الرئيسية / المقالات / الدولة المدنية

الدولة المدنية

الدولة المدنية
الحمد لله الذي بعث الرسل بالتوحيد، وفرض الإيمان بذلك دون غيره، (ومن يبتغ غير الإسلام ديناً فلن يقبل منه وهو في الآخرة من الخاسرين)، به -أي التوحيد- يُعظَّم الله تعالى، وبه يعطي، وعلى ضده يعذب وينتقم، وصلى الله على محمد أفضل الموحدين، وخير العابدين، أعظم الناس دعوة لإفراد الله تعالى بالعبادة، من قال: “من قال لا إله إلا الله دخل الجنة”، وقال: “نحن معاشر الأنبياء أبناء علات وديننا واحد” أي: دعوتنا للتوحيد واحدة وشرائعنا مختلفة.
ورضي الله عن الصحابة والصحابيات الأكارم، خير من طبقوا التوحيد قولاً وعملاً، ظاهراً وباطناً، ولذا اختصهم الله تعالى لصحبة نبيه، لم تلحقهم لوثة، ولم تعترهم لُكنة ولم يجدوا غضاضة في حمل التوحيد ونشره؛ حتى بلغ الآفاق.
ثم خلف من بعدهم خلف تفرقوا وتشتتوا، لكن بقيت فيهم بقية خير، تأمر بالمعروف وتنهى عن المنكر، ثلة موحدة باقية إلى يوم الدين، كما قال عليه الصلاة والسلام: “لا تزال طائفة من أمتي ظاهرين على الحق حتى يأتي أمر الله وهم كذلك” جعلنا الله منهم .
هذا وقد طرأت في هذا الزمان، أسماء وألقاب حادثة، منها ما هو حادث اللفظ فقط دون المعنى والمضمون، ومنها ما هو حادث اللفظ والمعنى، لظروف اقتضت وقوع ذلك، وما ذلك إلا بسبب النأي عن التوحيد الصحيح، والإسلام الصافي.
مر التاريخ بحقبة أليمة، عصفت بموروث الأنبياء أو أنقصته أو زادت عليه، ما يشوه أصله وحقيقته، حتى بلغ الأمر مبلغاً لا يطاق، ما دفع البعض إلى الثورة على هذا الموروث إما ثورة إقصاء عن واقع معين، وإما ثورة إقصاء عن الواقع برمته، وهذا قد اعترى اليهودية والنصرانية والإسلام، فمن الطوائف من رفضت الدين وألحدت بالله تعالى، ومنها من جعلت الدين كهنوتاً ورهبانية مبتدعة، ومنها من جعلته سلطة مستبدة، لا تقبل معه رأياً ولا عملاً، ومنها من جعلته انحلالاً مضمحلاً، ليصبح كل واجب ساقطاً، وكل حرام حلالاً.
من بين كل هذا؛ نود الخلوص إلى رأي مجرد، رأي موضوعي، لا نقصد منه الدفاع -إلا عن التوحيد والإسلام الصحيح-.
من بين هذا الركام، خرجت علينا مصطلحات تتحدث عن نمط من أنماط الحياة العامة، عن نمط الدولة، كيف تكون، ما شكلها، ما أسسها، من قادتها، ما ركائزها؟، ……. الخ هذه الأسئلة التي تحتاج إلى جواب موضوعي، بعيد عن التعقيد، قائم على التقعيد، يكون سبيلاً إلى الهدى ومرضاة الله تعالى، لا غموض فيه حتى يسير الناس عليه، وقد كثرت الأسئلة حول هذا الموضوع، ما أدى إلى أن اكتب فيه، والله الموفق، هذا الموضوع هو:
ما هو شكل الدولة الإسلامية، وهل الدولة مطلب شرعي، أم أن المقصود تبليغ التوحيد فحسب؟
حول هذا أقول:
في العادة من أراد معرفة معنى التعريف –وهو هنا مركب من الدولة الإسلامية، أي: دولة وإسلامية والبعض يحلو له أن يسميه دينية- ولأجل ذلك نعرج على توضيح التعريف وباختصار، لأن ذلك يسهل استنتاجه والوصول إليه:
دولة: في اللغة: الدال والواو واللام، قال ابن فارس: أصلان: أحدهما يدل على تحول شيء من مكان إلى مكان آخر، والآخر يدل على ضعف واسترخاء.
