولنا: الثنية بين الرباعيتين كذلك ، وقولنا : خليل بين محمد وسالم ، فهو وسط بينهما .
ومقصدي من ذلك أن الشيء المتوسط ليس من الطرف الأول ولا الثاني ، فيلحق به حكمه ، حتى يأتي دليل من الخارج يبين ذلك ، فقولنا مثلا: حمزة بين سمير وخليل ، فحمزة وسط ، لكن إن عرفنا أن حمزة ابن سمير ، فعندها لا بد من الحاقه به بسبب النسب ، وهكذا .
وقول رسول الله صلى الله عليه وسلم :” الصلاة بين الإيمان والكفر ” ، فهي وسط بينهما ، فإن قلنا تركها من الكفر الأكبر التحقت به ، وإن قلنا من الأصغر التحقت بالإيمان ، وبالتتبع ومع ما سبق يتبين لنا أنها من الكفر الأصغر فتلحق بالإيمان لا بالكفر المطلق ، لكن بالإيمان الناقص .
الثالثة : مما يؤيد كونها تلحق بالإيمان لا بالكفر ما يلي :
تأمل معي قولي رسول الله صلى الله عليه وسلم :
“فقد كفر ” و ” الشرك أو الكفر ”
فاللفظ الأول نكرة في سياق الإثبات ، وهي على الراجح لا تعم ، وقيل تعم . وهو وإن كان فعلاً “”كفر”” إلا أنه نكرة من حيث المعنى , فيتأمل
واللفظ الثاني ” الكفر ” مفرد معرف فيعم .
فهل يعمل بكل لفظ على حال من الأحوال ، أي اعتبار التعميم في وصف معين ، واعتبار التقييد في وصف دونه .
أم أن المسألة من باب : حمل المطلق ” كفر ” على المقيد ” الكفر ”
أم أن المسألة لا علاقة لها بكل ذلك ، إذ اللفظ الأول والثاني إنما هي أوصاف : الأول وصف بالفعل ” كفر ” والثاني وصف بالاسم ” الكفر ”
قلت : القرائن توضح لنا أن الكلمتين من باب مجرد الوصف الذي لا يثبت حكما مطلقا ، لأن قول رسول الله عليه الصلاة والسلام :” كفر ” أو :” الكفر” إنما هما بمعنى واحد ، مثل قوله صلى الله عليه وسلم : في إتيان النساء في المحل الخبيث ” فقد كفر ” وقوله:” ثلاثة الناس بها كفر ……”
ولا يثبت التكفير بالفظ المجرد إلا باسم الفاعل الخالي عن القرائن مثل : الكافر فلان .
إذن فاللفظ لا يحمل على المعنى المطلق ما دام هناك قرائن ، فعندها يحمل على مطلق المعنى .
ومن القرائن ما سبق ذكره من الإجماع العملي أن تارك الصلاة المعين يصلى عليه وغير ذلك ، وكذا قصة النجاشي والله أعلم .
لا يعكرعلى هذا أن الألفاظ في الشرع تحمل على المعنى الشرعي دون اللغوي، قلت : أولا : هذا ليس على إطلاقه مع صحته .
ثانيا : يجب التفريق بين المعاني القصودة للشرع ، فقد يقصد المعنى بالكلية ، وقد يقصد بالجزئية ، وهو معروف بالمعنى المطلق، أو مطلق المعنى : فمثلا : الإيمان المطلق : هو الإيمان الكامل .
ومطلق الإيمان : هو أصل الإيمان وهو ناقص .
ومثل : الكفر المطلق وهو الكفر الاعتقادي : وهو المخرج من الملة .
ومطلق الكفر وهو الكفر العملي : وهو غير مخرج من الملة.
وترك الصلاة هي من مطلق الكفر ( العملي ) لا من الكفر المطلق (الاعتقادي ) في مذاهب عامة المسلمين والله تعالى أعلم .
قلت يؤيد هذا: أن من قالوا بالتكفير اضطربوا ، هل يكفر بترك صلاة، أو بترك الكل ، أو الحكم لما غلب ، قلت : في الإيمان والكفر لا يقال مثل هذا ، بل إما أن يقال : كافر بمطلق الترك ، أو غير كافر بمطلق الترك ، والاضطراب في الفتوى يسقطها ، فيسلم قول غير المكفرين والله  تعالى أعلم .

