الرئيسية / Uncategorized / صناعة الحضارة

صناعة الحضارة

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المرسلين وبعد:
فلا تزال الشعوب تتطلع لعيش كريم، منشؤه الألفة المؤدية لعمارة الدنيا والآخرة، متعايشين بروح الود والرحمة قال تعالى: (وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا)، أي: لتتعاونوا على عيش حياة كريمة قائمة على التعارف؛ أي التعاون بتفعيل المشتركات، بما يشمل اللفيف العرقي والجنسي والديني والطائفي إلى آخره، لاشهار وإظهار مكون مجتمعي صحي يتمتع بصفات وأخلاقيات الحضارة والعمارة، رغم تباين وجهات النظر، قال تعالى: ( لكم دينكم ولي دين )، شريطة مراعاة ثوابت الدستور الوطني القائم على حماية جناب الدين وعدم إكراه الآخرين على اعتناقه، وكذلك لا بد من مراعاة عدم تثوير عواطف المجتمع الدينية، بحجة دفع خطر ما إلا بما يكفل بقاء الوحدة الوطنية، ذلك أن إثارة النزعة المائلة نحو العاطفة الدينية، خصوصا بما يتعلق بالقرآن والرسول، قد يثير العداوة والبغضاء بين أفراد المجتمع، ولذا لا بد من اختيار الطريق الأكثر سلامة في ذلك، ونحن حين ندري أن مقومات قيام وثبات الدولة، يقوم على
*حماية الضعيف
* توحيد الله تعالى وعدم الإشراك به *مراعاه ثبات الأتباع
من خلال هذه الثوابت والمحركات، ننطلق جميعا لإنشاء الوطن وحمايته، ولا وطن بلا مواطن .
هذا ويراعى أمران أيضا :
الأول: تفعيل المكون المدني؛ أعني أخلاقيات المدينة، لأنها عمرانية أكثر من غيرها، لعوامل التنافس فيما بينها على كل الأصعدة، من العلمي والثقافي والتجاري والطبي وغير ذلك، في منأى عن العصبية غير المنظمة
الثاني: الاهتمام بالعصبية، أي العشائرية المنظمة، ضمن قانون تسيير وحماية، لأنه بذلك نوجد الحماية العصبية التي بدونها قد نفقد تلك الحماية، أو نجعلها تنحه غير الوجهة الوطنية.
ولا شك من أن عمارة الدولة تقوم على عمارة الدين وعمارة الدنيا، وذلك بغرس العلوم والأخلاق والعقائد والعلاقات الدينية الصحيحة التي ترعى الوطن والمواطن، في ايجاد دولة مدنية حضارية، تقارن الدول الكبرى في ذلك، ولا يقوم هذا إلا على كوادر تنظر بمنظار العلم والعمل المنتج حضاريا دون أقصاء، ومنتج دينيا دون طرد، ومنتج تعايشا وطنيا دون نظرة دونية، أما ترك الأمور لأطراف وأن كثرت، لكنها تنحى نحو السقوط والتردي الدنيوي والديني، فلا هم يبنون بل هم يهدمون، وإن ظل حالهم كذلك، فهذا مؤذن بخراب ويباب ومهانة، بل مؤذن بفتنة وطنية تهدم كل المقومات التي بقي الشرفاء يبنونها سنين طوالا، وحينها لا ينفع ندم.
نعم من الطبيعي وجود التمايز المؤدي للمد والجزر دينيا وثقافيا واقتصاديا وسياسيا واجتماعيا، لكن إن كان ذلك بضوابط دينية ووطنية لأجل عمارة الوطن، فلا بد أن ننشيء تنافسا شريفا يزيل الفجوات، ويبني ولا يهدم، هذا وإن كل ثقافة قامت على مؤهلات صحيحة منضبطة، فهي ولا بد ستكون معيارا صحيحا للبناء والتعايش، وهذه المهارات والمؤهلات، ان لم تبن على قواعد كلية دينية ووطنية، فإنها ستكون سبب هدم لا عامل بناء.
وعليه فكل غلواء دينية أو دنيوية، ستكون سبب وعامل هدم للوطن والمواطن، وسينكشف الأمر عن أن لا تعايش إلا في الإطار الضيق القائم على اعتبار الموافق وإقصاء المخالف، مع أن حقيقة العمارة، سعة الصدر للمخالف، واعتبار خلافه البناء، والتعاون معه في ذلك، وضم كل زمر عمل المجتمع الوطني إلى بعضها، ليكون الوطن في صدارة الدنيا، أما غير ذلك؛ فحينها
هزلت حتى بدا كلاها
وصرنا كما قيل:
أوردها سعد وسعد مشتمل

ما هكذا تورد يا سعد الإبل وصلى الله على سيدنا محمد
د.سمير مراد
الجمعة
١٤٤٣/١١/١٧
٢٠٢٢/٦/١٧

شاهد أيضاً

سلسلة في أحكام الإيمان – فضيلة الشيخ الدكتور سمير مراد – المجلس التاسع

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.