والدَوْلَة والدُولة لغتان، ويقال غير ذلك، وتأتي الإدالة بمعنى الغلبة والنصر، وتأتي بمعنى الدوران، دالت الأيام دارت، وتأتي بمعنى الانتقال والتبدل ومنه (تلك الأيام نداولها بين الناس) (كي لا يكون دولة بين الأغنياء منكم).
أما إسلامية: فهي نسبة للإسلام، وهو الدين الذي لا يقبل الله غيره، أصلها: إسلام والتاء تأنيث لفظي، والياء للنسبة، مثل: أردني، يمني أصلها: أردن: يمن: زيدت الياء للنسبة، أي: نسبة الشخص لبلد ما أو فكرة ما أو قوم ما، فالدولة المقصودة منسوبة للإسلام لا غير.
والدولة في الاصطلاح: هيئة مكونة من ثلاث عناصر والبعض جعلها أربعة:
أرض أو إقليم.
شعب يسكن هذا الإقليم.
سلطة أو سيادة لتدبير شؤون الناس داخلياً وخارجياً على هذا الإقليم.
وهي زيادة لكثيرين وأنا أراها معتبرة، الاعتراف القانوني الدولي.
وأما الحاجة إليها وهل هي مطلب شرعي
فعامة أهل العلم على أن الدولة مطلب ضروري دنيوياً وعقلياً وشرعياً، لأن ما ذكرناه لا يمكن أن يكون معتبراً شرعاً، بدون دولة -أعني من حيث تدبير الشؤون من قبل سلطة مفوضة- ولم ينكر شرعية الدولة إلا قلائل من المعتزلة قديماً، كابن كيسان الأصم، ومن المعاصرين علي عبد الرزاق ومن وافقه، وأدلة وجوبها كثيرة جداً نوجزها فيما يلي:
هي ضرورة عقلية ودنيوية بامتياز.
قوله تعالة: (إن الحكم إلا لله) ولا يمكن ممارسة تطبيق حكم الشرع العام وعلى الجماعة والأفراد إلا من خلال سلطة ولا تكون بلا دولة قانونية.
قوله تعالى: (وأمرهم شورى بينهم)، وهذا مع أن الشورى معلمة في أصح الأقوال، إلا أنها تصير إلى الإلزام باختيار صاحب السلطة العليا، ولا يكون إلا الحاكم، ولا يكون حاكم بغير حكم وسلطة تسمى دولة.
قوله تعالى: (ليقوم الناس بالقسط) ولا يكون بغير دولة.
الممارسات المنظمة ضمن قوانين –دستور- مارسها رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء من بعده إلى يومنا هذا، ما يدل على وجوب وجود الدولة الإسلامية.
ممارسة السلطة باسم دولة، هو عبارة عن مصطلح مستند إلى مفهوم الاستخلاف –بالمفهوم الصحيح- القائم على قوله تعالى: (هو الذي جعلكم خلائف في الأرض) وقوله: (ثم جعلناكم خلائف في الأرض من بعدهم لننظر كيف تعملون).
فبناء على كل هذا وغيره، يصح مذهب العامة، أن الدولة فرض في الإسلام.
مفهوم وشروط الدولة الإسلامية
ما دام أن الدولة مطلقاً لا بد لها من أربعة شروط على الصحيح، أرض، شعب، سلطة، اعتراف قانوني، فهي بذلك تكون دولة، بعدها يبقى الكلام في ماهية هذه الدولة، بم تحكم وكيف تحكم، ولا بد من تسليط الضوء على ذلك لعدة أسباب:
أن هناك اختلافاً وإشكالاً في طريقة الحكم، هل هي دينية أم مدنية أم……. الخ.
الحاكمية وتطبيق هذا المصطلح ومفهومه الصواب.
التشريع وما مفهومه الصواب.
القضية الأولى: ما هو مفهوم إسلامية الدولة:
مما لا شك فيه أن النسبة تفيد نسبة الدولة إلى الدين، ولما كانت ثقافة المسلمين -شعباً ودولة- مأخوذة من الدين، كان ولا بد من أن تكون الأحكام دينية إسلامية، لكن! هل المقصود من ذلك أن تأتي النصوص لتدل على كل قضية، أم أنه يكفي في ذلك أدلة عامة من النصوص، تكون كفيلة بتحقيق مصالح العباد في الدارين؟
إذا أخذنا بالمفهوم الأول، وجدناه غير ممكن، إذ لا نجد في الشرع تلك الأدلة التفصيلية لهيكلة الحكم في الدولة الإسلامية، ما يدل على أن هذا التطبيق بهذا التصور غير ممكن فيكون مرفوضاً.