المسألة الرابعة

حكم الدخول في المجالس النيابية

حكم الدخول في المجالس النيابية

الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وبعد :ـ
فإن من النوازل في هذا الزمان ما يعرف بالمجالس النيابية ، فهل يجوز الدخول فيها أم لا ، وهذا مما اختلفت فيه أنظار العلماء ما بين مجوز ومانع ، فأحببت أن أكتب في ذلك تلخيصا لبحث سجلته في شريط بعنوان : (اللباب في حكم الانتخاب)، لأقدمه لإخواني طلبة العلم عسى الله أن ينفعنا جميعا ، فأقول : هذه المسألة ، راجعة في أصلها إلى باب الأمر والنهي ، وهذا الباب مرده الى المصالح والمفاسد ، والقاعدة المشهورة عند العلماء تنص على : أن الشرع جاء بتحصيل المصالح وتكثيرها ودفع المفاسد وتقليلها .
ولذلك استنبط العلماء أيضا من هذه القاعدة : أن المصلحة الكبرى تقدم على الصغرى ، وأن الضرر الأعلى يدفع بالضرر الأقل ، أي : تحصيل أعلى المصلحتين ، ودفع أعلى المفسدتين ومرد هذه القواعد كلها الى قاعدة كلية عظيمة وهي قاعدة : ” الضرر يزال ” و ” المشقة تجلب التيسير “، قال تعالى: (( ما جعل عليكم في الدين من حرج ))، وقال أيضا: ((يريد الله بكم اليسر ))، وقال عليه الصلاة والسلام : ( لا ضرر ولا ضرار )، وقال أيضا : ( يسرا ولا تعسرا، بشرا ولا تنفرا).
وعليه فأقول: بناء على هذه القواعد مجتمعة ، وبناء على أن من مقاصد الشريعة حماية الضروريات والحاجيات بتحصيلٍ ودفعٍ ، فيمكن أن أقول: دخول البرلمانات يدور بين المشروعية وعدمها، وأما زعم أن مطلق البرلمانات – لكونها مجالس تشريعيةـ شرك، فهذا وإن كان قولا لبعض أهل العلم لكنه عندي منازع فيه، للفرق بين أصل التشريع ، وبين المسائل المبنية على الاجتهاد، وقصدي بأصل التشريع أنه القواعد العامة في الأحكام والتسليم أن الحاكمية لله، وأما ما أريده هنا فهو ما يرجع إلى المصالح والمفاسد، كالأحكام المدنية والإدارية المبنية على مطلق الاجتهاد، إذ لا تعارض بين الأمرين عندي، لأن الله وضع الأسس العامة للدين ، وفتح لنا باب استنباط الأحكام منها، فما كان من الأحكام الاصلية فهو نوعان :
الأول: نوع لا مدخل للاجتهاد في أصل تشريعه ولا في عموم وصفه كالصلاة والصوم وإن كان يمكن الاجتهاد في بعض الأوصاف كاجتهادهم في مسألة على ماذا يكون النزول على اليدين أم الركبتين.
الثاني: كبعض الأحكام التي تسقط لعارض أقوى منها كما حصل في عام المجاعة زمن عمر إذ أسقط الحد عن السارق، وذلك لفقد العلة.
وأما الأحكام القائمة على الاجتهاد فإنها قد تتغير بتغير الظروف والأحوال بحسب المصالح والمفاسد المعتبرة شرعاً، وللتوضيح أضرب مثالين في طبيعة الفتوى، أحدهما قديم والآخر جديد:
فأما القديم : فقد أجمع العلماء على تحريم الخمر، ثم اختلفوا في حكم النبيذ بين محرم حملا على الأصل ، وبين محلل ، فلا يقال إن من حلله قد أحل ما حرم الله ـ وهو الخمر ـ لأن النبيذ عنده ليس من الخمر أصلا حتى يقال إنه أحل ما حرم الله.
وأما المثال الجديد: فقد أجمعت الأمة على تحريم الربا، ثم اختلفوا ، هل يجري الربا في الورق النقدي؟ أيضاً منهم من قال بجريان الربا فيه ، ومنهم من قال بعدمه، لأن الورق النقدي عنده ليس من أصناف الربا أصلا، فلا يقال في مثل هذا : إنه أحل ما حرم الله.
وعليه فليس التصويت مثلا على جواز بيع الخمور من أهلها في أسواق المسلمين، دليل على كفر المصوت، لأن فرقا بين هذا وبين القول بتحليل شربه، وهذا فرع عن حكم من شربها ، إذ لا يلزم القول بتكفيره، بل لا يجوز ويحرم، وإلا لما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم عن شاربها وقد لعنه أحد الصحابة : ” لا تلعنه فإني أعلم أنه يحب الله ورسوله”.
هذا وإن تولي الولايات التي تحفظ على الناس أمورهم ، لا بد أن يكون مشروعا ، وهو متردد بين الندب والوجوب ـ والوجوب عندي أظهر ، لأنه ما عاد يمكن تحصيل ذلك بأقرب من ذلك السبيل ، ولعدم الإطالة ، والاختزال في الفتوى أحسن، أنقل بعض كلام شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ، لأنه من أحسن ما قرأت في الجواز، قال رحمه الله تعالى : ” ثم الولاية وإن كانت جائزة أو مستحبة أو واجبة ، فقد يكون في حق الرجل المعين غيرها أوجب ، أو أحب، فيقدم حينئذ خير الخيرين وجوبا تارة واستحبابا أخرى …
قال : ومن هذا الباب تولي يوسف الصديق على خزائن الأرض لملك مصر، بل سؤاله أن يجعله على خزائن الأرض ، وكان هو وقومه كفارا ، …… ، ومعلوم أنه مع كفرهم لابد أن يكون لهم عادة وسنة في قبض الأموال وصرفها على حاشية الملك وأهل بيته وجنده ورعيته ، ولا تكون تلك جارية على سنة الأنبياء وعدلهم ، ولم يكن يوسف يمكنه أن يفعل كل ما يريد وهو ما يراه من دين الله فإن القوم لم يستجيبوا له ، لكن فعل الممكن من العدل والإحسان ،……..، قال : فاذا ازدحم واجبان لا يمكن جمعهما فقدم أوكدهما ، لم يكن الآخر في هذه الحال واجبا ، ولم يكن تاركه لأجل فعل الأوكد تارك واجب في الحقيقة ، وكذلك إذا اجتمع محرمان لا يمكن ترك أعظمهما إلا بفعل أدناهما ، لم يكن فعل الأدنى في هذه الحال محرما في الحقيقة، وإن سمي ذلك فعل واجب وسمي هذا فعل محرم باعتبار الإطلاق لم يضر، ويقال في مثل هذا ترك الواجب لعذر وفعل المحرم للمصلحة الراجحة أو للضرورة أو لدفع ما هو أحرم،……، .