أما الثاني: وهو القواعد العامة، فهذا صحيح، ويبقى باقي الوقائع راجعاً إليها، وضابطها يكون بتحقيق المصلحة، ولذا فأن إمام الحرمين الجويني في الغياثي يرى: أن معظم ما يتعلق بالإمامة يقبل الاجتهاد، لأنها عرية من مسالك القطع، خلية عن مدارك اليقين.
قلت: والمصلحة المقصودة هنا، هي تلك المصلحة التي لا تخالف الشرع فلا يردها، -وهي المسماة بالمرسلة عند الفقهاء-، والمصلحة التي نص عليها الشرع صراحة، -وهي المسماة بالمعتبرة-، لأن ذلك غير ممكن وغير موجود في الشريعة، ومن هنا يأتي معنى قول ابن تيمية: أينما كانت المصلحة –أي في الحكم والسياسة والواقع- فثم شرع الله، والفهم الصحيح لهذه العبارة، أن المصلحة التي تحقق المطلوب، ولا تخالف شرع الله، فهي شرع الله، وعلينا العمل بها.
وعليه يتوجب علينا أن نبين: مم تتركب الدولة، وهل هي مدنية أم دينية أم مركبة أم بمرجعية دينية، وما هو مفهوم كل فنقول:
الدولة الدينية – الثيوقراطية:
في المفهوم السائد، أن الدولة الدينية هي الدولة التي يكون الحاكم فيها نائباً عن الله، أو منتخباً من الله، فيكون حكم الحاكم لا شك فيه، ولا يجوز تأخيره ولا عدم فعله، لأنه من الله، أي: أنه معصوم عن الخطأ، وهذه الدولة لا وجود لها الآن فيمن ينتسبون للإسلام، إلا في إيران، لأن مبدأ ولاية الفقيه قائم على ذلك، أي أن الولي الفقيه نائب عن الولي الغائب حتى يرجع، -خرافة- والولي المزعوم نائب عن الله في تصرفاته، إذن فالولي الفقيه نائب عن الله، -تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً-.
قلت: وهذا المبدأ موجود في فرقتين أخريين:
الأولى: لا دولة لها وهم غلاة الصوفية أصحاب الكشف الإلهي، الذين ينظرون في اللوح المحفوظ –كذبوا-.
والثانية: لها ممارسات سياسية، وهم الخوارج، وهم يمارسون ذلك عملياً دون النص عليه.
الدولة العَلمانية:
في حقيقة الأمر، فالدولة العلمانية هي في الواقع دولة قانون، تقوم على فصل الدولة والسياسة والحكم عن الدين، وتجعل الدين للناس يتعبدون به في أماكن عبادتهم، وغالى البعض فزعم أن العلمانية تفصل الدين حتى عن الحياة، وهذا من الباطل، بل حكام الدول العلمانية أنفسهم قد يكونون متدينين، مما يدل على أن العلمانية لا تعادي ولا تضاد الدين، وهذا النوع من الحكم، لا يوجد فيمن ينتسبون إلى الإسلام من الدول إلا في تركيا، منذ سقوط الخلافة وحتى يومنا هذا.
الدولة الشيوعية الشمولية:
هي الدولة التي ينص دستورها صراحة؛ على فصل الدين عن الحياة، وأن الحياة مادة لا روح فيها –أي: لا يوجد يوم آخر- وهي تعادي الدين وتضاده قولاً واحداً، قامت بحجة مقارعة الدول الرأسمالية، ولذا فأن نظرية التفسير المادي للتاريخ عند الشيوعيين تقوم على ذلك، وشعارهم: لا إله والحياة مادة.
الشيوعية والعلمانية
ولمزيد من الوضوح والبيان، أبين خطأ زعم البعض أن العلمانية إلحاد، بل وزاد البعض أن الشيوعية وليدة العلمانية، وزعم البعض أن الشيوعية لا إلحاد فيها فأقول:
قبل الخوض في التعريف لكل منهما، ومن أفواه أهلها، أود أن أذكر سبب مقالي هذا، ولست مصادراً بما سأذكره للمقال، لكن حتى لا يزِلَّ فهم فيظن غير المراد، فأنا لست مدافعاً عن العلمانية، وإنما أريد أن أنبه إلى خطر عظيم، قد ذر قرناه، ما ينبئنا أن الدجال -حينها- قريب خروجه، والخطورة في هذا الرأي:
**أنه مصادم للحقيقة والواقع من وجه.
**وأنه يخشى أن يَنْجَرَّ بذلك الحكم إلى الديمقراطية الإجرائية، فيحكم عليها بالإلحاد، وأنها وليدة العلمانية الإلحادية، ما يقضي على أكثر الدول الإسلامية بالكفر والتكفير، وهذا لم يسبق له مثيل في التاريخ -أعني تكفير الأمة- إلا من طائفتين، الرافضة كدرجة أولى، حيث كفروا الصحابة والأمة إلا بضعة عشر نفر، والخوارج من السابقين واللاحقين، فأن بث هذا الرأي على أنه حق، ولم يجابه ولم يواجه، فعندها ستقع الطامة الكبرى، وذلك بداية الدجال.
وهنا أقول: لا يفرح العلمانيون بمقالي هذا، وإنما أنا به أدافع عن موجة تكفير عارمة ستجتاح الأمة، لذا فأنا أدافع عن ديني دين التوحيد وتعظيم وحدانية الله تعالى، دين الإسلام فأقول وبالله التوفيق وكلامي سيكون مختصراً معتجلاً أيضاً:
ونبدأ بالأصل خلافاً لما يزعم هؤلاء الزاعمون:
الشيوعية؛ قاعدة: لا إله والحياة مادة.
من خلال نظرة ونظرية ماركس ولينين وكل شيوعي علمي، فكلمتهم للتفسير المادي للتاريخ مطبقة على أن: المادة هي الأساس، وعنها نتج كل شيء في الكون، ولذا ترجموا كل عقيدتهم ودينهم في هذه الجملة:
لا إله …… والحياة مادة.
وهم بهذا لا يعتقدون بإله أصلاً فضلاً عن وحدانية الإله، ولا يؤمنون بالرجعة ولا بالبعث، فهي حياة عبثية (نموت ونحيا، وما يهلكنا إلا الدهر)، كلمة قالها سابقوهم، وهم كرروها وأعادوها.
والبعض يروج لهذه العقيدة، بدعوى أنها مذهب اقتصادي فقط، واْعجب كثيراً، حين تقرأ لبعضهم أن الشيوعية لا تعني الإلحاد، فمن نصدق حينها،
أنها إلحاد كما يقول واضعوها، وأنها غير العلمانية قطعاً.
أنها إلحاد وهي وليدة العلمانية كما يزعم بعض كتاب المسلمين فقط دون غيرهم للأسف، فيما أعلم.
أنها مذهب اقتصادي لا يعني الإلحاد كما يقوله بعض الشيوعيين الآن.
وإنا لله وإنا إليه راجعون.
الشيوعية: “بالإنجليزية communism ، مشتقة من اللاتينية common،”communls universal
هي مصطلح يشير إلى مجموعة أفكار في التنظيم السياسي والمجتمعي مبنية على الملكية المشتركة لوسائل الإنتاج، …..، والنظرية الماركسية تعتبر الشيوعية مرحلة معينة من مراحل التطور التاريخي، ….، وأفكار كل من كارل ماركس وفريدريك إنجلز، مثلت الشيوعية كحركة ثورية، …….” ا.هـ.
ومن مفاد البيان الشيوعي: “أن الشيوعية تلغي الحقائق الثابتة، تلغي الأديان والأخلاق بدلاً من تجديد تشكيلها، فهي تناقض إذن التطورات التاريخية السابقة كلها” ا.هـ.
وفيه: “وبهذا الشكل أتيحت للاشتراكية الحقة، الفرصة المنشودة لمواجهة الحركية السياسية بالمطالب، وحرية الصحافة البرجوازية ………الخ ” ا.هـ.
قلت: فالشيوعية قامت حرباً على غيرها من كل ما يمت للتدين بصلة، مما يبين هدمها للدين والتدين، علماً وعملاً.
وفيه عن مناهضي الشيوعية: “ولذا يتصدوْن بضرواة لكل حركة سياسية عمالية، إذ لا يمكن أن تصدر إلا عن كفر أعمى بالإنجيل”.ا.هـ.
وفي أصول الفلسفة الماركسية اللينينية عن الجدلية المادية:
“والمادية الديالكتيكية، هي النظرة العالمية للحزب الماركسي اللينيني، وهي تدعى مادية ديالكتيكية لأن نهجها للظواهر الطبيعية، ………” ا.هـ.