وهذا باب التعارض باب واسع جدا ، لاسيما في الأزمنة والأمكنة التي نقصت فيها آثار النبوة وخلافة النبوة ،…..، قال : فينبغي للعالم أن يتدبر أنواع هذه المسائل ، وقد يكون الواجب في بعضها ـ كما بينته فيما تقدم ـ العفو عن الأمر والنهي في بعض الأشياء لا التحليل والإسقاط ، مثل أن يكون في أمره بطاعة ، فعلا لمعصية أكبر منها ، فيترك الأمر دفعا لوقوع تلك المعصية،…….، .
قال : ومثل أن يكون في نهيه عن بعض المنكرات تركا لمعروف هو أعظم منفعة من ترك المنكرات ، فيسكت عن النهي خوفا أن يستلزم ترك ما أمر الله به ورسوله مما هو عنده أعظم من مجرد ترك ذلك المنكر ” انتهى 20 / 54ـ 61 باختصار . وانظر في هذا المبحث أيضا الفتاوى 19 / 217 ، 30 / 356 .
وقال الشيخ السعدي رحمه الله تعالى في تفسير قوله تعالى : (( قالوا يا شعيب ما نفقه كثيرا مما تقول وإنّا لنراك فينا ضعيفا ……. )) : قال في ذكر فوائد الآية : ” ومنها: أن الله يدفع عن المؤمنين بأسباب كثيرة ، قد يعلمون بعضها ، وقد لا يعلمون شيئا منها، وربما دفع عنهم بسبب قبيلتهم وأهل وطنهم الكفار ، كما دفع الله عن شعيب رجم قومه بسبب رهطه ، وأن هذه الروابط التي يحصل بها الدفع عن الإسلام والمسلمين ، لا بأس بالسعي فيها ، بل ربما تعين ذلك ، لأن الإصلاح مطلوب على حسب القدرة والإمكان.
قال رحمه الله تعالى : فعلى هذا ، لو سعى المسلمون الذين تحت ولاية الكفار ، وعملوا على جعل الولاية جمهورية يتمكن فيها الأفراد والشعوب من حقوقهم الدينية والدنيوية ، لكان أولى من استسلامهم لدولة تقضي على حقوقهم الدينية والدنيوية ، وتحرص على إبادتها وجعلهم عملة ، وخدما لهم.
قال : نعم ! إن أمكن أن تكون الدولة للمسلمين ، وهم الحكام، فهو المتعين ولكن لعدم إمكان هذه المرتبة ” فالمرتبة التي فيها دفع ووقاية للدين والدنيا مقدمة ، والله أعلم”. أ . هـ من التفسير ص 531 .
قلت : هذه هي قمة السياسة الشرعية فإن تمكن المسلمون من تغيير النظام الاشتراكي إلى نظام ديمقراطي ـ إن تعذر كونه إسلاميا مع مراعاة قواعد المصلحة والمفسدة وضوابطها ـ ولو كان التغيير بمساعدة الآخرين تعين ذلك لتحقيق ولو شيء من مصالح المسلمين والدفع للأذى والضرر عنهم، لأن النظام الديموقراطي خير من النظام الاشتراكي بكثير كثير، ان تعذر قيام النظام الإسلامي ، قلت : هذه هي السياسة الشرعية الحقة ، التي ينبغي تطبيقها على أرض الواقع ، أؤكد: مع مراعاة ضوابط المصلحة والمفسدة ، وللتدليل على ذلك أذكر القراء بقصة النجاشي ، كيف كان حاكما للنصارى مع كونه مسلما في الباطن.
علما بأن هذه الفتوى: ـ أعني دخول البرلمانات ـ هي فتوى الإمام سماحة الشيخ ابن باز رحمه الله تعالى رحمة واسعة، وكذلك الشيخ ابن عثيمين رحمه الله، قلت: وهي ليست خاصة بالبرلمانات بل هي عامة في كل الانتخابات.
وأخيراً:
فمن تنبه لمثل ما ذكرنا من القواعد ، وطبقها على النصوص الواردة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام ، توصل بكل سهولة ونجاح الى معرفة الحكم الصواب في كل ما يشكل عليه ، ومن أكبر مشاكل طلاب العلم في هذا الزمن ، عدم القدرة على الربط بين النصوص ، فيميل إلى إعمال قاعدة الترجيح ، وهي بضاعة العاجز ، لأن القضاء بنص على مجموعة من النصوص ، خطأ .
أمر آخر استشرى بين صغار الطلبة ـ مع أن بعضهم يظن في نفسه الاجتهاد مع فقده كل الآلات التي تؤهله لذلك ـ أقول : استشرى بينهم ازدراء أقوال أئمة الهدى والعلم الذين فهموا النصوص فهما عميقا وكبيرا مع سلامة النيات ، بحجة: اتباع النص ، ويزيد الأمر عجبا أنك إن ذكرت لأمثال هؤلاء ـ الذين ليس لهم حظ في العلم إلا مجرد الزعم ـ إن ذكرت لهم مذاهب الأئمة قالوا بسخرية عجيبة : أيش مذهب النبي ؟ صلّى الله عليه وسلم.
أقول : هؤلاء لما عجزوا عن فهم الفقه الإسلامي ، إذ ليست عندهم مقدرة علمية على الإدراك والاستنباط ، ظنوا أن هذه المقولة تعجز الطرف الثاني ، مع أنها محض الجهل والنقص في الآداب والتربية .
فنصيحتي لأمثال هؤلاء الصغار : أن يلتزموا أهل العلم بالدروس والطلب ، ويبدأوا بالعلم بطريقة منهجية مرحلية متكاملة ، ويجب عليهم شرعا أن يكفوا عن الفتيا وعن تناقلها ، إذ لكل عمل وعلم أهله ، الأمر الذي أدى إلى ضياع العلم ، والاستخفاف بالعلماء ، وعلى ذوي السلطان الأخذ على ألسنة أمثال هؤلاء ، حتى لا يصير العلم عرضا وغرضا ، سائلاً ربي عزوجل الهدى والسداد والصلاح لجميع المسلمين ، وصلّى الله على سيدنا محمد وسلم .