وفيه: ” المادية التاريخية، هي امتداد مبادئ المادية الديالكتيكية على دراسة الحياة الاجتماعية، تطبيق مبادئ المادية الديالكتيكية على ظواهر في الحياة الاجتماعية، وعلى دراسة المجتمع وتاريخه، وتدعى الجدلية المادية التاريخية، أنها استطاعت أن تكشف عن الأساس الموضوعي المادي لمجمل الحياة الاجتماعية، وتبين جوهر المجتمع البشري، وتدرس قانونيات التاريخ العالمي”.ا.هـ.
وفي نظر هيجل، ما يثبت -من خلال مخالفته للنظرة الشيوعية وإن كان قد سبق ماركس- فأنه: “رأى أن الوصول إلى الوعي من المادة مستحيل -كما يرى الماديون-” ا.هـ.
قلت: هذا ملخص مفيد بأذن الله تعالى، فحواه كما ترجمه الشيوعيون أنفسهم:
لا إله
الحياة مادة
الدين أفيون الشعوب.
عياذاً بالله من كل ذلك.
العلمانية:
يقول المفكر والكاتب الإنجليزي جورج هيولوك، وهو أول من صاغ مصطلح العلمانية لأنه: “لا يمكن أن تفهم العلمانية على أنها ضد الكنيسة، بل هي أن الدولة منفصلة عنها، وأنها لا تسمح بفرض رأي أو فكرٍ معين على الناس، فالناس لهم حرية الاعتقاد والتفكير والدين، دون فرضه على الآخرين بقوة”.ا.هـ.
وتقدم دائرة المعارف البريطانية تعريف العلمانية بكونها: “حركة اجتماعية تتجه نحو الاهتمام بالشؤون الدنيوية بدلاً من الاهتمام بالشؤون الأخروية، …….، فبدلاً من تحقيق غايات الإنسان من سعادة ورفاه في الحياة الآخرة، سعت العلمانية في أحد جوانبها إلى تحقيق ذلك في الحياة الحالية”.ا.هـ.
وكتب الفيلسوف الإنجليزي جون لوك في موضوع العلمانية: “من أجل الوصول إلى دين صحيح، ينبغي على الدولة أن تتسامح مع جميع أشكال الاعتقاد دينياً أو فكرياً أو اجتماعياً، ويجب أن تشتغل في الإدارة العملية وحكم المجتمع فقط، لا أن تنهك نفسها في فرض هذا الاعتقاد ومنع ذلك التصرف، يجب أن تكون الدولة منفصلة عن الكنيسة، وألا يتدخل أي منهما في شؤون الآخر” ا.هـ.
تصريح لثالث رؤساء أمريكا توماس جيفروس يقول فيه عن العلمانية: “إن الإكراه في مسائل الدين أو السلوك الاجتماعي، هو خطيئة واستبداد، وإن الحقيقة تسود إذا ما سُمح للناس بالاحتفاظ بآرائهم وحرية تصرفاتهم”.ا.هـ.
**دعوى أن الشيوعية وليدة العلمانية لأن ماركس تلميذ هيجل ولنسف هذه الدعوى، أنقل من أقوال هيجل ما يلي:
“يجب على فلسفة الدين أن لا تخلق الدين، لأنه موجود بالفعل في أشكاله التاريخية الملموسة، بل يجب عليها ببساطة، إعادة معرفته وربما التصالح معه، لأنه حقيقي……” ا.هـ.
“شلير ماخر، وشيلينغ، وملك بروسيا، وكل الكنائس اللوثرية، …….، أخذوا موقفاً ضد هيجل، ……..، ومع ذلك لا يمكن اتهام هيجل بالتضليل والخيانة والفجور، ……الخ، بالرغم من ذلك، كان لدى هيجل الشجاعة للذهاب إلى إعادة تكوين كاملة للعلاقة بين الذات والموضوع، بين الإنسان والله، بين المحدود والمطلق” ا.هـ.

وخلاصة الموضوع:
أن فرقاً حقيقياً وجوهرياً بين الشيوعية الإلحادية التي هي فصل الدين عن الحياة، والعلمانية التي هي فصل الدين عن الدولة، وإثبات حرية التدين، وأن ما لقيصر لقيصر، وما لله فلله، وأن الديمقراطية فرع عن العلمانية، لا تلغي هوية الدين، بل هي والحمد لله في بلادنا الإسلامية، تنص على أن الإسلام دين الدولة، بخلاف غيرها من الدول التي وإن كانت لا تلغي التدين، لكنها لا ينص دستورها على مرجعية الدين، ولهذا نسميها بالديمقراطية الإجرائية.
فائدة: أشكال الدولة:
دينية: ويقصد بها أن كل أمر فيها لا بد فيه من نص إلهي يحكمها، وهذا لا يوجد عند المسلمين، إلا من ينتسب إليه كالرافضة بما يعرف بولاية الفقيه، فقول الفقيه عندهم نص إلهي.
شيوعية: تنفي الدين والإله مطلقاً.
علمانية: دولة مدنية بالكامل، ولا ينص دستورها على مرجعية دينية، ولكن لا ترفض تدين الناس بل ولا حتى تدين الرئيس.
مركبة أو بمرجعية دينية: فهي مدنية في الحكم والسياسة، ومرجعيتها في دستورها للدين، والدولة لا ترفض ولا تخالف الدين والتدين.
مهمة:
حرية التدين: ولها مفهومان:
الأول: وذلك بالنظر إلى المتدين، فله حرية الاعتقاد والتدين، مع الإيمان ببطلان دينه وعقيدته، وهذا حكم أهل الذمة عند المسلمين، وهذا جائز لا بأس به بنص القرآن وواقع السنة والتاريخ الإسلامي.
الثاني: بالنظر إلى الدين والتدين، فهذا مرفوض.
ومن هنا فنحن نفرق بين:
حوار الحضارات وتقارب الأديان من جهة، وبين توحيد الأديان من جهة أخرى، فالأول مقبول والثاني مرفوض.
وبهذا التوضيح، نرجوا أن نكون قد أسهمنا بما يعالج ولو بشيء قليل، أمراً خطيراً لو سُكِتَ عليه لنتج عنه ضلال مبين، نسأل الله الإخلاص والقبول.
الدولة المدنية:
الدولة المدنية البعض يرى أنها مرادفة للعلمانية والديمقراطية والليبرالية، والبعض يرى أنها أخص من ذلك، وأياً كان، فأن مفهوم الدولة المدنية يقوم على أنها اتحاد من أفراد يعيشون يخضع لنظام قانوني كامل، حقوق الإنسان، بتطبيق حقوق المواطنة، وأساس ذلك الديمقراطية.
قلت: والصحيح أن الدولة المدنية أخص قليلاً، ولذا فأننا لا نجد في علم السياسة ما يسمى بالدولة المدنية، وهذا المصطلح غير موجود في المراجع السياسة كمصطلح سياسي، ولكن لا مشاححة في الاصطلاح.
مبادئ الدولة المدنية:
فصل الدين عن السياسة، دون عداء أو رفض.
حق المواطنة، أي: أن الفرد لا يعرف إلا بمقدار قيامه بواجباته.
التسامح والتساوي في الحقوق والواجبات.
الثقة في عمليات التعاقد والتبادل المختلفة.
الديمقراطية.
بعد هذا العرض الموجز، نبين أشكال الدولة عند الشيخ ابن بية، لنخلص إلى تعريف الدولة الإسلامية، قال الشيخ حفظه الله تعالى:
“العلاقة بين الدين والدولة، يمكن أن تتصور على ستة مستويات:
المستوى الأول: اندماج كامل، بمعنى أن نظام الدولة يعتمد على النصوص الدينية، وتمارسه سلطة مفوضة من الإله معصومة، هذا هو مفهوم الثيوقراطية.
المستوى الثاني: نظام يقوم على نصوص دينية، يمارس السلطة فيها علماء دين، لكن ليس لهم تفويض إلهي، فهم لا يمارسون أعمالهم باسم الإله ولا نيابة عنه، ولكنهم يسعون ليكونوا أقرب ما يمكن لروح التعليمات الإلهية.
المستوى الثالث: أن يكون التشريع مستمداً من النصوص الدينية، ولكن الذين يمارسون السلطة فيه ليسوا علماء دين، ولا رجال دين، بل مدنيون، أو قادة جيوش، تارة باسم النسب والعصبية، وتارة عن طريق القوة والغلبة؛ إنهم يستمدون شرعيتهم من الدين، ويفسحون المجال لفقهاء الدين لممارسة القضاء والفتوى والتوجيه، وبالتالي تنشأ طبقة الفقهاء موازية لطبقة السلطان.
المستوى الرابع: نظام لا يكون التشريع فيه مستمداً من نصوص الدين، لكنه يعترف بمرجعية دينية للشعب أو للدولة، قد يستمد بعض قوانينه من الشريعة كالأصول الشخصية مثلاً، وفي نفس الوقت، يمارس وصاية على المؤسسات الدينية …… الخ.
المستوى الخامس: دولة تطبق نظاماً مدنياً كاملاً، وتجعل الدين شأناً خاصاً، ….، أي دولة (علمانية).
المستوى السادس: دولة لا دينية، وتناصب الدين العداء، ……، ومثاله الدول الشيوعية وتركيا الكمالية”. ا.هـ كلامه.
قلت: وسبق أن ذكرنا أشكال الدول باختصار، ما يجعلنا نقول: الدولة الإسلامية ليست إلهية ثيوقراطية، ولا علمانية، ولا شيوعية، فلم يبق إلا أنها دولة دينية مدنية أي: دولة مركبة، أو أن يقال دولة مدنية بمرجعية دينية.
قلت: وما خلص له الشيخ ابن بيه: “أن الدولة في الإسلام ……..” ليست دولةً دينيةً بالمعنى الثيوقراطي المفهوم في الغرب، وبخاصةٍ بعد انتقاله عليه الصلاة والسلام إلى الرفيق الأعلى، أما في زمن النبي الخاتم فلقد كان يمكن وصفها بذلك؛ لأنّه ناطقٌ بالوحي متصرفٌ بإذن الله تعالى مهما يكن من تفسيرٍ لتصرفاته.
ورغم التحولات الهائلة في نظام المجال السياسي وسلطة الدولة، فإنه ووفقاً لابن بيه، فلم تتعرّض ثوابت النسق السياسي لتغييرٍ جوهري، ولفترةٍ طويلةٍ بقي المستوى الثالثة هو السائد في دول الخلافة. ولم يبقَ هذا الأنموذج إلّا في مناطق قليلةٍ لم يمتد إليها الاستعمار، وهي بلاد الحرمين، ولأسبابٍ تاريخيةٍ ودينيةٍ معروفة.
وفى العصر الحديث، وبعد دخول الاستعمار الغربي لديار العالم الإسلامي وانجلائه عنها، ترك ازدواجيةً قانونيةً بين الشريعة والقوانين الوضعية، التي هي في الحقيقة قوانين أوروبيةٌ مُنتَجةٌ هناك مع بعض التعديلات غير الجوهرية. وأصبحت المؤسسة الدينية الرسمية تقوم بدورها في الشعائر الدينية والدعوة إلى الأخلاق، دون إلزام. وهي تشبه إلى حدٍّ ما دور الكنيسة في اتفاقية الكونكوردات النابليونية في العلاقة بين الكنيسة والدولة. ولم تلغِ أيّة دولة من الدول الإسلامية إلى الآن دور الدين ولو شكلياً.
ويرى الشيخ ألّا تعارض جوهرياً بين الديمقراطية الحداثية والشورى الأصالية، فكلا المفهومين هو بحثٌ عن أدوات خلاصٍ بشريةٍ عقلانيةٍ ومدنية، لا تربط الحاكم بالدين وفق شكله الثيوقراطي.
إذ يرى، أنَّ الأصلَ في النظام الإسلامي أنّه يقوم على البيعة والشورى، وبتفسير هذين المفهومين يجد أنّهما لا يبتعدان في نتائجهما كثيراً عمّا وصلت إليه الأنظمة العقلانية.
لكنَّ موقف أكثر علماء المسلمين على أنّه لا تلازم بين الحاكم والفقيه وإن كان يوجد نظرياً من يُلزم الحاكم بأن يكون مجتهداً، ولكن سرعان ما وقع فصلٌ تامٌّ بين الاثنين منذ الدولة الأموية بعد الخلافة الراشدة فانفصلت طبقة الفقهاء عن طبقة الحكام؛ إلا أنَّ الفقهاء ظلوا يمارسون السلطة القضائية وسلطة الإفتاء والتعليم”.
ختاماً، يبقى أنّ ما قمنا باستعراضه من أطروحات العلامة عبد الله بن بيه، لا يُشكِّل إلا نزراً يسيراً للغاية، في محاولة ضيقة المساحة لتسليط الضوء على فكرٍ إسلاميٍّ جديد قادرٍ على إحداث حالة تواصل عالمية، بقيمٍ مشتركة، تُنحِي الأدوات العنفية، وتُقدِّم منهجاً سليماً لفهم الذات وفهم الآخر.
قلت: وعليه فأن مفهوم الدولة الإسلامية هو أحد أمرين:
أن تكون دولة مركبة من كونها دينية مدنية أي: لها تشريعات من الدين، من حيث ثوابتها وأدلتها قطعية الثبوت والدلالة، وتشريعات من إنتاج بشري، لكن لا تخالف الثوابت ولا تخالف صريحاً قطعياً من الدين والأخلاق، بمفهوم متفق عليه.
أن تكون مدنية –ديمقراطية- بمرجعية دينية، أيضاً بما لا يخالف ما ذكرناه آنفاً.
صور مهمة من بعض مسائل أخذت من غير الإسلام والمسلمين، ولا تخالف الدين، مما يدل على أن المدنية في الدولة ليست مرفوضة على الإطلاق:
اتخاذ الخاتم على الكتب الرسمية، اتخاذ الحرس الخاص للحاكم، اتخاذ لباس رسمي للقاء الوفود، استعمال بعض وسائل الحروب، وكل هذا ثبت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم.
جمع المصحف، إجراء حروب الردة، عدم توريث بنات رسول الله، فرض راتب للحاكم ليتفرغ للحكم، وكل هذا في زمن أبي بكر.
اتخاذ الدواوين، منع بعض الحدود لملابسات معينة، منع من نص عليهم القرآن من الزكاة لعلة ما، …… وكل هذا وغيره في زمن عمر.
الكف عن إقامة حد الخمر ونحوه من بعض المحتسبين، وهذا في زمن وفعل ابن تيمية.
اتخاذ الرقم الوطني، سن قوانين مخالفات السير، وضع تدابير للمجالس التشريعية وغيرها، وهذا في زماننا ولا أعلم أحداً رفضه.
كل هذا يدل على أن زعم مدنية الدولة مرفوض غير صحيح، لأننا كما سبق أن ذكرنا، نصوص الشرع التفصيلية لا تفي بحاجة المجتمعات. فلا بد حينها من الرجوع إلى القواعد الإجمالية، ورد الفروع إليها.
وأما التشريع والحاكمية، فالكلام فيها يطول، لكن خلاصته:
أن التشريع كلمة مجملة، لا بد فيها من التفصيل للوصول للحكم، إذ قد تعني النص، وقد تعني الاجتهاد، وعليه فليس كل تشريع مرفوض، وبالمناسبة ليس كل تشريع كفراً كما يدعي البعض، إلا إذا قصد المشرع مضاهاة الدين أو انتقاصه، أما مجرد المخالفة فقد تكون معصية فقط وقد يعذر صاحبها.
وأما الحاكمية، فيجب التفريق فيها بين وصف الرب تعالى، وبين فعل العبد، لا كما صورها المودودي وسيد قطب والخوارج، على أنه لا فرق، فهذا من الباطل الذي يجب رده، فنفي الحكم عن الله كوصفٍ كفر، لكن مجانبته كفعل من المكلف فليس كفراً ما لم يكن جاحداً أو ناسباً لفعله إلى الله تعالى.
والخلاصة:
أن توصيف الدولة الإسلامية لا مانع من كونه:
أنها دولة مدنية بمرجعية دينية.
أو أنها دولة مركبة من كونها دينية مدنية.
والله أعلم وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

مؤسس ورئيس المركز/ د. سمير مراد
من يوم الخميس
5/1/1438 – 6/10/2016

المراجع من خلال الشبكة العنكبوتية:
بحث بعنوان: الدولة الإسلامية بين الدينية والمدنية / محمد بن شاكر الشريف.
بحث بعنوان: خطاب التجديد في فكر ابن بيه: الدولة والمواطنة والعالمية
بحث بعنوان: ماذا تعني الدولة المدنية؟ / أحمد زايد.
بحث بعنوان: مفهوم الدولة المدنية في فكر الإمام عليّ بن أبي طالب
(قراءة علمانية معاصرة في الفكر الإسلامي ) / عدنان عويد.
بحث بعنوان: “الدولة المدنية” المفهوم..المبادئ.. التطبيق / د. سامي عباس.
بحث بعنوان: الولاء بين الدين والمواطنة / الشيخ د. عبد الله بن بيه.
بحث بعنوان: علاقة الدين بالدولة / الشيخ د. عبد الله بن بيه.
بحث بعنوان: مشروع دولة إسلامية / الشيخ د. عبد الله بن بيه.
أصول الفلسفة الماركسية اللينينية.
دائرة المعارف البريطانية.
البيان الشيوعي.

5051 مجموع المشاهدات 1 مشاهدات اليوم

شاهد أيضاً

يوم_الأم وحكم الاحتفال به

يوم_الأم وحكم الاحتفال به    بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله وبعد: فقد كثرت مقالات …

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.