 

كتبه:
سمير مراد
المشرف التعليمي في مسجد السنة
عمان ـ الأردن ـ القويسمة
بريد الكتروني : sameeralshafae@yahoo.com
الثلاثاء 4/جمادي أولى /1428
22/5/2007

الفهرس

المقدمة: ……………………………………………..5
المسألة الأولى…………………………………….8
حد الإيمان………………………………………..8
المسألة الثانية…………………………………..24
مسألة الحكم بغيرما أنزل الله تعالى………………..24
المسألة الثالثة…………………………………..33
ترك الصلاة……………………………………..33
المسألة الرابعة………………………………….42
حكم الدخول في المجالس النيابية………………….42
وأخيراً:…………………………………………46

المملكة الأردنية الهاشمية
رقم الايداع لدى دائرة
المكتبة الوطنية
(1787 / 6 /2007 )
261
مراد،سمير عبدالرزاق
نقض أصول التكفير /سميرعبدالرزاق مراد._عمان:
المؤلف، 2007.ج1( )ص.
ر.أ.: (1787/ 6/2007).
الواصفات:/الفقه الإسلامي//الشريعة الإسلامية//العبادات/
/الإيمان//الإسلام/
أعدت دائرة المكتبة الوطنية بيانات الفهرسة والتصنيف الأولية

شاهد أيضاً

كتاب درج الوصول لورثة الرسول صلى الله عليه وسلم

تحميل الكتاب

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *